النهاية المثالية: الفصل 7

مدينة الصدأ

الفصل 7: مدينة الصدأ

 

حين قال السكان المحليون إن مدينة الصدأ محاطة بجدران، لم يكونوا يمزحون.

 

فكلما قاد رايان سيارته شمالًا قدر الإمكان، بدأت تظهر له التحصينات التي تفصل ذاك الحيّ عن بقية روما الجديدة. لم تكن جدرانًا بالمعنى التقليدي، بل مزيجًا من أسطوانات فولاذية شاهقة، أسلاك شائكة، كاميرات معلّقة، وأنظمة مراقبة متعددة. وكانت جينومات مدرّبة تتوزّع في أبراج المراقبة، تدفع سُحُب التلوّث بعيدًا عن المناطق السياحية، وتوجّهها نحو مدينة الصدأ باستخدام تحكّمها بالرياح — حتى لا يتنفس الأغنياء نفس هواء الطبقات الدنيا. وبما أن جميعهم كانوا يُنتجون تيارات هوائية، خمّن رايان أنهم يستخدمون الإكسير المقلَّد المعروف بـتيمبست[1]، ذلك الذي يمنح مستخدمه قدرات محدودة في التحكّم بالهواء.

 

وأثناء قيادته بمحاذاة الحصن بحثًا عن نقطة دخول، شغّل الجينوم إذاعة ديناميس، ليستمع إلى آخر الأخبار.

 

“—تلقّينا تأكيدًا بأن الانفجار الذي وقع في حي المغرب الصغير يوم أمس، كان نتيجة اشتباكٍ قصير بين حاميتنا المحبوبة وايفرن، والجينوم المجرم المعروف باسم فولكان.” رفع رايان الصوت فورًا. “فولكان، المعروف سابقًا بلقب المتمرّد المدني، كان في فترةٍ ما المساعد الخاص لوايفرن، قبل أن ينضم إلى العصابة الإجرامية المعروفة باسم الأوغُستي. وتشير التقارير إلى أن فولكان اضطر للفرار بعد أن تسبّب في أضرار جانبية جسيمة—”

 

آه، إذًا هذا ما يفسّر لِمَ لم يتواصل فولكان معه هذه المرّة. يبدو أن المغرب الصغير كان قريبًا من مخبأ الأوغُستي، وأنه — أو هي؟ رايان لم يتذكّر جنسه — قرر تنفيذ كمين لوايفرن عندما سنحت الفرصة. على الأرجح، أصيب فولكان بجراح خطيرة، وخرج رايان من نطاق أولوياته بعد ذلك.

 

هل سيتعيّن على الموصل تغيير الفندق مجددًا؟ لا… من الأفضل أن يبقى في الفندق الأول حتى تتواصل معه وايفرن، ثم يغيّر موقعه بعدها ليتفادى محاولة الاغتيال التي أنهت الحلقة الزمنية السابقة.

 

“—السايكو المتحكم بالجليد المعروف باسم غول، حاول الفرار من احتجاز الأمن الخاص صباح أمس، لكنه أُعيد إلى الحجز بسرعة على يد إل ميليوري،” تابعت الإذاعة. “إنريكي مانادا، مدير فريق الأبطال الخارقين، صرّح قائلًا: ‘ما دامت ديناميس قوية، فلن يكون لأمراء الحرب والمجانين موطئ قدم في روما الجديدة.'”

 

على الأقل، كان لتحذير وايفرن أثر ملموس. فالأرجح أنها نقلت ملاحظته بشأن اختراق الأمن الخاص إلى فريقها، فتدخّلوا في الوقت المناسب.

 

ثم مجددًا… لا بد أن الهرب كان صعبًا على غول دون ساقيه.

 

وصل رايان في النهاية إلى نقطة تفتيش حدودية، يحرسها ثلاثة من عناصر الأمن الخاص، جميعهم مزوّدون بمعدّات مكافحة الشغب وبنادق ليزر. أشار قائدهم إلى رايان بالتوقّف، فحاول الجينوم أن يبدو بريئًا قدر الإمكان.

