الفصل 65: بطريقة غير مفهومة
جالسًا على أريكة بجوار الدمية القماشية الخاملة، كان رايان يحدّق في هاوية البحر التيراني. وجد في الاستيقاظ على مشهد الصمت المظلم والأسماك المتحولة راحة غريبة، خاصة بعدما اعتاد ضوضاء روما الجديدة المستمرة.
كل ‘شقة’ هنا نسخة طبق الأصل من الأخرى، لكن لكل ساكن الحرية في تزيينها كما يشاء. أما رايان فقد أحضر معه كامل خزانة ملابسه، ونثر أوراق اليورو في كل ركن، حمايةً من شبح فلاديمير لينين[1] الذي يخيم على هذا الكرملين الغارق تحت الماء.
كما اتضح، فقد استعارت لين غواصة عصابة الميتا نفسها أثناء الغارة، وها هي المركبة ترسو خارج المجمع السكني المغمور، بينما يتمتع رايان بمنظرها من نافذة شقته تحت البحر.
لكن بالرغم من أن الغواصة مكّنت لين من تهريب سيارة بليموث فيوري إلى القاعدة، إلا أن هذا يعني أيضًا أن عصابة الميتا تستطيع الوصول إلى المنطقة في أي وقت. وقد سجل رايان هذه الملاحظة في ذهنه ليأخذها بالحسبان في الحلقات القادمة.
“لا تقدم على أي حماقة وأنت نائم هكذا،” همس رايان مازحًا للدمية القماشية وهو ينهض من على الأريكة. ثم سار عبر الممرات التي تربط المساكن المغمورة ببعضها. كان مخبأ القصيرة يجاور شقته مباشرة—وربما كان السبب في ذلك أنها تخشى أن يؤثر الموصّل على الأطفال إن تُرك دون رقابة.
بالإضافة إلى مسكنها الخاص، أنشأت لين ورشة قريبة من الوحدات السكنية. بخلاف الشقق المريحة، ذكّر هذا القسم من القاعدة المغمورة رايان بمصنع بخاري من عوالم القصص الخيالية: جدران معدنية في كل مكان، وأنابيب البخار تتشابك حولها. لم تكن الورشة مجهّزة كما ينبغي مثل ورشة فولكان، وكانت أقل تنظيمًا بكثير؛ فقد ربطت لين الخوادم التي تدير القاعدة بجهاز مسح الدماغ الخاص بديناميس، بينما غطت الآلات نصف المكتملة أغلب طاولات العمل. ولتوفير المساحة، علّقت على الجدران مخططات لغواصات، وكبسولات أعماق، وحتى أسماك صناعية.
والأهم من كل ذلك، كانت سيارة رايان بليموث فيوري تنتظره في أحد أركان الورشة. كانت لين قد نزعت منها مكوّنات الراديو الزمني، والمحرك، وكل قطعة تقنية عبقرية تقريبًا في الداخل. كان يدرك أن هذا ثمن لا بد منه من أجل القضية، لكن منظر سيارته العزيزة وقد تحولت إلى هيكل فارغ كان يملأ قلبه بالحسرة.
وبالطبع، كانت لين تستمع أثناء العمل إلى ‘نشيد رجال المدفعية’ لفرقة ألكسندروف[2]. اضطر رايان أن يعترف بأنها أغنية جيدة، لكنه كان واثقًا أن صديقته العبقرية لم يكن بوسعها أن تبدو ماركسية أكثر من ذلك حتى لو حاولت.
لحسن الحظ، كان هناك من يزعج لين بالفعل هذا اليوم. “لكن ماما، قلتِ إنني سأحصل على بذلة أيضًا!” اشتكت الصغيرة سارة وهي تحمل قط بين ذراعيها، موجّهة حديثها إلى لين التي كانت جالسة خلف طاولة العمل منهمكة في تفكيك تقنية ديناميس. “قلتِ إنني سأصبح الغطاسة الصغيرة!”
“أعلم يا حلوتي… لكن يجب أن أنهي شيئًا آخر أولًا…” وللمرة الأولى، تخلّت لين عن زيها المعتاد وارتدت ملابس زرقاء بسيطة، وبدت أكثر حيوية وهي تلتفت نحو رايان—ربما لأنها تشعر بثقة أكبر داخل عرينها. “مرحبًا، ريري.”
