الفصل 78: جرعة زائدة من السعادة
“هذا هو جدار برلين…” قال رايان وهو يقف بين جنوده وباب فولاذي ضخم، “آخر حصن يفصل بين الحضارة الغربية والفناء التام.”
رمق رايان أتباعه بنظرة سريعة؛ جميعهم مستعدون للموت من أجل الوطن—ولأن الخيارات المتاحة أمامهم شبه معدومة. كانت سارين تقف عاقدة ذراعيها، متشبثة بوقارها حتى في هذه اللحظة الحالكة. أما داركلينغ فقد انزوى في زاوية القاعة، ما يزال متجهم الوجه بسبب لقبه الساخر. ألكيمو أطلق شخيرًا خافتًا، متلهفًا لإنجاز المهمة. أما بقية وقود المدافع—جيميني، والسحلية، وآلة الحبر—فكانوا يترقبون بقلق، مدركين أن فرص نجاتهم، كأي أصحاب قمصان حمراء[1]، تكاد تكون معدومة.
لاند، والبعوضي، وعدد قليل من الباقين ظلوا فوق السطح لحماية ساحة الخردة. كان راكشاسا يتولى مهمة مصيرية: تهدئة الأرانب القماشية المهيمنة التي يتضاعف عددها بلا توقف، قبل أن تبلغ الكارثة ذروتها—مهمة محكوم عليها بالفشل سلفًا. أما إنكوغنيتو، فقد أرسله رايان إلى ديناميس ليمهّد الطريق للعملية الختامية لهذه الحلقة.
ظهر آخر أفراد الفريق المختار بعد قليل، يحمل حقيبة سوداء بيده.
“وصلت، سيادة الرئيس،” أعلن فرانك وهو يقدّم القطعة المقدسة لسيده المظلم. “حقيبة الشيفرة النووية. وصلت مع البريد.”
حبس رايان أنفاسه وهو يلمس الجلد الطري للحقيبة بلهفة ظاهرة. كان قد حرص على طلبها عبر مسار معقد كي لا يتمكن المرسِل من معرفة هوية الزبون، لكن جهوده أثمرت أخيرًا. ها هو مخطط الموصّل الشيطاني يصل إلى ذروته.
“ما هذا يا زعيم؟” سألت سارين، وعلى وجهها مسحة من الحيرة. “سلاح سرّي؟”
“السلاح الوحيد الذي يستحق العناء.”
أوقف رايان الزمن للحظة، وما إن عاد كل شيء إلى حاله حتى كانت ملابسه قد تساقطت على الأرض، ولم يبق عليه سوى السروال الداخلي. استقبل الحاضرون استعراض رجولته بمزيج من الدهشة والذهول.
“أوه يا إلهي…” تمتمت آلة الحبر، وقد باغتها المنظر.
“ليس مجددًا أيها الفاضح!” تذمّر ألكيمو. “لو قُدتنا للمعركة وأنت عارٍ، فسأخرج من الباب فورًا!”
اكتفت سارين بأن رمقته بنظرة جانبية وقالت: “رأيتُ أسلحة دمار شامل أكبر من هذا بكثير.”
تجاهل الرئيس تعليقات الجميع، وفتح الحقيبة ببطء، ليحدق في القوة المظلمة الكامنة بداخلها.
بدلة وردروب الرئاسية.
على عكس ملابسه السابقة، جاءت هذه المرة سوداء قانية تتخللها خطوط حمراء، لا مجال للهزل أو الاستعراض بعد الآن. تلك البدلة لم تكن كأي شيء واجهه خصوم رايان من قبل: لا تعرف الرحمة، لا تتهاون، ولا تقبل المساومة.
ارتدى رايان البدلة ببطء وصمت أمام جنوده، ليؤكد هيمنته الأسطورية وأناقة الشر الطاغية عليهم جميعًا.
بدأ بالسروال الداكن أولًا، فالبرودة في المخبأ لا ترحم. كان ينساب على جسده بانسيابية كاملة، متكاملًا مع منحنياته، ينبض بجاذبية الأشرار الفاتنة.
بعده انتعل حذاءه الجلدي الأسود—ليدوس به على وجوه المحتجّين دون رحمة—وجوارب مزينة بجماجم.
ثم قميص كشميري أحمر وسترة سوداء فاخرة على طراز كارل لاغرفيلد. فمن يعتنق جانب الظلام، لا بد أن يتأنق كألماني.
ربطة عنق قوية متينة، رمز لقيادته السلطوية التي لا تعرف اللين.
قفازات مخملية، ليخنق بها أتباعه إذا تجرأ أحدهم واعترض.
معطف أسود طويل، يرفرف مع الريح كلما وقف متجهمًا فوق الأسطح.
وقناع أحمر وفضي يغطي معظم الرأس، لا يظهر منه سوى العينين، لتُرعب نظراته الشريرة الأطفال.
وأخيرًا، قبعة بـويلر متوحشة، ليؤكد أن الأمر هذه المرة جِد لا هزل.
لا نور. لا أمل. كلمة واحدة فقط.
