الفصل 70: أمسكت بك
في بعض الأحيان، كان رايان يتساءل إن كان القدر موجودًا حقًا.
لقد شهد ذلك مرارًا عبر حلقاته الزمنية. حتى وإن لم تتكرر الأحداث بحذافيرها، كانت غالبًا ما تتشابه وتردد أصداء بعضها، رغم محاولاته المتكررة لتغيير مسارها. ورغم اختلاف الظروف جذريًا هذه المرة، كانت هذه الحلقة الزمنية توشك على الانتهاء بنفس طريقة الحلقة السابقة تمامًا: روما الجديدة تحترق، رايان عالق في درعٍ آلي، وعبقرية تحاول نقل وعيها عبر الزمن.
كان الأمر منطقيًا في نهاية المطاف. رايان ليس سوى شخص واحد، حجر يُلقى في مجرى نهر؛ وحتى يتقن حلقة زمنية بما يكفي ليترك فيها أثرًا حقيقيًا ويغيّر مجراها كليًّا، تبقى سلسلة الأحداث ميّالة دومًا للعودة إلى مسارها المعتاد. لقد كان الموصّل يقاتل حرفيًا الكون بأسره، ويقاوم قوانين السببية نفسها.
ومع ذلك، ورغم ما كلّفه ذلك من خسائر، كان رايان ينتصر في النهاية دومًا. لم يفقد أبدًا أمله في أن تكون الأمور مختلفة، لأن كل حلقة كانت أفضل قليلًا من سابقتها. كانت حياته سلسلة من المحاولات، وكل دورة زمنية تهدف إلى تحسين النهاية الأخيرة.
وإذا نجح الموصّل في حمل المزيد من الأشخاص معه عبر الزمن، فلن يبقى مجرد من يلقي الحصى في مجرى النهر—بل سيصبح قادرًا على تغيير مجراه بانهيارٍ كامل.
“سأحتاج منك أن تفعّل قدرتك عندما أطلب ذلك”، قالت لين وهي تثبّت خوذة الدرع المعدّل على وجه رايان وتوصله بأجهزتها. “بحسب ما فهمت، يجب أن يتراكم تدفق الطاقة البنفسجية تدريجيًا، حتى يبلغ حدّه الحرج… قبل أن تقترب من حاجز العشر ثوانٍ.”
“حسنٌ، أفضل أن أتجنب إنشاء نقطة حفظ جديدة.” قال رايان وهو ينظر عبر عدسات الخوذة، فلم تظهر عليها أي بيانات. على عكس درع ياسمين المتقن، كان تصميم لين أكثر بدائية وتجريبية؛ سيعمل كنقطة ارتكاز لقدرة رايان، لكن الحاسوب هو من سيتولى العمليات الحاسوبية الحقيقية. “إذًا… كيف ستسير الأمور؟”
“سأرسل خريطة ذاكرتي إلى… إلى ذاتي السابقة.” جلست لين خلف حاسوبها، تجهز الإرسال. “من المفترض أن تكتب ذكرياتي الحالية فوق القديمة. على الأقل… هكذا آمل. ربما.”
“ستنجح.” قال رايان، مطمئنًا نفسه بقدر ما أراد طمأنة لين. “لا خيار أمامنا إلا أن تنجح. كل شيء أصبح في مكانه الصحيح.”
“لا يمكننا الجزم بذلك…” هزّت لين رأسها بتردد. “أنا… آمل أن تنجح، يا ريري. لكنني لا أستطيع أن أعدك بشيء.”
انفتح باب الورشة، قاطعا الحوار. دخل فيليكس الغرفة بخطوات متثاقلة، والضمادات تكسو جسده، وعيناه تتنقلان بين لين ورايان. لم يخطئ الموصّل النظرة المرتابة في عينيه، قبل أن تتحول شيئًا فشيئًا إلى استسلام صامت.
كان واضحًا أنه كان واقفًا خلف الباب منذ فترة، يستمع لكل شيء.
“منذ متى… منذ متى وأنت تستمع إلينا؟” سألت لين بقلق، وقد ارتسمت على وجهها خطوط العبوس.
“منذ مدة كافية.” أجاب فيليكس وهو يجلس على طاولة العمل قبالة رايان. “درع جميل، لكنني أفضل بدلة الكشمير.”
“يومًا ما، سأصنع درع قوة من الكشمير.” قال رايان مازحًا.