“مرحبًا أيتها القصيرة، وأنتِ أيتها الشيطونة الصغيرة،” حيّاهما رايان، ثم لمح القط بين يدي سارة. “يوجين-هنري!”
“ظهر في غرفتي هذا الصباح!” قالت سارة الصغيرة، والقط يموء بين ذراعيها. “هل جلبته من السطح إلى هذا المكان السحري؟”
“لا، هو من جاء بنفسه.” أجاب رايان، وهو يربت فورًا على رأس القط الهادئ خلف أذنيه. قدرة هذا المخلوق على التنقل تكاد لا تعرف حدودًا. “وبالمناسبة، اسم المكان هو الكهف الشيوعي.”
“السفينة.” اعترضت لين بعبوس.
“الكهف الشيوعي!” أصرّ رايان. “أفراد الشركات جبناء وخرافيون، ولزرع الرعب في قلوبهم… علينا أن نلغي الملكية الخاصة.”
رفعت لين عينيها ضجرًا. “إذا كان هذا… كهف الوطواط، فماذا نسمّي أنفسنا إذًا؟”
“المطرقة والمنجل!” أجاب رايان فورًا. “الاتحاد المثالي بين أبطال الفلاحين والطبقة العاملة. أما الأطفال، فيمكن أن يصبحوا أتباعنا… البروليتاريا[3].”
أطلقت لين صوتًا صغيرًا لم يسمعه الموصل منذ قرون.
“ماما؟” سألت سارة، إذ لم تسمعه هي الأخرى من قبل.
“قصيرة، هل ضحكتِ فعلاً؟” قال رايان، ولين تدير وجهها محاولة إخفاء تعبيرها، لكنه لم يتراجع. “حتى أنتِ عليك الاعتراف بأن نكاتي مضحكة.”
“بل ليست كذلك.” ردت صديقته القديمة، وهي تحاول كتم ابتسامة. “نكاتك سيئة يا ريـري… سيئة إلى درجة أنها تدور وتعود لتصبح جيدة، تمامًا مثل البوميرانغ!”
“ما عساي أقول؟ كل نكاتي خاضعة لموافقة القيادة السوفييتية العليا!”
ارتسمت على وجه لين ابتسامة دافئة، وكانت بنظر رايان تساوي كل الحلقات الزمنية التي خاضها حتى الآن.
“أنا لست هكذا يا ريـري.” قالت بنبرة خفيفة.
“ما معنى القيادة السوفييتية العليا؟” سألت سارة الصغيرة وهي تداعب يوجين-هنري.
“مهلًا، ألم ترسليها إلى مؤتمر الحزب؟” عبس رايان وهو يوجه الحديث إلى لين. “هؤلاء الأطفال سيضيعون بلا تربية ثورية سليمة!”
هزّت لين رأسها، والابتسامة لا تزال تعلو وجهها. “لم… لم أفكر كثيرًا في التربية بعد،” اعترفت. “كنت منشغلة جدًا ببناء هذا المكان أولًا.”
“ما معنى القيادة السوفييتية العليا؟” عادت سارة الصغيرة تسأل، ثم رمقت رايان بنظرة حادة: “أجب يا ابن الكلب.”
“إنها فكرة سيئة،” أجابها رايان بصراحة وهو يربت على رأسها. “وهذا كل ما عليك معرفته.”
أخرجت سارة لسانها فورًا، ليطلق أوجين-هنري مواءً عاليًا ويقفز من بين يديها، متجهًا ليعتلي أحد الخوادم عرشًا له، ينظر إلى البشر من علٍ كأبي الهول النبيل.
“عزيزتي، هل يمكنك تركنا للحظة؟” طلبت لين من سارة. “أحتاج أن أتحدث مع ريـري… على انفراد.”
نظرت سارة الصغيرة إلى رايان ثم إلى لين، وقد ارتسمت على وجهها ملامح ريبة شديدة. “حسنًا، ماما…”
غادرت الصغيرة الغرفة وهي تحدّق بهما بعينين ضيّقتين، وما إن اختفت حتى جلس رايان على طاولة العمل. “هل أنتِ سعيدة الآن؟ سيظنون أننا نفعل أشياء الكبار وراء الأبواب المغلقة… مع أننا فعلنا ذلك، منذ زمن بعيد.”
