الفصل 76: حرب العقول
“لا.”
وأمام صورة الرئيس التنفيذي لشركة ديناميس على شاشة حاسوبه، أخذ رايان يربّت على أذني قطه. لم يكن هذا الاجتماع المغلق بينهما يجري كما ينبغي. “أظن أنني لم أسمع جيدًا، سيد مانادا.”
“قلتُ لا.” أجاب هيكتور، وقد كانا يتواصلان عبر قناة آمنة. “لا مزيد من الإكسير المقلّد. اتفاقي كان مع من سبقوك، وزوالهم غيّر كل شيء.”
“بكل تأكيد يمكننا أن نتابع من حيث توقفوا.”
“اسمعني جيدًا، أيها الحقير الصغير،” قال المدير التنفيذي وقد تلاشى هدوؤه تمامًا. “أعلم أنك التقيت بالأوغُستي وأبرمت معهم اتفاق سلام. سايشوك غسل أدمغة أشخاص من موظفيّ، بل داخل بيتي نفسه. رجالكم لم يفوا بوعدهم وطعنوني في الظهر. فلماذا عليّ أن ألتزم بجانبي من الصفقة؟”
كيف عرف بأمر الاجتماع مع ليفيا؟ لقد بذل رايان قصارى جهده لإخفاء الأمر. إما أن الرئيس التنفيذي يملك نظام مراقبة متطورًا، أو جواسيس بين الأوغُستي. وربما الاثنين معًا.
أما عن ردة فعله… فقد كان رايان يظن أن تحالف ديناميس مع عصابة الميتا انهار في السابق لأن موت سايشوك دمّر مشروع نسخ العقول، لكنه كان مخطئًا. في الحقيقة، كان سارق العقول قد بدأ منذ زمن عملية سيطرة خبيثة وبطيئة على ديناميس، حيث قام بغسل أدمغة الموظفين والمديرين التنفيذيين واحدًا تلو الآخر. أما هلاك سايساي، فقد كشف خيانته وجعل هيكتور مانادا يدرك النوايا الحقيقية والخبيثة لعصابة الميتا.
لو لم يكن جشعه قد دفعه لاستئجارهم من البداية…
“إذًا، أظن أنني سأضطر لكشف تسجيلات مناقشاتك مع الإدارة السابقة،” قال رايان بعدما أدرك أنه لن يستطيع الحفاظ على صفقة الإكسير القديمة. “فهم كانوا يحتفظون بكل التسجيلات.”
ضيّق هيكتور عينيه. “هل تبتزني يا سيد رومانو؟”
“أفضل أن أسميها بلاتا أو بلومو[1]، يا سيد إسكوبار.” لطالما رأى رايان أن المدير التنفيذي يشبه زعيمًا في كارتيلات كولومبيا.
“إذًا فأنت تطلق طلقات فارغة. أي فضيحة يمكنني التستر عليها بتكلفة أقل بكثير من شحنة جديدة من الإكسير المقلد.”
“ربما إذًا منافسوك—”
“كلانا يعرف أن أوغستس لن يغفر لكم هجماتكم على أرضه، حتى لو خضعتم له. عصابتكم وقّعت على حكم إعدامها يوم أثارت عش الدبابير.”
ولهذا السبب استعان بعصابة الميتا أصلًا؛ كانوا الجينومات الوحيدين المتهورين بما يكفي لمواجهة الأوغُستي رغم العواقب المميتة—باستثناء الكرنفال طبعًا. ومع ذلك، كان لدى رايان ورقة أخيرة لم يلعبها بعد. “إذًا، ربما عليّ أن أكشف حقيقة ما يوجد داخل الإكسير المقلّد خاصتك. أعتقد أن زبنائك سيعجبون كثيرًا بفكرة شراء ‘سايكو معلب’.”
اضطر رايان أن يعترف للرجل بذلك: كان يتمتع بوجه بلا تعبير، بارع في إخفاء مشاعره. لكنه رغم ذلك استطاع أن يلمح التوتر في عينيه.
“لا فكرة لدي عما تتحدث عنه.”