 

وكان ذلك صعبًا للغاية وهو يرتدي القناع وزيّ كويك سيف الكامل… لكن ما يهمّ في النهاية هو الانطباع، لا المظهر.

 

“توقّف،” قال الحارس. “لا دخول من دون ترخيص رسمي أو تصريح عمل.”

 

“أنا مجرد زائر،” قال رايان. “سمعت أنهم يملكون حديقة حيوانات.”

 

“بل هي حديقة حيوانات فعلًا،” تمتم الحارس بتذمّر. “اسمع، أيها المواطن، هذه حدود الحضارة. ما بعدها هو برّية حضرية متوحّشة، ونحن الوحيدون الذين يقفون بين روما الجديدة وجحافل البرابرة الذين سيفتكون بها.”

 

“حسنًا، رؤيتك وحدها كفيلة بأن تجعلني أخشى على الحضارة.”

 

“كما ينبغي لك،” ردّ الرجل، دون أن يلاحظ السخرية الواضحة في كلام رايان. “لذا إن أردت العبور بتصريحٍ رسمي، فعليك أن تُسهم في الدفاع المشترك عن مجتمعنا.”

 

“أكيد،” أجاب رايان. “ألن تفتشوا سيارتي بحثًا عن مخدّرات، أسلحة، أو أي شيء مشبوه؟ أقسم أنني نظيف… كاليوم الذي وُلدت فيه.”

 

“يعتمد الأمر على مقدار مساهمتك في المجتمع.”

 

ليس غريبًا إذًا أن يتمكن الأوغُستي والميتا من الدخول والخروج بهذه السهولة. فطالما أن الحراس لا يُكلّفون أنفسهم عناء إخفاء فسادهم، فالأرجح أن حملات التفتيش المفاجئة نادرة جدًا.

 

وما إن تجاوز رايان نقطة التفتيش، حتى أدرك السبب وراء تسمية المكان بـمدينة الصدأ.

 

أول ما لاحظه كان تدهور جودة الهواء بشكل حاد — أسوأ حتى من هواء الميناء. رائحة الصدأ والمواد الكيميائية كانت طاغية إلى حد أن رايان تساءل إن كان أحدهم قد ألقى نفايات سامة في العراء. اضطر إلى رفع نوافذ السيارة وتفعيل مصفاة الهواء في قناعه… فقط ليصبح التنفّس ممكنًا.

 

كادت كل البيوت والمباني السكنية المؤلّفة من ثلاث طوابق أن تنهار من شدة الإهمال؛ النوافذ مكسورة، والجدران الإسمنتية مغطّاة برسوم الغرافيتي، وبعضها بدأ يتفتّت فعلًا. كان الحي يبعث على الشعور بالاختناق؛ شوارع ضيقة تُكوّن متاهة من الأزقّة بالكاد تتّسع لسيارة رايان، وسلالم النجاة تلقي بظلالها على الأرض رغم ضوء النهار. أعمدة الإنارة بالكاد تؤدي وظيفتها، وطبقة كثيفة من الضباب الدخاني تصبغ العالم بلونٍ أصفر مريض. كل قطعة معدن بدت عليها آثار الصدأ… لا بد أن التلوث هو السبب.

 

حتى رايان، الذي رأى كل شيء، شعر بالاشمئزاز من ظروف عيش السكان. المتسلّلون سيطروا على كل شيء، وتجار المخدرات يبيعون مخدر الـسعادة علنًا للمشرّدين، والسكان كانوا يتفادون نظراته كلما حدّق فيهم. الجميع يرتدون أوشحة، أو أقنعة وجه، أو أي وسيلة لحماية أنفسهم من الغاز، حتى الأطفال.

 

في لحظة ما، مرّ السائق بجانب جثة متروكة لتتعفّن في مياه موحلة،

بسبب فتحة مجاري طافحة. كانت مجموعة من الكلاب الضالة تنتظر على مقربة، قرب كومة نفايات — ربما في انتظار مغادرة رايان لتبدأ الوليمة.

