النهاية المثالية: الفصل 67

قانون مورفي

الفصل 67: قانون مورفي

 

سيارة الباندا كانت… تمامًا كما توقع رايان.

 

نسخة صنعتها ديناميس من سيارة فيات باندا[1] الجيل الثاني، غلفوها بالفرو الأبيض والأسود حتى تبدو كأنها باندا حقيقية. كانت مريحة وظريفة، مع دمية باندا تتأرجح من المرآة الأمامية. قمة انعدام الخيال، مغلفة تحت شعار شركة كبرى كسولة لم تكلف نفسها عناء تصميم سيارة خاصة.

 

لو لم يكن الباندا قد أعطاه المفاتيح مسبقًا، لما فكّر رايان حتى في لمسها بعصا طويلة. وحتى الآن، وهو يمسك مقود القيادة، كان يشعر أن هناك خطأً فادحًا في كل هذه التجربة.

 

“أشعر وكأنني أخون زوجتي الوفية مع عاهرة رخيصة،” قال رايان وهو يستحضر بحنين صورة بليموث فيوري في ذهنه. “أنا غارق في الندم! ندم وعذاب!”

 

“اصمت وواصل القيادة!” أمره القط الذري من المقعد الأمامي، وعيناه لا تفارقان المرآة الجانبية بحثًا عن أي أثر لبلوتو. كان الثنائي قد وصلا إلى ضواحي المدينة، ولم يبقَ سوى القليل ليصلا إلى الجسر العلوي.

 

كانت أعمدة خرسانية ضخمة ترفع الطريق السريع فوق روما الجديدة مثل جسر معلق، وتلقي بظلالها على أكواخ يسكنها أفقر سكان المدينة. صحيح أن ديناميس بذلت جهدًا لإبقاء الطريق الرئيسي صالحًا للاستعمال، لكنها بوضوح لم تكلف نفسها عناء النظر إلى ما تحته.

 

ومع ذلك، بدأت الشمس تميل نحو المغيب، ولم يظهر أي أثر للأوغُستي حتى الآن. وإن سارت الأمور كما ينبغي، كان من المفترض أن يصل الثنائي إلى نقطة الالتقاء مع لين قرب ساحل أمالفي عند حلول الظلام.

 

“أنت من منعنا من أخذ سيارة أفضل!” فبمجرد أن رأى رايان هذه المهزلة، حاول أن ‘يستعير’ أول سيارة رياضية صادفها، لكن القط الصغير كان طيب القلب أكثر من اللازم ليرضى بذلك. “حياتك هي المعرضة للخطر هنا. أو واحدة من حيواتك على الأقل.”

 

“وحياتك أنت أيضًا الآن. أوغستس سيستهدف أي شخص يمد لي يد العون.” تنهد فيليكس بأسى. “آسف إن بدا تصرفي جافًا يا رايان… أقدر لك كل ما تفعله من أجلي.”

 

“هل وقعت في غرامي أخيرًا؟” سأل الموصّل بنبرة مازحة، تزامنًا مع بدء هاتفه في الرنين—فتاة الحظ. “لأن أختك فعلت، رغم كل محاولاتي للهرب.”

 

“ليس عليك الرد وأنت تقود.” قال القط الذري بصرامة، بينما كان رايان يلتقط الهاتف ويقود باتجاه إشارة مرور.

 

“فورتونا يا عزيزتي، كيف لي أن أجعلك أكثر سعادة اليوم؟”

 

“رايان؟” بدا عليها الارتباك أكثر مما توقّع، وكأنها فوجئت بأن الوسيم الذي على الطرف الآخر ليس من أرادت. “كيف حدث هذا؟! كنت أحاول الاتصال بفيليكس! قوتي لا تخطئ أبدًا!”

 

“ها قد تحقق مرادك!” قال رايان، بينما كان فيليكس يومئ برأسه بعصبية كالمجنون، “إنه جالس إلى جانبي الآن، يتوسل إليّ كي أحميه.”