“أظن أن لديك كل الوقت الذي تحتاجه حين يمكنك إعادته إلى الوراء، أليس كذلك؟” قال فيليكس بعد لحظة قصيرة من الصمت، وقد ركّز نظره على رفيقه السابق. “السفر عبر الزمن… فكرة جنونية، لكنها تفسّر أشياء كثيرة. منذ متى وأنت تفعل هذا؟ وإلى أي مدى تستطيع العودة؟”
“بصراحة، لا أعرف كم عمري أصلًا.” اعترف رايان، قبل أن يتذكر أحد لقاءاته الأولى مع بلوتو. “بين خمسمئة وألف، تقريبًا… أما عن مدى قدرتي على إرجاع الزمن، فهو إلى اللحظة التي وصلتُ فيها إلى روما الجديدة.”
“لقد ظللتَ تفعل هذا لما يقارب الألف عام.” هزّ فيليكس رأسه غير مصدق. “هذا جنون فعلاً.”
“هل… هل أخبرتك ليفيا؟” سألت لين وهي تعبس.
“لا، لكنني بدأت أشك في الأمر.” أجاب فيليكس. “حين تستبعد المستحيل، فما يتبقى لا بد أن يكون الحقيقة، مهما بدا مستبعدًا.” هزّ رأسه ثانية بابتسامة ساخرة. “يبدو أنني قضيت وقتًا طويلًا برفقة ووردروب.”
“هل تصالحتَ مع ليفيا؟” سأل رايان. كان ذلك أحد الآمال التي وضعها لنفسه خلال هذه الحلقة، وربما سيظل يسعى إليه في نهايته المثالية.
“لا أستطيع أن أقول ذلك تمامًا… لكن أظن أنها باتت تفهم سبب رحيلي الآن. تطلّب الأمر حربًا كاملة حتى تهتز ثقتها بوالدها أخيرًا. ومع ذلك، فات الأوان على كل شيء.” قبض فيليكس يديه بغضب مكتوم. “هل يمكنك إنقاذ أختي؟”
“نعم.” قال رايان بثبات. “سأفعل.”
“شكرًا.” تنهد البطل براحة، لكن القلق ظل مرتسمًا على وجهه. “ألا يمكنك أن تصحبني معك في هذه التجربة؟ ستحتاج إلى المساعدة.”
“لا، آسف.” أجاب رايان. “الجهاز لا يستوعب سوى خريطة دماغ واحدة. صدقني، لو كان ذلك ممكنًا لفعلت.”
“نحن…” سعلت لين بخفة، محاولة ترتيب كلماتها. “لسنا متأكدين حتى من أنني أستطيع فعلها أصلًا.”
تقبّل فيليكس الأمر بهدوء، بالنظر إلى كل ما مر به مؤخرًا؛ أو ربما، كل تلك الأحداث جعلته يفقد حساسيته تجاه الصدمات. “فهمت. وعندما تعود إلى الماضي… نموت جميعًا؟”
“ستنسون كل شيء.” طمأنه رايان. “سيكون الأمر أشبه بفقدان الذاكرة.”
“فقدان الذاكرة… أظن أنها إحدى طرق رؤية الأمر.” ضيّق القط الذري الصغير عينيه نحو رايان، وسأله بنبرة مشككة: “هل… هل ضاجعت أختي إحدى الحلقات السابقة؟”
“لا.” أجاب رايان بكل بساطة، مما زاد من ارتياب القط الصغير. يا للعجب، أهذا هو الأمر الوحيد الذي شغله من كل شيء؟ “ما زال أمامي قائمة كاملة من ‘ضاجع، تزوّج، اقتل’ يجب أن أكملها قبل نهايتي المثالية: الزواج من يوكي، مضاجعة فامب، وقتل سايساي…”
دحرجت لين عينيها، بينما عقد القط الذري ذراعيه أمام صدره. “لا أدري لماذا لم أندهش أصلًا.” تمتم أخيرًا، قبل أن يسكت تمامًا. كان واضحًا أنه يحتاج لبعض الوقت ليستوعب كل شيء
“أيها القط الصغير؟”
أجاب فيليكس وهو يحدق في الأرض، وصوته يتهدج: “لم أكن أدرك كم كانت تحبني… فورتونا. كنت أظن أنها ستختار والدينا على حسابي، لكنني كنت مخطئًا. كنت مخطئًا بشأنها… وبشأن ليفيا أيضًا. ما زال هناك أمل لهما. أنا… أنا لم أقدّر أختي يومًا يا رايان. أدرك ذلك الآن. والديّ وقّعا على حكم إعدامي، أما فورتونا… فقد اختارتني أنا دونهم. حين حوصرت واشتد الخناق، فعلت الشيء الصحيح.”