“أنا أعرف جيدًا ما الذي تخفيه أنت وديناصورك الأليف في المختبر السادس والستين.”
“كلا، لا تعرف.”
تبًا، لم ينجرّ وراء الطُعم. رغم كل عيوبه، كان هيكتور مانادا حذرًا بما يكفي حتى لا يفشي معلومات تُدينُه فعلًا. بخلاف سايشوك، كان يعرف كيف يتعامل مع محاولات التهويل والمراوغة. “بلدستريم.”
“هذا سخيف.” ردّ هيكتور بابتسامة متعجرفة تثير الرغبة في صفعه. “هل لديك أي دليل؟”
“لقد حللتُ عينات الإكسير المقلّد.” كذب رايان ببرود. “يمكنني نشر النتائج متى شئت.”
لم يصدقه المدير التنفيذي، أو على الأقل لم يقتنع بالكامل. لكن الموصل لاحظ أنه اقترب كثيرًا من الحقيقة. كان هناك بالفعل رابط بين الإكسير المقلّد وبلدستريم، مهما كره الاعتراف بذلك.
“لقد حاول كثيرون التشكيك في عملنا، ومع ذلك بقينا صامدين.” شبك هيكتور مانادا يديه أمامه. “إليك عرضي الوحيد يا سيد رومانو: تحتفظون أنتم بالإكسير المقلّد، تفرجون عن تقنيّيّ، تعيدون لي تقنيتي، وتغادرون المدينة خلال ثماني وأربعين ساعة دون إثارة أي ضجة. ستأخذ سر هذا الاتفاق معك إلى قبرك، وسأدعك وشأنك. سيكون هذا المشروع المشترك تجربة فاشلة لا أكثر… وربما يمكننا إبرام صفقة أخرى في المستقبل.”
بالطبع… “وإن لم أوافق على إعلان إفلاسي؟”
“فسأرد بالقوة.” قال هيكتور ببساطة بديهية. “إنريكي ووايفرن يزعجانني بالفعل لإرسال إل ميليوري لطردكم من مدينة الصدأ. موافقتي وحدها ما تفصل بينكم وبين الإبادة الكاملة.”
حقًا… شركة كبرى أخرى تهدد الحكومة—يكاد هذا يدفع رايان لأن يصبح اشتراكيًا. “سأفكر في عرضك.”
“ثمانٍ وأربعون ساعة، يا سيد رومانو. لا أكثر ولا أقل.”
أنهى رايان الاتصال، ودخلت سارين المكتب البيضاوي بعد لحظات. “كيف جرى الأمر؟” سألت باقتضاب.
“كل شيء يسير حسب الخطة،” أجاب رايان بنبرة خبيثة، بينما كان يوجين-هنري يخرخر في حجره. لقد وقع هيكتور مانادا في الفخ دون أن يدرك ذلك، وأصبح لدى الموصّل يومان كاملان دون تدخل من أحد. “هل الجميع مستعد للعملية؟ سنقتحم الحاسوب المركزي… أو نموت ونحن نحاول.”
“نعم، لكن هناك أشخاصًا جدد عند مدخل ساحة الخردة. أوصافهم تطابق ما ذكرته لنا عن ذلك العبقري وابنته الآلية، لذا لم تطلق جيميني النار عليهم فورًا.”
هل وصل ألكيمو إلى روما الجديدة بهذه السرعة؟ لا بد أنه ترك كل شيء خلفه وانطلق فور تلقيه اتصال رايان. “أحضريهم إلى الحظيرة، يا نائبة الرئيس.”
“لا بد أن أسألك… أنت واثق مما تفعله، صحيح؟” سألت فتاة البدلة الواقية بقلق واضح. “أعني… حتى مع نقص الأفراد لدينا، سننفد من الإكسير قريبًا. ولا أظنك ترغب في رؤية الآخرين وهم يمرّون بأعراض الانسحاب.”
بحكم خبرته الطويلة مع بلدستريم، كان رايان يعرف تمامًا إلى أي مصير قد يؤول الأمر.
