الفصل 64: شظية من الماضي: الموت في موناكو
مات رايان رومانو مرات لا تحصى—بيده أحيانًا، وأحيانًا على يد غيره.
لكن كانت هناك وفاة واحدة تفوقت على جميع ما سبقها؛ موت جعله يكف عن الاكتراث، وعلّمه كيف يستمتع بالحياة. الموت المثالي… الموت الذي لا ينبغي لأحد أن يعود منه أبدًا.
هذه قصة ذلك الموت.
هذه… قصة موناكو.
□■□■□
○●الأول من أبريل 2017، فرنسا، قرية لا توربي.●○
كانت الشمس تغرب خلف الأفق، فيما أضواء مدينة موناكو تتلألأ في الأسفل.
على حافة نتوء تيت دو شيان[1]، وقف رايان يتأمل هدفه بتركيز، ودراجته النارية وحقيبة سفره إلى جواره. مضت خمس سنوات منذ غادر إيطاليا، وها قد حانت لحظة الحقيقة.
في الحقيقة، كانت ثلاثة أشهر فقط، لكنه عاشها مرارًا وتكرارًا بلا نهاية. جاب سواحل البحر الأبيض المتوسط بحثًا عن أي أثر للين وغواصتها. كان يعرف أنهما كانا يخططان للذهاب إلى أمريكا قبل… قبل الفراق، لكنها لم تكن لتعبر المحيط الأطلسي. لا بد أنها توقفت في مكان أقرب، مكان يمكنه أن يصل إليه.
ومع ذلك، بدأ الأمل يتلاشى في قلب رايان. فقد زار اليونان، وإسبانيا، وفرنسا—كل مكان خطر بباله. جاب الخراب الذي خلّفته الحروب، ولم يعثر على شيء. وإن كانت لين قد غادرت أوروبا بالكامل، أو انتقلت للعيش تحت البحر أو على جزيرة نائية، فكأنه يبحث عن إبرة في كومة قش.
لم يتبقَ حول المتوسط سوى مكان واحد لم يزره بعد—الدولة التي حذّره الجميع منها، المكان الذي لا يعود منه أحد.
“موناكو.” قال رايان وهو يراقب المدينة الساحلية أمامه. بدت… جميلة، إن جاز التعبير. وكان ذلك يزعجه بشدة.
أول ما لفت نظره أن هذه الدويلة الصغيرة ما تزال قائمة. وهذا وحده كان أمرًا نادرًا. فقد كانت موناكو يومًا من أفخم المنتجعات الساحلية في أوروبا، وملاذًا للمقامرين وأصحاب الملايين؛ ورغم نهاية العالم، ظلت تحتفظ بمظهرها الساحر. كأن القنابل، والروبوتات، والأوبئة النانوية قد توقفت عند حدودها.
المباني والمنازل بقيت سليمة بلا أثر للخراب، ومع ذلك لم يلمح المسافر عبر الزمن أي شخص في الشوارع. القوارب واليخوت تطفو على البحر، والسيارات الفارغة تصطف في ممرات القيادة لمسافة طويلة، ولم يكن هناك أي صوت يُسمع—حتى زقزقة الطيور غابت عن المكان.
“أعلم أنني أجلب الحظ السيئ على نفسي بقولي هذا،” تمتم رايان كعادته حين يحاول التخفيف من وحدته، “لكن لدي شعور سيئ حيال هذا المكان.”
حفظ المسافر عبر الزمن هذه اللحظة تحديدًا، احتياطًا. كثيرون ذهبوا إلى موناكو بحثًا عن المؤن أو الإكسير أو ملاذ آمن، لكن لم يعد منهم أحد.
لكن… لم يكن أي من أولئك يملك قدرة السفر عبر الزمن.
“حسنًا، يبدو أن هذه هي الفرصة الأخيرة يا قصيرة.” قال رايان وهو يعتلي دراجته النارية ويتجه صوب المدينة. “إن لم تكوني في المكان الذي لا يعود منه أحد…”
حسنًا، كان بوسعه دائمًا أن يحاول عبور المحيط ليصل إلى أمريكا—إن كانت ما تزال موجودة. لكن على الأرجح، كان عليه مواجهة الحقيقة البسيطة:
أن لين… رحلت.
كان المسافر عبر الزمن قد أعلن عن وجوده بكل وضوح—أرسل إشارات عبر أبراج الراديو وكل وسيلة اتصال استطاع العثور عليها. فإن لم تتواصل معه لين حتى الآن، فلا بد أنها عاجزة عن الرد… أو أنها ماتت.
ولم يكن رايان يعرف كيف سيواصل حياته إن تخلّى عن صديقته. لقد كان بحثه عن لين دافعه في معظم حلقاته الزمنية، ولم يعد يملك غاية أخرى في حياته، ولا قضية يمنحها كل ما عنده. منذ وفاة بلدستريم، كان يشعر أنه تائه بلا وجهة، ولم تفلح حتى قدرته على السفر عبر الزمن في تبديد هذا الشعور القاتل بالوحدة. من دون لين، لم يعد لحياته أي معنى.
طرد رايان تلك الأفكار من رأسه، وامتطى دراجته النارية، متجهًا على الطريق المنحدر نحو موناكو. وعندما وصل إلى حدود المدينة الرسمية، لمحت عيناه لافتة مهترئة مطلية بعجلة على جانب الطريق.
“جيوش أندورا لن تغزو أمتنا العظيمة أبدًا!” قرأ رايان بصوت عالٍ. أليست أندورا أيضًا دويلة صغيرة؟
حقًا، نهاية العالم أخرجت جميع الغرباء من جحورهم.
قاد رايان دراجته في شوارع موناكو، ولدهشته لم يحدث شيء سيئ. لم يسقط ميتًا فجأة، ولم يهاجمه سايكو مجنون من زاوية مظلمة. كان الأمر مخيبًا للآمال تقريبًا.
ومع ذلك، شعر المسافر عبر الزمن بتوتر خفي يملأ الأجواء. الشوارع نظيفة، والسيارات مصطفة في أماكنها كما ينبغي، وأضواء الشوارع تعمل بلا عيب؛ ومع ذلك كان رايان يعلم أن المدينة بحاجة لاستيراد الكهرباء من الجمهورية الفرنسية التي انهارت منذ زمن بعيد. وعندما ألقى نظرة عبر نوافذ البيوت، وجدها خاوية تمامًا.
اتجه رايان نحو أشهر معالم موناكو: ساحة الكازينو. كان كازينو مونتي كارلو الشهير لا يزال شامخًا، محتفظًا بعظمة القرن التاسع عشر رغم نهاية العالم. عقارب الساعة فوق المدخل توقفت عند الثانية عشرة، لكن الأضواء ما زالت تعمل. النافورة أمام المدخل تواصل تدفقها، تحيط بها مساحات خضراء وتنسيقات زهور يانعة.