لم ينبس رايان ولا لين بكلمة. كلاهما أدرك أن البطل كان يتكلم من أعماق قلبه، وأنه بحاجة لأن يبوح بحقيقة أثقلته طويلًا.
“وحين تعيد عقارب الزمن، يا رايان، سأفقد كل ذلك. سأعود غاضبًا وناقمًا عليها من جديد. موتها لن يعني شيئًا.”
“لا، لن يحدث ذلك، لأنني سأظل أذكر كل شيء.” طمأن رايان فيليكس. لم يكن رأيه في الفتاة المحظوظة الأفضل يومًا، لكن بعد أن شهد تضحيّتها، تغيّر رأيه كثيرًا. كانت فورتونا ستنجو في نهايته المثالية… بطريقة أو بأخرى.
“هل يمكنني أن أطلب منك معروفًا يا كويكي؟ تأكد أنني…” جمع القط الذري أنفاسه. “تأكد أنني أدرك ذلك حين تنتهي—من دون أن تموت هي. لا أظنني سأتصالح مع فورتونا أبدًا… إلا إذا تدخلت أنت.”
“لا تقلق، سأجد طريقة.” غالبًا… سيخطفهما معًا ويجرّهما إلى جلسة علاج عائلي. حتى لو اضطر لتحويل أحدهما إلى قطعة مخلل[1].
“شكرًا لك.” ارتسمت على وجه فيليكس ابتسامة صادقة. “استمتعت حقًا بالعمل معك يا رايان… أنت صديق رائع.”
“تبًّا، أيتها القصيرة، ابدئي العملية قبل أن أموت من فرط كلامه الحلو!” أشاح رايان بنظره عن فيليكس، بينما كانت صديقته العبقرية تدقّ على لوحة المفاتيح. “لم تسنح لنا أبدًا فرصة عمل مشهد تدريب ملحمي مع الباندا.”
“نعم…” تأمّل فيليكس بأسى. “سأحمل ذلك الندم معي إلى قبري—كان ليكون أمرًا ممتعًا حقًا.”
دوى إنذار رهيب في القاعدة تحت الماء، قاطعًا تلك اللحظة السعيدة.
استدار رايان نحو لين، وخوذته الثقيلة تتحرك ببطء مع جمجمته. ظهرت صورة للهاوية الخارجية على شاشة حاسوبها، وإلى جانبها ظل غواصة عملاقة. كانت أجهزة الإسقاط في قاعدة لين تسلط الضوء على هيكلها المعدني، وشعار ديناميس مرسوم بوضوح على الفولاذ.
أطلق الحاسوب رنينًا خافتًا، إذ حاول أحدهم فتح قناة اتصال. أجابت لين بحذر وعبوس، لتظهر صورة جديدة على الشاشة. جمجمة مشعة مخيفة تومض في وجه الجينومات داخل الورشة.
“إذًا نجوتَ، أيها القط الذري.” لم يكن في صوت ألفونسو مانادا أي نبرة ارتياح، بل لمحة فضول لا أكثر. “كنت أتساءل فقط إلى أين هربت.”
“فول آوت؟” قال فيليكس، وهو يهبط عن طاولة العمل مقتربًا من حاسوب لين. “ما معنى هذا؟ ألست في روما الجديدة؟”
“كنت هناك، لكننا ننقل المقر والمختبرات خارج المدينة. أوغستس دمّر منشآتنا السابقة.” ألقى المدير التنفيذي لديناميس نظرة جانبية على لين. “وسنمرُّ لاصطحاب الآنسة سابينو في الطريق.”
انتفضت لين قلقًا، مما أثار استياء رايان. “وأنت أيضًا يا ناغاساكي؟” سخر من السايبورغ النووي.
“أهذا أنت داخل تلك الدرع، يا كويك سيف؟” رد فول آوت باستهزاء. “جيد، ستأتي معنا أيضًا. أمامكم عشر دقائق فقط للخروج من هذا الجحر تحت الماء والصعود إلى غواصتنا. جدولنا ضيق، وربما تلحق بنا فولكان قريبًا.”