“مثالي…” قال رايان، مغلّظًا صوته ليبدو أكثر رهبةً وهيمنة.
ظل الجميع صامتين من رهبة الموقف، باستثناء أحمق الفرقة. “لا أرى فيها ما يميّزها.” تمتم السحلية، متحذلقًا. “وأظنها، متكلّفة بعض الشي—”
وقبل أن يُكمل، كان رايان قد أمسك بعنقه بيد واحدة يخنقه بلا تردّد.
استغرق الأمر من رايان سنوات حتى يتقن هذه الحركة، لكن انقطاع الهواء والدم فجأة أطاح بالسحلية على ركبتيه. حاول هذا المسكين أن ينتزع ذراع الرئيس بكلتي يديه، لكن سلطة القانون زادت قبضة رايان قوة حول عنقه، ولم تمنحه فرصة للنجاة.
“إن افتقادك للذوق يثير قلقي…” قالها رايان بنبرة لا تحمل إلا الوعيد بالموت.
“أنا… أنا آسف…” تمتم السحلية بصعوبة، ووجهه ذو القشور يزداد زرقة.
“آسف لمَن بالضبط، أيها الحقيبة؟”
“آسف… سيادة الرئيس…”
أفلت رايان المحتج من قبضته، وتركه يلهث بحثًا عن الهواء. ألقى نظرة صارمة على بقية السايكو، فانتبهوا جميعًا وأخذوا وضعية الانضباط فورًا. أما فرانك، فقد التقط ملابس الرئيس القديمة بحرص، ووضعها في الحقيبة السوداء.
“حسنًا أيها الحثالة، استمعوا إلي!” خاطب رايان جنوده بينما كان يعلّق مسدسه الكهرومغناطيسي على حزامه، ويرتدي القفازات المعدلة فوق القفازات المخملية. “هدفنا أن نصل إلى الحاسوب الرئيسي للقاعدة عبر طريق مختصر، لنمنح صديقنا عديم المخ قُبلة الوصل.”
“أنا لستُ—”
“هل تشكك في سلطتي؟” قاطع رايان ألكيمو بنبرة صارمة. “لأنني—صدق أو لا تصدق—أحترم حرية التعبير.”
نظر العبقري إلى السحلية، الذي لم يكن قد التقط أنفاسه بعد من الخنق.
“عامان مضيا…” تمتم ألكيمو، “وما زال الهراء نفسه يتكرر.”
“أنا أعشق الديمقراطية.” أكمل رايان شرحه بسرعة. “مهمتكم أن تضمنوا وصوله إلى هدفه سالمًا. فرانك وداركلينغ سيشقّان الطريق بالقوة، ونتبعهم جميعًا.”
العملاق الفولاذي أدّى التحية العسكرية على الفور بعدما وضع الحقيبة جانبًا. “أمرك، سيادة الرئيس.”
أما دعمه الإحتياطي فلم ينبس ببنت شفة.
“داركلينغ؟ داركلينغ؟” التفت رايان إلى كرة الهلام السوداء المفضلة لديه. “داركلينغ، هل تقاطعني بالصمت الآن؟”
“… اسمي ليس داركلينغ…” تمتم السلايم، دون أي إقناع، وعيناه الكثيرة تتهرب من النظر إليه.
“وما هو إذًا؟” سأل الرئيس بابتسامة متباهية.
“… ليس داركلينغ.”
حسنًا، ليكن اسمه ليس-داركلينغ.
“والآن، قبل أن نقتحم المكان، كنت سأُلقي خطابًا حماسيًا، لكن دعونا نكن صرحاء… حياة السايكو قذرة، وحشية، وقصيرة.” وضع رايان يديه على خصره في وقفة دارث فيدر الشهيرة. “الحديث الحقيقي سيكون للقبضات والرصاص.”
ولو أنه لن يكون صادقًا تمامًا إن ادّعى عدم قلقه من هذه العملية. كثير من الظروف التي سمحت بحدوثها لن تتكرر مرة أخرى: من سفر سايشوك إلى الماضي، إلى وقوف سارين بدور الحارس، أو استغلال داركلينغ لغول كوعاء في اللحظة المناسبة. وحتى الدمية القماشية، لا يمكن للموصل أن يتوقع منها أن تتعاون أو تلتزم بخطة.
لأوّل مرة منذ أن بدأ رايان يعيد الزمن في كل حلقة، ستكون هذه المحاولة بلا إعادة—فرصة واحدة فقط، لا تتكرر.
ورغم أنه حفظ مسار الطريق المختصر الذي رسمته له نورا عن ظهر قلب، إلا أنه كان يتوقع مقاومة شرسة في الطريق. فآدم البدين فقد معظم رجاله وهو يشق طريقه نحو الحاسوب الرئيسي، ما يعني أن ما ينتظرهم هناك قادر فعلًا على قتل الجينومات. شعاع ليزر واحد يصيب الرأس، أو خطأ صغير عابر، وكل شيء ينتهي فجأة.
لكن رايان لم يصل إلى هذه النقطة من حياته من دون المجازفة. ولين بحاجة إليه الآن.
