الفصل 92: أفضل الخطط الموضوعة
في النهاية، كانت جميعُ حَلَقات رايان الزمنية تبدأ بالطريقة ذاتها.
بأن يصدم سيارته في ظهر غول.
“تعرف؟ لقد أصبحت جزءًا ثابتًا في حياتي،” قال رايان وهو يترجّل من سيارته الـ بليموث ويدخل حانة رينيسكو. لقد غدت هذه الحانة، بمرور الوقت، بيتًا ثانيًا للموصّل. حتى أنّه كاد يطوّر مشاعر عاطفية أبوية تجاه الجدار الذي ظلّ يحطمه مرارًا. “لقد قضيتُ معك مواعيد أكثر من تلك التي قضيتُها مع ياسمين.”
تلوّى غول على الأرض، محاولًا النهوض مستعينًا بطاولة البار. بينما كان النادل رينيسكو يختبئ خلفها، لا يعرف كيف يواجه دخول رايان الذي لا ينسى. أما الموصّل فتابع مشيته بين الركام برشاقة، فيما الرياح تتسرّب إلى الداخل عبر الثقب الذي خلّفته السيارة في الجدار.
“كنت أظن أن حياتي كوميديا سوداء، ربما تراجيديا كوميدية، لكنني أدركت الآن… أنها كانت دومًا رومانسية مصاصي دماء.” وقف رايان شامخًا فوق غول، ويداه خلف ظهره. كان السايكو قد استعاد نصف وقوفه، بينما بقية الرواد لم يجرؤوا على التدخل. “هل تلمع عظامك تحت ضوء الشمس؟”
“ما الذي تتحدّث عن—” صرخ غول، إذ قدّم رايان ركبة الأوندد إلى حذائه، فانهار السايكو على الأرض. “يا ابن—!”
“كل ما في الأمر أنني لست ألاحقك،” قال الموصّل وهو يركل عدوه المحبوب مجددًا. “أعني، انظر إليّ. أنا وسيم. والكل يعرف أن المطاردين قبيحو الوجه. وإن آذيتك، فذلك بدافع الحب.”
حُبّه لإيذاء غول.
لقد أخبره داركلينغ أن الكيان الأسمى الأسود سيمحوه من السببيّة ومن كل الإعادات المستقبلية، وكان رايان قد تساءل إن كان ذلك ينطبق أيضًا على مضيفيه السابقين. ومع ذلك، عاد كيس العظام بلا ذاكرة عن الحلقة السابقة.
مما يعني أن آدم البدين قد عاد للحياة، يحيك المؤامرات من جديد.
“سأستدعي رجال الأمن!” تذمّر النادل رينيسكو من خلف طاولة البار، فيما كان غول الجريح يحاول الزحف بعيدًا عن رايان. رمق الأوندد الموصّل وكأنه مجنون، وهو ما جرح قلبه الرقيق الحساس.
رايان لم يتقبّل الرفض يومًا.
“أعرف سرّ ضعفك، يا غول،” قال رايان وهو يفتح باب سيارته الخلفي. “كريبتونايت[1] لا تملك أدنى أمل في الدفاع عن نفسك أمامه.”
قفزت كلبة شارع قذرة من سيارة البليموث فيوري، عيناها المتلألئتان تفتقران لأي مسحة من الذكاء؛ كانت ثمرة سِفاح بين كلب ماستيف وغريهاوند، وقد ورثت أقبح ما فيهما معًا. لسانها متدلٍ إلى الخارج، والبراغيث تتنقّل ببهجة من فرائها الآخذ في السواد إلى مراعٍ أكثر خضرة. هذا المخلوق السوقي كان يفتقر إلى البريق الأرستقراطي ليوجين-هنري، لكنه امتلك سحرًا ريفيًا من نوع ما، رغم أن رائحته الكريهة دفعت روّاد الحانة إلى التراجع بنفور.
“اسمها هنرييت. وجدتها تلتهم القمامة في طريقي إلى الحانة، واشتريتُ ولاءها بشريحة لحم خنزير.” كان رايان يحتفظ دائمًا بالطعام في سيارته لمواقف كهذه. “والآن، بوصفي شخصًا يعشق القطط، قد يبدو هذا خيانة. وهو كذلك!”