تاركا يوجين-هنري في المكتب البيضاوي، اتجه الرئيس نحو الحظيرة، ليصادفه في أحد الممرات أرنب من الدمى القماشية. تلك الكائنات الرهيبة صارت تتضاعف بشكل متزايد في الآونة الأخيرة، وبدون أي أطفال يرتبطون بها…
“هيا نلعب في الخارج!” صاح الأرنب الممسوس، وهو يقفز أمام قدمي رايان.
“لا.” أجاب الرئيس، لكن ذلك الكائن المشوَّه لم يكن ليستجيب.
“هيا نلعب في الخارج!” أصرّت الدمية، وقد كشفت إحدى كفوفها عن شفرة صغيرة مخبأة.
“ليس الآن.” قال رايان، ووعده بالخراب المستقبلي كان كافيًا لتهدئة وحش نهاية العالم.
حين وصل رايان إلى الحظيرة، وجد فرانك يجرّ عربة سكن قديمة من طراز فليتوود باوندر، موديل 1986، حتى أوقفها مباشرة بجانب روبوت ميكرون الضخم غير المستخدم. خرج ألكيمو ودول من العربة تحت أنظار سارين اليقظة.
“انتبه! لدي معدات ثمينة في الخلف!” ظل ألكيمو كما هو: سايبورغ من النحاس والفولاذ، رأسه دماغ محفوظ في إناء زجاجي، وأصابعه محاقن لامعة. تطلّب الأمر من رايان كل رباطة جأشه ليحافظ على ملامح جامدة أمام هذا الخائن، بينما كان ألكيمو يوبخ فرانك لتعامله الهمجي مع سيارته.
ابنته الآلية تي، المعروفة بلقب دول، طرأ عليها بعض التغيير. ما زالت تلك الفتاة ذات الشعر الأحمر المتألقة، بملابسها التي تحاكي نمط الفتيات الريفيات في القصص المصورة، لكنها غطّت ذراعيها بجلد صناعي يمنحها مظهرًا بشريًا حقيقيًا. لو لم يكن رايان يعرف حقيقتها، لربما ظنّها إنسانة من لحم ودم.
وما إن وقعت عيناها عليه حتى رمقته بنظرة حادّة.
“كل شيء آمن، سيادة الرئيس!” حيّا فرانك زعيم العالم الحر بتحية عسكرية رسمية. “ضيوفك وصلوا!”
“عمل رائع، أيها العميل فرانك،” أثنى عليه رايان، بينما كانت دول تقترب منه بخطى ثابتة. “مرحبًا، تي… لم أركِ منذ ز—”
قاطعته بصفعة قوية على وجهه، كانت كافية لجعله يرتد إلى الوراء من شدتها.
استعدت سارين لنسف تي إلى أشلاء، فيما تقدّم فرانك الغاضب خطوة للأمام. “انتظروا، انتظروا، الأمر عادي!” هدّأ رايان حراسه رافعًا يده. “إنها حبيبتي السابقة! من حقها أن تفعل ذلك!”
“أوه، إذًا كانت السيدة الأولى سابقًا؟” سأل فرانك وقد هدأ على الفور. “لقد عثرت على فتاة ريفية أصيلة بحق، سيادة الرئيس. تذكّرني بموطني تكساس… وبأيام الزمن الجميل.”
“أنت…” حدّقت تي في رايان بنظرة حادة. “عامان كاملان بلا كلمة واحدة، وكل ما لديك لتقوله هو: ‘مرحبًا، لم أركِ منذ زمن!’؟”
تنهد رايان وهو يدلّك وجنته. كان بوسعه أن يتجنب الصفعة بإيقاف الزمن، لكن جزءًا منه كان يعتقد أنه يستحقها. “هل كان الأمر يستحق كل ذلك حقًا؟”
“بل هذا كل ما تستحقه،” علّق ألكيمو ببرود.
“رايان، أعلم أنه ربما كانت لديك أسبابك لتركنا. لطالما كنتَ روحًا حرّة، وهذا ما أحببته فيك.” قالت تي، عاقدة ذراعيها أمام صدرها. “لكن… لم تكلّف نفسك حتى أن تكتب رسالة!”