“هيا الآن،” قال الرئيس وهو يبتعد قليلًا رافعًا مسدسه الكهرومغناطيسي، “سارين، كوني لطيفة واستخدمي الهزاز الخاص بك.”
“في يوم من الأيام سأريك معنى الهزاز فعلًا…” رفعت نائبته يديها، وأطلقت موجة صادمة هائلة أطاحت بالباب الفولاذي.
استقبلتها فورًا زخات من أشعة الليزر المتقاطعة.
بسرعة خاطفة، أوقف رايان الزمن، وسحب سارين بعيدًا عن مسار شعاع ضال كاد يصيبها. ومن خلف الباب المحطم، لمح الموصّل سربًا من الآليين ذوي العين الواحدة، يطلق كل منهم أشعته من تلك العين الضخمة، وقد اتخذوا مواقع دفاعية محكمة على طول الممر الفولاذي الكبير.
“ضربة تكساس الساحقة!” صرخ فرانك فور عودة الزمن إلى مجراه، ثم اندفع كالثور الهائج باتجاه سرب الروبوتات. كان العملاق يسحق كل ما يعترض طريقه، فيما يمتص جسده قطع المعدن من الآلات عند أول تماس.
داركلينغ انساب خلفه على الفور، وتبعته بقية المجموعة. بقي رايان وألكيمو في مركز التشكيل، يحرسهما طوق من السايكو المتحفزين.
وانفجر الجحيم من حولهم.
لم يكد رايان يخطو خطوة واحدة حتى اضطر للانحناء سريعًا متجنبًا رصاصة، إذ انفتحت الجدران لتكشف عن رشاشان صغيران مزدوجان على كل جانب. حاصرت زخات الرصاص آلة الحبر بغتة، لكنها لم تصبها بأي أذى—جسدها السائل سمح للمقذوفات بالمرور من خلالها بلا أثر.
وقبل أن تطيح الأعيرة ببقية الفريق، أوقف رايان الزمن وأطلق النار من مسدسه الكهرومغناطيسي على الأسلحة. لحسن الحظ، كانت طلقاته قوية بما يكفي لثقب البرجين وإحداث فجوتين هائلتين فيهما.
لحسن الحظ، لم يبقَ أتباعه واقفين يتفرجون. سارين ساندت فرانك بتفجير الروبوتات عبر موجات صادمة، بينما كان السحلية ينقضّ على أي علبة صفيح تجرؤ على الاقتراب منها أكثر من اللازم. أما آلة الحبر، فقد كانت تقفز في أرجاء القاعة، وتحول جسدها السائل إلى دفق يتسرب إلى أحد الروبوتات لتسيطر عليه، وتستخدمه كدرع معدني يحمي ألكيمو.
أما أغرب أفراد عصابة الميتا—جيميني—فقد أثبتت كفاءتها بدورها. للوهلة الأولى، بدت امرأة شفافة تشع نورًا ساطعًا، لكن رايان كان قد اكتشف الحقيقة حين دقق النظر: ظلها المتمدد كالأخطبوط هو ذاتها الحقيقية، أما المرأة المتلألئة فمجرد وهم. وكان لذلك الظل قوة قاتلة: حين يضرب ظل الروبوت، ينعكس الأذى فورًا على الجسد المعدني نفسه.
غير أن أضواء الممر ازدادت سطوعًا فجأة. تحرك اثنان من الروبوتات بحيث بدا وكأن ظلالهما السوداء قد أمسكت بظل جيميني.
لقد اكتشفوا السر، فكّر رايان بدهشة، بينما كانت ظلال الروبوتات تقيّد ظل جيميني ذاته. لم يستغرق الأمر من تلك الآلات سوى دقائق حتى خمّنوا طبيعة قدرتها ووجدوا وسيلة لإبطالها. كما لاحظوا أن فرانك يمتص المعدن عند اللمس، فانتقلوا من محاولة إسقاطه جماعيًا إلى إمطاره بوابل من أشعة الليزر.
هذه الآلات كانت تتعلم. والأسوأ من ذلك، طريقة حركتها—تجنّبها لنيران الحلفاء، وتنسيقها شبه المثالي—دلّت على أنها ليست وحدات مستقلة، بل أجزاء من عقل جمعي واحد.
وفي غضون دقائق، أدرك ذلك الذكاء الجماعي أن ألكيمو هو الهدف الأهم—ربما لأن رايان والباقين كانوا يحيطونه بالحماية طوال الوقت.
“داركلينغ، احمِ الطبيب!” صرخ رايان مشيرًا إلى ألكيمو، فاستجاب الشوغوث على الفور وانتقل من الهجوم إلى الدفاع. التف الهلام الأسود حول ألكيمو كسور واقٍ، دون أن يلمسه، ليصد أي شعاع ليزر متجه نحوه.
لكن الآلات سرعان ما غيّرت أهدافها، وركّزت نيرانها هذه المرة على رايان نفسه. خمسة روبوتات أمطروه بوابل من أشعة الليزر، فيما اندفع سادس لمهاجمته عن قرب.