 

“حقًا؟” سألت فورتونا، بينما كان شقيقها يرمق الموصّل بنظرات نارية. “آه يا رايان، أنت فعلاً رجل نبيل—تقرأ أمنياتي قبل حتى أن تخطر ببالي! الآن، ناوله الهاتف!”

 

“لا أريده.” تمتم فيليكس، فيما كان رايان يلوّح بالهاتف أمام رأسه بإلحاح.

 

“هيا، لا تكن جب—”

 

في تلك اللحظة، انفصلت إشارة المرور فوقهما عن عمودها، وراحت تهوي مباشرة نحو سيارة الباندا.

 

فعّل رايان قدرته، ثم ألقى نظرة سريعة من النافذة، وبعدها قاد السيارة ببراعة مبتعدًا عن مسار الجسم في اللحظة التي عاد فيها الزمن للسريان. سقطت إشارة المرور على الأرض وتحطمت إلى شظايا.

 

“ما بال الخدمات العامة في هذا البلد؟” تمتم الجينومي البنفسجي، ثم دفع الهاتف بقوة نحو أذن فيليكس.

 

“توقف…” تذمر البطل، إلى أن سمع صوت فورتونا توبخه من الطرف الآخر. “نعم يا فورتونا، ما زلت على قيد الحياة… لا، لا يمكنني أن أخبرك أين أنا.”

 

حاول رايان أن يلتقط أنفاسه، لكنه لم يُمنح الفرصة؛ إذ لاحظ سيارة تقتحم الطريق من جهة اليمين، فاضطر إلى الانحراف في اللحظة الأخيرة ليتفادى المجنون القادم نحوه. “هل يقود الجميع في هذه المدينة بهذه الفوضوية؟” تذمّر الموصّل. ازدحام روما الجديدة قتله مرتين في أول يوم له هنا. “على الأقل، أستطيع إيقاف الزمن!”

 

توتر القط الذري فجأة. “لم تكن صدفة،” قال وهو يدفع الهاتف بعيدًا. “ألا تشعر بذلك؟ ذلك البرد؟”

 

أي برد؟

 

“هي إذًا؟” نظر رايان في المرآة الخلفية، لكنه لم يلاحظ شيئًا غير عادي. “إلى أي مدى تصل قدرتها؟”

 

“لا أعلم، لكن إذا بدأت أشعر بالتأثيرات… فهي تستطيع تتبعي.”

 

تبًا. “سيدتي…” قال الموصّل وهو يلتقط الهاتف مجددًا، “سأتصل بك لاحقًا.”

 

“إياك أن تغلق الخط في وجهي مجددًا يا رايان—” أغلق رايان الخط في وجه فورتونا، وأعاد الهاتف إلى جيب بدلته، ثم انعطف بسرعة نحو الطريق السريع.

 

سرعان ما صعدت سيارة الباندا إلى الطريق السريع العملاق، وغادرت روما الجديدة كليًا. كان الطريق الضخم المرفوع على أعمدة يشرف على الريف الأخضر المحيط بالمدينة. تحولت الغابة الإسمنتية تدريجيًا إلى غابات طبيعية، وطرق ريفية، ومنازل متفرقة معزولة. وباستثناء بعض المركبات التي تعمل بالديزل هنا وهناك، كان الطريق شبه خالٍ، وكأن رايان يملكه وحده.

 

“أيها القط الصغير، أنت متأكد أنها تستطيع تعقّب الناس بقوتها؟” سأل رايان، متذكرًا أن بلوتو لم تدرك أنها وسمته في إحدى الحلقات السابقة إلا عندما التقيا وجهًا لوجه.

 

“نعم.” أجاب فيليكس، وهو يكرر النظر في المرآة الخلفية بتوتر. “بمجرد أن تضع علامتها وتفعّل لعنتها، يتكوّن رابط خفي بينهما. وكلما اقتربت من ضحيتها، ازدادت قوة تأثيرها. لا أعرف كل تفاصيل قدرتها، لكن هذا ما علمته على الأقل.”