 

اعتاد رايان أن يسخر من كل شيء… لكنّه لم يستطع اليوم أن يجد في نفسه طاقة للنكتة.

 

وحين لمح تاجرًا لم يُشيح بنظره عنه، أنزل رايان نافذته ليسأله عن مكان يمكنه أن يجد فيه تقنيات من صنع العباقرة. أعطاه الرجل توجيهات نحو مكان يُدعى متجر بولي، لكن ليس قبل أن يحاول بيع غرام من الـسعادة بسعر فاحش. يبدو أن الأسعار ارتفعت منذ أن بدأ الميتا يهاجمون المورّدين المحليين لهؤلاء التجّار.

 

لم يجد رايان صعوبة في الوصول إلى متجر بولي، ويرجع الفضل في ذلك إلى أضواء النيون الصاخبة التي تزيّن لافتة المحل. وإن كان صاحبه قد اختار — عن سابق تصميم — زقاقًا ضيقًا ومنتهيًا كموقعٍ لمتجره. ركن الجينوم سيارته أمام الباب، أمسك بمسدسه الكهرومغناطيسي احتياطًا، ثم دخل.

 

“ها قد وصل جوني[2]!” صرخ رايان وهو يفتح الباب دون أن يكلّف نفسه عناء الطرق.

 

كان من الأدق وصف المتجر بأنه مرآب فوضوي، تملؤه الرفوف المكوّنة من خردة متراكمة، وغابة عشوائية من الأدوات تملأ المكان سيئ التهوية؛ أجزاء سيارات منزوعة تتدلّى من السقف، ومصابيح بالكاد توفر الحدّ الأدنى من الإضاءة.

 

الرجل الواقف خلف الطاولة كان نحيلاً، أصلع الرأس، في الأربعينيات من عمره، مزيجًا غريبًا من الفرنسي والبريطاني؛ كان رايان قادراً على تمييز هذه الكائنات الغريبة من النظرة الأولى. وبمجرّد دخوله اللافت، رفع التاجر قاذفة صواريخ نحو زبونه. على الأرجح كانت من تقنيات العباقرة المُعاد تدويرها، بناءًا على تصميمها.

 

“أنت…” لمعت شرارة من التعرّف في عيني بولي، من خلف نظّارتيه الواقيتين. “أهو أنت؟”

 

“أجل، أنا!” قال رايان بفرحٍ غامر؛ لقد بات مشهورًا إلى درجة أن الناس صاروا يتعرّفون عليه من النظرة الأولى! “هل أنت من معجبيني؟! كنت أعلم أن لي بعضهم!”

 

“معجب؟” كاد التاجر أن يختنق من الصدمة، موجّهًا السلاح نحو وجه كويك سيف. “أيها المجنون، لقد دمّرتَ ورشتي القديمة في أوترانتو!”

 

“أنا فعلتُ ذلك؟” قال رايان بحيرة. “متى؟”

 

“قبل عامين، حطمت طائرة في ورشتي، ثم سلّمتني رسالة!” زأر بولي. “كنتَ قد استؤجرت لتوصيل بريدي، وقلت إنك تريد أن تُحدث ‘دخولًا لا يُنسى’!”

 

في الواقع… بدا الأمر وكأنه شيء رايان سيفعله.

 

راح يحدّق في الرجل بانتباه، وبدا له وجهه مألوفًا بشكلٍ غامض. لكن…

 

 

لا.

 

لا شيء.

 

“ربما.” قال كويك سيف وهو يرفع كتفيه بلا مبالاة.

 

“ألا تتذكر؟” سأل بولي مذهولًا.

 

“حسنًا، يبدو أنك أخذت الأمر على محمل شخصي أكثر مما فعلتُ أنا.”

وما إن أدرك رايان أن هذا المسكين قد يكون اضطر للعيش في هذا الخراب بسببه، حتى ندم فورًا على مزحته. “آسف… ربما يمكنني تعويضك عن كل هذا الإزعاج؟”

 

صرّ التاجر على أسنانه غيظًا. من الواضح أنه لم يكن يريد مال رايان. “اخرج من متجري قبل أن أضغط على الزناد!”