“لا!” احتجت لين، وهي تهز رأسها بعناد.
“نرفض طلبك بكل احترام.” قال رايان ببرود. “لا تجبرنا على بناء جدار برلين جديد.”
“أظنك لم تدرك بعد،” لم يتغير شيء في ملامح ألفونسو، بل ركّز نظرته المشعة الجامدة على لين. “نحن بحاجة إليها، حية أو ميتة. إن لم تستسلموا الآن، سنُغرق هذا المجمع بأكمله ونحصد المادة الوراثية من الجثة.”
شحب وجه القصيرة فجأة حتى فقد لونه كله. “هناك أطفال في الداخل!”
“لقد ساعدناك ضد عصابة الميتا.” أشار رايان، وقد قرر في قرارة نفسه أن يضيف هذا الرجل إلى قائمة من سيقتلهم. “لديك مفهوم غريب عن الشراكات طويلة الأمد.”
“كنت أعلم باتصالاتك مع ليفيا أوغُستي، يا كويك سيف. أنت من خاننا أولًا.” زمجر ألفونسو متجاهلًا تعليق لين. “لكن لا يهم. إذا أردتما أن تنقذا الأرواح هنا، ستنضمان إلينا.”
لم يُخفِ فيليكس غضبه وخيبة أمله. “كنت أظنك من الأخيار.”
“أنا كذلك. لن يكون أوغستس يومًا وجه أوروبا طالما بقيت حيًّا. كل ما أفعله هو أن أضمن ألا ينتصر هو وأمثاله المختلين.”
“وما الفرق بينك وبينه إذًا؟” زمجر فيليكس بغضب. “لقد سمعتَ هارغريفز بنفسك—أوغستس قتل مجتمعًا كاملًا مسالمًا فقط ليقبض على أختي نارسينا. والآن، أنت تهدد حياة الأطفال لمجرد أن تُخضع عبقرية أخرى لإرادتك.”
“الفرق أنني أفعل ذلك لإنقاذ البشر، لا لإبادتهم. هل لديك أدنى فكرة عن عدد الأشخاص الذين قتلهم أوغستس؟ وكم سيقتل بعد الآن، بعدما تحرر من كل كوابحه؟” استدار ألفونسو لينظر إلى لين مباشرة. “كلما أسرعنا في إنهاء هذه الحرب، قلّ عدد الضحايا. إذا جاءت معنا، سنكون أقرب خطوة من النصر.”
“ولماذا أنا؟” تمتمت لين، وقد بدأ صوتها يتهدج. “ماذا… ماذا فعلت لك تحديدًا؟ هل للأمر علاقة بالمصنع؟”
“وما الفائدة من الشرح الآن؟” رد ألفونسو بخشونة، لكنه لم يبخل ببعض التوضيح عن دوافعه. “أنتِ مفتاح تطوير تقنية تنقية الإكسير، يا سابينو. من أجل إنتاج هذه الجرعات على نطاق واسع… حتى لا تبقى أداة قهرٍ في يد قلة من الناس.”
“أنت تريد أن تجعل الجميع جينومات.” أدرك رايان مغزى حديثه.
“نعم.” أجاب ألفونسو دون تردد. “أوغستس وأمثاله من أمراء الحرب يسيطرون على العالم لأنهم يحتكرون الجينومات داخل منظماتهم. لكن إذا أصبح الجميع أقوياء، فلن يكون أحدهم متفردًا بالسلطة. ألا تفهمون؟ الطريقة الوحيدة لكسر دكتاتورية أصحاب القوى الخارقة هي دَيمقْرطة الإكسير. وسابينو هي مفتاح تحقيق هذا الحلم.”
كان أحمر بمعنى الكلمة، بأكثر من طريقة. يا للخسارة—لو لم يكن يرغب في شقها نصفين، لربما انسجم فول آوت والقصيرة معًا على نحو مثالي.
“لأنك تحتفظ بـبلدستريم في مختبراتك؟” سأل رايان، بينما انتفضت لين من حدة السؤال.