 

إذا كان مدى بلوتو يمتد إلى هذا الحد—حتى أنهم لا يرونها—وإن كانت قادرة حقًا على استشعار أهدافها، فهذا يعني أنه ليس لديهم أي فرصة لمباغتتها.

 

نظر فيليكس عبر نافذته فجأة، ثم شهق بدهشة: “هناك!”

 

أوقف رايان الزمن على الفور، وألقى نظرة عبر نافذة القط الذري.

 

لامبورغيني سوداء مألوفة كانت تتحرك على الطريق أسفل الجسر، بين الأشجار. لم تكن تبعد عن سيارة الباندا سوى بضع مئات من الأمتار.

 

والأسوأ من ذلك، أن دراجة نارية كانت ترافق السيارة، وعليها شخصان: السائق كان رجلاً هزيل البنية، يرتدي بدلة سوداء كاملة تغطيه من رأسه حتى قدميه، أما الراكبة الثانية فكانت امرأة ترتدي سترة جلدية حمراء، ينسدل شعرها القرمزي من تحت خوذة الدراجة، وتحمل في يدها رشاشًا صغيرًا.

 

كان الطريق الذي يسلكونه يؤدي إلى الطريق السريع، عند تقاطع يبعد عنهم قرابة كيلومتر واحد.

 

“اربط حزامك، أيها القط الصغير، سنبدأ الحفلة الآن!” حذّر رايان بينما أعاد الزمن إلى مجراه. ضغط الموصل بقوة على دواسة الوقود، فانطلقت سيارة الباندا بأقصى ما تستطيع. إذا حالفهم الحظ، فسيبلغون سرعتهم القصوى قبل أن يصل مطاردوهم إلى نقطة التقاطع.

 

“فامب، و نايت تيرور(رعب الليل)،” قال فيليكس، وهو ينظر إلى عداد السرعة الذي تجاوز المئة والعشرين ولا يزال يرتفع. “هل تعتقد أن هذه العربة قادرة على مجاراة لامبورغيني؟”

 

“لا تكن ساذجًا أيها القط الصغير.” قال رايان وهو يراقب سيارة لامبورغيني غاياردو التي تقودها بلوتو—سيارة يمكنها أن تتجاوز سرعة سيارة الباندا مرتين على الأقل. مهزلة ديناميس بالكاد تصل إلى مئة وخمسين كيلومترًا في الساعة بأقصى طاقتها. “قلتَ نايت تيرور؟ أظن أنني سمعت هذا الاسم من قبل…”

 

“الجينوم الأزرق من جماعة القتلة السبعة. لا أعرف ما هي قدرته تحديدًا، إلا أنها تتفعل في الظلام.”

 

“أوه، إذًا قوته تتفعل ليلًا؟” شعر رايان بالرضا لأن بعض أعضاء جماعة القتلة السبعة يختارون أسماء مناسبة لقدراتهم. “وماذا عن فامب؟ تمتص دماء ضحاياها؟”

 

“ليس بالضبط. تستطيع استخدام الفيرومونات لجعل الناس يتصرفون بحماقة، بل ويمكنها قتلهم بمجرد لمسة.” قال القط الذري، وهو يحدق عبر النافذة ويضغط على أسنانه غيظًا. “كان يجب أن أدرك أنهم سيرسلون الجينوم الوحيد الذي لا يمكنني تفجيره بالاتصال المباشر.” ألقى نظرة أخرى على الطريق. “إنهم يسرعون الآن. عرفوا أننا اكتشفنا أمرهم.”

 

لحسن الحظ، تمكنت سيارة الباندا من عبور نقطة التقاطع أولًا، ووصلت الآن إلى أقصى سرعة ممكنة لها. ومع ذلك، حين نظر رايان في المرآة الخلفية، لمح سيارة اللامبورغيني السوداء ورفيقيها يطاردونهما على الطريق السريع.

 

ها هي بلوتو تجرّ رايان إلى مطاردة سياراتٍ مجنونة على الطريق السريع.