“هل من أحد هنا؟” سأل رايان متحديًا المصير. ولم يرد عليه سوى صمت ثقيل.
حسنًا… ربما عليه أن يبحث—
□■□■□
اختفت الساحة في ومضة صفراء وبنفسجية.
وبلمح البصر، وجد رايان نفسه داخل ردهة رخامية فخمة. لوحات فنية تزين الجدران، وثريات تضيء المكان بنعومة، والممر يؤدي إلى أبواب خشبية ضخمة في الطرف الآخر.
لم يلبث أن تلاشت دهشته حتى راح يتلفت حوله، ليجد نفسه ملتصقًا بالحائط ولا يحمل سوى حقيبته. هل تم نقله آنيًا إلى مكان آخر؟
تأمل رايان اللوحات المعلقة، وقد رسم معظمها بأسلوب سريالي ذكّره بأعمال رينيه ماغريت. كانت هناك لوحة بعنوان ‘البداية’ تصوّر يدين ترتديان قفازين تفتحان صندوق عجائب الخيميائي. ولوحة أخرى باسم ‘انتصار موناكو’ تظهر جيشًا من رجال ذهبيين يجتاحون روبوتات ميكرون.
مرتبكًا، التقط رايان حقيبته وسار عبر الردهة حتى وصل إلى الأبواب في نهايتها. لاحظ فوقها لافتة مرسومة بألوان زاهية لافتة للنظر:
{الافتتاح الكبير لمونتي كارلو!}
لكن بجوار تلك اللافتة، لفت نظره كلمات محفورة على جدار الرخام بخط غليظ وغير متقن:
{لا تثق بالمهرجين، فهم سيلتهمون قلبك.}
واصل رايان القراءة، ليجد مزيدًا من ‘النصائح’ المحفورة في الحجر.
{اتبع الأسهم إلى الأجنحة قبل أن يحل الظلام.} كانت هناك جملة ثانية محفورة إلى جانبها، كُتبت بعجلة واضحة: {لا تستخدم السلالم… استعمل المصعد فقط.}
ألقى رايان نظرة إلى الأرض، ولاحظ سهامًا محفورة تدله على الطريق. وفيما تزداد حيرته، فتح الأبواب الخشبية ودخل إلى الغرفة التالية.
ولدهشته، وجد نفسه داخل نسخة مطابقة من كازينو مونتي كارلو—أو هكذا بدا له مما شاهده في صور ما قبل الحرب. كانت خطواته تتردد في ردهة واسعة تستند إلى أعمدة رخامية، وقد استُبدلت الأرضية بطاولة روليت عملاقة تعلوها رقاقات بعرض متر كامل. الشمعدانات المتدلية من السقف تبعث ضوءًا دافئًا، والزخارف الفنية تبلغ ذروة الفخامة في القرن التاسع عشر. ألقى رايان نظرة على النوافذ، فوجدها جميعًا مسدودة برخام سميك.
“مرحبًا أيها الضيف العزيز!” جاءه صوت من يساره، بدا أن أحدهم اقترب منه دون أن يشعر.
“آه!” تراجع رايان خطوة إلى الوراء، وفعلًا حاول أن يفعّل قدرته على إيقاف الزمن… لكنه شعر بقوة خفية تقاومه للحظة، ورفض الزمن أن يتوقف.
وقد بدأ الذعر يتسلل إليه، سحب رايان مسدسًا كان يخفيه تحت ملابسه، لكنه أدرك خطأه على الفور.
فالمخلوق الذي وقف أمامه بدا بشريًا، لكن ذلك كان مجرد مظهر خارجي. بشرته بيضاء بشكل غير طبيعي، والأهم من ذلك—كان يرتدي قناع مهرج من الذهب الخالص يغطي وجهه بالكامل. أما ملابسه، فكانت زي موزع أوراق: ربطة عنق فراشية، وسترة قديمة وقفازات بيضاء.
“مرحبًا بك في موناكو!” صاح المهرج بصوت مفعم بالبهجة، بينما كان القناع الذهبي يتحرك بطريقة غير طبيعية مع كل كلمة ينطقها. من عينيه وفمه كانت تتسرب عتمة كثيفة. “إنها أعظم دولة على وجه الأرض! كيف يمكنني مساعدتك؟”
حاول رايان مرة أخرى إيقاف الزمن، لكن شيئًا ما حال دون تفعيل قدرته. تبًا… هل يتداخل هذا المكان مع قوته؟ وفي تلك الحالة، إذا قُتل رايان داخل هذه الجدران…
“أين أنا يا بيني وايز[2]؟” سأل المسافر عبر الزمن، مع إبقاء مسدسه مصوبًا نحو ذلك المهرج الغريب.
“في موناكو، بالطبع! أعظم وأزهر دولة على وجه الأرض، بفضل العناية الإلهية لصاحب السمو جان-ستيفاني!”
“أوه، ضيف جديد!” سمع رايان صوتًا آخر، إذ دخل مهرج ثانٍ إلى البهو، لكن هذه المرة بوجه من البرونز بدل الذهب. وكرفيقه، كان يرتدي زي موزع أوراق ويحمل صينية فضية تحت ذراعه. “أهلًا وسهلًا! هل ترغب في شراب؟”
ما… ما هذا الهراء؟ هل دخل رايان عن طريق الخطأ إلى إحدى روايات ستيفن كينغ؟ “جان-ستيفاني؟” كرر الاسم بحيرة، غير واثق أي المهرجين عليه أن يطلق عليه النار أولًا.
“صاحب السمو جان-ستيفاني الأول، أمير موناكو المتوَّج، وقاهر ليختنشتاين وسان مارينو!” لوّح المهرج الذهبي بيده نحو تمثال رخامي بالقرب من الأعمدة، يصوّر مخلوقًا غريب الهيئة في وضعية متباهية. بدا التمثال أشبه برجل يرتدي بدلة وقبعة فيدورا، لكن بذراعين طويلتين وملامح مشوهة. “لقد صعد سموه من أصول متواضعة ليتبوأ عرش موناكو عام 2005، ببساطة… لأن الجميع كانوا قد ماتوا!”
