الفصل 97: نسمة من الهواء النقي
“آسف… لا أستطيع فعل ذلك.”
كان رايان يداعب ظهر يوجين-هنري وهو يراقب الدكتور تيرانو على شاشة الحاسوب. على المكتب بجانبه القنبلة الذرية، وإلى جوارها مدفع الجاذبية الذي خلّفه آدم البدين. “أتعني أنك ترفض تمويلًا غير محدود، وموارد بلا حساب، وحماية من الوحش الذي تحتجزه في مختبرك ــ ذاك الذي سينفلت يومًا ما لا محالة؟ لأنك تعلم أنه سينفلت.”
“لا أعلم كيف تمكّنت من معرفة كل هذا عن عملي،” اعترف تيرانو وهو يبدو مضطربًا بعض الشيء. “لكنني مقيّد بعقد مع ديناميس للمئتي سنة قادمة. لا أستطيع حتى مغادرة المبنى من دون مرافقة عسكرية ثقيلة.”
“مئتا سنة؟” عقد رايان حاجبيه. هل هناك مسافرون عبر الزمن غيره يتجولون في إيطاليا؟ “هل هذا قانوني أصلًا؟”
“في روما الجديدة… نعم.”
فرك رايان صدغيه وقد بلغ حافة صبره. “فكّر يا تيرانو، فكّر! أنت تستخدم منتجًا غير مستقر لتحوّل أشخاصًا تعرفهم إلى قنابل موقوتة! ماذا سيبقى لديك بعد أن يتحوّل الجميع إلى نسخة من بلدستريم؟”
لزم الدكتور تيرانو الصمت لحظة، لكن رايان خمّن جوابه قبل أن ينطق به.
“ديناصورات،” أجاب صاحب القشور. “سيبقى عندي ديناصورات.”
جعل ذلك رايان يفكر أكثر مما ينبغي.
ومع ذلك، فرفضُ تيرانو مغادرة مقر ديناميس أو الموافقة على تخريب إمدادات التقليد بدّد بعضًا من آمال الموصّل. حتى لو نجح الكرنفال في تطوير لقاح وبائي لمعالجة سكان روما الجديدة، سيضطرون لمهاجمة المختبر ستة وستين من جديد للقضاء على بلدستريم نهائيًا.
ومع ذلك، لم يفقد رايان الأمل في هذا العبقري الزاحف.
“ماذا لو أخبرتك أن لدينا نسخة بديلة آمنة تمامًا من الإكسير المقلَّد، قوية لدرجة أنها تنجح حتى مع الروبوتات؟” راوغ الموصّل بإغراء. “وأن بحوزتنا ليس واحدًا، بل جينومان اثنان، يحملان قوى متعددة بلا أي أعراض جانبية يمكن دراستها؟ وأننا نملك كنزًا من الأبحاث والمعلومات حول الإكسير… ومختبرًا قادرًا على خلق الحياة من العدم؟”
ثم وجّه ضربته القاضية.
“حياة… غير بشرية؟”
اتسعت عينا تيرانو المشقوقتان كعيني ضفدع، ما أثار صدمة رايان. وخطر له أن ذلك ربما كان أقرب ما يكون إلى إثارةٍ عند ديناصورٍ شبه بشري. ولإغراءه أكثر، بعث الموصّل إلى العبقري عيّنة من أبحاثه حول الإكسير، متضمنة مسحًا حيويًا لمونغريل.
“نحن نعمل على علاج لحالة السايكو،” قال رايان. “صحيح أنك ملزَم بعقد مع ديناميس، لكن لا بد أنك قادر على التضحية ببعض وقتك الثمين من أجل هذا. من يدري؟ ربما تتمكّن من ابتكار إكسير أخضر مقلَّد يحقق أمنيتك الغالية… بدم بارد[1].”
لم يكد العبقري يلقي نظرة على البيانات حتى رفع الراية البيضاء. “أين أوقّع؟”
“أولًا…” حكّ رايان أذنَي يوجين-هنري برفق. “عليك أن تمنحني حق الوصول إلى ذلك المجلد.”
“آه، ذاك؟” بدا الدكتور تيرانو محرجًا بشكل غريب. “إنه مجرّد مشروع جانبي، وكانت النتائج الأولى محبِطة… لكن صدّقني، سيغيّر العالم!”
“سأبقي ذهني منفتحًا،” قال رايان وهو يتلقى رسالة إلكترونية بعنوان: ‘مشروع الفتاة الوحش’. فتح ملف الفيديو بداخلها.
ثم ندم في اللحظة نفسها، إذ ظهر أمامه مسخ شنيع.
الصرخات والأنين التي انبعثت من هذا… هذا الشيء أرعبت رايان إلى درجة أنه كاد يسقط من كرسيه، فيما قفز قطه المذعور من حجره ليستولي على السرير القريب.
“يا إلهي… يا إلهي…” غطّى رايان فمه بيده، غير قادر على تمييز إن كان ذلك رعبًا أم دهشة مروّعة من عبقرية الرجل المعتوه. بعد ثمانية قرون من السفر عبر الزمن، ما زالت هناك أشياء قادرة على أن تفاجئه. “لماذااا؟!”
“لحظة إلهام إبداعي!” برّر تيرانو، وكأن ذلك يغفر جريمته بحق الطبيعة. “لم أستطع أن أفعلها بزاحف!”
“لكن… لماذا مِينْك؟!” صرخ رايان وهو يغلق الفيديو حين لم يحتمل صرخات المسخ أكثر. “هل… هل ذلك الشيء ما زال حيًا؟”
“لا، لا، لقد مات للأسف،” طمأنه تيرانو. “لكن لدي نسخة أخرى.”
قاوم رايان رغبته في التقيؤ، وأوقف الاتصال المرئي فورًا. كان واثقًا أن الكوابيس ستطارده لسنوات. حتى أشدّ معجبي سونيك القنفذ انحرافًا[2] لم يبلغوا هذا الحد من الجنون الذي بلغه الدكتور ذو القشور.
أخذ الموصّل لحظة ليستجمع أنفاسه… ثم حبسها فجأة. أذنان طويلتان ارتفعتا من طرف المكتب، يتبعها وحش كأنما خرج من أعماق الجحيم.
“لا…” تمتم رايان بذعر مصطنع.
نظرت الدمية المحشوّة إلى صانعها، ثم إلى القنبلة الذرية، ثم عادت تنظر إليه مجددًا. في الأثناء تجاهل يوجين-هنري المشهد كليًّا، مختفيًا تحت الأغطية كملك يرى الأمر دون مستواه.
“لا!” نهى رايان الدمية.
ولأول مرة منذ بداية هذه الحلقة، أجاب الشيطان الفروي.
“سأبقى صديقك إلى الأبد!”
اندفعت الدمية تضغط زر القنبلة الذرية بـطَقّة عالية.
ولم يحدث شيء.
ضغطت مرة أخرى، ومرة، ومرة بسرعة متزايدة، وملامح الإحباط تزداد حدة على وجهها. احمرّت عيناها وهي تحدّق في رايان بغضب.
“إنها مجرد ديكور،” ردّ الموصّل بابتسامة ماكرة. “أما الحقيقية… فقد أعطيتها لفولكان.”
لقد أغدق على عبقريته القَزَمية المفضّلة من التكنولوجيا ما يكفي، حتى إنها لم تطلب منه هذه المرة أن يدمّر استوديوهات ستار. بل أصرت فولكان أن يصبح مساعدها، ولم تقبل منه جوابًا بالرفض.
وكان الموصّل مستعدًا تمامًا لمساعدتها، لكن على فترات قصيرة فحسب. صحيح أنّ رايان بات قادرًا على التفاعل مع فولكان دون أن يشعر بطعنة في أحشائه كلما فتحت فمها، إلا أن ظلّ ياسمينته بقي حاضرًا لا يفارقه. ثم إن الموصّل كان ينوي استغلال هذه الحلقة للتعامل مع مصنع مخدر السعادة ونارسينا، لذا فضّل أن يبقى متعاقدًا يعمل لصالح عدة فروع من منظمة الأوغُستي.
تحوّل لون عيني الدمية إلى الأزرق خيبةً، فرمى لها رايان مدفع الجاذبية. “هاكِ، إن أردتِ أن تتدرّجي في سُلّم الانتحار،” قال. “لكن صوبِي إلى القلب. فهناك احتمال أن تبقي حيّة إذا اخترتِ الرأس. أقولها عن تجربة.”
راح الرعب الكوني يتأمل المدفع بفضول، رغم أن السلاح أكبر منها عشر مرات. “أرجوكِ، لا تقتلي أحدًا آخر!” توسّل رايان وهو يترك الشيطان يعبث بتجاربه، ناهضًا من مقعده متجهًا إلى الباب.
“إذن؟” سأله شراود، وقد كان بانتظاره في الممرّ التالي. كان قد أصلح قناع الزجاج على وجهه، مع أن رايان لم يفهم لماذا يُصرّ بعد الآن على إخفاء وجهه الحقيقي.
“لن يساعدنا في تخريب مصنع عصير الطماطم،” أجاب رايان بخيبة. “إنه يخشى غضب رؤسائه أكثر من خوفه منّا.”
لو كان الموصّل في حلقة زمنية مع عصابة الميتا، لربما غيّر رأيه، لكنه كان مشغولًا الآن بما يكفي مع الأوغُستي.
مضى يوم منذ اقتحام المخبأ، وكان رايان قد أمضى الليلة الماضية في الميناء يساعد جيمي على حماية شحنات المخدرات. لم يظهر لويجي هذه المرة ــ على الأرجح بتوصية من ليفيا ــ لكن جيمي دعاه مع ذلك ليبيت في منزله. ذلك الشاب لطيف إلى حدّ جعل الموصّل يفكر في تبنّيه.
قضى رايان نهاره في مخبأ ميكرون، يرتّب الأوضاع هناك. وكان قد تواصل مع ألكيمو، الذي يُفترض أن يصل إلى روما الجديدة في اليوم التالي ليساعد في السيطرة على النظام المركزي للمخبأ. وبمساعدة الدكتور ستيتش وتيرانو عن بُعد، سيكون بحوزة الموصّل أفضل فريق طبي في العالم للبحث عن علاج لحالة السايكو.
أما الليل… فخصّصه لليفيا.
“إذن علينا أن نطهّر صفوف ديناميس العليا،” قال ماتياس. “كنا نخطط لانتظار تقاعد هيكتور مانادا، لكن يمكننا تسريع رحيله إن شئنا.”
“لقد رأيت هيكتور مانادا يسقط مرات كثيرة،” ردّ رايان وهو يهز كتفيه بلا مبالاة. “ربما يكون أبناؤه على استعداد للتحوّل إلى منتج أكثر أمانًا وأفضل من ذاك القادر على إطلاق جائحة.”
“فول آوت لن يوافق،” قال ماتياس. “لكن إنريكي قد يفعل، متى وفّرنا له البيانات اللازمة ليدرك حجم الدمار الذي يمكن أن يسبّبه بلدستريم؛ خصوصًا إن اكتشف أن عائلته قد كذبت عليه. أمّا ألفونسو… فذلك وحش من نوع آخر. لن يتخلى عن بلدستريم، حتى مقابل بديل أفضل.”
“ولم لا؟” عبس رايان. “إنه أحمر، متسلل شيوعي. يريد تحويل الجميع إلى جينوم، ربما حتى مجانًا.”
ظلّ المنتقم متشككًا. “فكّر جيدًا. فول آوت لا يسيطر على إمدادات المقلّد فحسب، بل مع علاج تيرانو يمكنه أيضًا نزع القوى متى شاء. وهذا ما لا تتيحه نسخ ميكرون، إن كنت قد فهمت الأمر على نحو صحيح.”
أمعن رايان في كلام شراود، واضطر للاعتراف بأنه ربما أصاب كبد الحقيقة. كان محطّم الذرّات ينوي جعل الجميع جينومات حتى لا يتمكن أمثال أوغستس من احتكار السلطة، لكنه لم يرد التعايش مع منظمات أخرى. ولم يتردد قط في الكذب حتى على أقرب حلفائه، كي تظفر ديناميس باحتكار الإكسير المقلد.
فلو تمكنت ديناميس من منح القوى الفائقة وسحبها متى شاءت، لأصبحت قوة عظمى بحق. وسيرغم الناس على الانصياع تحت تهديد فقدان قدراتهم الجينومية، بينما يحتكر آل مانادا السوق.
“يهتم فول آوت بقدرة المقلّد على منح السيطرة المجتمعية أكثر مما يهتم بآثاره الجانبية المحتملة،” قال شراود. “لو كان حقًا البطل الذي يظن نفسه، لما ابتكر أصلًا شيئًا بهذه الخطورة. في النهاية، ألفونسو مانادا لا يؤمن إلا برؤيته هو. ولن يحيد عن الطريق الذي اختاره إلا بالقوة.”
“أستطيع إيقاف الزمن،” قال رايان متذكّرًا بيانكا وهي تركض لتضحي بنفسها. “سأوقفه.”
“أتستطيع فعلًا؟” تساءل شراود مرتابًا. “بين أخطر الجينومات النشطة في إيطاليا، يحتل المرتبة الثالثة مباشرة بعد أوغستس وليو.”
“أستطيع، بموارد هذا المخبأ.”
“لكن هذا المكان يجب أن يزول يا رايان،” أصرّ شراود. “صحيح أن هنا ربما ما يكفي لهزيمة فول آوت، أو حتى أوغستس، لكن خطر تسرب الأسلحة الفتاكة إلى العامة أعظم من أن يُحتمل. حتى توزيع صيغة ميكرون للإكسير المقلد لا يبدو لي فكرة جيدة. قد يُضعف ذلك نفوذ أمراء الحرب الجينوم، لكن مجتمعنا بعد الحرب هشّ جدًا ليصمد أمام عشرة ملايين شخص بأذرع تقذف اللهب.”
“أنت تعظ من آمن أصلًا[3]،” أجابه رايان. “لكنني لن أدمّر هذا المكان إلا بعد أن يساعد على حل الأزمة الراهنة.”
عقد شراودي ماتي ذراعيه. “أتؤمن حقًا أن علاج السايكو ممكن؟”
“ألستَ تؤمن بذلك، يا صديقي الشفّاف؟”
“لا،” أجاب المنتقم، ثم أضاف: “لكن إن وُجد احتمال، ولو ضئيلًا، أن ينجح… فلن أستطيع أن أمنعك من المحاولة. فهذا قد ينقذ حياة الكثيرين.”
“من أجل والدتك، أحد الجينومات الذين استدعيتهم متخصّص في الدماغ.” انتصب رأس شراود عند كلمات رايان. “بوسعه علاج الأمراض العقلية، والألزهايمر، وحتى أورام أدمغة السايكو. وقد يساعدك أنت أيضًا.”
لم يستطع رايان رؤية وجه الزجاجي خلف قناعه، لكن المنتقم أمال رأسه جانبًا، وكأنه غارق في التفكير. “لماذا تظن أن الخيميائي وزّع هذه الإكسيريات أصلًا؟”
ليحوّلنا إلى حبّارات بُعديّة، فكّر رايان. “لا أعلم… لتحسين الحالة البشرية ربما؟”
“هذا ما أعتقده أيضًا، ومع ذلك استخدمناها لتمزيق العالم.” هزّ شراود رأسه. “حين أسمع بكل الأشياء الإيجابية التي يستطيع العباقرة ابتكارها، لا يسعني إلا أن أتساءل: لماذا بنى ميكرون أسلحة بدلًا من مستلزمات طبية؟ حتى القوى الخارقة لم تستطع أن تغيّر طبيعة الإنسان.”
“خذها ممن جرّب،” ردّ رايان. “سيظل هناك دائمًا تفّاح فاسد مثل آدم البدين، لكن أغلب الناس الذين قابلتهم لا يحتاجون سوى إلى الظروف المناسبة ليغيّروا حياتهم. أي شخص يمكنه أن يختار الصواب بدل الخطأ. حتى مراهقة مدلّلة، أنانية، ذات قوّة معطوبة.”
قهقه شراود. “أتدري أنها تنحت في أوقات فراغها؟”
لا بد أنها عرضت على حبيبها معرضها الليلة الماضية. “مثير للإعجاب، أليس كذلك؟”
“إنها موهوبة فعلًا،” واصل ماتياس بنبرة دافئة. “كنت أظن أنها تعتمد على حظّها في كل شيء، لكنها تخفي حسًا فنيًا يروق لي بوصفي مصمّم ألعاب. لا أستطيع تفسيره تمامًا. ثم إنها ربحت نصف مليون يورو في اليانصيب هذا الصباح، لكنها بدلًا من أن تحتفظ به، تريد توزيعه على أيتام مدينة الصدأ.”
يا للعجب… هل كان يتحدث عن فورتونا بمودّة؟ يبدو أن معركة البارحة ساعدت كثيرًا في تغيير نظرته إليها.
“إنها ككلب جولدن رتريفر،” لخّص رايان. “صاخبة، لا تعترف بالمساحة الشخصية، لكن تحت ذلك دفء ووفاء غير متوقع.”
“بل أسوأ،” علّق شراود. “إنها إنسانة أفضل بكثير مما كنت أظن.”
ألقى الموصّل يديه خلف رأسه. “هل ستكون شفّافًا معها في موعدكما القادم؟”
“وهل ستعيد عقارب الزمن لتنجح مواعدتك أنت؟” ردّ ماتياس بنكتة جافة، قبل أن يتابع بجدية: “أظن أنني سأصارحها، لكن… ليس ما دامت تعمل قاتلة مأجورة لحساب أوغستس. تلك نقطة فاصلة.”
“على خلاف سائر أعضاء مجموعتها، هي لم تنضم من أجل القتل،” قال رايان. “إنما هدفها الأول حماية ليفيا. يكاد يكون أمرًا رومانسيًا.”
“وهل هذا سبب مواعدتك لها؟” تبدّلت نبرة شراود من المزاح إلى الجدية. “لتقنع ابنة أوغستس بالعدول؟”
“طلبت منها الخروج لأنني أردت ذلك وحسب،” أجاب رايان. ــ كان واضحًا أنه يملك نقطة ضعف تجاه الجينومات الزرقاء الأقصر منه قامة.
“السماح لها بدخول هذا المكان خطر يا رايان. ماذا لو غيّرت رأيها وأبلغت أوغستس؟”
“لقد كسبت ثقتي وساعدتني حين احتجت إليها،” ردّ الموصّل. “وأنا أريد أن أرد لها الجميل.”
فأبوها قد يدمّر العالم من أجلها إن لم يفعل. ولم تكن تستحق أن تُثقل بجرائم والدها على ضميرها.
“احفظ كلامي يا رايان، لا يمكنك إنقاذ الجميع.” توقّف شراود لحظة قصيرة قبل أن يضيف: “خصوصًا من أنفسهم.”
ومع ذلك… كان لا بد له أن يحاول.
“بعد أن يصل ألكيمو إلى هنا، سنستخدم قدَم الأرنب خاصّة صديقتك للوصول إلى النظام المركزي،” قال رايان مغيرًا الموضوع. “وهناك ستتمكّن من تأكيد ما قلته عن بقية قواعد ميكرون، وسنفعّل آلية التدمير الذاتي.”
“سأضطر لإبلاغ ليو بشأنك، تفهم ذلك؟” قال شراود. “حتى لو أعدت الزمن للوراء، لن أستطيع أن أكتم الأمر.”
“ولا حتى من أجل عينَيّ الجميلتين؟”
“ولا حتى من أجلهما،” أجاب عضو الكرنفال بضحكة خفيفة. “هل بوسعك أن تحمل آخرين معك عبر الزمن؟ أظن أن الأمر ذهني فحسب، وإلا لكان هناك عشرون نسخة منك تجوب المكان.”
شاب ذكي. “لدي إجراء يسمح بنقل المعلومات مباشرة إلى دماغك، لكن لا بد لذاتك الماضية أن تخضع له.”
“ولن يفعل،” قال شراود وهو يهز رأسه. “أنا أعرف نفسي. أنا مرتاب أكثر من أن أسمح لأي أحد بأن يعبث بدماغي، حتى لو كسبت ثقتي مسبقًا. ولست متأكدًا أنني سأقبل بذلك حتى لو طلبها مني ليو نفسه، مع أنني أحترمه أكثر من أي أحد.”
كان رايان يتوقع ذلك. الأشخاص الوحيدون الذين تخيّل أنهم سيقبلون بنقل الذاكرة بلا قيد ولا شرط هما ألكيمو، لأنه يفهم التقنية؛ وسارين، لأنها لم تعد تملك ما تخسره. حتى لين ما زالت مترددة حتى الآن. “أحاول تطوير نظام يتجاوز تلك الخطوة الإضافية، لكن لا شيء مؤكد بعد.”
“لا يعجبني الأمر،” اعترف شراود. “أنت تملك كل الأوراق، وكل ما أستطيع فعله هو مجاراتك.”
“وأنا وثقت بك بما يكفي لأشاركك أعظم أسراري أيضًا، يا زجاجي،” ذكّره رايان. “أستطيع أن أعدّ على أصابع يديّ من يعرف حقيقتي وقوتي الكونية الهائلة.”
“أتساءل أي مغامرات مررنا بها كي تفعل ذلك.”
“لقد هزمنا عصابة الميتا معًا ذات مرة، وإن كان ‘مؤخرة البرق’ قد دمّر المدينة بعد أن جنّدتَ القط الذري.”
“معلومة طيبة،” ردّ شراود بجفاف، وإن بدا غير مرتاح. وكذلك رايان، إذ كان واضحًا أن القط الذري الصغير سيكون أكثر سعادة مع الكرنفال منه مع ديناميس. “خسارة. كنت مهتمًا بفليكس فيران. لديه قدر كبير من الإمكانات كبطل، وقلب شجاع.”
“بقدر الباندا؟”
سخر شراود. “تعال معي لترى بنفسك.”
قاد المنتقم رايان إلى بهو المخبأ، حيث وجدا الباندا المتحوّل يطوي أوراقًا تحت إشراف لين. وكانت سارين تلعب البلياردو بالقرب من كومة كتب، بينها نسخة من ‘مقال في المنهج: كي يحسن الإنسان قيادة عقله ويبحث عن الحقيقة في العلوم’ لِرينيه ديكارت.
“انظر يا سيفو!” طوى الباندا الورقة بمهارة في شكل فرس نبي بسرعة جعلت رايان بالكاد يلحظ حركة كفوفه. ثم أضافها إلى أربعة مجسّمات أخرى تمثل قردًا ونمرًا ورافعة وثعبانًا. “تادا!”
“قوة خارقة رائعة،” ضحكت سارين بسخرية. “هل يمكنك أيضًا حل مكعبات روبيك؟”
“إحدى زميلاتي، أوريغامي، تستطيع أن تحوّل نفسها إلى ورق حاد بما يكفي لقطع الحناجر،” ردّ شراود بجفاف. “بل يمكنها حتى أن تخترق بذلتك.”
“ساخط، أليس كذلك؟” استفزته السايكو، وهي تركز على لعبتها.
“اكسبي ثقتي أولًا أيتها الخائنة، ثم نتحدث.” ورغم أنه كان يطيق وجودها، ظلّ المنتقم لا يثق بها بقدر ما لم يثق بها رايان في الأيام الأولى من رئاسته. “إن بعتنا كما بعتِ صاحب عملك السابق، سأقضي عليك بنفسي.”
“لقد أخبرتُ صديقك ذو القبعة، إن كنتم قادرين فعلًا على شفائي، فلن تخشوا شيئًا من جانبي.” قالت سارين وهي تسدّد بالعصا لتضرب كرة الثمانية. “فقط لا تجعلوني أنتظر طويلًا.”
تجاهلهم الموصّل ليركّز على تلميذه الدبّي. حتى رايان نفسه لم يكن ليستطيع طيّ الورق بهذه السرعة، رغم أنه أتقن هذه المهارة منذ سنوات. “ظننتك عبقري فنون قتالية؟” سأل تلميذه. “أم أن عبقريتك تمتد إلى كل الفنون الشرقية؟”
“لا، ليس الأمر كذلك،” قالت لين وهي تهز رأسها. “لقد أجريتُ بعض الاختبارات. لقد… لقد استغرق منه دقائق فقط ليتقن الأوريغامي، و… وها هو يتعلّم الفرنسية بعد خمس صفحات من كتاب ديكارت.”
“كلما قرأت أكثر، زاد الأمر وضوحًا بالنسبة لي،” قال الباندا.
“أظن… أظن أنه قادر على تعلّم أي مهارة تقريبًا بوتيرة متسارعة،” خمّنت لين. “يلتقط لغة جديدة بسرعة، يكتسب مهارات جديدة بمجرد التعرّض لها…”
كان رايان يعرف أن المرء يحتاج في المتوسط إلى عشرة آلاف ساعة لإتقان مهارة ما، لكن من الواضح أن الدب لا يحتاج إلا إلى نصف ساعة. “لكن كيف ساعدك هذا التعلّم المعزَّز على الطيران، يا تلميذي الصغير؟”
“كان الأمر غريبًا جدًا يا سيفو. فجأة صارت رؤيتي زرقاء، ثم تذكرتُ ركلة بروس لي الطائرة في مسلسل الدبور الأخضر.” ولتوضيح كلامه، قلد الباندا بعض حركات الكونغ-فو بكفوفه. “ثم وجدتني أستطيع فعلها أنا أيضًا!”
“تعلمتَ إحدى حركات بروس لي… بمجرد تذكّرها؟”
“نعم!” أومأ الرجل-الدب بحماس. “هكذا تعلمت فنون القتال، لكنني لم أكن بهذا المستوى من قبل أبدًا!”
في غضون نصف ساعة، كان الباندا قد أتقن الكونغ-فو، والأوريغامي، وديكارت.
ارتعد رايان وهو يتخيّل ما قد يبلغه خلال أسبوع. صحيح أن تلميذه لا يستطيع تعلّم ما لا يمكن للإنسان العادي تعلّمه أصلًا، لكن ما عدا ذلك فالمجال مفتوح أمامه. الحساب، الفلسفة، فنون القتال… وربما حتى تقنيات العباقرة، إذا أُتيح له الوقت لمشاهدتها. حركات بروس لي صُمّمت للبشر، ومع ذلك مَكّنته قوته الثانية من تكييفها مع تناسق جسده الوحشي.
لقد ارتقى تلميذه المتعجرف الشاب ليبلغ عنان السماء.
وبالحديث عن القوة، كان على رايان أن يجري بعض الاختبارات على خاصته بعد أن يُكمل النسخة الجديدة من درع ساتورن. وسيضيف بعض التحسينات لمواجهة ألفونسو مانادا، مثل استبدال قاذف الصدر بمدفع الجاذبية. كان لديه شعور أن ذلك سيساعده على مواجهة الكارثة النووية، وربما حتى مؤخرة البرق أيضًا.
“حسنًا، يجدر بي أن أتهيأ لموعدي،” قال رايان. كانت ليفيا قد طلبت منه أن يأتي ليصطحبها في التاسعة، وأن يكون في الموعد. وللمرة الأولى، لم يجرؤ الموصّل على التأخر عمداً بدعوى الأناقة.
“حظًا سعيدًا يا سيفو!” هتف الباندا مشجّعًا. “كنت أعلم أن التوتر بينكما محسوس!”
لكن لين بدت أقل حماسًا بكثير. “ريـري، أمم… هل يمكن أن… أن أحدثك على انفراد لحظة؟”
أومأ رايان، فقادتْه شقيقته بالتبني إلى الخارج، نحو الممر المطلّ على الحظائر. كانت هنرييت تلعب مع الأطفال قرب الغواصة، تمرح مبتهجة بوجود رفقة. أضفى الجمع جوًا من الخفة على مكان كئيب خانق لا حياة فيه.
تطلعت لين عبر نافذة الممر، وذراعاها مطويتان. “أنت وهي…”
“يصعب عليّ أن أشرح،” اعترف رايان.
حبست العبقرية أنفاسها. “في الحلقات الماضية، هل… هل كانت ذاتي الأخرى تعرف؟”
“حسنًا… لقد صارحتك بما أشعر به، وقررنا أن نظل عائلة بعد ذلك.”
اغبرّت نظرة لين وهي تلمح الغواصة المصنوعة في ميكرون تطفو عند منفذ المياه في المخبأ. “بإمكاننا… أن نصل بها إلى الولايات المتحدة،” قالت. “أن نعبر المحيط الأطلسي.”
“حتى أنا لا أستطيع أن أعيد الزمن إلى الوراء بتلك المسافة،” قال رايان بأسى. “صدّقيني، لقد حاولت. حاولت مرات كثيرة.”
“أعلم، أنا…” عضّت لين شفتها السفلى، ولم تُكمل عبارتها.
لم يكن رايان بحاجة إليها لتفعل، كي يخمّن ما لم تجرؤ على قوله. ذاك الجزء منها الذي كان يتساءل كيف كان يمكن لعلاقتهما أن تنتهي. لقد افترقا والدموع في أعينهما، ورغم أنهما شرعا في لملمة أشلائهما، إلا أن بعضها ظلّ مفقودًا إلى الأبد في أعماق البحر.
“بوسعنا أن نغادر هذا المكان،” قالت مترددة. “بعد أن… بعد أن نتعامل مع أبي.”
“لا أستطيع ذلك يا قصيرة. لم يعد ممكنًا.” لو أنها طلبت منه ذلك عند وصوله الأول إلى روما الجديدة، لما تردد. لكن الآن… الآن صار للمسافر عبر الزمن أناس كُثر يقاتل من أجلهم. لم يعد قادرًا على تركهم يتيهون خلفه في الغبار.
“ستكون بخير،” احتجّت لين. “إنها… إنها ابنته. فلتدعهم يمزّقون روما الجديدة إربًا إن كانوا يريدون ذلك المكان العفن بشدة.”
“أفأدعُ أباها يقتل الناس من أجلها؟” تساءل رايان، ثم ندم فورًا. ارتجفت لين وكأن صفعة أصابتها. “آسف.”
“أنت لا تريد لها أن تنتهي مثلي،” خمّنت العبقرية وهي تُعرض بنظرها عنه.
ألقى رايان نظرة على غواصة ميكرون. “أتظنين أنه يمكننا الوصول بها إلى القطب الجنوبي؟”
قطبت جبينها، لا تفهم ما يقصد. “نعم، بالطبع.”
“هناك الكثير من الأسرار بانتظار من يكتشفها حول العالم، والكثير من الأماكن الرائعة لتُستكشف يا قصيرة،” قال رايان. “أشياء تجعل الحياة تستحق أن تُعاش. فلا تدفني نفسك تحت البحر، أرجوك. حتى الحيتان تطفو لتتنفس هواءً نقيًا بين الحين والآخر.”
“فقط… لا أعرف كيف أستوعب كل شيء،” اعترفت لين. “الكرنفال… لقد قتلوا والدي، لكن إن كان ما قلته صحيحًا…”
“أتسمحين للكرنفال أن يُجري العملية لك؟ أن يزيلوا متعقّب دم والدك؟”
“إنه… إنه آخر ما تبقّى لي منه.”
أدخل رايان يديه في جيبيه، منتقيًا كلماته بعناية. عادت أفكاره إلى حواره مع إكسيرِه، حين اجتاز للحظة بوابة العالم الأسود. “قال لي أحدهم ذات مرة إنه ينبغي ترك الموتى يرقدون بسلام. لأننا حين نحاول إبقاءهم أحياء، لا نجلب سوى العذاب للجميع. ولا أحد يستطيع أن يمضي قدمًا.”
لم تجبه لين، ووجهها جامد كقناع موت. مدّ رايان يده لكتفها، لكنها تفادت لمسته. كان الأمر مبكرًا جدًا. ومع ذلك تقبّله، على أمل أن تنجح كلماته.
“قصيرة، أنتِ عائلتي،” قال. “وذلك لن يتغير أبدًا. ولا حتى ما قد يحدث مع ليفيا ـ إن حدث ـ سيغير هذا. ستظلين دائمًا صديقتي الأقرب، أختي، أهم شخص في العالم بالنسبة لي.”
“أنا…” عضّت شفتها السفلى. “أنا… لا أعرف بماذا أجيب.”
“إذن لا تقولي شيئًا،” ردّ رايان مبتسمًا. “ما أعنيه أنك لستِ وحدك، ولم تكوني كذلك قط. لستِ بحاجة إلى شبح لتواصلي حياتك. الأطفال يحبونك، وكلما تعثرتِ، سأكون هناك لأساعدك على النهوض.”
ساد صمت مريح بين رايان ولين، حتى اخترقت كرة سوداء الحظيرة وتلاشت إلى العدم. لم تُصب أحدًا بأذى في معجزة صغيرة، ومع ذلك أدرك الموصّل أنه يجدر به تفقد غرفته قبل أن يغادر.
“آمل ألا أكون قد سببت لك سكّريًا الآن،” مازح رايان.
ولدهشته، ضحكت لين واسترخت. بدا أن روح دعابته قد نجحت في اختراق قشرتها. “ريـري، بخصوص آلة الذاكرة خاصتك…”
“ستجرّبينها إذن؟ لتستعيدي ذكريات ذاتك الأخرى؟” أجابته بهزّة رأس إيجابًا. “ما الذي غيّر رأيك؟”
“حتى بعد ما حدث بيننا… مددتَ إليّ يدك.” ارتسم ظل ابتسامة على وجهها. “لقد حان الوقت… حان الوقت لأن أفعل المثل معك.”
☆☆☆☆☆
ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.
[1] رايان يشير هنا إلى أمنيته بجعل الجميع ديناصورات وكيف هي أمنية قاسية ولا إنسانية.
[2] هؤلاء المعجبين المنحرفين يحولون شخصيات لطيفة إلى وحوش أو مخلوقات مشوهة، أو وضعها في سيناريوهات مرعبة وعنيفة. أو إنشاء شخصيات معجبين تكون هجينة وغريبة المظهر وغير طبيعية.
[3] قول رايان (أنت تعظ من آمن أصلا) يعني أنه يوافق على ما يقوله شراود. لم أرد كتابة (أوافقك الرأي) حتى تعرفوا معنى هذا التعبير المجازي إذا قرأتموه مجددا هنا أو مكان اخر. بالنسبة لعبارة (أتمنى ألا اكون قد سببت لك سكريا) فهو يقصد لأن كلامه حلو ولطيف.