حسنًا… كان رايان قد أرسل رسائل ذات مرة، يسأل فيها عن حال بقرتهم الآلية، فلم يتلقَّ سوى رد مرتبك. اتضح حينها أنه كان يشير إلى أحداث مُحيت في حلقة زمنية سابقة، وإلى شيء لم يبنوه قط في الحلقة الأخيرة.
كانت تلك الصدمة قاسية عليه إلى درجة أنه محا تلك الحلقة الزمنية أيضًا.
لسوء الحظ، كان رايان يعرف عن دول أكثر بكثير مما تعرفه هي عنه. فقد تعرّف على كل تفاصيل ماضيها، وكل ما تحب وتكره… وحققا معًا كل أحلام تي الصغيرة، كزيارة فرنسا، لكنها لم تعد تتذكر سوى شذرات من تلك التجارب المشتركة. من منظورها، لم يجمعهما سوى نزوة عابرة؛ أما في نظره، فقد عاشا معًا سنوات كاملة.
وكما آلمه أن تنساه ياسمين من قبل، لم يستطع رايان أن يحتمل عبء الذكريات وحده، خاصة بعد خيانة براينديد. لذلك فضّل الرحيل، محاولًا أن ينسى.
ومع ذلك… حين كان ينظر إليها، أدرك أن بعض الذين تركهم خلفه كانوا يهتمون حقًا. وأن تلك اللحظات القليلة التي احتفظوا بها في ذاكرتهم، مهما بدت قصيرة، كانت تعني لهم الكثير. وهذا وحده كان كافيًا ليشعر بالندم.
“أنا آسف”، تمتم رايان، عاجزًا عن إيجاد كلمات أخرى. “أعتذر حقًا.”
“هذه بداية على الأقل.” خفّت قسوة وجه تي قليلًا، فهي لم تكن ممن يحملون الضغينة طويلًا. “لكن أمامك الكثير لتوضّحه… ماذا تفعل برفقة هؤلاء الوحوش؟”
“مهلًا، أنا لستُ علبة صفيح تتظاهر بأنها بشر!” زمجرت سارين، لكن دول تجاهلتها تمامًا.
“أنتِ عضو في عصابة الميتا.” قال ألكيمو بازدراء. “ولولا أنني مدين لهذا الكائن البنفسجي الحقير بخدمة، لما كنت هنا أصلًا. لا أفهم حتى لماذا يتعاون معكم.”
“صحيح، رايان… ظننت أنك تكره السايكو!” سألت تي، وقد بدا عليها القلق عليه. “هل… هل أجبرك أحدهم على العمل معهم؟”
قهقهت سارين بسخرية: “الأمر معكوس تمامًا.”
“لا أحد يسيطر على الولايات المتحدة الأمريكية!” أضاف فرانك بفخر. “لقد اعتقلنا الفضائيين واستعبدناهم بأنفسنا.”
“لقد فزتُ بحرب أهلية لأتولى قيادة هذه الأمة العظيمة،” قال رايان. “والآن أحاول إيجاد علاج لحالة السايكو… وأهم من كل ذلك، أساعد صديقًا يحتاج إلي.”
ما إن نطقت شفاه رايان بكلمة علاج، حتى ارتسم القلق على وجه دول، بينما لم تزد كلمات رايان ألكيمو إلا فضولًا علميًا. “علاج للسايكو، تقول؟”
“حسنًا يا رايان، سأثق بك. من أجل الأيام الخوالي.” وضعت تي يديها على خصرها وأضافت: “لكن لا يزال هناك شخص عليك أن تعتذر له.”
رمق رايان العربة الصغيرة بنظرة سريعة. “هل هو بالداخل؟”
“نعم.” أجابت تي بجديّة مطلقة. “نعم، هو هناك.”
أخذ رايان نفسًا عميقًا، وفتح أبواب العربة الخلفية بحذر.