 

“تعلم أنني أستطيع إيقاف الزمن، صحيح؟”

 

“إنه صاروخ فايسهَغر،” ردّ الرجل. “بمجرد أن يُغلق على هدفه، يتابعه الصاروخ النانوي حتى يقتله.”

 

يا له من أسلوب لبدء علاقة تجارية. في العادة، كان رايان سيلتقط التلميح ويترك التاجر وشأنه، لكن هذه المرة كانت لديه مهمة عليه إنجازها. خفض مسدسه الكهرومغناطيسي في يد، ثم بدأ يُفتش في معطفه متجاهلًا سلاح بولي المصوّب نحوه.

 

أخرج الدمية القماشية.

 

وما إن وقعت عينا بولي على تلك الأرنب البيضاء الجميلة، حتى انمحى اللون من وجهه تمامًا. “أنت تعرف ما هذه،” قال رايان وهو يلوّح بسلاحه النهائي في وجه صاحب المتجر. “إن لم تُنزِل سلاحك، سأضغط زر التشغيل.”

 

“نحن في مكان مغلق، وأنت لا تستطيع التحكّم بها!”

 

“ولا أنت كذلك.” رفع رايان إبهامه ملوّحًا بالضغط على الزر في مؤخرة سلاح الدمار الشامل. “سأفعلها.”

 

“لا تفعل!” صاح بولي مهددًا بسحب الزناد.

 

“سأفعلهااا!”

 

تصاعد التوتر في الغرفة حتى بدأ بولي يرتجف، ثم انهارت أعصابه أخيرًا. “تبا!” قالها وهو يُلقي بسلاحه على الطاولة. “كيف تجرؤ على فعل ذلك بدُمية محشوّة؟! أجمل شيء على وجه الأرض، وحوّلتها إلى… إلى…”

 

“بدت فكرة ممتازة وقتها!” دافع كويك سيف عن نفسه، وهو يعيد الأرنب المحشو إلى معطفه حرصًا على سلامة الجميع. “أبحث عن تكنولوجيا من صنع عباقرة، مصنّعة محليًا.”

 

“آه، لا أستطيع مساعدتك!” قال بولي ضاحكًا، وكأن سعادته تأتي من كونه عديم الفائدة تمامًا بالنسبة لرايان. “لم يكن بإمكانك أن تختار توقيتًا أسوأ! ساحة الخردة مغلقة، ولا أحد يبيع شيئًا!”

 

“لست هنا للشراء،” قال رايان وهو يلقي نظرة خائبة على المكان. حتى السلاح الذي كان بولي يشهره بدا رديئًا، وكأنه سيتفكك بمجرد أن يُطلق رصاصة. “أبحث عن تكنولوجيا محددة جدًا… كرات غاطسة كانت تُستخدم لنقل الإمدادات تحت الماء. طلاء أحمر، تصميم مستوحى من الستيم بانك؟”

 

“تقصد تقنيات لين؟”

 

قفز بولي إلى الوراء مذعورًا، إذ اختصر رايان المسافة بينه وبين الطاولة في لمح البصر. “بولي، بولي، بولي…” قال الجينوم بنبرة تكاد تكون مواء. “هل تودّ أن تصبح صديقي؟”

 

“لا.” أجاب التاجر بجفاف.

 

“إذًا، أخبرني بكل شيء.”

 

زفر التاجر بتقزّز. “شعر أسود، عيون زرقاء، وقليل من الجنون؟”

 

“يسمّونه الماركسية اللينينية، لكن نعم،” قال رايان بحماسٍ متزايد.

 

“إذًا هي نفس الفتاة. وصلت إلى مدينة الصدأ قبل ستة أشهر، وبدأت تطلق على نفسها لقب غوّاصة الأعماق (أندر دايفر).”