 

لم تكن تملك أدنى فكرة عن الشخص الذي تتعامل معه. “أرِهم من تكون، أيها النمر!”

 

“بكل سرور.” فتح فيليكس نافذته، وألقى سهمًا متفجرًا نحو المطاردين بمهارة مذهلة. ورغم أن دراجة نايت تيرور النارية تفادت الهجوم، إلا أن القذيفة انفجرت مباشرة أمام سيارة اللامبورغيني، محدثة دوّيًا هائلًا وغبارًا كثيفًا أعاق الرؤية.

 

انحرفت شاحنة بجانب سيارة الباندا فجأة عن مسارها، بعدما تعطّل أحد إطاراتها. لكن بفضل مهارات رايان التي صقلتها آلاف المطاردات وحلقات الزمن، إلى جانب إيقافه الانتقائي للزمن، تمكّن من تفادي الشاحنة وهي تهوي عن الطريق السريع.

 

“لا تناسخ اليوم[2]!” سخر رايان من الشاحنة، لكن سرعان ما اضطر لتفادي شاحنة صغيرة أخرى. من الواضح أنها تعرّضت للمشكلة نفسها التي أصابت المركبة السابقة.

 

ساور رايان شعور سيئ في أعماقه، فراح يتفقد أجزاء سيارة الباندا بسرعة. ولم يمض وقت طويل حتى أدرك أن سيارتهما لم تسلم هي الأخرى. “رائع… المكابح تعطلت تمامًا. ليس أنني كنت أستعملها كثيرًا من قبل، لكن…”

 

“ستزداد الأمور سوءًا كلما اقتربت أكثر،” حذّر فيليكس، وفي تلك اللحظة خرجت لامبورغيني بلوتو من سحابة الغبار دون أن تصاب بأذى. أما فامب، فقد وجهت رشاشها نحو سيارة الباندا. “انبطح!”

 

لم يكن رايان بحاجة إلى تحذير. انخفض هو وفيليكس على الفور، فيما انهمرت زخات الرصاص، محطمةً النوافذ الخلفية لسيارة الباندا ومرتطمةً بالزجاج الأمامي. إحدى الشظايا انحرفت عن مسارها الطبيعي واتجهت مباشرة نحو حلق القط الذري. عندها أوقف الموصّل الزمن، وأمسك بالشظية، ثم ألقاها خارج السيارة ما إن أعاد تدفق الزمن.

 

“هل لدى بلوتو أي نقطة ضعف؟” سأل رايان وهو يحدق في الطريق أمامه. كانت الشمس توشك أن تغيب خلف الأفق، وإذا كانت قوة نايت تيرور تنشط فعلًا في الظلام…

 

“أعتقد أنها تستطيع استهداف شخص واحد فقط في كل مرة،” أجاب فيليكس، وهو يرمي سهماً آخر باتجاه دراجة نايت تيرور النارية. لكن القاتل تفادى المقذوف بمهارة، ومع ذلك فقد منع ذلك معاونته من التصويب عليهما.

 

من حادثة شظية الزجاج، استنتج رايان أن بلوتو ركّزت قواها على القط الذري. وكان ذلك ليشكّل نقطة قوة مهمة في المواجهة، لو لم يكن البطلان محصورَين في السيارة نفسها!

 

“تحتاج إلى القرب الجسدي كي تزداد فعالية قدرتها،” قال فيليكس وهو ينتزع سهمًا جديدًا من حزامه، “فإذا ابتعدنا بما يكفي، ربما يضعف تأثيرها… وقد تعود المكابح للعمل.”

 

“وماذا يحدث لو اقتربت منا لمسافة عشرة أمتار مثلًا؟”

 

تجهم وجه فيليكس. “سكتة قلبية.”

 

تمنى رايان أن يستغرق الأمر أكثر من أربعين ثانية[3].

 

لا بد أن لقوتها نقطة ضعف ما. فجميع الجينومات الصفراء لديهم حدود غريبة لقدراتهم. إنهم يشوّهون الواقع نفسه، ويحوّلون فكرة أو حكاية متخيلة إلى قانون فيزيائي يحكم الكون. يغيرون منطق العالم ذاته.

 

“هذا العالم…” تمتم رايان بصوت مسموع.

 

قد تجعل قوة بلوتو الموت مصيرًا لا مفر منه لمن تضع علامتها عليه، لكن العالم البنفسجي كان حكرًا على الجينوم البنفسجي وحده. كما تجاهل حظ فورتونا من قبل، كان بمقدوره أن يكسر سيطرة بلوتو على منطق الأحداث، بإيقاف الزمن انتقائيًا. ولم يعتقد للحظة أن بلوتو تسيطر فعلًا على الكوارث التي تثيرها؛ وإلا لكانت فجّرت سيارتهما منذ البداية.

 

لقد كانت النظير الشرير لفورتونا.

 

كانت…

 

“إنها مصيرنا المحتوم.” قال رايان.

 

“عذرًا؟” تساءل فيليكس بدهشة، بينما كان نايت تيرور يحاول تقليص المسافة بين السيارتين، وفامب تتهيأ لجولة أخرى من إطلاق النار.

 

“ألم تشاهد ذلك الفيلم من قبل؟” قال رايان، وهو ينعطف فجأة ليتفادى غزالًا كاد يصطدم بسيارة الباندا—غزال، على طريق سريع! “تنبيه للحرق: الأبطال ينجون في النهاية!”

 

لكنهم ماتوا في الجزء الثاني. من الأفضل ألّا يذكر ذلك الآن.

 

بينما كانت انفجارات القط الذري تمنع فامب من التصويب بسلاحها وتضطر سيارة بلوتو إلى التباطؤ تجنبًا للانفجار، كان رايان يرى العواقب تلوح في الأفق. بدا الطريق السريع يهتز تحتهم، وقد تضاعفت الأضرار البنيوية بفعل قدرة كرويلا نفسها.

 

وفي النهاية، حدث ما كان لا بد أن يحدث.

 

انهار أحد الأعمدة التي كانت ترفع الطريق السريع على ارتفاع عشرين مترًا فوق الأرض أمام سيارة الباندا، فتساقطت السيارات إلى مصيرها المحتوم. وتكوّنت فجوة ضخمة بين نصفي الطريق، أحدهما صار أعلى قليلًا من الآخر.

 

“تمسّك جيدًا!” صرخ رايان، بعدما تحولت سيارة الباندا إلى صاروخ لا يمكن إيقافه. كان أحد جانبي الطريق أعلى قليلًا من الآخر، مما أعطاهم فرصة لعبور الفجوة. “الأمر تحت سيطرتي!”

 

“أمتأكد؟!” صاح القط الذري، وهو يسرع بربط حزام الأمان حول خصره.

 

“حتى لو أردت التباطؤ، لا أستطيع!”

 

جمّد رايان الزمن لبضع ثوانٍ ليحسب الزاوية المناسبة، ثم انطلق بالقفزة حين عاد الزمن لمجراه.

 

وكالوحش الأسطوري الذي استُلهمت منه فكرتها، حلّقت سيارة الباندا في الهواء بكل فخامة ورشاقة. عبرت الفجوة بأقصى سرعة، بينما كان رايان يعدّل اتجاهها قليلًا ليحقق هبوطًا مثاليًا. لم يكتفِ بذلك، بل اتخذ وضعية بطولية بكل ثقة—إذ لا بد للبطل من أن يبدو بمظهر يليق بقفزة كهذه.

 

ثم أتى اختبار الحقيقة.

 

حطّت سيارة الباندا بقوة هائلة على الأرض، وكاد فيليكس يطير من مقعده مع استمرار السيارة في اندفاعها. سمع رايان صوت الإطارات وهي تحتج من شدة الصدمة، مدركًا أنها قد تنفجر في أية لحظة.

 

أما نايت تيرور، ذلك الجبان، فقد تراجع فجأة وأوقف دراجته على بعد بضع سنتيمترات فقط من الحفرة، مما أثار غضب فامب إلى أقصى حد.

 

أما اللامبورغيني غاياردو، فقد واصلت تسارعها بلا تردد. قفزت السيارة في الهواء مثل سيارة الباندا، واجتازت الفجوة بنجاح، بينما كان نايت تيرور يدير دراجته بحثًا عن طريق آخر.

 

للأسف، رغم أن رايان بلا شكّ كان أمهر سائق في العالم، إلا أن سيارة بلوتو كانت أسرع من سيارته بمرتين. بدأت اللامبورغيني تقترب بسرعة، والمسافة بينهما تتقلص من ثلاثمائة متر إلى مئتين.

 

تسلل بردٌ غريب في عمود رايان الفقري، كأن يد الموت تزحف على ظهره. تسارعت ضربات قلبه، وضاق نفسه قليلًا. شعر الموصل كأرنب يستشعر خطوات مفترس قريب، وبدأت أطراف رؤيته تزداد ضبابية، وأصابعه ترتجف، حتى صار يسمع دقات قلبه في جمجمته.

 

لقد وقعت عليه عين بلوتو الشريرة الآن.

 

“أطلق عليها!” زمجر رايان في وجه فيليكس، إذ جعلته قوة بلوتو قلقًا على نحو غير طبيعي. “أطلق عليها، بسرعة!”

 

“أحاول!” قال فيليكس بذعر، وهو يفك حزام الأمان ويحاول عبثًا إيجاد سهم جديد. “لقد شارفت سهامي على النفاد!”

 

في هذه الحالة… “أيها القط الصغير، أمسك عجلة القيادة.”

 

“ماذا؟!” صرخ فيليكس وهو يسرع للإمساك بالمقود بينما فتح رايان بابه بركلة، وأخرج مسدسًا دوارًا من تحت سترته. ثم، بينما كان القط الصغير يكافح ليحافظ على سيارة الباندا مستقيمة، رفع الموصّل نصف جسده خارج السيارة.

 

“أما سمعتِ؟!” صرخ رايان موجّهًا حديثه إلى بلوتو، بينما أوقف الزمن وصوّب نحو اللامبورغيني. “أنا خالد!”

 

أطلق عدة طلقات: اثنتان على الزجاج الأمامي، واحدة على المحرك، واثنتان على الإطارات.

 

لكن تقريبًا كل الطلقات ارتدت دون أثر.

 

“سيارة مضادة للرصاص؟!” صرخ رايان بغضب عندما عاد الزمن للسريان، وهو ينتزع المقود من فيليكس ويغلق بابه بسرعة. “لديهم سيارات مصفحة، ونحن معنا فيات باندا؟!”

 

والأسوأ، أن غطاء محرك سيارة الباندا بدأ ينفث الدخان فجأة، وارتفعت شعلة نار من أسفل السيارة. يبدو أن الكوارث بدأت تستهدف المحرك الآن.

 

“اتركني واهرب!” صرخ فيليكس، وقد لم يجد شيئًا ليرميه سوى دمية الباندا الصغيرة المتدلية من المرآة الأمامية. قبض عليها مستعدًا لقذفها وكأنها قنبلة يدوية. “إنهم يريدونني أنا فقط!”

 

“مستحيل! دعني أفكر!” زجره رايان، وقد بدأ نفسه يضيق وجسده يزداد برودة. الشمس كانت قد غربت تمامًا، وساد الليل المشهد، وسيارة العدو اقتربت حتى صارت على بُعد مئة متر فقط. “دعني أفكر… لا بد أن هناك حلًا—”

 

“تشيزاري.”

 

تجمد رايان من الخوف في مكانه، وقد عرف الصوت القادم من المقعد الخلفي.

 

لم يجرؤ حتى على الالتفات وراءه. نظر في المرآة الخلفية… ورآه.

 

كان الظلام يلف الخارج، وبلَدستريم جالس في المقعد الخلفي.

 

تمامًا كما في ذاكرة رايان: كتلة دموية بشعة، تتخذ شكل إنسان، لا شيء فيها من ملامح البشر سوى الخطوط. وتذكّر كل شيء.

 

“أنت ميت…” همس رايان، وقد تهشّم صوته تحت وطأة رعب بدائي. “أنت ميت.”

 

“لأنك قتلتني!” اندفعَت ذراعاه نحو عنق رايان وبدأتا تخنقانه، تمامًا كما كان يحدث في طفولته. انقطع نفس الموصّل، وفقد السيطرة على المقود. “قتلت والدك!”

 

“رايان، ماذا يحدث؟!” صاح فيليكس، وقد تراجع عن فكرة رمي الدمية محاولًا استعادة السيطرة على السيارة. لكن بلا مكابح، ولا محرك سليم، وبدون سائق حقيقي، انحرفت سيارة الباندا عن مسارها بقوة.

 

اندفعت السيارة بقوة مخترقة الحاجز المعدني، وسقطت من فوق الطريق السريع.

 

صرخ فيليكس رعبًا، بينما كانت سيارة الباندا تستعد للتحطم وسط الغابة أسفلها. في تلك اللحظة، فعّل رايان قدرة إيقاف الزمن—استجابة غريزية لرجل ميت.

 

اختفى قبضة بلَدستريم مع شبحه فجأة، لكن الألم في عنق الموصّل بقي كما هو. كانت سيارة الباندا قد تجمدت في الهواء على ارتفاع أمتار قليلة فوق الأرض، متوقفة بين الحياة والموت… لتقطع السقوط في اللحظة الحاسمة.

 

تحت رحمة غريزته وحدها، ركل رايان باب السيارة بقوة وقفز إلى الخارج وهو يجذب فيليكس المجمّد في الزمن معه. تدحرج الاثنان فوق العشب الطري على بعد بضعة أمتار من المركبة.

 

ما إن عاد الزمن إلى التدفق، حتى هوت سيارة الباندا على الأرض وانفجرت بانفجار ناري هائل. تصاعد الدخان واللهب من الحطام، يبدد ظلام الليل. أما بلَدستريم، فقد اختفى تمامًا.

 

كأنه لم يكن موجودًا أصلًا.

 

“هـ… هـل كان مجرد وهم؟” تمتم رايان بصوت متحشرج، وهو يلهث محاولًا استعادة أنفاسه وينهض ببطء على قدميه. وهمٌ قادر على إلحاق الأذى بمن يستهدفه… جروح نفسجسدية؟ “نايت تيرور؟”

 

“لا وقت للأسئلة!” قاطعه فيليكس، مشيرًا بإصبعه نحو الطريق السريع أعلاهم. كانت اللامبورغيني قد توقفت عند الحافة، وها هما بلوتو وسبارو ينزلان منها لتفقد حطام سيارة الباندا.

 

فرّ رايان وفيليكس فورًا إلى عمق الغابة، في اللحظة نفسها التي لمحتهم فيها سبارو. أطلقت القاتلة شعاعًا قرمزيًا من موقعها المرتفع فأضرمت النار في إحدى الأشجار، لكن البطلين تمكنا من التوغل في ظلمة الغابة والنجاة من الهجوم.

 

لم تكن المطاردة قد بدأت إلا لتوّها.

 

☆☆☆☆☆

 

ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.

 

قانون مورفي هو مقولة شهيرة تقول “أي شيء يمكن أن يسوء، سيسوء”، أو “إذا كان هناك احتمال لخطأ ما، فإنه سيحدث بالتأكيد”.

 

[1] فيات باندا هي سلسلة من السيارات الصغيرة التي تنتجها شركة فيات الإيطالية. تم إطلاقها لأول مرة في عام 1980 ولا تزال تُباع حتى اليوم، حيث حققت نجاحًا عالميًا.

 

[2] كليشيه شائع في الأنمي والروايات، خاصةً نوع الإيسيكاي، حيث يُقتل البطل — غالبًا بشاحنة — ثم يُبعث في عالم آخر ذي طابع سحري أو خيالي.

 

[3] إشارة لأنمي مذكرة الموت.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset