الفصل 91: إمبراطورية السلالة
وضعت لين كفَّها على الحوض، فحدّقت فيها عينَا بَلَدستريم العَفِنَتان. كان المنظر يملأ صدر رايان بالازدراء والاشمئزاز.
“كيف؟” تساءل الموصّل، أنفاسه تتقطّع وألمٌ حادّ يطوّق عنقه. فبعد كل هذه السنين… بعد كل هذه السنين، ما زال يتذكّر يدي والده بالتبنّي وهما تطبقان على حلقه. كان صحيحًا ما يقولون: لا ينسى المرء أوّل مرة. “كيف…”
“طفرات سايكو خارجة عن السيطرة،” أجاب الدكتور تيرانو وهو يهز كتفيه، وقد أساء فهم السؤال. “نائب الرئيس رفض أن يطعمه جينومات، فبدأت شفرته الجينية بالانهيار حتى تحوّل إلى شيء غريب تمامًا. الجزء البشري ببساطة لم يستطع الصمود أمام تلك القوى طويلًا.”
خطر ببال رايان خاطرٌ مروّع: لعلّ هذا هو المصير الذي ينتظر كلَّ السايكو إن عجزوا عن كبح التآكل. فالإكسير يعيد تشكيل أجسادهم إلى شيء لا إنساني… شيء أنسب لاحتواء الطاقات اللامحدودة للأبعاد الملوّنة.
أكان بلَدستريم ما يزال يتمتع بالوعي؟ هل بقيت شرارة من إنسانيته، أم أنّ ما تبقّى فيه لم يكن سوى الإكسير؟ هل تعرّف إلى ابنته، أم أنّه استشعر فقط رائحة دمها؟
“هل هو…” جاء صوت القصيرة مرتجفًا ضعيفًا إلى حدّ أنّ رايان بالكاد التقط كلماتها. “هل أبي… هل أبي هناك؟”
“لقد أخضعنا هذا الكائن للتعقيم الكيميائي منذ سنوات، ومنذها توقّف عن أي محاولة تواصل،” أجاب الدكتور تيرانو بلا ذرة لباقة. قد يكون عبقريًا، لكن العلاقات الإنسانية لم تكن قطعًا من اختصاصه.
“كيف… كيف استطعتم أن تفعلوا هذا؟” همست لين بغضب وهي تحدّق في العالِم المجنون. “كان… كان هناك رجل داخل هذا الجسد!”
“ليس تمامًا، الإدارة صنّفته كأصل من أصول الشركة،” أجاب تيرانو، وهو يفوّت المغزى تمامًا.
تقدّم رايان نحو لوحة التحكّم المتصلة بالحوض، فاخترقها درع ساتورن بسهولة، نافذًا إلى النظام المغلق. تظهّرت على عدساته بياناتٌ شتى: من تحاليل بيولوجية إلى تقارير عن تجارب الإكسير المقلّد. وسرعان ما تأكّد الموصّل أنّ ديناميس تحتجز بلَدستريم منذ عام 2016؛ إذ استنسخه تيرانو من عينات أُخذت بعد أن داهم السايكو أحد مستودعات الشركة.
كما لفت نظره مجلّد بعنوان ‘مشروع الفتاة الوحش’، امتنع عن فتحه. كان لديه إحساس أنه سيترك في نفسه صدمةً ستطارده في كل حلقة زمنية تالية.
لكن الأهم أنّ رايان اكتشف أن الدكتور تيرانو يستخدم نظام بريد إلكتروني مُشفَّر للتواصل مع آخرين، أغلبهم محاموه. حفظ الموصّل رموز الدخول عن ظهر قلب، حتى يتمكّن من مراسلة ذلك العبقري المختلّ مباشرةً في حلقة مقبلة.
“لماذا… لماذا أردتني؟” سألت لين، مشهرةً بندقيتها المائية نحو تيرانو. رفع مهووس الديناصورات يديه استسلامًا. “ما الهدف؟”
“لأن والدك زرع عاملًا غريبًا داخل كريات دمك، وهو ما يجعل الإكسير المقلّد يتفاعل بعنف عند ملامسته،” اعترف تيرانو. “وبما أنّ ذلك العامل القديم في دمك يسبق التعقيم الكيميائي، فإن عملية التركيب تُنتج مادة جديدة قادرة على مقاومته. مستهلكونا ينتهون حتمًا إلى… الإرتداد.”
طريقة مهذبة للقول إنهم يتحوّلون إلى نسخ من بلَدستريم.
“لقد تقدّمت بطلبٍ إلى الإدارة لدراستك بعمق والتقليل من مخاطر الارتداد، لكن السيد إنريكي ظلّ يرفض مقترحي مرارًا،” تذمّر العالِم. وهذا جعل الموصّل يكنّ قدرًا أكبر من الاحترام لـ بلاك ثورن.