قالها بنبرة من البهجة الخالصة…
“منذ ذلك الحين، ظل يدافع بشجاعة عن موناكو ضد جحافل الأندوريين الساعين لتدمير أمتنا العظيمة!” تابع المهرج البرونزي، قبل أن يشير بيده نحو جهة شرقية من البهو. “أما الآن، يمكنني أن أرافقك إلى مطعمنا ذي الخمس نجوم إذا رغبت في وجبة دافئة… أو ربما تفضل الاستمتاع بجولة روليت؟”
“لماذا النوافذ مسدودة؟” سأل رايان وهو يلقي نظرة على الأرض؛ كانت السهام المحفورة تشير إلى الغرب. “أين المخرج؟”
“ولماذا يرغب أحد في مغادرة موناكو؟” رد المهرج البرونزي بضحكة خافتة. “من الذي يريد أن يغادر موناكو—أعظم دولة على وجه الأرض؟”
“أنا.” قال رايان، وقد بدأ شعوره بعدم الارتياح يتضاعف.
“لكنّك ضيف عندنا، لقد تمّت دعوتك!” تابع الخادم، وابتسامة مشوِّهة ترتسم على قناعه. رغم نبرته البريئة والمرحة، إلا أن شيئًا في صوته جعل القشعريرة تسري في جسد رايان. “نحن في خدمتك طوال ساعات العمل. دائمًا هنا لأجلك، أيها الضيف العزيز!”
كلما طال بقاؤه بين هؤلاء، ازداد شعور رايان بعدم الارتياح؛ فقد بدا لُطفهم مصطنعًا ومُجبرا. “سأعود لاحقًا.” قالها وهو يتبع الأسهم المحفورة على الأرض.
“لكننا سنغلق أبوابنا قريبًا.” قال المهرج الذهبي، بينما هو وزميله يتبعان رايان بخطى متغيرة بدت أكثر تهديدًا. “سنغلق قريبًا… قريبًا جدًا.”
“ابقوا بعيدًا!” صرخ رايان، رافعًا مسدسه في وجههم، لكنه سرعان ما لاحظ مهرجين آخرين ينسلون إلى البهو. كان الجميع يرتدون زي الموزعين، وأقنعتهم من البرونز أو الفضة أو الذهب. ورغم أنهم ظلوا على مسافة، إلا أنهم كانوا يطوّقونه مثل قطيع ذئاب مبتسم.
“نحن فقط نريد مساعدتك، أيها الضيف العزيز!” قال المهرج البرونزي محاولًا أن يبدو مطمئنًا، لكن نبرته لم تكن إلا باعثة على القلق. “نحن موجودون لخدمة الإنسان.”
تذكّر رايان الرسالة عند المدخل، وتساءل فجأة إن كانت العبارة تحمل معنى خفيًا مزدوجًا. سار خلف الأسهم حتى وصل إلى مصعد مفتوح بين سلّمين. ألقى نظرة خاطفة على الدرج، ليكتشف أفخاخ دببة وأسلاكًا مشدودة على الدرجات. ومع غياب أي مخرج آخر، دخل المصعد وهو لا يزال يلوّح بسلاحه في وجه المهرجين.
لاحظ الجينوم لافتة صغيرة بجوار زر الطابق الرابع كتب عليها {هنا}، فضغط عليه بقوة. أُغلقت أبواب المصعد أمام رايان، بينما كانت عيون عشرات الكائنات المقنعة تلاحقه بنظرات صامتة موحشة.
“أيها الضيوف الأعزاء…” تجمّد رايان في مكانه حين سمع صوت رجل ينبعث من مكبر الصوت داخل المصعد. “نود إعلامكم أنه بسبب حالة طوارئ وطنية، سيتم إغلاق كازينو مونتي كارلو مبكرًا! لكن أؤكد لكم أنه، ما دام صاحب السمو جان-ستيفاني يحرسنا، فلن تتمكن جيوش أندورا من تدمير إمارتنا! عاشت موناكو!”
ما هذا المكان المخيف؟
ما إن وصل المصعد إلى الطابق الرابع وأصدر رنينًا خافتًا، حتى انطفأت الأضواء تمامًا؛ وانغلقت أبوابه بسرعة فور خروج رايان منه. وفي اللحظة نفسها، سمع صوتًا قادمًا من الأسفل—شخص ما قد وقع في فخ الأسلاك.
كان رايان يشعر بأن الأمور ستتدهور بسرعة، فأخرج هاتفه المحمول وفعّل مصباحه اليدوي. بدا المكان كردهة تؤدي إلى عدد من أجنحة الفندق، لكن الجدران والأبواب كلها كانت مدعّمة بألواح من الفولاذ. لم يكن هناك سوى غرفة واحدة—تحمل الرقم 44—ينبعث منها ضوء خافت من الداخل، فسارع رايان وطرق بابها.
“هيه!” صرخ بأعلى صوته، دون أن يتلقى أي رد. “هل هناك أحد؟! هيه!”
رنين المصعد!
التفت رايان نحو المصعد الذي انفتحت أبوابه، وخرج منه نصف دزينة من المهرجين. هذه المرة، لم يحاولوا دعوته بأدب أو حتى قول كلمة واحدة.
بل كان كل واحد منهم يحمل شوكة وسكينًا من الفضة في يده، ومنديلًا معقودًا حول عنقه.
“ولهذا السبب لم يعد الأطفال يحبون المهرجين!” صرخ رايان، مطلقًا النار من مسدسه، ومحاولًا مرة أخرى إيقاف الزمن.
لم تتعطل قدرته على إيقاف الزمن فحسب، بل إن مهرجًا فضيًا تلقى رصاصة في وجهه دون أن يتباطأ على الإطلاق.
انفتح باب الجناح فجأة وخرج منه شخص ما. ولحسن حظ رايان، بدا أن منقذه هذه المرة إنسان طبيعي—رغم أنه كان ضخم البنية أشبه بكونان البربري[3]. كان يرتدي زيًا غريبًا مؤلفًا من خوذة وواقيات لاعب كرة قدم أمريكية، معززة بقطع من دروع العصور الوسطى.
والأهم من ذلك… أنه كان يحمل بندقية صيد.
“كنت متأكدًا أنني سمعت صوتًا!” قال الرجل بالفرنسية وهو يجهّز بندقيته. كان الوجه أسفل الخوذة مجعّدًا والعينان زرقاوين كالثلج. “ابتعد عن الطريق!”
أفسح رايان الطريق فورًا لمنقذه، الذي أطلق النار من بندقيته؛ فتناثر جسد مهرج برونزي وتدفقت منه مادة بيضاء بدل الدماء. لكن بقية المهرجين دفعوا الجثة جانبًا واندفعوا نحو البشر بنظرات جائعة.
“أسرع، أسرع، أسرع!” صاح الرجل موجّهًا الكلام إلى المسافر عبر الزمن، فاندفع الاثنان معًا إلى داخل الجناح. وسرعان ما أغلق الرجل المدرّع الباب خلفهما وأحكم إغلاقه، بينما سمع رايان صوت ضربات عنيفة من الجهة الأخرى. بدأ أولئك الموزعون الشياطين في الصراخ وخبط الباب بكل طاقتهم، لكنه صمد في مكانه.