“كان ذلك…” احمرّ وجه لين خجلًا. “موقفًا محرجًا.”
“حسنًا، كانت المرة الأولى لكلينا.” وقد اضطرا يومها للإسراع، حتى لا يلاحظ والدها شيئًا. “ومع ذلك… أذكر تلك اللحظة بحنين.”
لم تجب لين، ربما لأنهما استحضرا زمنًا ولى منذ أمد بعيد. ومع ذلك، ظل رايان يفتقد تلك الألفة الوجدانية التي جمعتهما يومًا. ربما كان ذلك ما يبحث عنه مع ياسمين؛ صدى شيء كان نابضًا بالحياة ذات يوم… ثم مات منذ زمن.
ترى، أكان هذا ما تشعر به ليفيا كلما خطرت في بالها ذكرى فيليكس؟
“هل أحرزتِ أي تقدّم؟” غيّر رايان الموضوع، وقد شعر بعدم ارتياح لين للحديث السابق.
“نوعًا ما…” أجابت، وهي تشبك أصابعها. “وأنت… هل أحرزت شيئًا؟”
تنهد رايان. جاء دوره الآن ليشعر بعدم الارتياح. “خطرت لي فكرة،” اعترف. “هل استخدم والدك قدرته عليك من قبل؟”
“لا… لا أظن ذلك. أعني… لو فعل، لما كنت هنا الآن. لكنت صرت هو نفسه.”
“كان يمكنه أن يفعل شيئًا أكثر خفاءً… كأن يغلق جراحك، مثلًا؟”
“لماذا تسألني عن هذا؟” سألت لين، وقد اختفت ابتسامتها.
“تتذكرين عندما تناولتِ الإكسير الخاص بكِ؟” أومأت برأسها ببطء. “لقد عرف والدكِ على الفور أنك فعلتِ ذلك. في البداية، ظننتُ أنه كان يشعر بالدم ويتحكم به عن بعد، لكن ماذا لو كان قد ترك جزءًا منه داخلك؟”
“كأن… يكون منارة دموية؟”
“كنتِ ابنته المدللة، وسبب وجوده الوحيد في الحياة،” قال رايان وهو يعقد حاجبيه. “كان دائمًا يجدنا كلما ابتعدنا عنه.”
كان وجه لين القَلِق يقول كل شيء للموصّل؛ كانت تعتبر ذلك احتمالًا واردًا. “أتعني… أتعني أن هذا ما تبحث عنه ديناميس؟ شيء تركه خلفه؟”
“كل شيء ممكن. سأحتاج إلى عينة من دمك للتحقق، وبعض الأدوات من صندوق سيارتي.”
“وماذا عن النسخ المقلدة؟” سألت لين فجأة. “أنت… درست الإكسيريات، أليس كذلك؟ ألم… ألم تلاحظ تطابقًا ما؟”
“كيف؟ الكرنفال حرص على محو أي أثر لوالدك تحديدًا، كي يمنع عودته. لم يكن لدي ما أقارن به تلك النسخ المقلدة.”
“حتى الآن…” عبست لين وهي تهمس. “ريـري، إذا وُجد تطابق…”
“أعرف.” تنهد رايان. “لكن هل يمكن أن نركّز أولًا على مشروع نقل الوعي؟ الأمر خطير يا لين. ربما أحتاج أكثر من حلقة كي أتمكن من اختراق مختبرات ديناميس، ولا أريدك أن تنسيني مجددًا.”
“سـ… سأفعل ما بوسعي.” تماسكت لين قليلًا قبل أن تتابع: “لكن… هناك شيء ناقص. هناك خطب ما.”
بالطبع، كان هناك دومًا عائق جديد يظهر في الطريق، لكن رايان ظل متفائلًا. “هل التقنية لا تعمل؟”
“بل تعمل،” أجابت، مشيرة إلى خوذة مسح الدماغ. “يمكنها رسم خريطة للدماغ، وصنع… محاكاة حاسوبية له. بعدها أستطيع إرسال هذه المحاكاة إلى مضيف جديد، لتستبدل النظام المعرفي السابق لديه. كلما كان الجهاز العصبي للمضيف أقرب إلى المحاكاة، كانت النتائج أفضل. أما إذا كان الاختلاف كبيرًا… يبدأ دماغ المضيف في التدهور. ذكريات متضاربة، وخلايا عصبية مشوشة…”
“لكن إذا نقلنا ذكرياتك إلى ذاتك في الماضي، فلا ينبغي أن تظهر أي مشكلة، أليس كذلك؟” سأل رايان.