“إذن هذا هو سؤال المليون،” قال رايان وهو يرمق الشُوغُوث الدموي يطفو في حوضه. “كيف نقتل هذا الشيء؟”
ارتجفت لين. “ريـري…”
“لين، والدك رحل،” جادلها رايان وهو يلوّح بكفّه المغطّاة بالقفاز نحو ذلك السايكو المعلّب. “لم يعد إنسانًا بعد الآن.”
“لقد قلتَ… قلتَ إنك تستطيع أن تجد علاجًا للسايكو!” احتجّت بصوت مرتعش.
“أظننا قادرون على علاج البشر من طفراتهم، لا أن نحوّل عصير طماطم إلى إنسان عاقل.” راقبها رايان، فيما سلاحها يرتجف بين يديها المرتعشتين. “أنا أقرأ تقارير التحليل الآن، وهو لم يَعُد يتشارك معنا سوى أقل من خمسين بالمئة من حمضه النووي. إن الموز أقرب إلينا منه.”
حتى لو امتلكوا كل الوقت في العالم — ورايان يملكه بالفعل — لاحتاجوا جينومًا يملك قدرة معجزة لحل هذه المعضلة. ثم إن الموصّل لم يكن ينوي إهدار وقته على وحش ميؤوس من خلاصه كهذا. لقد اقتحم هذا المختبر فقط ليتأكّد من بقاء بلَدستريم على قيد الحياة، لكن شبح طفولته الذي طارده طويلًا بدا وقد اندثر منذ زمن بعيد.
كان رايان ليُعطي كل ماله مقابل أن يرى تعابير لين خلف خوذتها. بقيت جامدة لحظة، قبل أن تُنزل رأسها وسلاحها معًا. لم تنطق بكلمة واحدة، وهي تستوعب ما قاله صديقها. ربما كانت تعلم دائمًا أن النهاية ستكون كذلك، لكنها ظلّت تتمسّك بالإنكار حتى وُضعت الحقائق عاريةً أمام عينيها.
الأب الذي أحبّته قد مات منذ سنوات.
“لا أظن أنّ لديكم علاجًا للإكسير المقلّد، أليس كذلك؟” سأل رايان تيرانو.
“بالطبع لدينا علاج!” احتجّ العبقري المجنون، مما أثار دهشة الموصّل. “أتظنّنا مهمِلين إلى هذا الحد؟”
“لقد حوّلتم وحشًا إلى مشروب!” ردّ رايان بصرامة. “أنتم أسوأ من بيبسي!”
“لكن مخاطر الارتداد والمشاكل الصحية تقترب من الصفر، ما دام الأمر يقتصر على جرعة واحدة فقط!”
“ولهذا تحديدًا سأؤمّم هذا المكان وأصادر كل أصوله. بما في ذلك أنت.”
“لا يمكنك تأميم شخص—”
“أنا رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، أي العالم بأسره تقريبًا،” قاطعه رايان. “سوف نؤمّرك، ونؤمّم علاجك. كيف يعمل إذن؟”
فتح العالِم فمه ليواصل احتجاجه، إلى أن وجّه رايان إصبعه نحو سلاح صدره. آه، مزايا احتكار القوّة…
“لقد طوّرتُ عاملًا معادلًا على شكل حقنة، يهاجم خلايا بلَدستريم ويُرمّم الشفرة الجينية للهدف إلى حالتها السابقة قبل الاستهلاك،” اعترف الدكتور المتقشِّر. “أما النسخة الأقوى من التركيبة، فيمكن حقنها مباشرة في الحوض في حال حدوث خرق احتواء. وهي تدمر الإكسير المقلّد بالكامل.”
“لكنها لا تؤثر في الإكسير المصنوع على يد الخيميائي؟” سأل رايان طلبًا للتأكيد، فأومأ العبقري نافيًا. كان منطقيًا. فالإكسير المقلّد المعتمد على بلَدستريم يظلّ في النهاية خلايا سايكو متحوّرة، بينما الإكسير الحقيقي كيانات غريبة تتجاوز البيولوجيا المألوفة. “إذا كان علاجك لا يعمل إلا بالحقن، فماذا يحدث لو ارتدّ عدة مستخدمين للإكسير المقلّد في الوقت نفسه؟ حتى لو دمّرت المصدر الأصلي، فلن يختفي أثر المادة داخل كل زبائنكم.”
“خطر الارتداد الجماعي معدوم تمامًا،” أجاب تيرانو وهو يهز كتفيه، متحدّيًا القدر.
لم يكن لدى هؤلاء أي خطة على الإطلاق. إن إهمال ديناميس الإجرامي كان يتحدى كل منطق. “حسنًا، في هذه الحالة، ستسلّمنا العلاج، وتأتي معنا إلى المنطقة 51.”
ضيّق الديناصور عينيه. “المنطقة 51؟”
“قاعدة لميكرون، إن أردت الدقة.” وبما أن رايان يعرف مواقع لقواعد أخرى، فبإمكانهم دائمًا الانسحاب إليها لمتابعة الأبحاث حول علاج حالة السايكو. لقد قطع وعدًا لـ سا— بيانكا، وسيوفي به. “بوسعنا أن نصنع إكسيرًا مقلّدًا أكثر أمانًا من ذلك الهلام المعبأ في زجاجات التي تحصدونها هنا. إكسيرًا يلتزم بمعايير السلامة الصحية.”
“قاعدة لميكرون؟” أضاءت عينا العبقري باهتمام. لم يستطع مقاومة إغراء مختبر من صنع ميكرون. “أتدري؟ أنا مقيّد بعقد يمنعني من العمل مع المنافسين، لكن إن قمتم باختطافي فلن أقاوم كثيرًا. أظنّ أن الخطف يُعَدّ قوة قاهرة؟”
“في حالتي؟ إنه عمل من أعمال الرب.” دافع رايان عن التسامح الديني، لكن فقط مع طائفته الخاصة. “والآن، أين لقاح بلَدستريم؟ سنقوم بإنهائه في طريقنا إلى الخارج.”
لم تردّ لين حتى، مما أثار دهشة رايان. كان يتوقّع منها أن تعارض قراره، لكن اكتشاف الحقيقة هزّها في أعماقها.
حمّل رايان بيانات لقاح بلَدستريم، ليستخدمها في حلقة زمنية مقبلة. أما الآن، فعليهم أن يجدوا وسيلة لمغادرة المبنى ومعهم تيرانو إن أمكن. وبما أنّ رايان صار يعرف بشأن الرسائل الإلكترونية المشفّرة وتحقّق من بقاء بلَدستريم حيًّا، فبوسعه دائمًا التواصل مع العالِم لاحقًا وتحسين خطة اقتحام المختبر ستة وستين.
فجأة، رصدت حساسات الدرع ارتفاعًا حادًا في درجة الحرارة.
لا… “قصيرة، انبطحي أرضًا!” صرخ رايان، لكن صديقته لم تصغِ. كانت تحدّق في الحوض صامتة، غارقة في أفكارها. “قصيرة!”
ذاب أحد جدران الغرفة في ومضة قرمزية.
انطلقت الضربة من القاعة السابقة، مُزيحة الركام الذي كان يسدّ الطريق إلى الخارج. رفع رايان يده فوق خوذته ليحجب الغبار، فيما امتلأ المختبر بسحابة خانقة.
لقد عاد ألفونسو مانادا، تجسيدًا حيًّا للهيب النووي. لكنه لم يكن وحده. فقد تبعته مجموعة صغيرة من رجال مدجّجين بدروع قتالية، يتقدّمهم بلاك ثورن شقيقه. كانت نباتات اللبلاب والطحالب تغطّي درعه كطبقة واقية ثانية، ورغم أنّه وحده لم يحمل سلاحًا ناريًا، فإن ملامحه لم تُظهر أي رضا لوجوده هنا، وهو يلقي على الحوض نظرة اشمئزاز.
“ما كان لأيٍّ من هذا أن يحدث، لو لم تكذبا عليّ أنت وأبي في ذلك الحين،” قال إنريكي، فيما رفع رجاله أسلحتهم نحو لين ورايان. تهيّأ الموصّل لشقّ طريقه بالقتال. “لقد كانت وايفرن على حق. لا يمكن لهذا أن يستمر أكثر.”
“كل شيء سينتهي على ما يرام، سترى بنفسك،” ردّ شقيقه، وهو يكذب على نفسه قبل غيره. “أما والدي… فسيخرج من المشهد بعد هذا، شاء أم أبى.”
رفع فول آوت يده نحو رايان ولين، لكنه لم يفتح النار. كان خطر اختراق الحوض كبيرًا جدًا. “رجالك جميعًا هلكوا، وأنتم محاصرون،” هدّدهم. “استسلموا.”
“لا أظن ذلك،” قال رايان وهو يقترب من لين فيما تيرانو يختبئ خلف حاسوبه. “ما زلت أملك القنبلة الذرية في حقيبتي. إن أردتم سلطة فطرية مشعّة، ستحصلون عليها.”
“لا أصدّقك،” ردّ ألفونسو، كاشفًا خدعته. “لا أفهم ما الذي كنتَ تنوي فعله هنا، أيها الطافر، لكنك فشلت.”
“قصيرة، غطّيني،” قال رايان. لم يكن بوسعه مواجهة فول آوت مباشرة، لكن يمكنهم تجاوزه إن لعبوا أوراقهم بحكمة.
غير أنّ صديقته لم تُجب.
“قصيرة؟”
رفعت لين بندقيتها المائية نحو الحوض، وأطلقت النار.
ارتطم تيار سائل مضغوط بالزجاج قبل أن يتمكّن رايان من تجميد الزمن. كان رجال الأمن الخاص قد فتحوا النار على لين، بينما رفع إنريكي يده عبثًا ليأمرهم بالتوقف؛ توقّفت أشعة الليزر معلّقة في الهواء، فاندفع الموصّل ليطيح بلين أرضًا بعيدًا عن مرماها.
“قصيرة، ما الذي—” لم يُكمل رايان جملته، إذ وقعت عيناه على خوذتها.
لم يرَ سوى دم أسود كثيف يتلوّى خلف حاجبها.
رمق رايان بلَدستريم الأسير برعب، وعينا الوحش العفنتان تحدّقان بابنته بشدّة شيطانية. ورغم أن المخلوق لم يَعُد عاقلًا، فإن قربه أشعل العدوى الكامنة داخل قصيرة، ومكّنه من الاستيلاء عليها.
مع عودة الزمن إلى مجراه، أصابت بعض أشعة الليزر الحاجز الواقي للحوض، فيما اندفع ألفونسو إلى الأمام بزئير غاضب. انفجر حاجب لين، وتناثرت منه خيوط دمويّة أجبرت رايان على القفز إلى الوراء. لم يستطع الموصّل سوى أن يشاهد الدم يتسرّب من درع صديقته، وقد التهمتها المادة من الداخل. أما الحوض…
فقد تشقّق زجاجه، وأخذ يذرف دمًا كالدموع.
لم يسع رايان أن يخطو سوى بضع خطوات، حتى التحمت مجسّات لين بالهلام المحتجز داخل الحوض. وعندها صرخ بلَدستريم.
انفجر الحوض انفجارًا عنيفًا، فيما المخلوق الأسير ينمو حجمًا وقوة. تحوّل ذلك الهلام الكابوسي إلى أفواهٍ مسنّنة تزفر فحيحًا في جوقة جنونية، وعيون زرقاء متلألئة بحجم شاشات التلفاز، وثقوبٍ مسامية تقذف ينابيع من جسيمات التدفق الأخضر. طحالب غريبة، كأنها آتية من واقع آخر، أخذت تنمو على كل ما لامسته هذه الجسيمات، كعدوى كونية.
تمنى رايان لو كان بوسعه محو ذاكرته بإرادته، وهو يشاهد درع لين يُمتصّ في الهلام الذي كان يومًا ما تدعوه “أبي”. لقد التهم الغول ابنته.
مدّ بلاك ثورن عرائشه لينقذ تيرانو، لكن الأوان كان قد فات. فقد أغرق الوحل الأحمر العالِم، واضطر ألفونسو إلى إطلاق انفجار ذري لصدّ الوحش. تلقّى الهلام سيلًا من النار النووية في وجهه، لكنه تجدد على الفور. واصل الشكل المسخ لبلَدستريم التمدّد، حتى غمرت أوصاله البغيضة الغرفة بأسرها.
والآن، بعدما ابتلع لين، حوّل الوحش نظره إلى رايان. عيونُه الفضائية اللامعة لم تُظهر أي ذكاء أو علامة تَعرّف؛ لم يبقَ فيها سوى الجوع. لقد تدهور عقله إلى ما دون الإنقاذ، ولم يبقَ سوى غريزة واحدة: الانتشار.
لقد صار بلَدستريم فيروسًا.
والأسوأ أنّ بعض أفراد الأمن الخاص بدأوا يصرخون، والدم يتدفّق من دروعهم محطّمًا حاجباتهم. كان الإكسير المقلّد في دمائهم قد بدأ بالارتداد، ولم يكن رايان يدري إلى أي مدى يمتدّ هذا الأثر.
“ما مداه؟” تمتم رايان لنفسه، وفكرة مروّعة تعبر ذهنه.
أمطرت رشاشات السقف مادة بيضاء في القاعة، على الأرجح لقاح تيرانو. لكن السائل عجز عن التأثير في بلَدستريم وقد تضاعفت قوته، فتحوّل الكابوس المتحوّر إلى موجة دموية عارمة.
جمّد رايان الزمن ما إن انتهت فترة التبريد، وفرّ بأقصى سرعة ممكنة.
كان ألفونسو مانادا قد شكّل درعًا طاقيًا يحيط به وبشقيقه، ليردّ به كلًّا من الطوفان الدموي ورجاله هو نفسه. رمق رايان تيرانو، لكن الرجل كان قد غرق بالفعل في البحر القرمزي الكوني.
فرّ الموصّل عبر الثقب في الجدار، تاركًا آل مانادا ليواجهوا مصيرهم وحدهم. لم يكن بوسعه المجازفة بأن يتخطى بلَدستريم درعه. فلو تمكّن الوحش بطريقة ما من السيطرة عليه وإفساد نقطة حفظه…
كان على رايان أن يعود إلى ليفيا ليُكمل نقل الذاكرة. “عليّ أن أعود،” همس لنفسه، وهو يصل إلى ما تبقّى من مصنع الاستنساخ. “أعود إلى الماضي.”
كان السقف قد انهار فوق مصنع الاستنساخ، مطمرًا القاعة وحلفاء رايان الموتى تحت أطنان من الركام؛ غير أنّ ألفونسو مانادا نجح في إذابة ممرٍّ للخروج. ومع اختفاء السقف، راحت قطرات المطر الحمضي تتساقط إلى الأرض من فجوةٍ في الأعلى. فعّل رايان حقيبته النفاثة في اللحظة التي عاد فيها الزمن إلى مجراه.
اجتاح سيلٌ دموي المصنع في اللحظة التالية، وانتشر عبر أرجاء المبنى. لكن رايان تمكّن من النجاة من الطوفان، محلقًا في سماء مقرّ ديناميس. وإن كان بلَدستريم قادرًا على توليد الكتلة من العدم، فهذا يعني أنّ طفراته قد منحته قوى تفوق بكثير قدراته الأصلية.
لكن رايان لم يدرك حجم الكارثة، إلا حين ألقى نظرة على روما الجديدة.
لقد أصبحت المدينة حمراء.
كان الناس يتحوّلون في كل مكان تطلّع إليه رايان، الدم يتفجّر من جلودهم ليحوّلهم إلى نسخ من بلَدستريم. كل إكسير مقلّد في أرجاء روما الجديدة قد ارتدّ إلى طبيعته الأصلية. تحوّل الجينومات إلى وحوش، يهاجمون غير المصابين كالكلاب المسعورة. وعلى الأرض، شاهد رايان نسخةً من بلَدستريم تطلق أشواكًا متبلورة نحو رجال الأمن الخاص، وكل من خدشته المقذوفات انضمّ إلى قطيع الزومبي.
كانت الحرائق قد اندلعت في كل مكان، ولم تفلح زخّات المطر الحمضي في إخمادها. أما جبل أوغستس فقد تحوّل إلى شمعة ملتهبة، والدخان المتصاعد منه كان يحجب السماء لأميال، ولم يكن حال مدينة الصدأ أفضل.
“لقد فقدت قواه أي مدى محدّد،” أدرك رايان، وحلقه يلسعه بألمٍ وهمي من أول حلقة زمنية خاضها. “العالم بأسره… سوف ينتشر في العالم كله… سوف يصير هو العالم.”
هذا…
هذا كان كابوسًا.
“هيلين؟” صرخ رايان. كان المطر الحمضي لا يزال يهطل بشكلٍ ما. “هيلين، أين أنتِ؟”
لمحهـا على الأرض. وحشٌ دموي، يتبادل المواقع مع قطرات المطر وهي تهوي على غير المصابين كصقرٍ ينقضّ على الفئران. لم يعد بلَدستريم قادرًا على إصابة الجينومات فحسب، بل على الاستمرار في استخدام قواهم أيضًا.
وإن أصاب رايان…
إن أصاب رايان، فسوف يحصل بلَدستريم على القدرة على السفر عبر الزمن.
“تي؟ ألكيمو؟ براينديد، هل أنتم هناك؟” نادى رايان بقية فريقه في هلع محموم، لكن الرد كان صمتًا إذاعيًا. “أحدٌ ما؟”
لكن لم يُجبه أحد.
كان يظن أنه لن يكترث إلا لـ تي، غير أن صمت والدها… جعل قلبه يعتصر للحظة.
تبًّا، هذه هي الكارثة الثالثة التي تضرب روما الجديدة منذ أن بدأ، وكانت الأسوأ على الإطلاق!
“ليفيا؟” نادى رايان وهو يغيّر التردد. كان المبنى أسفله قد تحوّل إلى الأحمر، فيما بلَدستريم المتضخّم حطّم النوافذ وانساب على الجدران الفولاذية كالشلال. حاول مجسّ هائل طوله ثلاثون مترًا أن يلتقط الموصّل، فناور وابتعد طائرًا نحو جنوب المدينة. “ليفيا؟ ليفيا!”
إن وصل إليها بلَدستريم قبله…
جاءه صوتٌ رقيق مطمئن يجيب نداؤه: “رايان.”
زفر رايان بارتياح. “ليفيا، هل أنتِ بخير؟”
“نعم، أنا… أنا في مخبأ آمن في سورينتو.” توقفت لحظة قصيرة، وأنفاسها تتسارع بفزع. “رايان، ما الذي يحدث؟ رؤياي… لا أستطيع أن أصدق ما أراه. إنها تمطر دمًا في الخارج.”
لحسن الحظ، وصلت سيّدته الأولى إلى جبال شايان. “تحصّني وأعدّي نفسك لنقل الذاكرة. سأرسل لك البيانات التي جمعتها. سجّليها ولا تلمسي أحدًا سواي. ولا قطرة دم واحدة.”
“إنها ديناميس، أليس كذلك؟” خمّنت وهي تسعل. “هل… هل فات الأوان لفعل شيء؟”
“فات الأوان هذه المرّة،” أجاب رايان بصرامة، وقبضتاه ترتجفان غضبًا. “لكن ليس للمرّة المقبلة.”
كاد يقسم أنّها أومأت في الجهة الأخرى من الخط. “لا تمت في الطريق،” توسّلت ليفيا. “سأكون بانتظارك.”
قطع رايان الاتصال، وهو يعبر السماء حيث التقى بمحلقين آخرين. كان ليو الشمس الحيّة وشراود يراقبان الخراب بصمتٍ مرتبك؛ غير أنّ الأخير كوّن سحابةً من شظايا الزجاج الطائر حين لمح الرئيس يقترب.
“هدنة!” صاح رايان وهو يشبك ذراعيه. “هدنة!”
“أنت السبب في هذا!” زمجر شراود. “كلها غلطتـ—”
لكن ليو هارغريفز خرج من شروده، ورفع يده ليوقف رفيقه. لقد أدرك أنّهم في هذه اللحظة لا يملكون ترف القتال، حتى ضد شرير وسيم. “أختك…” سأل شروق الشمس رايان، فيما المطر الحمضي يتبخر متحوّلًا إلى بخار ملوّن عند ملامسته. “هل ماتت؟”
أشاح رايان بوجهه، وصمته كان جوابًا كافيًا. “أنا…” خفض ليو الشمس الحيّة رأسه بانكسار تام. “أنا آسف، لأجلها… ولأجلك يا ماتياس. لقد خذلنا آخر وصايا أمك.”
“لم نستطع إيقافه،” تمتم شراود بصوتٍ متحشرج مفعم بالحزن واليأس.
“كنتم تعرفون أن هذا سيحدث؟” سأل رايان، وهو أشدّ خيبةً من نفسه أكثر من أي شيء آخر.
“لقد تم التنبؤ به، فحاولنا… حاولنا أن ندمّر بلَدستريم، لكن…” تعثّر ليونارد في العثور على الكلمات. “فشلنا.”
“كل ما فعلناه هو تأجيل الكارثة،” قال السيد الشفّاف، قبل أن يرمق زميله بنظرة ثابتة. “ليو، عليك أن تفعلها.”
“إن أطلقت كامل قوتي، سيحترق كل من في المدينة،” حذّر ليو. لم يسمع رايان صوته يومًا بهذا القدر من الانكسار. “سيموت الملايين.”
“وإن أفلت طائر واحد، فسيتبعه العالم بأسره.” أطلق شراود تنهيدة استسلام. “لا طريق آخر.”
“العالم كله قد أُصيب بالفعل،” قال رايان. ورغم أنه سيعيد التحميل قريبًا، لم يظن أن ليونارد يستحق أن يحمل ذنب هذه الوفيات في أي خط زمني. “ديناميس لديها جينومات خارج روما الجديدة، وغالبًا قد تحوّلوا. الأمر بلا جدوى.”
“لكنها ستؤخّر انتشار الفيروس،” أصرّ شراود. “سنكسب وقتًا كافيًا لحماية مجتمعات أخرى—”
دوّى الرعد فوق رؤوسهم.
ضرب برق قرمزي شراود، فشوَى لحمه داخل درعه الزجاجي نفسه. اخترقت الصاعقة صدره فكوّنت فيه فجوة، مبخرةً أعضاؤه ودافعةً المنتقم المقنّع ليسقط إلى شارعٍ مشتعلٍ في الأسفل. أطلق ليو صرخة فزع وذهول، فيما رفع رايان نظره إلى مصدر الصاعقة.
“هارغريفز.” كان أوغستس يهبط من الغيوم أعلاه، مغطى ببرق قرمزي كأنه ملاك متلألئ هبط مطرودًا إلى الأرض. “كان يجب أن أعرف أنك متورّط.”
كانت ثياب مؤخرة البرق قد تمزّقت إربًا، لكن الرجل نفسه خرج بلا خدش. وفي يده اليمنى كان يحمل النصف العلوي من دمية أرنب مدمّرة، فراؤها الأبيض قد اسودّ تحت الرماد.
لقد ربح الحكام حرب الأرانب.
“أيها الأحمق!” زمجر ليو في وجه غريمه الأزلي، ولهيبه يشتعل حتى غدا ساطعًا يعمي الأبصار. “العالم بأسره على المحك!”
“العالم الوحيد الذي أرغب أن أحيا فيه،” ردّ زيوس المافياوي وهو يرفع قبضته، “هو ذاك الذي غابت فيه شمسك.”
متحرّكا بسرعة تضاهي أفضل أيام رايان، ضرب أمير الحرب صدر ليو، مخترقًا ألسنة اللهب بأصابعه ليبلغ قلبًا متأجّجًا تحته. دفعت الضربة بالشمس الحيّة ليرتطم بالأرض، محدثًا انفجارًا بدّد نسخ بلَدستريم إلى رماد.
“أنت!” صرخ رايان بغضب صادق، فيما كان زيوس البرق يكدّس الشحنات ليصعق خصمه المطروح. ذلك المعتوه المستميت على ثأره الشخصي فوق كل شيء! “أيها التمثال العاجي الرخيص الأناني، لقد بلغ السيل الزبى! ستسقط، بطريقة أو بأخرى!”
حدّق زيوس المافياوي فيه بعينين لا تريان سوى القتل، ولعن رايان لسانه.
أوقف الموصّل الزمن تلقائيًا في اللحظة التي أطلق فيها الحاكم الإغريقي الرخيص عاصفةً كهربائية نحوه. ومع أنّ العالم الأرجواني أسدل ستاره على روما الجديدة وحاصرها بين ثانيتين، فإن أوغستس ولا برقُه تباطآ لحظة. لقد تملّص الرجل الذي لا يُقهر تمامًا من سطوة تجميد الزمن.
لكن لا شك أن فولكان تصنع أفضل الدروع، ورايان دائمًا يتوقّع اللامتوقَّع.
رمش زيوس المافياوي حين امتصّ سلاح صدر الموصّل الصاعقة القرمزية. صحيح أنّ الآلية لم تكن تملك سعةً لا محدودة لتخزين الطاقة، لكنها منحت المسافر عبر الزمن ما يكفي من الوقت ليضرب ضربةً مضادة.
ومع علمه أنّها بلا جدوى، وجّه رايان لكمة بكل ما أوتي من قوّة إلى وجه أوغستس.
وكان شعورًا رائعًا.
ارتطمت قبضته المدرّعة بخدّ الرجل العاجي، وجزئيات بنفسجية وسوداء تتماوج حول أصابعه. توقّع رايان أن يؤذي نفسه أكثر مما يؤذي زيوس الرخيص، خاصةً وقد بدا وكأنه يلكم جدارًا من الألماس؛ لكن لمفاجأته، أزعجت الضربة الطاغية. لم تُخلّف اللكمة أي أثر يُذكر، ولم تتعدَّ فاعليتها صفعةً خفيفة، لكنها أطفأت الهالة البرقية لحظةً وجيزة.
ولبرهة قصيرة، رأى رايان الشيخ الكامن تحت الواجهة الإلهية، عيناه تتسعان ذهولًا فيما قبضة الموصّل لا تزال ملامسةً وجنته. تحوّلت نظرة مؤخرة البرق من الدهشة إلى الغضب، وإن لم يَخن الموصّل حدسه… فثمّة لمحة خوف أيضًا.
“لقد أحسستُ بها،” قال أوغستس.
تحرّر الزمن من جموده مع تسجيل رايان لتلك الكلمات، فبادر زيوس المافياوي بردّ الضربة.
كانت قبضته أثقل من لكمة وايفرن، آدم الغول، وكل من واجههم رايان من قبل. حطّمت اللكمة درع الصدر، مزّقت السلاح المثبّت تحته إلى فتات، وقذفت بالموصّل بعيدًا إلى الوراء. ارتطم المسافر عبر الزمن بمبنى، واخترق جداره ليخرج من الجهة الأخرى، ولم يتمكّن بالكاد من استعادة توازنه في الطيران قبل أن يهوي إلى الأرض.
نجت الحقيبة النفاثة من الضربة، لكن الدرع قد اختُرق. قطرة دم واحدة كفيلة بالتسرّب. وحتى الآن كان يشعر بقطرة مطر حمضي تحرق جلده تحت الفولاذ.
لذا ركّز رايان فورًا على استعادة الارتفاع، وألقى نظرة خلفه.
ولحسن حظ الموصّل، كان هارغريفز قد انقضّ على أوغستس في قتال متلاحم، فأبطأه مؤقتًا. لقد صار شروق الشمس نجمًا متوهّجًا يعمي الأبصار وهو يشقّ السماء، حرارته تجعل الغلاف الجوي يغلي من حوله. ومع ذلك، استطاع رايان أن يلمح ظلّ عدوه الذي لا يُقهر وهو يحاول أن يقبض على نواة الشمس الحيّة؛ ولعلها كانت نقطة ضعف هارغريفز الوحيدة.
أحرقت نيران الشمس الحيّة ثياب أوغستس، لكنها لم تستطع إذابة جسده العاجي. كان بوسع ليو أن يؤخّر خصمه، لا أن يهزمه. وفي النهاية، لن يجد البطل سوى أن ينسحب… أو يهلك.
وعندها سيوجّه أوغستس أنظاره إلى رايان.
حوّل الرئيس ما تبقّى من طاقة إلى حقيبته النفاثة، وغادر روما الجديدة تاركًا إياها غارقة في الغبار.
□■□■□
استغرق وصول رايان إلى مخبأ ليفيا ساعةً كاملة.
كانت روما الجديدة قد اختفت منذ زمنٍ في ومضةٍ قرمزية أحرقت مبانيها وأرضها وسكّانها. سواء انفجر ألفونسو مانادا بطاقة نووية أو تحوّل شروق الشمس إلى سوبرنوفا، فلن يعرف رايان أبدًا. ورغم أنه كان على بُعد أميال حينها، فقد شعر بالموجة الصادمة للانفجار.
لكن ذلك لم يُغيّر شيئًا.
وأثناء تحليقه فوق غابة، راقب الأشجار وهي تتحوّل إلى الأحمر، أوراقها تنقلب إلى أعضاء، ولحاؤها إلى دم متبلور. حتى بعض الطيور تحوّلت إلى مسوخٍ تطارده لتصيبه بالعدوى؛ لكنها كانت بطيئة عن اللحاق به، فيما المشهد وحده كان كافيًا ليملأ قلب المسافر عبر الزمن بالهلع.
هذا الكوكب الأزرق كان على وشك أن يصير أحمر.
وجد ليفيا بانتظاره في سورينتو، جنوب روما الجديدة. كانت واقفةً على سطح المبنى نفسه الذي أُجلي منه رايان يوم فجّرت الميتا المدينة. وظنّ الموصّل أن أميرة الأوغستي تتهوّر بوقوفها مكشوفة، قبل أن يلاحظ الحلقة الرمادية من الرماد التي تطوّق المبنى. عشرات—بل مئات—الأبراج الآلية شكّلت طوقًا حصينًا حول المخبأ، تبخّر أي نسخة من بلَدستريم تحاول الاقتراب.
ولحسن الحظ، تعرّف النظام الأمني إلى درعه وسمح له بالمرور.
“ذكّريني أن أرسل شوكولاتة إلى فَولكان بعد إعادة التعيين،” قال رايان وهو يهبط على السطح، يغطّي صدره بيده. كانت قطرات مطر أسيد رين قد حرقت صدره، والدم يتسرّب من الشقوق التي خلّفها أوغستس.
“قد لا تكون مثالية، لكن لا أحد ينكر فعالية أنظمتها الأمنية.” جالت عينا ليفيا نحو جرحه بقلق، ورغم تحذيره لها من لمس أي دم، امتدت أصابعها على صدره الفولاذي. “من فعل بك هذا؟”
“والدك.” أجاب رايان، فعضّت ليفيا شفتها السفلى. “حتى والعالم يحترق من حوله، ظلّ انتقامه همّه الأول.”
“أفهم.” قطّبت حاجبيها. “ولين؟ والبقية؟”
“أنا وحدي.” أطلق رايان تنهيدةً مرهقة. “من جديد.”
ومرّة أخرى.
“نحن فقط.” رمقته ليفيا بنظرة شفقة وحنان. “أهذا ما كنت تحاول إيقافه؟ أم شيئًا آخر؟ لا أستطيع أن أتصوّر الثقل فوق كتفيك. لا بد أنّه كان عذابًا.”
“ما زال هناك وقت لتغيير هذه النهاية المروّعة.”
لقد جمع رايان الآن البيانات التي يحتاجها لنهايته المثالية. جميع قطع أحجية روما الجديدة باتت بين يديه.
لم يبقَ سوى أن يرتّبها بالنسق الصحيح.
“نعم. لكن في المرّة المقبلة…” رفعت ليفيا بصرها نحوه بعزم. “في المرّة المقبلة، لن تحمل هذا العبء وحدك يا رايان. أُقسم لك.”
لا. سيكون هناك من يعين رايان على حمل عبئه: ليفيا، ولين، وألكيمو، وغيرهم. ذكرياتهم ستصمد عبر هذه الإعادة، وسيكون هو الناقل لعقولهم عبر الزمان والمكان.
فتح المسافر عبر الزمن حقيبة درع ساتورن الخلفية، وأخرج خوذةً معدنية. وضعها بعناية على رأس ليفيا، ووصل الجهاز ببدلته عبر الراديو الزمني. “هل سيؤلم؟” سألت.
“فقط أنا، لكن لا تقلقي. أنا خالد.”
“لن أخبر أحدًا،” ردّت بابتسامة. “سنجد وسيلة بلا ألم في المرّة المقبلة. لن أسمح لك أن تموت بسبب أخطائنا.”
الحلقة التالية ستكون مختلفة عن كل ما سبق. لم يكن الموصّل يدري حتى إن كانت قوته ستبقى على حالها، بعدما أخذت طاقة العالم الأسود تجري في عروقه. لقد كانت هذه الإعادة غوصٍ في المجهول.
لكن على الجانب الآخر… سيكون هناك من ينتظره.
“سنرى.” قالها رايان وهو يفعّل قدرته. أوقف مسيرة الزمن، فتحوّل درعه إلى أرجواني قاتم. اجتاحهما سيلٌ من الجزيئات البنفسجية كطوفان، تتناثر بينها بقع سوداء تطفو كالزيت فوق الماء.
لاحظ الموصّل رجلًا عاجيًا يحلّق في اتجاههما، لكن الأوان كان قد فات لأي تغيير.
وما إن انتهى النقل وانهارت هذه الحلقة في محيطٍ من الجزيئات الأرجوانية، حتى عاد رايان بذاكرته إلى مبارزته القصيرة مع أوغستس. لطالما تساءل عن الأمنية التي منحها له الكيان الأسمى الأسود، لكنه وجد جوابه أخيرًا.
ماذا تُسمي قوّة قادرة على قتل الخالدين؟
مفارقة.
☆☆☆☆☆
ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.