“ذات يوم—قبل أن يقضي عليّ التهاب المفاصل—سأهجم عليكم هجوم الكاميكازي!” صرخ الرجل من خلف الباب. “سأحصدكم جميعًا مثل توني مونتانا، ولن أترك فيكم أحدًا!”
ثم التفت إلى رايان وسأله: “أأنت بخير يا فتى؟”
“أعتقد ذلك…” قال رايان، وهو يلتقط أنفاسه ويلقي نظرة حوله. كما توقع من الخارج، كان المكان جناحًا فندقيًا فخمًا، واسعًا بما يكفي ليستقبل عائلة كاملة. الزخرفة على طراز القرن التاسع عشر الفرنسي، والجدران بيضاء كالثلج، أما النوافذ فكانت مسدودة برخام كثيف. ضم الجناح كل وسائل الراحة: أريكة مع تلفاز، مكتبة صغيرة، حتى بار أنيق.
لكن الأمر الأكثر غرابة أن رايان لاحظ حفرة في أحد الجدران، وبجانبها معول حفر.
“تبدو إيطاليًا من لهجتك، أأنت ريتال[4]؟” سأل الرجل المدرّع، منتقلاً إلى الإيطالية هذه المرة. بدا غير مكترث إطلاقًا للضجيج القادم من الخارج، واتجه إلى البار تاركًا بندقيته على مقربة منه. نزع خوذته، ليكشف عن رأس أصلع تمامًا—قدّره رايان في الستين أو أكثر بقليل. “لقد تهت بعيدًا عن بلادك، يا معكرونة. ما اسمك؟”
“رايان، أيها الجبنة الفرنسية.” أجابه المسافر بخشونة. “رايان رومانو.”
“اسمي سيمون. أنا الشريف في مدينة الأجنحة.” قال الرجل وهو يخرج كأسين وزجاجة براندي. “أي يوم من السنة نحن الآن بالخارج؟ يجب أن أتأكد.”
“الأول من أبريل، 2017.” أجاب رايان بعبوس.
تنهد الرجل تنهيدة ثقيلة. “تبًا… اثنا عشر عامًا يا رجل. اثنا عشر عامًا وأنا عالق في هذا المكان. هل ما زال الكوكب مكبًّا مشعًا للنفايات؟”
“نعم… لكن أين نحن بالضبط؟” سأل رايان بإصرار. “هل هذا هو مونتي كارلو؟”
“كنت سأقول الجحيم، لكنك لست محظوظًا إلى هذا الحد. أنت في موناكو—موناكو الحقيقية، التي لا يعود منها أحد.” وفي تلك اللحظة، انطلق صوت إنذار في الغرفة، فانحنى سيمون خلف البار ليمسك هاتفًا أرضيًا. “نعم، مارتين؟”
لم يفهم رايان ما دار في المكالمة، لكنه سمع صوت امرأة يتحدث من الطرف الآخر.
“نعم، نعم… وصل شخص جديد وتبعه الموزعون. نعم، هو بخير. لا تقلقي.” ثم نظر سيمون مباشرة في عيني رايان. “هل لديك أسلحة في حقيبتك؟”
“آه… معي ثلاثة مسدسات، وذخيرة، وإمدادات طبية، وطعام، وماء…”
“جيد. سأطلب منك المشاركة—لا مكان للأنانيين هنا.” ثم عاد ليركز على الهاتف. “نعم يا مارتين، سنلتقي غدًا. اعتني بنفسك.”
“قلت إنك شريف مدينة الأجنحة؟” قال رايان بعد أن أنهى سيمون المكالمة، وتناول كأسه بحذر. لاحظ كتابًا على طرف الطاولة يحمل عنوان ‘أسطورة سيزيف'[5] لألبير كامو.
“نحن حوالي أربعين شخصًا موزعين على طول الطابق الرابع.” شرح سيمون. “أؤمّن حدود المصعد، وأحافظ على مصائد السلالم. إذا أجبرنا الموزعين على استخدام المصعد، تصبح حركتهم محدودة ويمكن السيطرة عليهم.”
“هل رأيتِ أحدًا اسمها لين؟” سأل رايان، وقد لاح بصيص أمل وسط هذا الكابوس المجنون. “لين سابينو. شعر أسود، عيون زرقاء، ماركسية-لينينية. لا بد أنها وصلت هنا منذ سنة تقريبًا.”
“لم أرَ شيوعيين هنا حتى الآن، وأنا هنا منذ مدة طويلة. ربما ماتت. الناس الذين يصلون خلال ساعات الافتتاح هم المحظوظون. أما من يصلون في الوقت الخطأ…” وأشار سيمون إلى الباب. “فمصيرهم… أن يُلتهموا.”
إذًا، إما أن لين قد ماتت، أو أنها ليست في هذا المكان أصلًا. رايان تمسك بالأمل في الاحتمال الثاني. “هل يوجد—”
“لا يوجد ملاذ آخر هنا، ولا مخرج أيضًا.” قاطعه سيمون بنبرة قاطعة. “الأجنحة هي مناطق الأمان الوحيدة؛ هناك شيء ما يمنعهم من الدخول، لكن فقط إذا أُغلق الباب بإحكام. سنجد لك جناحًا خاصًا بك.”
ثم رسم سيمون ابتسامة شيطانية على وجهه.
“ستبقى هنا لفترة، يا ريتال الصغير.”
تبًا…
□■□■□
عشر ساعات كاملة.
استمر هجوم المهرجين لعشر ساعات متواصلة—يصرخون ويضربون الباب دون توقف. لكن ما إن عادت الأنوار إلى الردهة، حتى توقف الهجوم فجأة؛ هدأ المهرجون وعادوا إلى الطابق السفلي. كما اتضح، فإنهم لا يصبحون عدوانيين إلا خلال ‘ساعات الإغلاق’.
في اليوم التالي، قدم سيمون رايان إلى عمدة المجتمع الصغيرة—مارتين، شابة شقراء في الثامنة والعشرين تعيش على بُعد أربع غرف من حدود المصعد. لم تلبث أن شرحت له الوضع بإيجاز.
الجميع في هذه المدينة قصتهم واحدة: جاؤوا إلى موناكو إمّا جهلًا بالخطر أو استهانةً به، فوجدوا أنفسهم وقد نُقلوا آنيًا إلى الردهة الرئيسية. وكان سيمون أقدمهم هنا، إذ وصل بعد بضعة أشهر فقط من اندلاع حروب الجينوم.