“المفترض أن يكون الأمر آمنًا. ربما مجرد ارتجاج بسيط، أو لا شيء على الإطلاق.” وضعت لين ذراعيها أمام صدرها. “ومن المفترض أن تعمل العملية لاسلكيًا أيضًا، عندما أنتهي من تطويرها.”
“وأين المشكلة إذن؟”
“لكي ترسل الذكريات لاسلكيًا إلى مضيف عبر الزمن، أنت بحاجة إلى…”
تعثرت لين في اختيار الكلمات. “بحاجة إلى طاقة هائلة. طاقة أكبر من أي مصدر طبيعي يمكن أن يوفّرها.”
التقط رايان الفكرة بسرعة. “مثل تدفق بنفسجي؟”
“نعم. أظن أننا لن نستطيع إرسال أي إشارات— فضلًا عن خريطة الدماغ— إلى الماضي، إلا إذا وصلنا الراديو الزمني بدرع فولكان.”
“لكن…” التقط رايان المشكلة على الفور. “هذا لم يحدث في الحلقة السابقة. الراديو الزمني كان قد دُمّر، ودرع فولكان صنعناه أنا وياسمين لاحقًا. ومع ذلك… تلقّينا رسائل من المستقبل.”
“صحيح.” أومأت لين ببطء. “لا أظن أنني أنا من أرسل رسائل الراديو الزمني، يا ريـري. أو على الأقل… لم تكن النسخة السابقة مني. ربما… ربما كانت نسخة مستقبلية مني هي من فعلت ذلك.”
“الزمن لا يعمل بهذه الطريقة… إلا إذا كنت مخطئًا في كل شيء عرفته حتى الآن،” قال رايان وهو يحك رأسه. لم يكن من الممكن أن توجد سوى فترتين زمنيتين عبر نقطة الحفظ الخاصة به. “لا بد أن هناك تفسيرًا آخر. كل الرسائل كانت تدور حول ما حدث بيننا في الحلقة السابقة.”
“إذًا… من الذي أرسل الرسائل؟”
حاول رايان أن يستعيد في ذاكرته نهاية الحلقة السابقة، ورحلته إلى العالم البنفسجي. تذكّر الرؤى التي أبصرها، والكيان الجبار الذي تواصل معه للحظات في النهاية.
“الكيانات الأسمى رحماء، لكنهم محدودو الأفق أيضًا.”
وجاءت رسالة الراديو الزمني تمامًا في اللحظة التي فكّر فيها رايان جديًا في الاستسلام…
“ليس من،” أدرك المسافر عبر الزمن. “بل… ماذا.”
نظر رايان إلى يوجين-هنري، وقد بدأت بعض الخيوط تترابط في ذهنه. هذا القط اكتسب بطريقة ما قدرات تتجاوز الزمن، وقاد ليفيا عمدًا إلى الموصّل، ثم ظهر في الكهف الشيوعي في اللحظة نفسها التي فكّرت فيها لين في دراسة التدفق البنفسجي من أجل تجربتها. كل ذلك… مصادفات كثيرة جدًّا لتكون عشوائية.
“أنت لا تتنقل عشوائيًا أبدًا، أليس كذلك؟” اتهم الموصّل يوجين-هنري بنبرة شك. “هناك من ينقلك عمدًا… شيء ما يرشدنا للطريق، ويخبرنا بأننا سننجح إذا بذلنا جهدًا كافيًا.”
أجاب القط بمواء خافت.
“ريـري… أنت… أنت تتحدث إلى قط…”
“لهذا الأمر معنى ضمن السياق،” دافع رايان عن نفسه، بينما كان يوجين-هنري يلعق كتفه بلا مبالاة. “تتذكرين ما أخبرتكِ به يا قصيرة؟ عن ما رأيته في العالم البنفسجي؟”
فهمت لين بسرعة ما يرمي إليه. “تظن أن ذاك الهرم… أيا كان، يساعدنا؟”
أومأ الموصّل برأسه، تاركًا يوجين-هنري ينشغل بتنظيف نفسه. “بدأت أتساءل… هل هذه الرؤى، وإشارات الراديو الزمني، وتنقلات يوجين-هنري… مجرد أحداث عشوائية حقًا؟ أم أنها محاولة للتواصل معنا؟”
“هذا يبدو…” بحثت لين عن الكلمة المناسبة. “لا أعلم، فيه شيء من المبالغة. ثم لو كان بهذه القوة، لماذا يفعل القليل فقط؟ لماذا يكتفي بنقل قط هنا وهناك؟ ولماذا يهتم أصلًا؟”
“لا أعلم.” اعترف رايان. “مجرد نظرية. لكن كل هذه المصادفات العجيبة تبدو متزامنة بشكل غريب، وأنا مقتنع أن الأشخاص الذين رأيتهم في رؤياي إما الخيميائي ذاته، أو مرتبطون به بطريقة ما.”
“رأيت قاعدة في القطب الجنوبي، صحيح؟” سألت لين. “هل استطعت تحديد موقعها بالضبط؟”
“ربما.” أجاب رايان. “كل ما رأيته كان السماء الليلية هناك، وهذا لا يكفي لمعرفة المكان بدقة… لكن يمكننا تضييق الاحتمالات على الأقل.”
“يمكننا زيارة تلك القاعدة،” اقترحت لين. “باستخدام الغواصة… نفحصها، بعد أن ننتهي من كل شيء هنا.”
كل شيء هنا… يا لها من عبارة مخففة.
“يبدو أن عليّ البدء في التخطيط لتلك السرقة إذًا،” قال رايان.
□■□■□
وبما أن لين احتفظت بالسيارة—دون حتى أن تكون زوجته—اضطر رايان لاستخدام كرة غاطسة للوصول إلى السطح، ثم استقل سيارة أجرة ليصل إلى وجهته.
سيارة أجرة!
“هل هذا جزائي لأنني تركت سيارتي تموت؟” تساءل رايان بصوت مرتفع، وهو يترجّل من سيارة الأجرة ليجد نفسه أمام مستشفى تابع لديناميس؛ نفس المستشفى الذي أُحضِر إليه ضحايا سايشوك خلال أول حلقة إل ميليوري خاضها الموصّل. كان أعضاء الأمن الخاص يحمون المبنى من المتطفلين، لكن المفاجأة أن مدخله كان خاليًا من الصحفيين تمامًا. إما أن ديناميس تفرض سرية تامة على هوية المرضى… أو أن جميع وسائل الإعلام في جيب الشركة—وربما الاثنان معًا.
وأثناء توجهه نحو المدخل، لمح رايان وجهًا مألوفًا يغادر المستشفى ويصعد إلى المقعد الخلفي لسيارة مرسيدس بنز. كانت مراهقة صغيرة، بشعر بني قصير، وعينين زرقاوين، وملامح وجه على شكل قلب.
نارسينا.
أما السائق، فقد عرفه رايان فورًا: مورتيمر دون زيه المعتاد ونظارة شمسية تخفي عينيه. ورغم أنه لم يلمح سوى لمحة عابرة، بدا واضحًا أن أخت فيليكس بالتبني كانت منزعجة للغاية. خمّن أن لقائها بأخيها لم يسر على ما يرام.
سمح الحراس لرايان بالدخول بعد تفتيش أمني سريع، فوجد ووردروب والباندا في بهو الاستقبال بانتظاره. كانت الأولى تتحدث مع امرأة لا يعرفها، أما الثاني فكان يكتب شيئًا على هاتفه ودموعه تترقرق في عينيه. كانا قد أحضرا شوكولاتة وزهورًا تحمل اسم فيليكس.
“مرحبًا، رايان!” حيّت ووردروب الموصّل، بينما كان الباندا منهمكًا في ما يفعله لدرجة أنه لم ينتبه. “سعيدة جدًا أنك استطعت الحضور.”
“مرحبًا، يوكي.” لوّح رايان بيده لمصممة الأزياء المفضلة لديه، قبل أن يلتفت إلى المرأة الأخرى في القاعة. كانت في أوائل العشرينيات من عمرها، بشعر بني يصل إلى كتفيها وعينين كهرمانيتين لافتتين؛ وعلى الأرجح بريطانية أيضًا. على عكس يوكي ذات الأسلوب الأنثوي، كانت ترتدي بدلة رسمية رمادية، لكنها أنيقة تمامًا كبدلات بلاك ثورن.
“مرحبًا، كويك سيف.” قالتها بابتسامة دافئة، وهي تمد يدها لمصافحته. كانت بريطانية بلا شك. “أنا نورا، نورا مور. تحدثت يوكي عنك كثيرًا.”
“إنها توأم روحي!” قالت يوكي بابتسامة عريضة. “المهندسة!”
“الشرف لي،” قال رايان وهو يأخذ يد نورا ويطبع عليها قبلة بأسلوب نبيل بدلًا من المصافحة. احمرّت المرأة قليلًا لهذا التصرف المفاجئ، بينما رمق رايان ووردروب بنظرة عتاب. “لكنها لا تملك زيًا خاصًا. هذا مخيب للآمال يا يوكي.”
“أعلم…” تنهدت ووردروب. “لقد حاولت.”
“لا يمكنني ارتداء زي مثل زيكِ في العمل،” قالت نورا بابتسامة محرجة، قبل أن تلتفت إلى رايان. “لست بطلة خارقة، بل متعاقدة مستقلة ومخططة مدن. أملك قدرة عبقرية متخصصة في المدن والهندسة المعمارية.”
“وهي مذهلة!” قالت ووردروب بحماس. “هيا يا نورا، أرِه ما تستطيعين فعله!”
أرَت نورا رايان الجهاز اللوحي، وكان يعرض مخططات متقدمة لمدن ذاتية الاكتفاء أشبه بالأركولوجيات[4]، ومدينة طائرة، بل ومستوطنة كاملة تحت الأرض.
“يعني بإمكانكِ تصميم أي نوع من المدن؟” سأل الموصّل بإعجاب واضح بما رآه. كان يتعرف على معظم العناصر بفضل معرفته السابقة، لكن نورا أظهرت براعة كبيرة في استغلال الموارد المحدودة. “ويبدو أن التكلفة أقل بكثير من المتوقع أيضًا، حسب ما أرى.”
“وكيف عرفت ذلك؟” سألت نورا، وهي ترفع حاجبها بدهشة.
“لأنكِ استغللتِ المساحة، واستهلاك الطاقة، والمواد بشكل مثالي،” قال رايان مشيرًا إلى أجزاء مختلفة من المخططات. “لكن أظن أنه يمكنك تقريب المولدات أكثر إلى نظام تدوير المياه، حتى تقصر دوائر التسخين.”
“فكرة مثيرة للاهتمام،” قالت نورا بابتسامة. “هل أنت عبقري أيضًا؟”
“رايان عبقري عبقري!” تدخلت يوكي بحماس، تروّج له كما لو كانت وكيلة أعماله. “لو رأيتِ سيارته وأسلحته… كنز حقيقي!”
“للأسف، سيارة بليموث فيوري خاصتي في ورشة حاليًا،” قال رايان وهو يعيد الجهاز اللوحي إلى نورا. “هل تخططين لإعادة إعمار المناطق التي دمرتها حروب الجينوم؟ بعض تصاميمك تبدو بلا معنى لولا هذا الهدف.”
“أنت سريع البديهة فعلًا،” ردت نورا بإيماءة تقدير. “كثير من مشاريعي أُلغيت في عهد الإدارة السابقة، لكن الإدارة الجديدة تبدو أكثر انفتاحًا. سيكون من الجميل أن أصمم شيئًا غير مدن الحصون في صقلية.”
“هل سبق لك أن رغبتِ في بناء مدينة تحت البحر؟” سأل رايان، مترددًا إن كان عليه أن يعرّفها إلى لين. “لأنني أعرف عبقرية متخصصة في تقنيات البحار… لكنها ماركسية-لينينية بالمناسبة.”
“فكرة المدن البحرية خطرت لي بالفعل، نعم. يسعدني أن ألتقي بها، لكن بالنظر إلى توجهاتها السياسية… سيكون اللقاء خارج ديناميس.” راقبت نورا رايان عن كثب، وابتسامة دافئة تعلو شفتيها. “ربما يمكننا مناقشة الأمر مطولًا في وقت آخر؟ يبدو أنك ملمّ جدًا بتقنيات العباقرة، ويسعدني كثيرًا أن أواصل الحوار معك.”
نظرتها إليه جعلت رايان يدرك أنه حقًا يضعف أمام العبقريات، حتى وإن كُنّ يلعبن في الفريق الآخر. “قولي لي، هل أنتِ من صممتِ مقر ديناميس وبرج أوبتيماتس؟” سأل المهندسة. “أظن أنني تعرفت على لمستك من خلال المخططات.”
“نعم، كان ذلك من أوائل أعمالي، ولهذا لستُ فخورة به تمامًا. لماذا تسأل؟”
“لا شيء.” أجاب رايان ببراءة مصطنعة، فيما بدأت خطة شيطانية تتشكل في ذهنه. “وأيضًا… أعتذر.”
“عن ماذا؟” سألت المهندسة، رافعة حاجبها بدهشة.
“أعرف أن الجميع يفعل ذلك، لكنني أقرُّ أنني جاملت ووردروب دون خجل قبل أن أعرف بوجودك،” اعتذر رايان، مما جعل يوكي ترتبك وتخجل. “آمل ألا تكرهيني بسبب ذلك. هي فعلاً تستحق كل كلمة.”
“آه، هذا فقط؟” انفجرت نورا ضاحكة. “لا مشكلة! في الواقع، أعجبني زي الأرنب الذي صممته لها؛ بدا لطيفا جدا.”
“آسفة يا رايان، كنت لأجعلكما توأماي الروحيين معًا لو استطعت،” قالت يوكي بوجه متأسف. “لكن… بيننا رابط خاص.”
“نعم، للأسف،” أضافت نورا بابتسامة خفيفة. “لكن من يدري؟ إن تغيّرت الظروف، قد يكون لك مكان. تبدو شخصًا طيبًا.”
“لكن لو لم أكن مع نورا، لكنتُ ارتديت زي الأرنب، وأجبرتك على ارتداء زي سلحفاة، وكنا سنستكشف كل زاوية من العالم!” قالت يوكي لرايان وهي تغمز له. “أنا أحب الجمال. رجالًا أو نساءً، لا يهم، ما داموا أنيقين وجميلين من الداخل أيضًا. وأنت جميل من كل الجهات، يا رايان.”
“شكرًا،” رد الموصّل وهو سعيد بأن يحتفظ بروح لطيفة ومثقفة مثل يوكي في دائرة أصدقائه. وسيحرص على أن يجتمعوا خلال نهايته المثالية.
“رايان، تخيّلت زيًا جديدًا لك أيضًا!” قالت يوكي بحماس، وهي تلتقط الجهاز اللوحي وتفتح ملفًا جديدًا. “حزنت كثيرًا عندما عرفت أنك ستترك الفريق… فكان عليّ أن أصمم لك زيًا جديدًا!”
“لا يزال بإمكاننا التعاون معًا!” قال رايان مبتسمًا. “مثل باتمان وسوبرمان: سأكون أنا المنتقم الكئيب وأنتِ المواطنة الملتزمة بالقانون!”
“لقد فكرت في ذلك!” عرضت ووردروب على رايان رسمة أولية للزي الجديد—داكن وذو طابع جريء، باستثناء خط فضي يمر عبر الصدر.
“لقد أدرت ظهرك للنور واحتضنت الظلام؛ اخترت أن ترتدي كارل لاغرفيلد[5]. لم تعد شريرًا، ولم تعد بطلًا، بل أصبحت شخصًا في منطقة الشفق! ومع ذلك، الخط الفضي على صدرك يرمز إلى أنك ما زلت تبحث عن الخلاص.”
“لكن… هل القماش لا يزال من الكشمير؟” سأل رايان بأمل.
“القميص الداخلي فقط، مخبّأ مثل روحك المعذبة،” تابعت ووردروب مبتسمة، “أما السترة فستُصنع من وبر الغواناكو[6].”