“أهكذا إذًا؟ لم تكتشفوا أنني الزعيم إلا بعدما فتحت فمي؟” سخر رايان منهم بينما فعّل قدرته، وقفز متفاديًا أشعة الليزر في لحظة زمنية مجمدة، ثم حطّم صدر الروبوت السادس بلكمة من القفاز المعدل. “ألم تلاحظوا زيي الفاخر بعد؟”
لمّا عاد الزمن إلى مساره، اخترق شعاع ليزر قبعة البويلر خاصته، فاشتعل غضب رايان على الفور. رد بانفعال، وأطلق النار من مسدسه الكهرومغناطيسي على الروبوتين اللذين كانا يقيدان جيميني، محررًا إياها. وسرعان ما مزق ظلها باقي الآلات إربًا.
بعد أن أبادوا كل من وقف في طريقهم، استأنف فرانك موجة الدمار، واقتحم الباب التالي بقوة ساحقة. الغرفة الجديدة التي واجهتهم كانت على شكل قبة واسعة، يغطي سقفها عرض هولوغرافي ضخم يصوّر النظام الشمسي. لمح رايان نقطة حمراء صغيرة تدور في مدار حول الأرض، أبعد من القمر بكثير.
لكن لم تتح له الفرصة للاستمتاع بهذا العرض المذهل، إذ انفتحت ثقوب صغيرة في أنحاء القبة، واندفعت منها طائرات مسيّرة على شكل عيون، راحت تمطر المجموعة بوابل من الرصاص من رشاشات خفيفة. تحوّل داركلينغ فورًا إلى حاجز هلامي كثيف، حاميًا الجميع من الزخة الأولى.
وفجأة، ازداد ضوء المجسمات الهولوغرافية فوق رؤوسهم سطوعًا، وتحول شمس الوهم إلى سوبرنوفا أطلقت ضياءً يعمي الأبصار. وفي الأثناء، انفتحت أبواب فولاذية على الجدران، واندفع منها المزيد من الآليين أحاديي العين، موجة تلو موجة من الفولاذ لا تعرف الرحمة.
بينما كان داركلينغ يشكّل جدارًا هلاميًا يحمي ألكيمو، اندفع فرانك وسط الآليين على الأرض محطمًا كل من يعترض طريقه، وجسده المعدني يصد أشعة الليزر بسهولة. لكن عيبه بقي واضحًا: افتقاره لأي هجوم بعيد المدى، فلم يستطع إصابة العيون الطائرة، ما جعل المهمة تقع على عاتق سارين ورايان.
في النهاية، اضطر الموصّل لإيقاف الزمن—دافعًا نائبته بعيدًا عن مسار رصاصة، ومطلقًا النار بنفسه على تلك الطائرات اللعينة.
للأسف، لم يكن حال بقية الفريق أفضل بكثير. فقد لجأت الروبوتات أحادية العين لنفس خدعة ‘الإمساك بالظل’ التي استخدمها سابقوهم ضد جيميني، لكن هذه المرة بأعداد أكبر. ثمانية روبوتات أحاطوا بظل السايكو من كل الجهات، ثم شرعوا في تمزيقها إربًا. جسد جيميني المتلألئ خبا وتلاشى في ومضة ضوء ساطع.
أما آلة الحبر، فقد حوصرت في ركن من القبة بخمسة روبوتات، أحرقوها بأشعة ليزر متواصلة حتى تلاشى جسدها السائل إلى بخار ملوّن، عاجزًا عن مقاومة الحرارة.
حتى السحلية لم ينجُ حتى اللحظة إلا بالتشبث بالبقاء قريبًا من داركلينغ.
“هناك!” صرخ رايان مشيرًا إلى يساره، نحو نقطة التقاء جدار القبة بالأرض. “هنا نقطة الضعف البنيوية، يا تشيرنوبل!”
“توقف عن مناداتي بهذا الاسم!” تذمّرت سارين، لكنها انصاعت للأمر على الفور. راحت قفازاتها تهتز، وبدأت تصوّب موجاتها الصادمة نحو تلك البقعة. ظهرت التشققات تدريجيًا في الأرضية، وبدأت الأساسات المعدنية تنهار تحت الضغط.
وبالطبع، حاولت الآلات على الفور إيقاف سارين، لكن داركلينغ تمدد ليشكل جدارًا واقيًا حولها وحول ألكيمو ورايان والسحلية. وحده فرانك بقي في الخارج، لكنه كان واضحًا أنه ليس بحاجة لأي حماية. أخيرًا، نجحت فتاة البدلة الواقية في نسف فجوة واسعة في الأرضية.
الطريق إلى الحاسوب الرئيسي.
تحوّل رايان الآن إلى قائد ميداني بكل معنى الكلمة، وهو يطلق أوامره الحاسمة: “السحلية، معنا!” أمره، فيما كانت سارين تقفز داخل الفتحة. “فرانك، داركلينغ، غطّوا المؤخرة!”
“أنا لست مجهزًا للتسل—” بدأ ألكيمو في الاعتراض، لكن السحلية ورايان أمسكا به كأنه كيس بطاطا، وقفزا به إلى الفراغ أسفلهم. تولى فرانك وداركلينغ مهمة تغطية الفتحة، يختطفان كل طائرة عيون تحاول التسلل خلفهم. وظل العملاقان في مكانهما، كأنهما اثنان من الإسبارطيين الشجعان يصُدّان جيشًا فارسيًا بأكمله.
هبط الموصّل ورفاقه في قاعة عجيبة أشبه بمعرض أشباح، تعج بأنابيب ضخمة وحاويات زجاجية. في كل واحدة منها أجساد آدمية نصف مكتملة؛ بعضها تطفو أعضاؤه في سوائل ملوّنة، وعلى الرغم من ملامحها البشرية، كانت أطراف تلك الكائنات طويلة بشكل مريع، وأجزاء من وجوهها مستبدلة بآليات معدنية.
مختبر أبحاث للجينومات.
كانت الأنابيب الممتدة على الجدران تغذي الحاويات بسائل خمّن رايان أنه الإكسير. أما السحلية، فقد بدا عليه أنه يكبح نفسه بصعوبة عن الانقضاض وشرب محتويات تلك الأنابيب.
“إلى أين نتجه الآن؟” سألت سارين، مشيرة إلى بابين فولاذيين. “يسار أم يمين؟”
“لا هذا ولا ذاك.” أجاب رايان، وعيناه تتجهان إلى نقطة محورية في الجدار الفولاذي على اليمين، خلف حاوية خضراء ضخمة. إذا تمكنوا من إسقاط تلك النقطة، فسيصلون مباشرة إلى غرفة الحاسوب الرئيسي.
تقدمت سارين نحو اللوح الفولاذي، وأطلقت غازًا ملونًا من أطراف أصابعها. بدأ الجدار يصدأ بسرعة مذهلة، بينما كان رايان يرفع نظره نحو الفتحة في السقف. ولحسن الحظ، كان داركلينغ قد أغلق الفتحة بجسده الهلامي، مانعًا الطائرات الصغيرة من التسلل إلى الداخل.
“سيادة الرئيس!” صرخ السحلية، وقد وضع يديه على الأرض، مستشعرًا الذبذبات الخفية بحواسه المعززة. “هناك شيء قادم من جهة اليسار… روبوت، أكبر بكثير من كل ما واجهناه.”
حسنًا، لا تكتمل أي مغامرة دون زعيم في النهاية. “براينديد، خلفي!” قال رايان، دافعًا العبقري ليقترب من سارين. “السحلية، اثبت في مكانك. حان وقت التضحية من أجل الوطن!”
“أفضل أن أتجنب ذلك، سيادة الرئيس…” تذمر السحلية.
رفع رايان يده مقلدًا حركة الخنق، فما كان من المسكين إلا أن استعاد وطنيته فورًا.
وبعد لحظات، انفتح الباب الفولاذي الأيسر، واندفعت منه آلة ضخمة بارتفاع ثلاثة أمتار، تشبه حاوية عملاقة تسير على ستة أرجل معدنية تشبه أرجل العناكب، ويمتد من مقدمتها ذراعان آليان. كان سائل قرمزي يدور داخل الحاوية الزجاجية، تمر خلاله شرارة طاقة كهربائية؛ وفي مركز السائل، لمح رايان بقعة حمراء دقيقة—بوابة صغيرة بحجم رأس الدبوس، تفضي إلى عالم من قوة هائلة لا توصف.
اندفع السحلية فورًا نحو الروبوت العملاق، لكنه لم يكد يقترب حتى امتدت يد الآلة إليه، وانبعث منها توهج قرمزي رفعه في الهواء.
كانت تلك الآلة جينومًا بقدرات التحريك الذهني—واحدًا حقيقيًا، يستطيع توجيه قوة طاقة التدفق الأحمر لأي شيء بلا قيود.
رفعت الآلة السحلية وألقته نحو السقف بقوة ساحقة، حتى انضغط جسده وتحوّل إلى ما يشبه العجينة، قبل أن يهوي جثمانه المشوّه أرضًا حين توقفت القوة فجأة. بدا المشهد في عيني رايان وكأنه بعوضة سحقها مضرب ذباب.
والآن، التفتت الآلة نحو رايان، رافعةً يدًا فولاذية باتجاهه.
بمجرد أن أحس الموصّل بضغط الهواء يتزايد، أوقف الزمن على الفور، وابتعد عن مكانه مطلقًا رصاصة من مسدسه الكهرومغناطيسي. غير أن المقذوف ارتد من على الزجاج الغريب الذي يحمي السائل الأحمر، مما أثار حنق المسافر عبر الزمن.
“قل لي يا روبوت، هل تستطيع أن تلمس نفسك بتلك القوة؟” سخر رايان من الآلة، فما كان منها إلا أن حاولت سحقه على الجدار بقوة التحريك الذهني. وحده استخدام الموصّل لإيقاف الزمن وردة فعله الخاطفة أنقذاه من مصير السحلية. “آمل ألا تكون تلك الأيدي للزينة فقط!”