لم يكن أحد غيره يملك قدرات خاصة، وحتى قدرة رايان على إيقاف الزمن لم تعمل في هذا المكان الغريب؛ كان يشعر أنها تفعل، لكن قوة معاكسة كانت تلغيها في اللحظة الأخيرة. ومع جمعه المزيد من المعلومات، أدرك المسافر عبر الزمن السبب.
كازينو مونتي كارلو كان بُعدًا جيبيًا.
أو هكذا افترض رايان على الأقل. باستثناء طابق الأجنحة، كل غرفة هنا كانت نسخة عن واحدة من ثمانٍ أخريات: مطعم-مطبخ، طاولة روليت عملاقة، بهو، صالة آلات القمار، متجر، ساحة ألعاب الورق، مستودع تخزين، ومسرح. كل غرفة تقود إلى الأخرى، دون ترتيب ثابت، فتكوّن متاهة عملاقة لا معالم فيها سوى المصعد و’الردهة الرئيسية’. ووفقًا لتقديرات المستكشفين، يغطي هذا المكان مساحة لا تقل عن ثمانية كيلومترات مربعة—أي أربعة أضعاف حجم موناكو الحقيقية. والأسوأ أنهم يواصلون اكتشاف غرف جديدة باستمرار.
ذكّر ذلك رايان بألعاب الفيديو التي تعتمد على استكشاف المتاهات وغرف تُولَّد آليًا—لكن الواقع هنا كان أبعد ما يكون عن المتعة.
على الأقل، كانت المقاهي والمطاعم تُعاد تزويدها بالطعام والماء بانتظام، وإن لم يعرف أحد كيف يجري ذلك. ذات مرة، وضع أحدهم كاميرا في أحد المطابخ لرصد الظاهرة، فلاحظ أن المؤن تظهر فجأة بشكل سحري خلال ‘ساعات الإغلاق’.
لم يكن رايان واثقًا من أن نقطة الحفظ خاصته ما تزال تعمل، ولم يكن متحمسًا لاختبار العودة من الموت ليتأكد. لقد مات مرات عديدة من قبل، وكل واحدة كانت تجربة قاسية للغاية. كثيرون يقولون إن الموت نهاية هادئة—لكن من الواضح أنهم لم يموتوا يومًا.
كان المجتمع هنا مقسمًا إلى مجموعات ذات مهام محددة: مستكشفون يرسمون خريطة المتاهة، وجامعون يبحثون عن الطعام والمؤن. وبما أنه من القلائل ذوي الخبرة في الأسلحة النارية، أصبح رايان سريعًا نائبًا لسيمون، مع جناح خاص به ملاصق للمصعد.
أما الآن، فكان المسافر عبر الزمن يرافق مجموعة مارتين في مهمة بحث عن الطعام—وكان يندم بالفعل على موافقته.
“أيها الضيف العزيز، نتمنى لك أوقاتًا سعيدة في موناكو، أعظم دولة على وجه الأرض!” قال مهرج فضي وهو يقدّم لرايان طبقًا مليئًا بجمبري وتوست السلمون الفاخر. “هل أقدّم لك الهدية من طاهينا؟”
“انقلع من هنا.” رد رايان، مهددًا الموزع بمسدسه. أما مارتين، فكانت أقل تحفظًا—خطفَت كل شرائح التوست بسرعة ووضعتها في حقيبتها.
كان المهرجون ودودين للغاية خلال ساعات الافتتاح—وهذا بالذات ما جعلهم أكثر رعبًا في نظر رايان. كانوا يتحولون من مودة زائفة إلى جوع قاتل بسرعة مرعبة، ويبرعون بشكل مخيف في مباغتة الناس.
والأسوأ من ذلك، أن كازينو مونتي كارلو كان كثيرًا ما ‘يغلق’ أبوابه فجأة، حسب أهواء القوة الغامضة التي تتحكم في مكبرات الصوت. في المرة الأولى التي حدث فيها ذلك، لم يبق أمام رايان سوى خمس دقائق للعودة إلى الأجنحة، وظن بالفعل أن ساعته قد حانت. لو لم يركض بجنون نحو المصعد، لهلك حتمًا.
ارتفع صوت عبر مكبرات الصوت. للحظة، ظن رايان أنها ستعلن عن إغلاق طارئ، لكنها لم تكن سوى هراء اعتيادي:
“اليوم يوم عظيم لموناكو! جنودنا حققوا انتصارًا ساحقًا على دوق لوكسمبورغ! دماء أعدائنا ستلون يخوتنا!”
كانت ‘موناكو’ في حالة حرب دائمة مع ليختنشتاين، أو لوكسمبورغ، أو أندورا، أو سان مارينو—لكن لم يكن العدو نفسه في كل يوم.
“انهضي يا موناكو، انهضي!” تابع الصوت في مكبرات الصوت. “يحيا جان-ستيفاني!”
“لست متأكدة حتى إن كان موجودًا حقًا.” همست مارتين لرايان. “لم يره أحد من قبل—حتى المهرجون أنفسهم.”
“لأن صاحب السمو يفوق إدراكنا البشري!” قاطعهم أحد الكائنات، لكن لم يكترث له أحد. “يحيا جان-ستيفاني!”
“قد يكون سايكو.” قال رايان بينما أنهت المجموعة جمع المؤن وعادت إلى المصعد. “لو كان يعطّل قوتي، فلا بد أنه بنفسجي. لكن لا أفهم لماذا لم يلاحقني أحد حتى الآن.”
“ربما قوته هي ما تبقيه حيًا.” اقترحت مارتين، بينما عادوا إلى طابق الأجنحة. “هل أحرزت تقدمًا مع جهاز الراديو؟”
“لا شيء حتى الآن.” بعض الكتب التي تمكنت المجموعة من جمعها كانت كتيبات أو مجلات تقنية تعود لما قبل الحروب. كان رايان يظن أنه ربما سيتمكن من صنع جهاز إرسال قوي بما يكفي لطلب النجدة.
كان ذلك أملًا ساذجًا، لكنه كل ما يملكه الجميع حتى يجد أحدهم مخرجًا لهذا المكان.
“هل ترغب في مشاهدة فيلم الليلة؟” عرضت عليه مارتين. “عثرت مؤخرًا على شريط كاسيت لفيلم الجولة العظيمة. ليس كوميديا عبقرية، لكنه يقتل الوقت.”
“ربما في يوم آخر.” رد رايان، متوقفًا أمام غرفة سيمون. “يجب أن أطمئن على العجوز.”
“لا أفهم لماذا يواصل الحفر.” تنهدت العمدة. “أظنه يحاول شغل نفسه بطريقته.”
هز رايان كتفيه وفتح باب سيمون—فبصفته نائب الشريف، كان بحوزته نسخة من مفاتيح جميع الأجنحة.
وبعد أن أغلق الباب خلفه، توجه رايان نحو الحفرة في الجدار، فعّل المصباح اليدوي، ودخل إلى الداخل. استغرق الأمر أكثر من ساعة وهو يزحف في ذلك الممر الضيق، حتى سمع أخيرًا صوت معول يضرب الصخر. كان سيمون منشغلًا بالحفر، وقد ثبت مصباحًا على خوذته.
“مرحبًا، سيمون.” أعلن رايان عن وجوده، لكن الشريف لم يتوقف عن العمل. “لدينا روبيان على العشاء الليلة.”
“آه، مستعد للقتل من أجل همبرغر.” تذمّر الرجل وهو يضرب الجدار بمعوله. “كم مضى على وجودك معنا، يا ريتال الصغير؟”
“ستة أشهر.”
“ستة أشهر… يعني بقي شهران حتى يغيروا قائمة الطعام. يفعلون ذلك كل عيد ميلاد.” تنهد العجوز بعمق. “تدري، كان هناك رجل عنده جرو صغير. كان يراه لطيفًا جدًا، وكان يرسل لي صوره باستمرار. وكلما رأيت هذا الشيء المشعر كان ينبح في وجهي… ينبح وينبح بلا توقف. كان مزعجًا بشكل لا يوصف. وكلما ضايقني أكثر، كنت أتساءل: كيف سيكون طعمه يا ترى؟”
“الرجل؟” سأل رايان، وقد بدأ يشعر بعدم الإرتياح من الحوار.
“الجرو.” قال سيمون. “وفي يوم من الأيام… لم أستطع المقاومة. لم يكن فيه الكثير من اللحم، لكنه كان لذيذًا. كأنه هدية عيد ميلاد قدمتها لنفسي.”
“لست واثقًا أنني أفهم مغزى القصة…”
“لقد وضعنا على هذه الأرض لهدف، يا ريتال الصغير.” قال سيمون، متوقفًا للحظة. “هدفي كان أكل الجراء. عندما أنظر إلى أولئك المهرجين المسعورين في الخارج… أراهم جميعًا مثل الجراء بالنسبة لي.”
أدرك رايان فجأة أن سنوات العزلة داخل جناح فندقي كفيلة بأن تعبث بعقل أي إنسان. وتساءل في رعب كيف سيبدو هو نفسه بعد عشر سنوات هنا. “كم بلغ طول النفق الآن؟”
“كيلومترين، يا ريتال الصغير.”
“كيلومترين…” كرر رايان مذهولًا. كيف لم ينهَر عليه النفق حتى الآن؟ “نفقك صار طوله كيلومترين.”
“وبقي لدي طاقة لعشرة أخرى.”
“كل ما في الأمر… لا أظن أن هناك مخرجًا في هذا الاتجاه.” قال رايان، رغم أنه لم يفقد الأمل في العثور على سبيل للخروج، لكنه كان يشعر أن هذا البُعد المجنون يتمدد بلا نهاية. “لا أفهم لماذا تواصل الحفر.”
توقف الرجل العجوز ونظر في عيني رايان. “هل قرأتَ يومًا ‘أسطورة سيزيف’؟”
“لا، لكن على الأرجح سأفعل، بما أنك لا تتوقف عن الترويج لها أمامي.”
“في هذا الكتاب، يعرض كامو مصير سيزيف، المجبَر على دفع صخرة إلى قمة الجبل إلى الأبد. مهمة لا معنى لها إطلاقًا. لكن عندما يدرك أخيرًا أن الأمر عبثي ويتوقف عن مقاومة مصيره، يصبح حرًّا بحق؛ إذ يقبل وضعه، ويجد السعادة في ذلك القبول.”
“يعني… تعتقد أننا لن نهرب أبدًا؟” سأل رايان بعبوس ساخط. “وأن كل جهودنا بلا جدوى؟”
“نعم، جهودنا عبثية. لكنني قبلتها كما هي، ولهذا أنا متصالح مع نفسي. أما أنت يا ريتال الصغير… فما زلت تظن أنك ستخرج يومًا، وكلما فشلت، ازددت إحباطًا.”
“هناك شخص ينتظرني في الخارج.” قال رايان متذكرًا لين.
“لا أظن ذلك.” رد سيمون بهز كتفيه. “لكنك حر فيما تعتقد. كل ما في الأمر أنني أخبرك بسر السعادة، لكن لا يمكنني أن أفرضه عليك. ما أحاول قوله… أنك حين تواجه عبثًا لا معنى له، عليك فقط أن تتقبل وتستمر. مثل الصخرة.”
“هذا كلام سخيف.”
“في يوم من الأيام، ستدرك أن الصخرة ليست عدوك.” قال سيمون بهدوء. “بل هي صديقك.”
“وماذا لو… بمعجزة ما، وصلت إلى نهاية النفق، لكن بدل أن تجد مخرجًا، وجدت نفسك في جناح آخر؟ كيف سيكون رد فعلك؟”
“سأبحث عن جدار جديد.” أجاب سيمون بابتسامة مشرقة، وهو يرفع معوله مجددًا. “وأحفر حفرة أخرى.”
فتح رايان فمه ليعترض، ثم أغلقه، ثم أعاد فتحه. “الصخرة صديقك؟” سأل بعبوس.
“الصخرة… هي صديقك الوحيد.”
□■□■□
كان ذلك في ديسمبر من عام 2035 في مدينة الأجنحة، ولم يتغير شيء يُذكر سوى قائمة الطعام.
لم يدخل أحد المتاهة منذ سنوات، ربما لأن الناس أخيرًا صاروا يدركون خطورة موناكو، أو لأن خاطفهم الغامض قد مات وبقي بُعده يعمل وحده. أياً كان السبب، ومع غياب الوافدين الجدد، بدأ عدد سكان المجتمع يتناقص ببطء. فبعد أن بلغوا قرابة الخمسين في أوجهم، لم يبق منهم الآن سوى نصف هذا العدد. بعضهم التهمهم المهرجون، والبعض الآخر… استسلم ببساطة.
سيمون وفّى بوعده أخيرًا وانتحر على طريقته بالأمس. خرج ذات ليلة ليموت كما يليق برجل: سيجار في فمه، وزجاجة فودكا في يده اليسرى، وبندقيته في اليمنى. وفي النهاية، لم يقتله الموزعون، رغم أن كثيرين منهم قُتلوا وهم يحاولون ذلك.
لكن قلب الشريف العجوز هو الذي خانه في النهاية، ولم يحتمل وطأة القتال.
لم تلتهم المخلوقات جسد سيمون، ولم يعرف رايان إن كان ذلك لأن سيمون أرعبهم حتى بعد موته، أم بدافع احترام أعوج. قام أهل البلدة بحرق جثته ودفنوا عظامه تحت البار الذي كان يحبه كثيرًا، وتولى رايان منصب شريف مدينة الأجنحة من بعده، بل ورث جناح سيمون نفسه.
والآن…
كان رايان يقف أمام النفق، يتساءل ماذا يفعل به. كان سيمون يزهو دومًا بأنه وصل إلى علامة الخمسة كيلومترات قبل أن يموت، ولو لم يخنه جسده لاستمر في الحفر أكثر. وقد ترك معوله عند مدخل النفق؛ صار مع الوقت متآكلًا من كثرة الاستعمال، بالكاد يصلح للحفر بعد الآن.
ومع ذلك…
“الصخرة صديقك، أليس كذلك…” تمتم رايان لنفسه، وهو يلتقط المعول.
□■□■□
كان ذلك في ديسمبر من عام 2101 في مدينة الأجنحة، وكان رايان آخر رجل في موناكو.
استلقى على سريره، وحوله كومة من الطعام في متناول يده، يدون مذكرات حياته في دفتر صغير. فمع أن أحدًا جديدًا لم يدخل هذا المكان منذ عقود، أراد أن يترك ما أمكن من عون خلفه، تحسبًا لو وجد أحدهم نفسه عالقًا في موناكو يومًا ما.
على مدار قرن كامل، استكشف المتجول كازينو مونتي كارلو أكثر من أي أحد آخر—لكن لم يتعلم الكثير. المتاهة بالفعل بلا نهاية، أو هكذا بدا له. لم تكن أي من الأنظمة بحاجة إلى كهرباء لتعمل، حتى الهواتف الأرضية التي تربط الغرف بقيت تعمل رغم انقطاع الاتصال بين الأجنحة. لم يكن هناك نظام مركزي يرسل الأوامر عبر مكبرات الصوت، ولا موطن أصلي لأولئك الموظفين.
لم يكن لهذا المكان أي منطق. كان مجرد فراغ تصوّري، لا يحكمه شيء سوى إرادة صانعه. كان لا بد أن يكون من صنع جينوم أصفر، لكن رايان لم يستطع إثبات ذلك أبدًا.
جرّب كل شيء: من أجهزة الراديو إلى المتفجرات. فجّر الردهة الرئيسية، وشرّح جثث المهرجين، بل وحاول طقوسًا غريبة حين لم يعد هناك أمل. لا شيء نجح. كان هناك طريق واحد فقط للخروج من هذا المكان—وكان رايان يشعر أن وقته قد اقترب.
قبل عقدين من الزمن، حين لم يتبقَ سوى خمسة منهم، وقد شاخ أغلبهم وصاروا عاجزين عن البقاء من دون مساعدة، اجتمع الناجون في لقاء أخير. وقرروا جميعًا أن يختاروا مخرج الرصاصة—ما عدا رايان.
فقد مات مرات كثيرة من قبل، ولم يكن في عجلة لتجربة ذلك مجددًا.
طرق مهرج باب جناحه، قاطعًا عليه كتابة مذكراته: “أيها الضيف العزيز، ما رأيك بجولة من الباكارات[6] في الأسفل؟ ننظم بطولة خاصة من أجلك!”
“لا شكرًا…” تمتم رايان بصوت مبحوح، رافضًا مغادرة فراشه. كانوا ينتظرونه عند الباب ليل نهار، أولئك الأوغاد—ينتظرونه ليموت مثل ضباع جائعة تترصد أسدًا هرِمًا. لكن المسافر عبر الزمن رفض أن يهلك… فقط عنادًا وتحديًا.
وبحكم كونه جينوم، كان رايان أفضل من البشر العاديين بطبيعته، وقد تقدّم في العمر برشاقة—فرغم تجاعيد وجهه، ظل يتمتع بحيوية رجل في منتصف العمر حتى بعد أن تجاوز المئة بكثير.
لكن صحته بدأت تنهار فجأة قبل عام واحد. ربما لجسده المعزز بالإكسير عمر افتراضي، أو ربما كان ذلك مجرد حصيلة سنوات طويلة عاشها بلا ضوء شمس، ولا هواء نقي، ولا رفقة. قبل ثلاثين يومًا، استيقظ الجينوم ليكتشف أنه لم يعد يستطيع مغادرة فراشه دون أن ينهار. ولحسن الحظ، كان قد جمع مخزونًا من الطعام والماء تحسّبًا لمثل هذا اليوم.
كان رايان يشعر ببعض الندم لأنه لم يختر الموت في هجوم انتحاري مثل سيمون حين سنحت له الفرصة؛ على الأقل، كان بذلك سيحرم سجّانيه من أي متعة أخيرة على حسابه.
تجولت عيناه المتعبتان نحو طرف الغرفة، باتجاه النفق الذي حفره. كان قد قارب بلوغ علامة الخمسة عشر كيلومترًا عندما خانه جسده أخيرًا، وستبقى تلك واحدة من آخر خيباته.
لكن الأهم من كل ذلك… أنه لم يجد لين قط، ولم يعرف أبدًا ما حل بها. تعلّم الكثير على مر السنين—نهش كل مصدر للمعرفة وقع بين يديه، وصقل مهاراته القتالية حتى الحد الأقصى—لكن لم يكتشف يومًا كيف صار العالم خارج هذه الجدران.
سيموت وهناك أمور لم تُنجز… وتلك كانت أقسى الهزائم وأحطّها.
لكن… على الأقل كانت تلك حياة. لقد هزم بلدستريم، وتأكد أنه لن يقتل أحدًا من جديد. لم يفعل رايان كل ما كان ينبغي فعله، لكنه حاول—وربما كان هذا آخر عزاء يُقنِع به ضميره المثقل. ومع إغلاق عينيه للمرة الأخيرة، خطر للمتجول أنه ربما وجد أخيرًا القبول الذي ظل سيمون يعظ به منذ زمن بعيد.
قبول المصير لم يجلب له السعادة…
لكنه منحه السلام.
وهكذا، استسلم رايان للنوم.
□■□■□
ثم استيقظ من جديد… ليجد نفسه في مواجهة ضوء ساطع.
“ما الذي…” رفع المتجول يده ليحجب النور الشديد عن عينيه، فقد كان الوهج أقوى من أن يحتمله. أحرق الضوء عينيه، ولفح وجهه إحساس غريب…
هل كان… نسيم الريح؟
وحين اعتادت عيناه النور، أدرك أنه يواجه الشمس مباشرة. لم تعد يده متجعدة، وساقاه تحملانه بسهولة، وشعر بنفسه شابًا من جديد—شديد القوة والحيوية. استنشق هواء نقيًا للمرة الأولى منذ قرن تقريبًا.
ولما نظر إلى أسفل ورأى موناكو من علٍ، لم يحتج رايان لوقت طويل حتى يدرك أين يقف:
إنه نفس الجرف الحجري الذي حفظ عنده للمرة الأخيرة… قبل ما يقرب من قرن كامل.
“لكنني… لكنني متُّ. متُّ في موناكو، وقوتي…” هل كان البعد الجيبي يمنع إيقاف الزمن لكنه لا يمنع نقطة الحفظ؟ ومع ذلك، الطريقة التي مات بها… لم تكن تحتمل أي التباس. رايان كان يعرف ذلك في أعماقه.
مات من الشيخوخة.
رايان رومانو مات من الهرم.
والآن كل شيء…
يبدأ…
من جديد!
“لا يمكنني أن أموت من الشيخوخة…” تمتم رايان، وهو يهوى على ركبتيه. “أنا… أنا خالد. أنا خالد.”
هذا يعني…
أنه لن ينتهي أبدًا.
لن ينتهي… أبدًا.
سيعود دائمًا إلى البداية—مرة بعد مرة—إلى الأبد. فحتى لو عجز المكان عن إيقاف الزمن، لم يستطع حتى بُعد موناكو إبطال نقطة الحفظ. حتى الشيخوخة لم تلغِ نقطة الحفظ.
“آها…” تمتم رايان ضاحكًا مع نفسه. “آها…”
ثم انفجر ضحكه بشكل هستيري، يتدحرج فوق الصخرة قرب دراجته النارية. لم يعلم كم من الوقت ظل يضحك—لكن حين انتهى، كان الشمس قد غابت منذ زمن، وحنجرته تؤلمه من فرط الضحك. بعدها استلقى المسافر عبر الزمن على ظهره، يحدق في النجوم بصمت لنصف ساعة كاملة.
وأخيرًا، حين نهض ورفع بصره إلى السماء المرصعة بالنجوم، أدرك رايان أنه لا يشعر بشيء.
كان يخشى الموت في السابق—يهابه، يرتجف من الألم، من الفقد، من العدم المؤقت الذي يلي انطفاء النور. لم يكن الموت ممتعًا أبدًا.
لكن ذلك كان قديمًا.
أما الآن؟
الآن… لم يعد يخاف. لم يعد الموت يؤلمه. بعد أن اكتشف أن حتى الشيخوخة لا تقدر على إسقاطه للأبد، أصبح المتجول مجرد كائن مخدَّر المشاعر تجاه كل ذلك.
كان رايان رومانو محكومًا عليه بالحياة—أن يحمل صخرته إلى قمة الجبل ويعود من جديد كل مرة. تذكّر كلمات سيمون، وأدرك أن العجوز ربما كان على حق. كان المسافر عبر الزمن هو سيزيف جديد، وحياته كلها عبث محض.
لكن… بدل الرعب، شعر رايان بحرية عميقة لم يعهدها من قبل.
“تعرف ماذا؟” تمتم المسافر عبر الزمن لنفسه، وهو يحدق إلى موناكو تحت قدميه. “لم أعد أبالي بشيء بعد الآن.”
إذا كان قد كُتب على رايان أن يعيش… فسيعيشها حتى آخر قطرة. لم يعد يخاف شيئًا، وكل الزمن صار ملكه؛ لديه كل الوقت في العالم ليكتشف كيف يمكن أن تسير الأمور، ليجرّب كل ما يستحق التجربة. حياته صارت لعبة بلا نهاية، والسقف الوحيد هو السماء. صار حرًا في أن يفعل ما يشاء.
أما الآن، فأول ما أراد فعله هو تحرير سيمون، ومارتين، وكل من علق في هذا الجحيم.
لو كانت حياة المسافر عبر الزمن لعبة فيديو، لكانت هذه أول مهمة له—الأولى بين كثيرات، ولن تكون الأخيرة. وبعد أن رأى النهاية السيئة، لن يرضى إلا بالنهاية المثالية.
لقد احتضن رايان عبث الوجود، وتعلّم أن يحب صخرته.
☆☆☆☆☆
ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.
[1] تيت دو شيان= رأس الكلب: هو اسم جرف صخري شاهق يقع قرب قرية لا توربي جنوب فرنسا، على ارتفاع نحو 550 مترًا. يُطلّ على مدينة موناكو ويوفر مشهدًا بانوراميًا مذهلًا. سُمّي بهذا الاسم لأن شكل قمّته يُشبه رأس كلب عند النظر إليه من مسافة.
[2] بيني وايز هو شخصية شريرة في رواية “IT” لستيفن كينغ. يظهر في شكل مهرج مرعب ويستمد قوته من الخوف، خصوصًا خوف الأطفال. يعيش في المجاري في مدينة “ديري”، ويتحول إلى كائنات وأشخاص مختلفة ليطارد ضحاياه.
[3] كونان البربري هو شخصية خيالية أنشأها الكاتب روبرت إي. هوارد في عام 1932. هو محارب بربري قوي وشجاع من عالم خيالي يُدعى “هايبر بورا”، ويخوض مغامرات مليئة بالقتال والسحر. أصبح كونان رمزًا للبطولة والمغامرة في الأدب والفانتازيا، وتحول إلى أفلام ومسلسلات وألعاب فيديو.
[4] ريتال هو مصطلح عامي فرنسي يُطلق على الإيطاليين؛ نشأ تاريخياً كاختصار إداري لوثائق اللاجئين الإيطاليين في فرنسا. يُستخدم أحياناً للسخرية أو كلقب شعبي غير رسمي، وقد يُعتبر مهيناً حسب سياق الحديث.
[5]أسطورة سيزيف هي أسطورة يونانية تحكي عن ملك كورنثوس، سيزيف، الذي عوقب من قبل الآلهة بأن يُجبر على دفع صخرة ضخمة إلى قمة جبل، فقط لتتدحرج إلى أسفل كلما اقترب منها. هذا العقاب الأبدي يُرمز إلى الجهود غير المجدية والمعاناة المستمرة. الرمزية في الأسطورة تشير إلى الكفاح العبثي الذي يواجهه الإنسان في الحياة، والسعي المستمر رغم فقدان الهدف النهائي، ما يعكس فكرة العبثية والبحث عن المعنى في عالم قد يبدو خاليًا من الغاية.
[6] باكارات: هي لعبة ورق شهيرة تُلعب في الكازينوهات، حيث يتنافس اللاعبون على التنبؤ باليد الأقرب إلى الرقم 9.