“عبقرية خالصة.” قالها رايان، ثم التفت إلى الباندا الذي لم يبرح مكانه بعد. “أهكذا تستقبل معلمك، أيها التلميذ المتعجرف؟”
رفع البطل الصغير عينيه إلى أستاذه والدموع تغمر وجهه. “آسف يا سيفو…” تمتم وهو يمسك بهاتفه الصغير بيديه البشريتين. “فقط… لا أستطيع…”
أرى رايان شاشة هاتفه والموقع الإلكتروني الذي كان يتصفحه.
“‘باندامانيا؟'” قرأ الموصّل الاسم بصوت عالٍ، وهو يحدق في الشاشة. ظهرت على الصفحة الرئيسية صورة صديقه الحيوان مرتديًا رداءً وقابضًا على مطرقة البرق، وتحتها عبارة ‘القوة الحقيقية للباندا’.
“إنها ميم!” قال تلميذه الصغير، والدموع في عينيه. “موقع ميمات! لدي ميمات عني!”
“لقد أصبح نجمًا على دينانيت وشبكاتنا الاجتماعية،” شرحت نورا. “باع أولى منتجاته بسرعة مذهلة—يكاد يضاهي كل مبيعات المجندين الجدد مجتمعين.”
لم يكن صعبًا على رايان أن يفهم السبب. بدا أن مستخدمي دينانيت يعشقون تمجيد الباندا كبطل لا يُقهَر، ويمتلئ الموقع بصور معدّلة له وهو يحتل مكان أبطال أفلام الحركة.
“الباندا هو مفتاح كل شيء!”
“الباندا قوي جدًا، رجاءً حدّوا من قدراته!”
“لا أحد يجرؤ على قول لا للباندا.”
“الباندا لم يتناول الإكسير الثاني إلا ليمنح أوغستس فرصة للقتال”… وهكذا.
“لقد أصبحت مشهورًا.” مسح الباندا دموعه. “الجميع يظن أنني مذهل… وقوي…”
وهكذا كان. تعانقا بقوة، وكان ملمس الباندا دافئًا وموشّى بالفرو، حتى وهو في هيئته البشرية. ظلت يوكي تراقبهما للحظة قبل أن تنضم إلى العناق، بينما وقفت صديقتها تتابع المشهد بابتسامة مرحة.
وأخيرًا، جاءت ممرضة تناديهم: “السيد فيران سيسمح لكم بالدخول الآن.”
☆☆☆☆☆
ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.
[1] فلاديمير لينين: هو زعيم الثورة الروسية التي أسست الاتحاد السوفياتي. يعتبر مؤسس النظام الشيوعي في روسيا، وكان له تأثير كبير في تاريخ القرن العشرين.
[2] فرقة ألكسندروف العسكرية هي فرقة الموسيقى العسكرية الرسمية في القوات المسلحة الروسية. تأسست في العهد السوفيتي، وتتكون من جوقة ذكورية وأوركسترا ومجموعة راقصة.
[3] البروليتاريا هي الطبقة العاملة التي لا تملك وسائل إنتاج وتعيش من بيع عملها (عضليًا أو فكريًا) في ظل النظام الرأسمالي.
[4] الأركولوجيا: مصطلح يجمع بين “العمارة” و”البيئة”، ويشير إلى بنى حضرية ضخمة ومتكاملة تُصمم لتكون مكتفية ذاتيًا، حيث تحتوي على مساكن، وموارد، وخدمات ضمن هيكل واحد مغلق. تُستخدم الأركولوجيات في أدب الخيال العلمي لتصوير مدن مستقبلية عالية الكثافة، غالبًا في بيئات معادية أو مكتظة.
[5] كارل لاغرفيلد كان رمزًا للموضة في القرن الواحد والعشرين، وأثر بشكل عميق في العالم الثقافي من خلال ابتكاراته المذهلة في عالم الأزياء، وكان له شخصية قوية وجريئة جعلت منه شخصية مثيرة للجدل، لكن مع إرث دائم في صناعة الأزياء.
[6] وبر الغواناكو هو الصوف الذي يُستخلص من حيوان الغواناكو، وهو قريب من اللاما. يُعتبر من أندر وأفخم أنواع الوبر، حيث يتميز بكونه ناعماً وخفيفاً ومقاوماً للبرودة. يُستخدم في صناعة الملابس الفاخرة مثل المعاطف والأوشحة، ويُعتبر موردًا نادرًا ومطلوبًا نظرًا لخصائصه الفائقة.