داعب رايان كلبته الجحيمية خلف أذنيها، وقد غمرتْها السعادة. فجميع الكلاب تتوق إلى المودة. “لا خجل عندي، ولا تردّد، ولا مبادئ!”
“ما الذي تريده؟” سأل غول، وعيناه معلّقتان بهنرييت بخوف. لقد انتبهت إليه، ورفعت نظرها نحو ساقيه العاريتين من اللحم، تحدّق فيهما بجوع.
كان السايكو يعرف ما سيأتي.
“أريد ألمك فقط،” ردّ رايان، مشيرًا بإصبعه إلى فريسته. “انطلقي، يا فتاة!”
قفزت هنرييت على غول، ولم يسعْه الزحف بعيدًا بالسرعة الكافية.
بعد ثوانٍ معدودة، قدّمت الكلبة سيّدها الجديد عظم فخذٍ جميل، وكانت فخورةً به أيّما فخر.
□■□■□
لم يكن غول سوى الاسم الأول في قائمة عيد الميلاد الخاصة برايان. فبعد النهاية المشحونة للحلقة السابقة، كان الموصّل بحاجةٍ إلى لحظة من التنفيس والتطهير قبل أن ينصرف إلى العمل الجاد.
وكان الطفل المشاغب التالي يسكن غير بعيد عن منزل جيمي نفسه. طرق الموصّل باب بنغلٍ[2] بطابق واحد، في كمالٍ يبعث على الملل. لم يُشِر إلى خللٍ ما سوى النوافذ المحجوبة، دلالةً على اضطراب الساكن.
وما هي إلا لحظات حتى انفتح الباب، كاشفًا عن رجلٍ هزيل، جلده أبيض كالثلج وشَعره أسود كالغراب. وقف هذا الفزّاعة الشاحب في الظلمة، يتجنّب أشعة الشمس التي كانت لتحرق روحه المدنّسة. لطخات طلاءٍ صارخة الألوان غطّت ثيابه المتسخة. أما الهالات السوداء حول عينيه الخضراوين المحتقنتين بالدماء، فقد دلّت على أنه استيقظ للتو.
اللعنة، لم يكن هذا الرجل مجرد قاتل مأجور… بل كان مصاص دماء أيضًا!
“ريتشارد بينكمان؟” سأل رايان. “نايت تيرور؟”
“آه… نعم؟” حدّق مصاص الدماء بالموصّل بارتياب. “هل نعرف بعضنا؟”
“لديّ ما يخصّك، وإن جاء متأخرًا قليلًا.” كان رايان قد أراد توصيل هذه الهدية في الحلقة السابقة، لكنه لم يجد الفرصة. “الليل مظلم ومليء بالرعب، أليس كذلك؟”
قطّب الرجل حاجبيه، مدركًا أنّ زائره يعرف قواه وحدودها. حرك يده إلى ظهره، لعلّه يبحث عن مسدس؛ وكأنّ في وسعه أن يؤذي طاهر القلب. “أي نوعٍ من التوصيل؟”
لكن رايان سدّد له لكمة في وجهه بقوة، جعلت الرجل يتعثّر إلى الوراء. ارتطم ظهره بشيء ما فصدر عنه صليلٌ مرتفع، لكن الموصّل لم يستطع تمييزه بسبب الظلمة داخل المنزل.
“لا تجبرني أن أعيد خوض صدمات طفولتي مجددًا،” حذّر رايان ذلك المتلاعب بالأفكار الشرس. فقد ترك له الأمر مرارة لا تُحتمل أنّ كوابيسه القديمة صارت حقيقة فيما بعد. “لا تتصور كم من المال أنفقته على المعالجين النفسيين.”
لكن نايت تيرور لم يُجب، فقد كان قد سقط مغشيًّا عليه.
توقّف رايان لحظة ليتفقد قائمة عيد الميلاد خاصته، فوجد الاسم التالي: كارين ريتشي، المعروفة بلقب فامب. بعد مصاص الدماء… تأتي الساحرة. لكن لسوء الحظ، كان الوقت قد تأخر، وربما لن ينجُ الموصّل من خطته معها. أما لويجي فكان يأتي بعدها، غير أنّ رايان شعر بإرهاقٍ أكبر من أن يخوض مباراة هوكي في آخر النهار.
“ربما لاحقًا.”