 

رايان لم يسمع بذلك الاسم من قبل. ولخيبة أمله، كويك سيف وغواصة الأعماق لم يكونا اسمًا يليق بثنائي كوميدي. ربما ‘كيو آند يو’؟ ‘منقذوا الأعماق’؟ لا… لم يبدُ مناسبًا. “واحدة من العباقرة الذين يحاولون إدارة عملهم بأنفسهم، دون أن تضمّهم ديناميس أو الأوغُستي، تفهم قصدي؟ كان في السابق سوق سوداء ضخمة هنا لجينومات مثلها… ممن لا يملكون الموارد الكافية ليعيشوا باستقلال، لكنهم لا يريدون الخضوع للمجموعات الكبيرة.”

 

أومأ رايان بصمت، وقد ركّز كامل انتباهه على التاجر. كان ذلك التركيز الشديد يربك بولي، لكنه لم يمنعه من مواصلة الحديث… بل جعله يسرع في الكلام.

 

“على أي حال، تمكّنت من صنع درع باستخدام قطعٍ جمعتها من الخردة. كان يشبه بذلة غوص من زمن العالم القديم… من نوع جيم. وكانت تكثر من طلب القطع اللازمة لصيانته، لذا كنا نلتقي كثيرًا.”

 

“هل كان مزوّدًا بمدفع رشاش صغير؟” سأل رايان.

 

ارتسمت على وجه بولي نظرة غريبة. “من أين عرفت؟”

 

لأنه يعرفها جيدًا. “تفضل، أكمل.”

 

“على أي حال، باعت بعضًا من اختراعاتها للأوغُستي كي تغطّي نفقاتها. لا بدّ أنك تعرف أنها كانت… شغوفة جدًا؟” أومأ رايان بتفهّم. “وفي النهاية، هاجمت مصنعًا كيميائيًا تابعًا لديناميس احتجاجًا على ظروف العمل هناك.”

 

أجل، تلك كانت لين بلا شك. دومًا بذلك الحس الغريب—اللّطيف تقريبًا—للعدالة، والرغبة المهووسة في حماية الضعفاء، وكراهيتها العميقة لفكرة الملكية الخاصة.

 

“وماذا بعد؟ ماذا حدث لها؟”

 

“ماذا حدث؟ خمن!” هاجمت قوات الأمن الخاص ورشتها وألقت القبض عليها. سمعت إشاعات بأن الأوغُستي حرروها، لكن توقفت أخبارها.”

 

هذا يؤكّد أن الأوغُستي هم على الأرجح الطريق الوحيد للوصول إلى لين، ويجدر به أن يُراهن عليهم أكثر… مع أن القبض عليها على يد الأمن الخاص يعني على الأرجح أنهم يملكون ملفًا عنها.

 

مع ذلك، فقد حصل على معلومات أكثر مما حصل عليه… منذ الأزل.

رايان كان في مزاج جيّد. في مزاج استثنائي. “مقابل هذه المعلومات، بولي،” قرر بعفوية، “سأمنحك أمنية.”

 

“تمنحني أمنية؟” عقد التاجر حاجبيه باستياء. “هل تظن نفسك جني المصباح السحري؟”

 

أخيرًا! رجل مثقّف في هذه المدينة المنحلّة! “بالطبع لا، يمكنني تحقيق أمنية واحدة فقط، لا ثلاثًا.”

 

كان بولي على وشك أن يصرفه بكلمة، قبل أن يتوقف لحظة. خطر في باله خاطر. “أأنت جاد؟ لا تمزح؟”

 

“مهما كانت الأمنية، سأحققها.” مهما احتاج من محاولة. كويك سيف كان دائمًا يفي بكلمته.

 

“هممم… ماذا لديّ لأخسره؟ لا أحد غيرك سيفعل شيئًا على أي حال.”

وضع بولي يديه على الطاولة، وشبك أصابعه. “هل سمعت أن عصابة سايكو استقرّت مؤخرًا في مدينة الصدأ؟ اسمهم الميتا.”

 

“أتريدني أن أتعامل معهم على طريقة تارانتينو[3]؟”

 

أومأ بولي تأكيدًا. “استولوا على ساحة الخردة قبل أيام، حيث تجري أغلب عمليات التبادل. ومنذ ذلك الحين، بدأت الأمور تتدهور… وتسوء أكثر كل يوم. يقتلون الجينومات، ويستنزفون دماءهم. أما العاديون، فيخطفونهم من الشوارع. لا أعلم ما الذي يفعله السايكو بهم، لكنك لا تراهم مجددًا.”