وكما توقّع، كان ألكيمو قد جلب معه جزءًا لا بأس به من ورشته: حواسيب عضوية، وقوارير بألوان زاهية تحوي محتويات مشبوهة، وأجهزة مسح دماغية مصغرة… ومحمص خبز. توقف رايان عند رؤيته، ولاحظ أنه مزود بأربع عجلات صغيرة تدفعه للأمام.
تقدّمت الآلة الصغيرة حتى وصلت إلى حافة السيارة، وواجهت الموصّل وجهاً لوجه.
“مرحبًا، رايان.” نطق محمِّص الخبز بصوت يحاكي شخصية تيرميناتور الشهيرة لشوارزنيغر.
“مرحبًا، توستي.” شعر رايان بنظرات الجميع تخترق ظهره. يا لها من لحظة محرجة. “لديك عجلات الآن؟”
“أجل، تي ركّبتها لي حين سئمتُ من مشاهدة التلفاز طوال اليوم.”
لم يكن في صوت المحمِّص أي عتاب، خلافًا للجميع. “عامان يا رايان. عامان كاملان. آمل أنك خبزتَ الكثير من الفتيات في تلك الفترة، لأني لم أتمكن من الفوز بأي واحدة.”
“نعم، كونك محمِّص خبز يقلّل من فرصك بلا شك.” تمتم الموصّل بنبرة متأملة.
“ها أنت لم تتغير… ما زلتَ ذاك الشخص المتحيز القديم.” أطلق المحمِّص صوت نقرة خافت. “تبًا، اشتقت إليك يا رجل. الحياة في المزرعة جميلة، لكن وجودك يضفي شيئًا خاصًا لا أستطيع وصفه.”
كانت سارين تتبادل النظرات بين المحمِّص ورايان، وقد فقدت القدرة على الكلام من فرط الذهول. “ماذا؟ ظننتِ أن الدمية القماشية كانت أول اختراعاتي؟ أو أنني مجرد صاحب موهبة واحدة؟” علّق رايان ببرود ساخر. “مررتُ في فترة كنتُ أبني فيها الروبوتات.”
“أجل، كان قد بلغ الحضيض حين صنعني،” قال توستي وهو يقود نفسه خارج السيارة إلى أرضية المخبأ. “نصيحة صغيرة: لا تدعيه يعبث بالأجهزة وهو يرتدي ملابسه الداخلية فقط… ستقضين أيامًا تجمعين الحطام من كل مكان.”
“صنعتَ محمِّص خبز ذكي؟” رمقت سارين الاختراع بنظرة متشككة. “ولماذا محمِّص بالذات؟”
“أشعر أنني موضع محاكمة الآن،” اعترض توستي.
“في فترة ما من حياتي، كنت أريد الاستقرار في فرنسا،” شرح رايان. “وكان أكثر ما يقلقني أن أستيقظ يومًا ما وأجد الكثير من الخبز بلا وسيلة لتحميصه.”
وضعت سارين يدها على قناعها دون أن تنطق بكلمة. “تعلم… لم أعد أهتم بأي شيء بعد الآن.”
“وليس هذا حتى أسوأ ما فعله!” انفجر براينديد غاضبًا، وهو يحمل في نفسه ضغينة لسنوات. “هذا الأبله زوّد روبوتي الأنثوي بقدرات جنسية، ثم ترك سوائله القذرة في كل مكان!”
“لا بأس يا أبي، لدي برنامج تنظيف مخصص لهذا الغرض.” ردّت دول، دون أن يظهر عليها أي حرج من هذا الحديث العلني. “تحدثنا عن هذا من قبل.”
“مهلًا، هل أقمتَ علاقة مع روبوت؟” سألت سارين رايان، وقد بدأت تربط الخيوط ببعضها.