كانت هناك أميرة بانتظاره.
□■□■□
وصل رايان إلى موتيل الأراضي الميتة عند حلول الظلام، وأوقف سيارته قرب المدخل. جلست هنرييت إلى جانبه، تلك الكلبة اللقيطة تنوح نحو سيّدها الجديد بعينين خجولتين. ورغم أن قلبه كان يميل إلى القطط والأرانب قبل كل شيء، إلا أن رايان قد تعلّم كيف يتعامل مع الكلاب عبر الحلقات الزمنية. لقد عرف تلك النظرة جيدًا.
“تريدين صندوق فضلات؟”
نبحت هنرييت ردًّا، ولسانها متدلٍ من فمها. صنعت ملامحَ لا يقدّرها إلا عاشق الكلاب.
“غول،” قال رايان وهو ينظر في المرآة الخلفية.
الجمجمة الوحيدة على المقعد الخلفي رمقَت الموصّل بخوف. وللحظة، كاد رايان يشعر بالشفقة على هذا الكيس القاتل من العظام. لكن سرعان ما تذكّر حلقته السابقة، وكيف شجّع غول رئيسه على تحويل المسافر عبر الزمن إلى سايكو.
نزع رايان قناعه وقبعته، فارتسمت على وجهه ابتسامة رهيبة دفعت الأوندد إلى النحيب في ذعرٍ مسعور.
“افتح فمك.”
كانت صرخات أب العظام اليائسة موسيقىً في أذني رايان، رغم أنها انتهت سريعًا. فقد فقد السايكو شجاعته حين فقد عموده الفقري.
ترك رايان هنرييت مع لعبتها الجديدة لتنهشها، وتوجّه نحو الموتيل. لمح ضوءًا يتسرّب من غرفة ليفيا، لكن لم يكن هناك أيٌّ من أعضاء القتلة السبعة يحرس الباب. أمر غريب.
ومع ذلك، أخذ يصفر لحنًا وهو يفتح باب الجناح، ليجد سيّدته الأولى السابقة بانتظاره. كانت الطاولة مُهيّأة، والحلوى الشهية والقهوة البخارية تنتظر من يتناولها.
وقفت ليفيا في الجهة المقابلة، وظهرها إلى رايان. كانت ترتدي معطفًا أزرق من الجلد الأنيق وقفازات طويلة من المخمل، كأنها فاتنة قاتلة خارجة من أحد أفلام النوار[3] البوليسية. انساب شعرها البلاتيني كأنه شلال فضي.
“مرحبًا، يا أميرة،” قال رايان وهو يغلق الباب خلفه. “كيف كانت رحلتك الأولى عبر الزمن؟”
استدارت ليفيا، وعيناها الزرقاوان ترمقانه ببرودٍ ساخر. ذكّر وجهها رايان بجمال عمتها بلوتو المميت. “لا بأس بها،” أجابت، ونبرتها خطرة. “لكنها ستكون الأخيرة.”
قطّب رايان حاجبيه. “ماذا تقصدين؟”
“آسفة يا رايان، لكن بعدما استعَدتُ كل ذكرياتي… لم تعد لك فائدة. صار لديّ كل ما أحتاجه من معلومات لأسيطر على هذه المدينة، والعقبة الوحيدة الباقية…” توقّفت لحظة قصيرة. “هي أنت.”
…
اللعنة.
اللعنة!
“ظننتنا أصدقاء!” احتجّ رايان، ويده تتحرك نحو معطفه ليستلّ خنجرًا.
“وصدّقتني؟” تجمّد الموصّل، إذ حركت ليفيا يديها نحو كرسيّها. كان في كل حركة من حركاتها تهديدٌ بديهيّ، بلا عناء. “كانسل بانتظارك في الخارج، وقوّتها قد بدأت بالفعل. انتهى الأمر.”
يا إلهي، لقد كان هذا خيانة ألكيمو من جديد! فعّل رايان قوته غريزيًا، فتحوّل العالم إلى أرجواني وهو يستعد لتسديد ضربته إلى ليفيا.
انتظر… كيف ما زال إيقاف الزمن يعمل إن كانت كانسل تقف خلف الباب؟
ألقى رايان نظرة على ليفيا المتجمّدة، ولاحظ الابتسامة التي حاولت كبحها يائسة.
مستحيل.
لم تكن لتجرؤ. لم تكن لتجرؤ!
أسرع رايان يفتح الباب مع عودة الزمن إلى مجراه، فلم يجد أي قاتل في الخارج.
لقد جرؤت.
“أيتها… أيتها العقل المدبّر الشرير!” قال رايان وهو يغلق الباب خلفه، يعيد الخنجر المخفي إلى معطفه الطويل. “لقد خدعتِني بمقلب!”
أجابته ليفيا بضحكة دافئة عذبة. “آسفة،” اعتذرت بابتسامة خجلى ترتسم على محياها. “أعلم أنّ هذا سخيف، لكنني لطالما رغبت في إلقاء خطاب كهذا. كنت واثقة أن لا أحد غيرك سيأخذه على محمل الجد.”
لقد أفسدت الحلقة الأخيرة ليفيا حين جعلها رايان شريكته.
لقد خلق وحشًا.
“أعتذر إن أخفتك. لم أكن أعلم كيف ستتفاعل، ولهذا فعلتُ ما فعلت.” شبكت ليفيا يديها بخجل. “هل تسامحني يا رايان؟”
“لا يمكنني أبدًا أن ألوم شخصًا يملك ذوقًا لا تشوبه شائبة في الأناقة،” أجاب رايان وهو يجلس إلى الطاولة. “لكن لا تكرريها يا أميرة، كدتُ أقتلك. أنا حساس جدًا تجاه أمور كهذه.”
تحوّلت بهجتها فجأة إلى فزع. “حقًا؟” سألت وهي تجلس بدورها. “ما الذي حدث؟”
“بعض الناس فقدوا عقولهم بعدما أخبرتهم بالحقيقة،” اعترف رايان وهو يدفئ يديه بملامسة فنجان قهوته. “بعضهم حاول تقييدي كي أمنع نفسي من إعادة التحميل. وآخرون ذهبوا أبعد من ذلك.”
“أنا…” هنا فقط بدأت ليفيا تندم على مزحتها. مدّت يديها لتلمس يديه، وكان دفؤها أشد حرارة من الفنجان. “آسفة يا رايان. لم أقصد أن أنكأ جراحك.”
“لا، لا بأس. في الواقع، أنت تساعدينها على الالتئام.” لقد حظي رايان أخيرًا بحليفة سترافقه عبر الحلقات المقبلة. بفضل ليفيا، سيتمكّن من جعل رفاقه يتذكرونه، وستنجو صداقاته من امتحان الزمن. “ثم إنني انتقمتُ فعلًا على طريقتي.”
“ماذا تعني؟” قطّبت ليفيا حاجبيها، لتدرك فجأة أن البسكويت قد اختفى. “هل أكلتها أثناء تجميد الزمن؟”
ابتسم رايان.
“تصرف طفولي،” علّقت ليفيا وهي تردّ له الابتسامة، يداها تعودان إلى فنجان قهوتها. “إذن، يا رايان… كيف ننتصر؟”
نحن. الكلمة وحدها أدفأت قلب رايان كما تفعل نار المخيم في ليلةٍ باردة.
شارك رايان ليفيا بما جرى في نهاية الحلقة السابقة. أخبرها كيف تأكّد هو ولين أنّ ديناميس تحتجز نسخة متحوّرة من بلَدستريم في حصن مختبراتها، وكيف أتاح وجود لين لتلك النسخة أن تفلت من أسرها. روى لها عن وقفة رفاقه الأخيرة في وجه ألفونسو مانادا، وعن تدمير بلَدستريم لروما الجديدة، وكيف اختار أوغستس أن يهاجم ليو هارغريفز بدلًا من أن يوقف القتال.
غير أنّ الموصّل لم يذكر كيف تمكّن من إصابة مؤخرة البرق. ابنته قد لا تتقبّل الأمر على نحو حسن، كما أنّ رايان نفسه لم يكن قد فهم بعد ما حدث فعلًا. كان بحاجة إلى وقت أطول ليستوعب تلك الجزئية.
كلما أصغت ليفيا أكثر، ازداد عبوسها عمقًا. “هذا مرعب،” قالت وهي تحتسي قهوتها بتفكير. “أن ترى والدك بالتبنّي في حال كهذه…”
“أنا أكرهه.” رؤية بلَدستريم يلتهم ابنته عزّزت فقط كراهية رايان له. “الموت سيكون رحمة له.”
“وهل يمكننا قتله أصلًا؟ إن كان هو أساس إكسير ديناميس المقلَّد، فهذا يعني أنّ جزءًا منه باقٍ داخل عدد لا يُحصى من الجينومات.”
“بحوزتي صيغة لقاح الدكتور تيرانو. ما لم يلامس جوهر بلَدستريم دمَ لين، فلن يتمكن من تطوير مناعة ضده.” كما أنّ الوحش لم يُبدِ أي مقاومة حين لامس دمُ القصيرة أحد الإكسير المقلّد، ولعلّ السبب أنّ الأب فقد السيطرة على شظاياه حين كبّلته ديناميس كيميائيًا.
“لكن اللقاح يُعطى بالحقن،” أشارت ليفيا. “وحتى مع أفضل حملة تطعيم، سيرفض كثيرون التخلّي عن قواهم. خصوصًا وأن معظمهم دفع ثروة طائلة للحصول عليها.”
“صحيح، والناس يدخّنون وهم يظنّون أنهم سيربحون الرهان مع القدر.” اكتفى رايان بهز كتفيه. “لديّ فكرة في بالي، لكن أودّ رأيك أولًا. كم من الوقت نملك؟”
“أجريتُ محاكيات وأنا أصغي إلى قصتك،” أجابت ليفيا وهي تشبك أصابعها. “الآن وقد علمتُ ما يختبئ في المختبر ستة وستين، صارت رؤاي أدقّ. احتمالات اندلاع هذا الوباء ضعيفة، لكنها ترتفع على نحو خطير إن استولى ألفونسو مانادا على ديناميس. وسيحدث ذلك عاجلًا أو آجلًا؛ قد يستغرق عامًا أو عشرة، لكن الاحتمالات ترتفع بمرور الزمن. بل يمكن أن يقع حتى في ظل رئاسة هيكتور مانادا نفسه.”
لم يكن رئيس مجلس الإدارة العاجز يثير قلق الموصّل كثيرًا. فقد أدرك الآن أنّ الخطر الحقيقي في عائلة مانادا يتمثّل في محطم الذرّات؛ الأقوى بينهم، والأشدّ تصميمًا.
كان لا بدّ من التخلّص من بلَدستريم مهما جرى، لكن نبوءة ليفيا منحت رايان بعض الاطمئنان. “من بين الكوارث التي علينا حلّها، هذه مشكلة طويلة الأمد،” قال الموصّل. “أما الكارثتان الأخريان فلن تنتظرا سنوات.”
قطّبت ليفيا حاجبيها. “متى ستستخدم عصابة الميتا سلاح ميكرون المداري؟”
“ما بين الثاني عشر والثامن عشر من مايو.” كان آدم البدين قد استخدم السلاح في التاريخ الأخير، لكن رايان رآه مع سايساي يستوليان على المخبأ منذ الثاني عشر. ذلك المعتلّ الخبيث كاد يضغط الزناد حين غزا آل مانادا مقره في حلقة ديناميس. “وإن لم نفعل شيئًا، فسيصل ليو هارغريفز والكرنفال إلى روما الجديدة خلال ثلاثة أسابيع.”
“وسيشنّ والدي حربًا عليهم،” قالت ليفيا بأسى. “مدمّرًا روما الجديدة.”
“آسف،” اعتذر رايان. “والدك ليس رجلًا طيبًا.”
“أعلم.” أشاحت بوجهها. “هل لديك ورقة؟”
بعد ثوانٍ، كانت ليفيا تخطّ تقويمًا مرتجلًا على ورقة، تخطّط لشهر مايو. وضعت إشارات على الثاني عشر، الثامن عشر، والثامن والعشرين—وهو التاريخ التقريبي لوصول هارغريفز، رغم أنّ رايان لم يعش أي حلقة امتدّت إلى هذا الحد.
“علينا أن نتعامل مع آدم الغول أولًا،” صرّحت ليفيا بما هو بديهي وهي تتأمّل التقويم. “لدينا أربعة أيام للاستعداد للهجوم.”
“سيتعيّن علينا فعلها اليوم في الحلقة النهائية. ضخم المؤخرة ذاك يقذف الناس على دفاعات المخبأ في هذه اللحظة بالذات.” ما زال شبح هانيفات ليكتر وهو يهدّد بأكل رهينة يلاحق الموصّل. “كلما انتظرنا أكثر، ارتفع عدد القتلى.”
“إذن هذه الحلقة ليست النهائية حتى في أفضل الأحوال؟” سألت ليفيا بعبوس. “تريد اقتحام المخبأ فور بدء الحلقة التالية؟”
“بعد أن أتخلّص من القمامة أولًا.” تمامًا كما في حلقته الإنتحارية السابقة، سيسحق رايان غول، ثم ينقضّ على المخبأ بعد ذلك. “إن تمكّنا من تحييد آدم وسايشوك، فسأستوعب أتباعهم تحت رايتي. وإن وجدنا علاجًا لحالة السايكو، فسيكون الأمر أيسر.”
“أستطيع أن أشارك في الهجوم، لكني أخشى أن يشتمّ والدي رائحة المخبأ إن استدعيتُ مزيدًا من المساعدة،” قالت ليفيا. “فورتونا وحدها يمكن أن تحفظ السرّ. هل يكفينا نحن الثلاثة لهزيمة عصابة الميتا؟”
“لست واثقًا.” ربما عوّضت الفتاة المحظوظة غياب داركلينغ أو خمول الدمية المحشوة، وربما لا. القصيرة على الأرجح ستساعد حتى بلا ذكرياتها، وربما شراود أيضًا. “عليّ أن أُتقن نقل الذاكرة. فكلما ازداد عدد المقاتلين معنا، كان أفضل.”
“خصوصًا وأنك تنقل الذكريات يدويًا. إن متَّ مبكرًا، سيعقّد ذلك الحلقة التالية.” شبكت ليفيا ذراعيها. “هل تستطيع أن تعيد صنع جهاز نقل العقول بنفسك؟”
أومأ رايان نافيًا. فحتى مع موارده المالية الضخمة، كان جهاز العبقري يحتاج إلى قطع يصعب تصنيعها بلا شبكة دعم. “سأحتاج إلى موارد تقنية أكبر. إما من المخبأ، أو فولكان، أو ديناميس.”
“بوسعي أن أعرّفك على فولكان،” جادلت ليفيا. “لن أطلب مخططات الجهاز، إن كان هذا ما يقلقك.”
“وهل ستلقين خطاب شريرة جديد لو سلّمتك إياها؟” مازحها رايان.
“أشك في أن يفاجئك الأمر مجددًا،” تردّدت ليفيا، لكن ابتسامتها سرعان ما خبت. “وماذا عن ماتياس؟”
“يمكنني إقناع الكرنفال بإيقاف هجومه على عائلتك إن أقسمت أن أؤدي دور العميل المزدوج، وأدمّر مصنع مخدر السعادة، وأخرب عمليات مافياكم.”
قطّبت ليفيا جبينها بريبة. “وهل سيمنع تدمير جزيرة إيسكيا هارغريفز من الظهور؟”
“لست متأكدًا. الكرنفال يريد إنهاء أنشطة عائلتك الإجرامية، وبصراحة… لا أستطيع أن ألومهم على ذلك.” لو أنّ المعركة بين التنظيمين لا تهدّد بتمزيق المدينة إربًا… “وفوق ذلك هناك نارسينا. والدك اختطفها وقتل والديها.”
حدّقت ليفيا في فنجان قهوتها، ضائعةً في سوادها المتصاعد بالدخان. لقد أكّدت هذه القصة في الحلقة السابقة، وزلزلت كيانها. ربما كانت تظن أنّ والدها قاسٍ، لكنه لا يطال إلا من يهدّدونه أولًا. أما الآن فقد رأت الوجه الحقيقي لـمؤخرة البرق… كيانًا كارهًا بغيضًا.
“ما زلتُ لا أستطيع أن أسامح هارغريفز على قتله أمي،” قالت ليفيا. “ما حدث لوالدي نارسينا لا يجعل الأمر ردًّا مبررًا. غير أنني… أُقرّ بأن نارسينا تعرّضت لظلمٍ فادح، ومن واجبي أن أصحّحه.”
“الكرنفال منطقيون إلى حدّ بعيد،” جادل رايان وقد تعامل معهم كثيرًا. “إن فهموا أنك سترثين إمبراطورية والدك لتفكيكها من الداخل، فربما لن يثيروا عشّ الدبابير. أما إعادة نارسينا إليهم فستُظهر حسن نيتك.”
“دعني أفكر في هذا،” قالت ليفيا. “أحتاج إلى وقت أطول لمعالجة المحاكيات. خطوة خاطئة هنا قد تدفع والدي إلى ردّ فعل مبالغ فيه.”
يا لها من عبارة مخففة. كأنها تقول إن التايتانيك لديها مشكلة صغيرة مع جبل جليد.
“وأخيرًا، علينا أن ندمّر ما تبقّى من والدك بالتبنّي،” غيّرت ليفيا الموضوع. “ما كانت فكرتك؟”
“أحد أعضاء الكرنفال، الدكتور ستيتش، عبقري متخصّص في الفيروسات والأمراض،” قال رايان. “وبما أنه درس بلَدستريم من قبل، أعتقد أنه قادر على ابتكار شيءٍ انطلاقًا من اللقاح.”
ارتفع رأس ليفيا باهتمام. “وباء لقاح مضاد للإكسير المقلّد؟”
“شيء من هذا القبيل. يمكنني أيضًا أن أتواصل مع تيرانو، أرى إن كان بوسعه المساعدة. ما دام العيّنة في جسد لين مُحايدة، فلن يتمكّن بلَدستريم من الفرار.” أنهى رايان قهوته. “كما ترين يا أميرة، كل القطع موجودة. علينا فقط أن نجد الطريقة الصحيحة لترتيبها. التسلسل الذي سينقذ الجميع.”
“وهل نستطيع؟” سألت ليفيا بعبوس. “إنقاذ الجميع؟”
“نعم.” الجميع ممن يستحقّون النجاة، على الأقل. “ليست هذه أول جولة لي.”
نظرت ليفيا في عينيه، وملامحها عصية على القراءة. “كم من إعادة استلزمتك لتصل إلى هذه اللحظة؟”
هزّ رايان كتفيه. “عشرات.”
“وما زلتَ لم تنتهِ بعد.” هزّت ليفيا رأسها، ونظرتها مليئة بالشفقة. “كنتُ صادقة حين قلتُ إنه ينبغي أن نجد وسيلة لتخفيف عبئك. لن أتركك تفني نفسك على صليب من أجلنا.”
“ومن سيفعل غيري؟” ردّ رايان. “لا بدّ لشخص أن يتولّى الأمر. ملايين الأرواح على المحك.”
“لكن ليس بالضرورة أن تكون العملية مؤلمة، أو وحيدة،” جادلت ليفيا. “أنا واثقة من أننا سنجد وسيلة تجعل إعاداتك بلا ألم. وأشكّ أنني الوحيدة التي تهتم بسلامتك.”
أشاح المسافر عبر الزمن بوجهه. القصيرة تهتم أيضًا، لكنّها من العائلة. حتى ألكيمو حاول أن يضع حدًّا ليكسب غفرانه.
“لقد قطعتُ وعودًا،” قال الموصّل، مستحضرًا ياسمين، بيانكا، وكثيرين غيرهما. “والوفاء بها هو كل ما يهمّ.”
“ليس إن كان ذلك يعني أن تضحّي بسعادتك لأجل الآخرين.” ابتسمت ليفيا. “نهاية مثالية للجميع يجب أن تشملك أنت أيضًا، يا رايان.”
لو أنّها تعلم. عاد ذهن رايان إلى أول نهاية مثالية له في موناكو، حيث أنقذ سيمون وكثيرين غيره من ذلك السجن الجحيمي. صحيح أنّه منح الجميع نهاية سعيدة، لكن المغامرة تركت في حلق الموصّل طعمًا مرًّا حلوًا. وحده تذكّر تلك اللحظة التي اشتركوا فيها جميعًا. وجميع نهاياته المثالية التالية أورثته الشعور ذاته.
لكن هذه المرّة ستكون مختلفة. كان يأمل أن تتغيّر الأمور هذه المرّة.
لقد أراد لها أن تتغيّر.