 

صرّ بولي على أسنانه.

 

“حتى الأطفال… بدأوا يختفون.”

 

ارتجف شيء في صدر رايان، وتجمّد قلبه في لحظة. الأطفال كانوا بالنسبة له أمرًا مقدّسًا، كما أخبر زانباتو من قبل. ربما لأنه ينسجم معهم أكثر من البالغين، وربما… لأن طفولته كانت تعيسة. “هل الأمن الخاص على علم بذلك؟”

 

“يعرفون، لكنهم لا يبالون. الأمن الخاص لا يحمي سوى البنى التحتية الحيوية—كالمحطة الكهربائية أو محطة معالجة المياه—ويؤدون ذلك، أعترف، بحماسة شديدة. أما البقية؟ فلا يتعدّون كونهم حرّاس حدود، لا يهمّهم ما يجري داخل الجدران.” ابتسم بولي بسخرية مشمئزًا. “لا يكلّفون أنفسهم عناء التحرّك إن اختفى بعض المشردين أو المدمنين أو الحثالة. السايكو يؤدّون لهم خدمة في نظرهم… ينظّفون لهم نفايات مدينتهم البراقة.”

 

“وماذا عن وايفرن وإل ميليوري؟”

 

“وايفرن تتقاتل أحيانًا مع أفراد من الميتا هنا وهناك،” أقرّ بولي، “لكنها الوحيدة التي يبدو أنها تهتم… ولا يمكنها أن تكون في كل مكان. إلى أن يقتل الميتا عددًا كبيرًا من العمّال، أو يعتدوا على السيّاح، أو يسرقوا شحنة إكسير، ديناميس لن تحرّك ساكنًا—”

 

“انتظر،” قاطعه رايان. “الميتا موجودون هنا منذ أيام، ولم يهاجموا شحنات الإكسير التابعة لديناميس؟ ولا الجينومات؟”

 

هزّ بولي رأسه نفيًا.

 

“هذا غريب،” علّق الجينوم. “السايكو لا يتصرفون هكذا. في العادة، يخربون كل شيء وهم يحاولون الحصول على إكسير مقلَّد لسدّ إدمانهم، تتوتّر الأوضاع مع السكان، ثم يتحوّلون إلى حالة هيجان. النمط نفسه يتكرّر كل مرة.”

 

وكان يعرف ذلك جيدًا… لقد عاش مع أحدهم.

 

ومع ذلك، كان هؤلاء السايكو متحفّظين على نحوٍ مريب مقارنةً بما هو مألوف من أمثالهم. والآن بعد أن فكّر بالأمر، بدا أن الميتا لم يهاجموا منشآت ديناميس على الإطلاق؛ كان كل ما فعلوه هو محاولة طرد الأوغُستي من مدينة الصدأ.

 

وكان السبب سهل التخمين: ديناميس لا تبالي بهذه المنطقة ما دامت منشآتها أو موظفوها في مأمن. إن لم يتعرضوا لهجوم، فلن تحرّك ساكنًا. رايان كان يظن أن عصابة الميتا جاءت إلى روما الجديدة بدافع الإدمان… لكن من الواضح أن هناك شيئًا آخر يحدث.

 

لكن ولسوء حظ بولي، كانت لين وحدها أولوية رايان في الوقت الحالي.

ومع ذلك، سيبقى على وعده، مهما كلّفه الأمر. “سأحقّق أمنيتك في جولتي المثالية،” وعد الجينوم. “أقسم بذلك.”

 

“جولتك المثالية؟ أأنت تمارس الجري؟”

 

“إنها النهاية المثالية،” شرح رايان. كان مفهومًا طوّره خلال تجواله اللامنتهي: إذا جمع كل معلومة ممكنة عن مكانٍ ما وسكّانه عبر حلقاته الزمنية، فإنه يستطيع حينها أن يصنع الوضع الأمثل. كان يكرّس حلقته الأخيرة لصناعة سلسلة مثالية من الأحداث، تضمن—وفق معاييره الخاصة—أفضل نتيجة ممكنة.