ردّت الآلة بانتزاع ألواح فولاذية من الجدران بقوة ذهنية، وقذفتها نحو رايان بعنف.
لم يكن تبادل السخرية مع آلة بلا عقل أمرًا ممتعًا على الإطلاق؛ كأنك تحدث جدارًا أصم. لذا ركّز الموصّل جهده على تفادي المقذوفات، ومحاولة تقليص المسافة بينه وبين خصمه.
وفي اللحظة المناسبة، أوقف رايان الزمن، ووجه لكمة قوية إلى مفصل الذراع اليسرى للآلة، فحطّمها إلى نصفين بالقفاز المعدل. كان يأمل أن يشوش ذلك على قدراتها الذهنية—إذ لم يكن بوسعه تحطيم الحاوية الزجاجية في قتال قريب، خشية أن يُغرقه الإكسير. سقط الذراع من مكانه ما إن عاد الزمن إلى مجراه، لكن الروبوت لم يتوانَ عن الرد فورًا، محاولًا أن يخترق جسد رايان بأرجله العنكبوتية.
ولحسن الحظ، كانت بدلة وردروب مصممة للحرب، فلم تتمزق رغم كل الحركات البهلوانية التي قام بها الموصّل.
بفضل تشتيت رايان انتباه المخلوق، كانت سارين قد أذابت نفقًا في الجدار، وفرّت إلى الداخل برفقة ألكيمو. سعى الموصّل للحاق بهما، لكن الشيء اجتهد في سحقه بذراعه المتبقية، محاولًا تحويله إلى عجينة. ومع أن المسافر عبر الزمن تمكّن من تفعيل إيقاف الزمن في كل مرة بدأت فيها الآلة بتركيز قوتها حوله، إلا أن الروبوت كان قد سد مدخل النفق تمامًا.
ولحسن الحظ، اختار داركلينغ تلك اللحظة لينساب من فتحة السقف، ويسقط مباشرة فوق الآلة العملاقة.
ابتلع هذا الكابوس الكوني الروبوت بكتلته الهلامية السوداء، إذ أن مجرد اقترابه ألغى قدرة الآلة على التحريك الذهني، تمامًا كما تفعل إشعاعات ألفونس مانادا. ثم شرع الشوغوث في إذابة الإكسير الأحمر داخل الحاوية، ماصًا السائل والبوابة الصغيرة إلى جسده.
“بالهناء والشفاء يا صديقي المظلم!” قال رايان وهو يفرّ داخل النفق، تاركًا الشوغوث الأليف يستمتع بوليمته.
وبعد دقيقة، شق الموصّل طريقه إلى غرفة القيادة في المخبأ، حيث أضاءت الأنوار الحمراء والشاشات المتوهجة فوق رأسه. كان حقل قوة أحمر يحمي الدماغ البيوميكانيكي في المنتصف، وألكيمو يحاول اختراقه يائسًا. أما سارين، فكانت تكافح لتدمير الأبراج الدفاعية بموجاتها الصادمة.
“سأتكفل بالأبراج، ساعدي صديقنا العبقري،” قال رايان لسارين وهو يعيد تعبئة مسدسه الكهرومغناطيسي ويفتح النار على أحد الأبراج. اخترق المقذوف الآلة، فانفجرت على الفور.
بعد أن فعّل قدرته، اقترب رايان من برج رشاش، ثم وثب فوقه وشرع يمتطيه كأنما يروض ثورًا هائجًا، موجّهًا فوهاته بالقوة نحو باقي الأسلحة المنتشرة في الغرفة. وفور عودة الزمن إلى مجراه، انطلقت زخات الرصاص تعبر القاعة، لكن هذا التشتيت أتاح لسارين أن تلتحق بألكيمو مجددًا.
وبينما كان رايان يوفّر غطاء ناريًا، أطلقت تشيرنوبل غازها نحو القاعدة المعدنية التي تحمل الدماغ العملاق؛ جزء منها صدئ سريعًا، ما أدى إلى تعطّل الحقل الواقي. اقتنص ألكيمو الفرصة فورًا وتسلق البنية البيوميكانيكية.
تمامًا كما فعل سايشوك في الحلقة الماضية، اندمج العبقري مع الدماغ العملاق، مغرسًا أصابعه المحقنة في الكتلة البيولوجية وموصلًا نفسه بالآلات الغريبة. اندفعت صواعق زرقاء في دماغ ألكيمو المكشوف، وأصبح جهازه العصبي متصلًا مباشرة بنظام القاعدة.
وفجأة، توقفت كل الأبراج الدفاعية عن إطلاق النار دفعة واحدة. حتى البرج الذي كان رايان يمتطيه تعطّل تمامًا—لخيبة أمله، فقد استمتع بذلك العرض القصير.
“هل انتهى الأمر؟” سألت سارين، وهي ترمق الأبراج الدفاعية وكأنها تتوقع أن تعود لإطلاق النار في أية لحظة.
أجاب ألكيمو بنبرة فاترة: “أقوم بتغيير صلاحيات الإدارة ومعرّفات الهوية، حتى تسجّلنا الأنظمة ك ‘موظفين’.”