“سأحاول،” قال رايان. “هل لديك اقتراحات حول كيفية المضيّ قدمًا؟”
أجابته ليفيا بإيماءة. “انضمّ إلى منظمة والدي، وأخبر الكرنفال أنك ستعمل جاسوسًا لهم لكسب الوقت. بوسعي أن أعرّفك على فولكان كي تعيد إنشاء جهاز نقل العقول، وسأرى كيف أتعامل مع قضية نارسينا. سيكون من الأسهل أن نخطّط للغارة على عصابة الميتا إن تعاونّا عن قرب. أتظن أنّك قادر على استمالة بعض السايكو ضد آدم قبل أن نهاجم المخبأ؟ ماذا عن سارين؟”
هزّ رايان رأسه. “سارين لا تهاجم الميناء إلا إن دعمها غول، وكان سايشوك طليقًا. لكن عليّ أن أقدّم كيس العظام لإرضاء الكرنفال، وذلك المتلاعب بالأفكار لا بد أن يُقصى من الطريق. ليس لدي وسيلة أخرى للاتصال بها على وجه اليقين.”
“لست واثقة أنّ الوثوق بالكرنفال هو الخطوة الصائبة،” اعترفت ليفيا بقلقٍ خفيف. “لكنني أثق بك يا رايان. إن كنت ترى أن هذا هو الطريق…”
“إنه أفضل خيار لدينا الآن،” قال رايان وهو ينهض من مقعده. “عليّ أن ألتقي لين الآن.”
ليرتّب أمر نقل الذاكرة، ويستعدّ لمداهمة سايشوك الحتمية لدار الأيتام.
“لديّ خريطة دماغها، والآخرين أيضًا. يمكننا ترتيب النقل ما إن يصبح جهازك جاهزًا للعمل.” راحت أصابع ليفيا تعبث بتوتّر. “هل ستقيم في منزل جيمي هذه المرّة؟”
“على الأرجح،” أجاب رايان. “إما هناك، أو عند لين.”
“ربما أزورك إذن،” قالت أميرة المافيا بابتسامة ودودة. “لا يبدو منصفًا أن تكون دائمًا أنت من يأتي لرؤيتي.”
قهقه رايان. “ستحتاجين إلى بذلة غوص إن انتقلتُ للعيش مع قصيرة.”
“أفضل مكانًا أكثر جفافًا،” تمتمت ليفيا. “أراك قريبًا، يا رايان.”
“أراك قريبًا، يا أميرة،” ردّ وهو يغلق الباب خلفه. الآن… الآن كان عليه أن يقنع صديقة قديمة بأن تُعاد كتابة دماغها. مهمة ثقيلة.
عاد الموصّل إلى سيارته، ليجد هنرييت تلعق بمرح جمجمةً بائسة. كانت الحياة قد فارقت عيني غول، ومعها كل آماله.
“قصيرة،” قال رايان وهو يشغّل الراديو الزمني. “قصيرة، أعلم أنك تسمعينني.”
صدح الراديو بأغنية من زمنٍ لم يكن له وجود.
“علينا أن نتحدث،” تابع الموصّل مطلقًا تنهيدة. “والدك ما زال حيًّا. ديناميس تحتجزه في أحد مختبراتها.”
جاءه الرد عبر الراديو بعد ثوانٍ معدودة:
“قابلني في دار الأيتام.”
كان رايان قد سمع هذه الكلمات من قبل، لكن لم تصله قط بتلك النبرة: غضب… وإصرار.
ديناميس لن تدري ما الذي ضربها.
☆☆☆☆☆
ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.
[1] الكريبتونايت هو المادة الخيالية التي تضعف سوبرمان
[2] البنغل: هو نوع من المنازل يتميز بوجود جميع غرفه في طابق واحد فقط. هذا التصميم يجعله خيارًا شائعًا للمسنين أو للأشخاص الذين يجدون صعوبة في صعود الدرج
[3] فيلم النوار هو نوع من أفلام الجريمة والدراما يتميز بأسلوبه البصري والمزاجي. يعتمد على الإضاءة والظلال الحادة، ويُركز على شخصيات معقدة أخلاقيًا (البطل الساخر)، ووجود شخصية المرأة الفاتنة التي تقود البطل إلى هلاكه. غالبًا ما تتناول الأفلام مواضيع متشائمة مثل الفساد والخيانة.