تجاهلهم فول آوت تمامًا، رافضًا حتى أن يمنحهم معلومة واحدة للحلقة القادمة. “سئمت من هذا الهراء. ما قراركم؟ أموات أم أحياء؟”
نظرت لين إلى رايان، وجاء ردها حاسمًا:
“الموت أهون من أن أكون أداة في يد الشركات.” قالت العبقرية، وأغلقت الاتصال فجأة.
رد ألفونسو على هذا التحدي فورًا بوابل من القذائف، فاهتزّ المجمع البحري بأكمله تحت ضربات المقذوفات التي هطلت فوق القبة. “الآن، ريري!” صاحت لين وهي تشغّل برنامجها.
جمّد رايان الزمن فورًا، فراحت جزيئات التدفق البنفسجي تتسرب من درعه وتطفو في الهواء. ومع تزايد عددها، أخذ الموصّل لحظة يتأمل فيها المشهد من حوله للمرة الأخيرة: المياه تتدفق من السقف بعد أن مزقتها طوربيدات ديناميس؛ لين تحدق في شاشتها بين الخوف والرجاء؛ وفيليكس، الذي استقبل النهاية بصمت وكرامة.
لم تكن هذه النهاية التي تمنّاها رايان، وأقسم ألا يسمح بحدوثها مجددًا.
ابتلعت الجسيمات البنفسجية العالم من حوله… وهكذا، انتهت هذه الحلقة.
□■□■□
كان اليوم هو الثامن من مايو 2020 في روما الجديدة. ليس للمرة الأولى… ولن تكون الأخيرة.
على الأقل، استطاع رايان أن يشعر بساقيه من جديد.
بدلًا من التوجه مباشرة إلى المدينة، أوقف سيارته في مكان قريب وانتظر. خرجت الموسيقى من جهاز الراديو الزمني، بدلًا من رسائل من زمن ممحو. ومثلما حدث مع يوجين-هنري، توقفت أي قوة غامضة كانت تؤثر على الجهاز في الحلقة السابقة عن التدخل هذه المرة.
الآن، كل شيء بات معتمدًا على رايان وحده.
لم ينبس الموصّل بكلمة، ولم يتحرك قيد أنملة. سيطر الرعب على جسده بالكامل، وهو ينتظر بيأس إشارة من لين—أي إشارة تدل على أنها نجحت، على أن فقدان ياسمين وكل التضحيات التي تلت ذلك لم تكن عبثًا.
رايان لم يكن مؤمنا… لكن في تلك اللحظة، استسلم للرغبة في الصلاة.
توقفت موسيقى الراديو الزمني فجأة، وخرج صوتها من الجهاز:
“ريـري.”
قفز قلب رايان من مكانه، وغمرته موجة من ارتياح لا يوصف. “قصيرة؟” سأل بصوت مرتعش، وأصابعه ترتجف حول المقود. “هل… هل تتذكرين؟”
ساد صمت قصير، تلاه أخيرًا ما انتظره الموصّل منذ أول لحظة اكتسب فيها قدرته… لحظة الحقيقة.
“أتذكّر.”
لقد نجح الأمر.
لقد نجح.
لقد نجح!
بعد كل تلك المحاولات، وكل البدايات الخاطئة، وكل الوحدة والألم، أثمرت صبر رايان أخيرًا.
سنوات من البحث عبر حلقات لا تُحصى، بحثًا في أسرار قدرته، وجمعًا لكل المعرفة التي احتاجها—وما لا يُعد من الدورات الإضافية لتجميع الأدوات الضرورية لتحقيق ذلك. لم يكن هذا الإنجاز ثمرة جهوده وحده؛ لقد احتاج إلى إسهامات لين، وياسمين، وكثيرين غيرهما… لكنه أخيرًا بلغ المرحلة الأخيرة من رحلته.
هذه المرة… كان كل شيء مختلفًا.
لقد تغيّر المسار، ولن تعود الأمور أبدًا إلى ما كانت عليه.
ما من كلمة في أي لغة بشرية قادرة على وصف فرحة رايان في تلك اللحظة. فلأول مرة منذ قرون، انكسرت تلك اللعنة القديمة أخيرًا، ولم يعد وحيدًا في مواجهة الأبدية.
“ريـري…” قالت لين بصوت مبحوح وقد بدت عليه علامات التوتر، استشعر رايان فورًا أن هناك خطبًا ما في نبرتها. “يجب أن تذهب إلى الميتم… الآن.”
“الآن؟” رمش رايان بدهشة، إذ طغى عليه القلق بدلًا من الراحة. “لكن غول سيقتل—”
“عليك أن تأتي بسرعة!” قاطعت لين، وقد اشتد سعالها. “لم يعد هناك وقت. الإجراء… حدثت مشكلة، وأنا أشعر… لست بخير أبدًا. انسَ أمر غول، أنا… أحتاجك الآن يا رايان. وإلا سيضيع كل شيء سدى.”
“قصيرة، ماذا تعنين؟” لم يتلقَ جوابًا. كانت قد أنهت الاتصال بالفعل. “قصيرة!”
ضغط رايان على دواسة الوقود بكل ما أوتي من قوة، وانطلق مباشرة نحو مدينة الصدأ. كان مجرد التفكير في ترك غول ينجو بجريمته يثير غيظه—حتى وإن لم تكن الخسارة نهائية—لكنه أخرس صوت ضميره. لين بحاجة إليه. طلبت مساعدته.
وهي تتذكر.
“لقد نجحت…” تمتم رايان لنفسه وهو يقود نحو الشمال، غير مصدق ما حدث. “نجحت بالفعل.”
لقد نجحت فكرة لين! ربما كان النجاح مشوبًا ببعض المضاعفات أو التكلفة الصحية، لكنها نجحت! كان رايان مغمورًا بالفرح والأمل إلى درجة أنه لم يتردد في رشوة رجال الأمن الخاص ليسمحوا له بعبور حدود مدينة الصدأ.
لم يعد يهم إن كانت عملية نقل الوعي تسببت في آثار جانبية—مجرد نجاحها يعني أنه يمكن تطويرها وتحسينها لاحقًا. المستقبل بدا مشرقًا ومليئًا بالأمل.
رن هاتف رايان بمجرد أن ظهر الميتم في الأفق. لم يتعرف جهازه على الرقم الظاهر، لكن الموصّل عرف المتصل فورًا.
ليفيـا.
لقد أوفت بوعدها، لكنه لم يجب بعد. كانت لين تنتظره أمام باب الميتم، وحدها تمامًا. كانت ترتدي زيها المعتاد وتحمل بندقية الماء خاصتها، بينما بدا الشحوب على وجهها وظهر الحزن في عينيها.
والأخطر من ذلك… كان الدم يسيل من أنفها.
“قصيرة!” أوقف رايان سيارته البليموث فيوري على عجل، وقفز منها مندفعًا نحو صديقته بأقصى سرعته. “قصيرة، هل أنت بخير؟”
نظرت إليه صديقته العزيزة دون أن تنبس بكلمة، كان واضحًا عليها المرض الشديد. هل سبّب النقلُ التلف لدماغها؟
“قصيرة، أنا هنا.” قال رايان وهو يقترب منها أكثر. “كل شيء سيكون على ما يرام، أعدك—”
أطلقت النار عليه.
لو كان أي شخص آخر مكانها، لتفادى رايان الطلقة في لمح البصر. لو لم تكن لين تحديدًا، لجمد الزمن وانتقل جانبًا فورًا. لكن عقله… عقله ببساطة لم يستوعب قط أن قصيرة سترفع السلاح نحوه وتضغط الزناد. تجمّد في مكانه لجزء من الثانية—وكان ذلك كل ما احتاجته.
قبل أن يدرك ما حدث، تشكلت كرة من الماء حول الموصّل وابتلعته فورًا. ضغط هائل شل جسده، واقتحم السائل قناع وجهه.
لماذا؟
حبس رايان أنفاسه، مصدوما تماما، يحدق في صديقته التي كانت تراقبه من الجانب الآخر لسجن الماء. وحين التقت عيناه بتلك النظرة الباردة الخالية من الحياة، أدرك فجأة أن هناك خطبًا جللًا قد وقع.
لقد عادت لين بالفعل عبر الزمن…
لكن أحدًا آخر استغل الرحلة.
☆☆☆☆☆
ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.
[1] هذه إشارة ساخرة ومباشرة لمسلسل الرسوم المتحركة الأمريكي الشهير ريك ومورتي، وتحديدًا الحلقة التي يتحوّل فيها ريك إلى “مخلل” هربًا من جلسة علاج عائلي. أصبحت العبارة ميم عالمي يرمز للتهرّب من المواجهة أو العلاج أو للتعليق الساخر على الجنون العبثي.