“لا أسمع اهتزازات أو إطلاق نار في الجوار،” قال رايان مبتسمًا، “لذا يمكنني اعتبار هذه العملية ناجحة.”
ربما خسروا بعض أصحاب القمصان الحمراء، لكن المعلومات التي جمعها عن دفاعات المخبأ ستكون ذات فائدة عظيمة لاحقًا.
وكأن الشاشات حول الحاسوب الرئيسي كانت تجيب على أفكار الموصّل، إذ بدأت تعرض مشاهد مباشرة من غرف المخبأ—من قاعة الترفيه إلى القبة الهولوغرافية. كان فرانك قد كوّم كومة هائلة من الروبوتات وسط القاعة، فحجبت الرؤية عن الكاميرا جزئيًا. بينما أظهرت شاشات أخرى مختبرات تحت الأرض، ومستودع أسلحة مستقبلي، ومُصادم جسيمات مصغّر.
“هذا مذهل…” بدا صوت ألكيمو متحمسًا أكثر من أي وقت مضى، حتى كاد رايان لا يصدقه. “كل هذا الكم الهائل من المعلومات هنا! كل الأسرار التي كشفها… لم أتمكن بعد من فتح كل الملفات، لكني أرى محتواها بالفعل.”
“هل هناك شيء عن السايكو؟” سألت سارين بأمل ظاهر.
“نعم، وليس هذا فقط. كيف حسّن ميكرون قدرات الجينومات الآخرين، طريقة عمل الإكسير… كل شيء هنا. كل الأبحاث، كل الأسرار.”
نظر ألكيمو إلى رايان بنظرة انتصار واضحة: “سنغير العالم يا كومة اللحم!”
□■□■□
جهاز نسخ الدماغ الجديد بدا مطابقًا تمامًا للجهاز القديم.
وقف رايان يراقب أنفاسه متحجرة، إلى جوار لين الغارقة في نومها، خوذة الجهاز تغطي وجهها وتعيد كتابة ذاكرتها. أضواء المستوصف أعمته عن كل شيء، ولم يعد يسمع صوته من شدة دقات قلبه المتسارعة. حتى التنفس صار صعبًا عليه، رغم أنه لم يكن يرتدي قناعه الرئاسي.
“لا تقلق يا رايان.” حاولت تي طمأنته. “أنا أراقب مؤشرات حياتها… العلاج يعمل كما ينبغي.”
“هل ستستيقظ الماما بعد هذا؟” سألت سارة الصغيرة ألكيمو، بينما كان يشرف على عملية نقل الذكريات. كانت دميتها القماشية تراقب العبقري بنظرات حمراء متوهجة، وكأنها لم تنسى لقاءاتهما السابقة. “أخيرًا؟”
“نعم، ينبغي ذلك.” أجاب ألكيمو ببرود وهو ينزع الخوذة عن رأس لين. “العملية انتهت، وقد أصلحت الأضرار التي سببتها كثرة استخدام الجهاز. ستستعيد وعيها قريبًا.”
“إنها…” تنهد رايان، وكأن الاعتراف أثقل قلبه. “شكرًا.”
“كنت مدينًا لك بخدمة، أليس كذلك؟” تمتم العبقري. “وفي الحقيقة، عليّ أن أشكرك أنت. وصولي لقاعدة بيانات ميكرون سيضيف الكثير لأبحاث—”
“أبي.” قاطعته دول وهي ترمق سارة ورايان بنظرة سريعة. “ليس هذا وقت الحديث الآن.”
“آه، لن أفهم أبدًا لماذا يولي الدماغ البشري كل هذا الاهتمام للمشاعر البدائية.”
“وأنت صنعت لنفسك ابنة، أليس كذلك؟” رد رايان، غير راغب في المزاح. “لقد كنت تهتم أيضًا.”
تجمّد ألكيمو في مكانه وكأنه تلقى صفعة، ثم التفت نحو الباب.
“حسنًا… لا يهم. دول، تعالي معي. العمل الحقيقي يبدأ الآن.”
“اعتنِ بنفسك يا رايان.” قالت دول للموصّل، قبل أن تبتسم لسارة. “وأنتِ أيضًا ستأتين معنا.”
“ماذا؟” احتجّت الصغيرة. “أنا سأبقى هنا!”
“أفهم أن الأمر مهم لك، لكن…” نظرت تي نحو رايان، “أظنه بحاجة للحظة بمفرده معها. لقد انتظر طويلًا جداً.”
كانت تلك طريقة لطيفة للتعبير عن الأمر.
تنهد رايان حين رمقته سارة الصغيرة بنظرة متفحصة. “اسمعي يا سارة… أنا و الماما كنّا قريبين جدًا.”
ضيّقت سارة عينيها وقد عقدت ذراعيها بارتياب: “قريبين إلى أي حد؟”
“إلى الحد الذي جعلني أظن أننا قد ننجب مشاغبة مثلك يومًا ما.” أجاب رايان بصراحة لا تخلو من القسوة، فاحمر وجه اليتيمة خجلًا. “ها قد دمّرت طفولتك. الآن اخرجي من هنا قبل أن أدمّر شبابك أيضًا.”
“يا للقرف!” وضعت سارة يدها على فمها بامتعاض. “هل فعلتما…”
“نعم، فعلنا!” قاطعها رايان، محدقًا في عينيها البريئتين. “وكنا في السادسة عشرة!”
استشعرت الدمية القماشية حرج شريكتها، فسحبتها من عباءتها قائلة: “هيا نلعب في الخارج!”
“أ… أحتاج لبعض الهواء النقي…” تمتمت سارة أخيرًا، تاركة تي ورفيقها ذو الفرو يدفعانها خارج الغرفة.
وأخيرًا… بقي رايان وحده مع لين.
بينما كان يراقب صدرها يعلو مع أنفاسها، عاد رايان بذاكرته إلى أيام الطفولة، حين كان ينتظر لين أن تستيقظ ليخرجا معًا ويلعبا في الخارج. نفس المشهد تكرر قبل سنوات، حين ظل يراقبها كأخ أكبر يحنو عليها.
‘ما زالت تحبك.’
ترددت كلمات سايشوك في ذهن الموصّل، بينما بدأت لين تتحرك قليلاً. جفناها يرتجفان كأنهما يوشكان على الانفتاح، والمسافر عبر الزمن شعر بتوترٍ يتصاعد في أصابعه مع كل لحظة انتظار.
“قصيرة…؟” همس رايان وهو يمسك يدها برفق، شاعرا بهشاشتها ودفئها بين أصابعه. “أيتها الأميرة النائمة… أعلم أنني لست الأمير الذي حلمتِ به، لكن حان وقت الاستيقاظ.”
فتحت لين عينيها الزرقاوين اللامعتين، وحدّقت في وجهه.
لبرهة، راود رايان خوف أن يرى في نظرتها برود سايشوك السيكوباتي الجامد، لكنه لم يجد شيئًا من ذلك. لم تكن نظرة خوف، ولا حيرة، ولا حتى دهشة. بل كانت النظرة النادرة التي انتظرها قرونًا ولم ينلها قط—
ومضة من التعرّف الحقيقي.
“ريـري…” ابتسمت لين ابتسامة مشرقة أذابت قلب رايان. “أنا… أنا أتذكر.”
بضع كلمات قصيرة، لكنها تحمل معنى العالم كله.
“ريـري، لقد نجحت!” تهللت لين بسعادة. “عملية النقل نجحت!”
شعر رايان بشيء دافئ ينحدر على وجنتيه. باتت أنفاسه متقطعة، وضغط حاد يعصف بصدره.
“آه… آه…”
“ريـري؟” تبدلت ملامح لين من الفرح إلى القلق. “ريـري… أنت… أنت تبكي؟”
سقط رايان على ركبتيه، وانفجر بالبكاء.
لم يستطع أن ينطق بكلمة، أو حتى أن يتحرك، إذ انزاح عن كاهله فجأة ثقل القرون الطويلة. جرفته وحشة الزمن، كطوفان يجرف كل شيء. عاد إلى السطح كل ذلك الألم الذي دفنه، هرب منه، أنكره، وحمله على ظهره لقرون—ليجتاحه الآن دون رحمة.
كان دماغه يشتعل ككتلة من اللهب، وقلبه ينعصر في صدره بقوة. لحظة من الفرح الخالص، لكنها أثقل من أن يحتملها، جعلته هشًا وعاجزًا وضعيفًا إلى أقصى حد. شعر وكأنه فارس تائه سقط عنه درعه البراق، فانكشف حزن روحه الخام للعالم كله.
لم يستطع رايان حتى أن يرفع رأسه أمام الشاهدة الوحيدة على انكساره. لم يعد يملك أي قوة. استُنزفت كل طاقته في موناكو، وفي فرنسا وإسبانيا، وفي كل بقعة وطأها. استنفدها كلها وهو يقاتل آدم، ويصارع سايشوك، ويواجه الأوغُستي وديناميس، وكل أعدائه عبر القرون. أهدرها في الجري الدائم، نحو الماضي تارة، ونحو الأمام تارة أخرى، بحثًا عن النهاية المثالية.
ثم شعر بذراعيها تلتفان حول عنقه، فملأت هذا العالم البارد المعتم بالدفء من جديد.
“كل شيء على ما يرام يا رايان.” احتضنته لين بقوة، تمامًا كما كانت تفعل حين كانا طفلين. أسند رأسه إلى كتفها، فيما راحت تهمس له بكلمات دافئة: “أنا… أنا هنا يا رايان. لست وحدك. لست وحدك.”
كلا.
لم يعد وحده بعد الآن.
☆☆☆☆☆
[1] “أصحاب القمصان الحمراء” مصطلح نشأ من مسلسل “ستار تريك” الكلاسيكي، ويشير إلى الشخصيات الثانوية التي ترتدي قمصانًا حمراء، وعادةً ما تكون أول من يموت عند مواجهة خطر جديد.