“لقد جرّبت كل شيء ومع كل أحد.” ومع ذلك، وبعد قرون من التجربة، اكتشف رايان أنه ينجذب في الغالب إلى النساء ذوات الهيئة البشرية. لم يكن ليقول لا لأي تجربة جديدة—ككيان من العالم العلوي—لكن ضعفه الحقيقي كان دائمًا تجاه العبقريات من النساء الأقصر منه قامة. “بل جهّزتها أيضًا ب—”
“على كل حال… قاعدة ميكرون، إذًا؟” قاطع ألكيمو الحديث محوّلًا الموضوع بسرعة، وقد تعرّف فورًا على حقيقة المكان. “هل تحولتَ من تاجر مخدرات إلى إرهابي في غفلة من الزمن؟”
“حين تقوم دولتنا بذلك، لا يُسمّى إرهابًا!” رد فرانك بثقة. “بل تدخل مسلّح مشروع.”
“أوه، رائع! روبوت عملاق!” اندفع توستي أمام آلة الحرب العقربية التابعة لميكرون. “هل يمكنك نقل مصفوفة شخصيتي إليها؟ أعني، الروبوت الضخم ليس سوى محمِّص خبز بقوة خارقة! هكذا وُجدت لأكون، يا عزيزي!”
“أهذا هو سبب حاجتك لعبقريتي اللامحدودة؟” سأل ألكيمو رايان، بينما كان المحمِّص يدور حول الروبوت بسعادة. “هل هو مقلب جديد من مقالبك؟”
“لا.” أجاب الموصّل ببرود. “كما قلت… صديق بحاجة إلى المساعدة.”
تبادل ألكيمو وابنته نظرة، وتحول مزاجهما من الغضب إلى القلق. “أرِني.” طلب العبقري.
□■□■□
بعد استيلائه على عصابة الميتا، أمر رايان بنقل لين إلى جناح المستوصف، وحوّل المكان من خط إنتاج لغسل الأدمغة على يد سايشوك إلى قسم طبي حقيقي. كانت صديقته الغائبة عن الوعي ترقد على طاولة العمليات، موصولة بجهاز تنفس اصطناعي موضوع إلى جوار تكنولوجيا نسخ الدماغ التابعة لديناميس. كانت تبدو هادئة في نومها… وكأنها في سلام تام.
لكن لسوء الحظ، كان المريض الآخر في الغرفة لا يُحتمل صخبه.
“أيها اللص! سأقتلك شر قتلة!” كانت أسيد رين تنتفض مقيدة إلى طاولة العمليات، تقاوم بكل قوتها. “سأهرب، وحين أفعل، سأمزقك إربًا! سأفتح البوابة بأمعائك!”
“همم… سلوك سايكو معتاد.” رفع ألكيمو جهاز مسح يدوي ووجهه نحو رأسها، فظهرت المعلومات على سطح رأسه الزجاجي. “كما توقعت، في دماغها حزمة شرسة من الأورام والخلايا العصبية المتحوّلة. أستغرب أنها ما زالت قادرة على الكلام.”
“صار من الأصعب تخديرها يا زعيم،” حذّرت سارين رايان. “يبدو أنها بدأت تكتسب مقاومة للعقاقير.”
“سأقتلك!” زمجرت أسيد رين في وجه الموصّل. “أنت مَن يمنعهم عني! جميعهم! لو لم تكن هنا، لتمكنت… لعدت أدراجي! كان يمكنني العودة كل الطري—”
غرس ألكيمو ثلاثة من أصابعه المحقنة في عنقها، وحقنها بسوائل ملونة. أطلقت أسيد رين زئيرًا وحشيًا، فيما عروقها أخذت تكتسي بلون أخضر بفعل المحلول الوريدي، قبل أن تخفت أنفاسها وتتلاشى كلماتها في الحلق. لم تمض سوى ثوانٍ حتى فقدت نظرتها الحياة، وغدت عيناها خاويتين.
“تعلم، لو كنت تريد أن تتدرب على القتل الرحيم، هناك دار مسنين على بُعد حيّين من هنا.” قال رايان لبراينديد بسخرية.
“لقد أعطيتها علاجًا لأورام الدماغ ومثبتات مزاجية.” شرح ألكيمو الأمر، غير مستوعب للسخرية السوداء. “هذه المواد ستقضي على الأورام الخبيثة، وتعيد توازن السوائل الحيوية في جسدها، وتصلح الخلايا العصبية التالفة. سيظل ذلك مجرد حل مؤقت طالما أن حالتها كسايكو تُنتج طفرات جديدة باستمرار، لكنه ينبغي أن يمنحها بعض الاستقرار العقلي لفترة.”
“همم…” عقدت سارين ذراعيها. “هل يمكنك فعل الشيء نفسه مع مونغريل؟ الإكسير دمّر دماغه أيضًا.”
“ظننت أنك لا تكترث بمساعدة الآخرين أصلًا،” قال رايان، متذكرًا كيف أن ألكيمو شاركه في تجارة المخدرات دون أن يُبدي يومًا اهتمامًا بعلاج أحد.
“لم أكن أكترث.” اعترف براينديد. “لكن دول أزعجتني حتى وافقت.”
“فكرت أنه ينبغي أن نقدم شيئًا للعالم.” قالت الروبوت الأنثوي بابتسامة وهزّت رأسها بسعادة. “الكثير من الناس يعانون من الأورام بسبب أوبئة ميكرون القديمة، فطلبت من أبي أن يصنع علاجًا لهم.”
“ثم إن إنقاذ معالجاتي العصبية من ألزهايمر والمشكلات المشابهة كان من أولوياتي القصوى.” أضاف ألكيمو، ليغرق نفسه أكثر. “وهكذا وجدت الكثير من المتطوعين للتجارب.”
نعم… لا يزال هو نفسه العالِم المجنون عديم الضمير. على الأقل، كانت دول تلعب دور صوت الضمير في حياته.
رمق رايان لين الغائبة عن الوعي بنظرة قلقة. “هل يمكنك علاج الاكتئاب؟”
“بوسعي معالجة الاضطرابات الجسدية المرتبطة به، كاختلال التوازن الكيميائي، لكن ليس الجذور النفسية للمشكلة. لستُ طبيبًا نفسيًا، ولا وقت لدي للاستماع إلى أصحاب الشكاوى.”
ومع ذلك… إذا أمكن لقصيرة أن تتجنب الاعتماد على مضادات الاكتئاب، فربما… ربما تستطيع أخيرًا أن تتعافى حقًا.
لم تغب النظرة الطويلة التي ألقاها رايان على لين عن عينَي تي. “هل هي…”
“نعم، إنها هي.” أكّد رايان، فيما راحت دول تتأمل الفتاة الغائبة باهتمام. “لين.”
“أتيتَ إلى هذه المدينة بحثًا عنها، أليس كذلك؟ لهذا السبب رحلت عنّا. كل ذلك الوقت، وما زلتَ تريد العثور على صديقتك.” أمسكت تي يد لين برفق. “كم هي باردة… مسكينة.”
“هممم…” أخذ ألكيمو يفحص العبقرية الغارقة في الغيبوبة بجهاز المسح خاصته. “يبدو أن أحدهم حاول مرارًا إعادة كتابة أنماط دماغها خلال فترة قصيرة، حتى بلغ الإجهاد العصبي حدًّا أوشك معه كل شيء على الانطفاء التام. أؤكد لك أنها لن تستيقظ وحدها.”
شعر رايان بالحنق، لكنه لم يُفاجأ.
“لدينا نسخة من عقلها.” كانت ليفيا قد أرسلت الملف، لكنها توسلت أن يجد طريقة أفضل لتسجيل المعلومات؛ فخريطة دماغٍ تُحاكي العقل البشري تتطلب مئات الآلاف من الأسطر البرمجية. أنهكت أصابعها في كتابة كل شيء، ومع ذلك، راود رايان شك أن قوتها الخارقة ساعدتها كثيرًا في تنظيم كل تلك البيانات. “هل يمكنك إصلاح دماغها باستخدام هذه النسخة؟”
“وما جدوى أن تستبدل عقل أحدهم بنسخة من عقله نفسه؟” تساءل ألكيمو بريبة، ثم بدا أنه لم يهتم كثيرًا بالإجابة. “هل لديك الجهاز الذي تسبب في كل هذه المشاكل أصلًا؟”
أشار رايان بإصبعه نحو تقنية نسخ الدماغ الخاص بديناميس، ليترك للعبقري فرصة فحصه عن قرب. لم يبدُ ألكيمو منبهرًا كثيرًا. “هممم… فهمت… نعم، تصميم خبيث للغاية،” قال براينديد وهو يتأمل خوذة النظام. “الجهاز مفخخ، فهو يفسد النمط الجديد أثناء عملية النسخ عبر زرع عناصر دخيلة…”
“هل يمكنك إصلاحه؟” سأل رايان.
“لا.” أجاب براينديد بصرامة. “التخريب طال الأجزاء الحيوية من الجهاز. لكن…”
“لكن؟” رفع الموصّل رأسه، وقد تملكه بصيص من الأمل.
“لكن يمكنني ببساطة تحليل هذا الجهاز وصنع واحد خاص بي—جهاز يعمل كما ينبغي.” ألقى ألكيمو نظرة فاحصة على جدران المستوصف، وكأنه يبحث عن كاميرا مخفية أو غرفة سرية. “هل توجد ورشة عباقرة في هذا المقر؟ مع معرفتي بميكرون، فلا بد أنه جهّز مكرر مواد في مكان ما هنا.”
“نعم، هناك واحدة.” أجاب رايان، متذكرًا ذلك من المخططات. “هناك دماغ أزرق بيوميكانيكي يتحكم في القاعدة. ننوي اقتحام غرفة التحكم والسيطرة عليه.”
“دماغ شامل إذًا.” خمّن ألكيمو. “دماغ كوني… جهاز تخزين بيانات بيوميكانيكي من الطراز الأرقى. لطالما حاولتُ بناء واحد، لكنني لم أمتلك الموارد الكافية قط.”
كان ذلك وحده كافيًا ليؤكد أن ميكرون كان يتفوّق على معظم العباقرة في اختصاصهم نفسه. “أيمكنك السيطرة عليه؟” سأل رايان، فقد كان ينوي تنفيذ ذلك بمفرده، لكن لو أن ألكيمو غيّر من طباعه…
“إذا تمكنت من الوصول إليه، نعم. لكني أفترض أن القول أسهل من الفعل، أليس كذلك؟”
كان آدم البدين قد نجح في ذلك مرتين، على حد علم رايان، وإن كان قد فعلها بإلقاء جحافل من الناس في وجه الدفاعات. أما تحليل نورا الهيكلي، فيفترض أن يسمح لهم بالوصول إلى النظام الرئيسي بسرعة، لكن ليس من دون قتال. “على كل حال، كنا نستعد للهجوم قبل وصولكم. أعلم أنك بلا فائدة في القتال، لذا—”
“لستُ بلا فائدة!” احتج براينديد بنبرة باهتة. “أنا رجل علم، لا قنّاص، لكنني أستطيع الدفاع عن نفسي.”
“ليس ضد الروبوتات،” قال رايان وهو يلقي نظرة خاطفة على فرانك. “ولهذا ستتولى الخدمة السرية الأمريكية تأمين سلامتك.”
“سيكون في أمان، سيدي.” أكد العملاق بثقة. “لم يمت أي رئيس ونحن في الخدمة! أو على الأقل، لم يمت أحد يستحق الذِكر!”
بالطبع…
“أنا قادم يا قصيرة.” همس رايان لشريكته الغائبة. “فقط انتظري.”
☆☆☆☆☆
ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.
[1] عبارة “بلاتا أو بلومو” هي تعبير إسباني يعني حرفيًا “الفضة أو الرصاص”. اشتهرت هذه العبارة بشكل كبير في سياق الجريمة المنظمة وعصابات المخدرات في أمريكا اللاتينية، خاصة مع صعود بابلو إسكوبار في كولومبيا.
تُستخدم العبارة كتهديد مباشر وقاطع:
“بلاتا”: تشير إلى المال أو الرشوة. الخيار الأول هو قبول المال والتعاون.
“بلومو”: تشير إلى الرصاص أو الموت. الخيار الثاني، إذا تم رفض الأول، هو مواجهة العنف والموت.