 

وحينها فقط… كان رايان يُنشئ نقطة حفظ جديدة، وينتقل إلى المرحلة التالية.

 

بعد أن عرف الطريق المؤدي إلى ساحة الخردة من صاحبها، خرج رايان من متجر بولي، واستعدّ للانطلاق مباشرةً نحو وكر الميتا.

 

لكنّ حشرة سقطت على سيارته من السماء… وسحقتها تمامًا.

 

تجمّد رايان في مكانه، وقد سقط على سيارته وحشٌ ضخم يبلغ طوله ثلاثة أمتار، سحق السقف، دمّر الزجاج، وحطّم المحرّك. كان المخلوق أشبه بمسخٍ هجين بين إنسان وبعوضة؛ حشرة عملاقة بجلد خارجي أسود، ولحمٍ قرمزي ينبض تحته. عيناه انغرستا في كويك سيف بجوعٍ واضح، ومخالبه ارتفعت استعدادًا للهجوم.

 

“كنت أعلم…” زمجر البعوضي، وصوته أقرب إلى طنين الحشرات منه إلى كلام البشر، “شممت رائحة جرذٍ يتسلّل إلى—”

 

“ســـيـــارتـــي!” صرخ رايان مرعوبًا، فزَعَ من عويله المفاجئ السايكو ذاته.

 

أوقف الموصّل الزمن على الفور، واندفع نحو سيارته بليموث فيوري ليتفقد حالتها. هل يمكن إنقاذها؟ هل يمكن إنقاذها؟!

 

لا. الضرر كان فادحًا.

 

اجتاح الغضب رايان بالكامل، وفكّر سريعًا في شنّ مجزرة على طريقة فيلم ‘اقتل بيل’—يبدأ بالبعوضي، ثم ينتقل إلى كل سايكو تطاله يده.

كان سيُريهم رعب الجحيم الأبدي! لعنة تخرج من أعماق تارتاروس نفسه!

 

لكن… رايان لم يكن يحتمل الحياة دون بليموثه العزيزة.

 

تنهد الموصّل بيأس، وأخرج كرة معدنية صغيرة من معطفه، ثم سمح للزمن بأن يستأنف مساره. “ترى هذه؟” رفع الكرة في وجه السايكو. “ترى هذه؟”

 

“ما هذه، كرة—”

 

“الآن انظر إلى سيارتي، التي دمّرتها، ثم انظر مجددًا إلى الكرة… إنها قنبلة نووية.”  كليك. “والآن، أمسِك!”

 

رمى رايان القنبلة نحو البعوضي، الذي التقطها بيده بفضل ردّات فعله الحادّة. حدّق السايكو في السلاح، ثم في رايان… بحيرة وذعر.

 

“لا أحد يلمس سيارتي،” قال كويك سيف. “لا أحد.”

 

حين انفجرت مدينة الصدأ في كرة من النار النووية، مذيبة الجينومَين في ومضة من ضوءٍ حارق، شعر رايان بالسعادة.

 

أخيرًا… طريقة جديدة لم يجرّبها من قبل.

 

☆☆☆☆☆

 

 

لقب لين : أندر دايفر= غواصة الأعماق.

 

[1] تيمبست تعني إعصار.

 

[2] ها قد وصل جوني! إشارة إلى العبارة الشهيرة التي قالها جاك نيكلسون في فيلم الرعب الأمريكي The Shining (1980)، حين اقتحم الباب بفأس وهو يصيح: “ها قد وصل جوني!”، وقد أصبحت منذ ذلك الحين أيقونة ثقافية تُستخدم للإعلان عن الظهور المفاجئ أو الدرامي.

 

[3] إشارة إلى أسلوب المخرج كوينتن تارانتينو، المعروف بأفلامه التي تتميز بالعنف المبالغ فيه. من بين أفلامه فيلم ‘اقتل بيل’.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset