الفصل 33: البجعة السوداء
كان اليوم هو العاشر من مايو. كان سايشوك على وشك مهاجمة الميتم في أيّ لحظة، ورايان ينوي أن يُهدي ذلك المتخاطر صداعًا لا يُنسى.
بندقية في يده، والقفّازات المعدلة في مواضعها، راح الموصل يجوب ممرّات الميتم بخطى متحفّزة، فيما كان الأطفال مشغولين بجمع الطعام والألعاب داخل حقائب السفر. لكن ما أقلقه… أنّه لم يجد أيّ أثر للين.
“ما الذي يحدث؟” سأل رايان الطفلة جوليا الصغيرة، حين صادفها في طريقه. كانت على خلاف بقيّة الأيتام — الذين حملوا معهم طعامًا أو ألعابًا — إذ كانت تحمل على ظهرها كومة من الكتب. لقاؤه بهذه الطفلة من جديد، بعد أن علم ما فعله بها سايشوك في إحدى الحلقات السابقة، لم يزد الموصل إلا تصميمًا.
“ماما قالت إنها ستأخذنا إلى المكان السحري باكرًا،” شرحت جوليا، وهي تنظر إلى الأرض بدلًا من مواجهة عيني الجينوم. كانت أكثر خجلًا بكثير من سارة. “لذا… علينا أن نجهّز أغراضنا.”
حكمة في محلّها. لا شكّ أن هانيفات ليكتر سيهاجم المكان مجددًا بعددٍ أكبر، بعد أن يقضي حبارُه الأليف نحبه هنا.
رجا رايان أن يتلقّى دعمًا في الوقت المناسب. كان قد أبلغ جيمي بالهجوم المرتقب حين التقيا في باكوتو، بل وأعطاه القنبلة الذرّية رشوةً لفولكان… ليُليّن بها الصفقة. زوّدهم بكلّ المعلومات اللازمة، لكنه لم يكن واثقًا من أن تلك المعلومات ستجتاز سلسلة القيادة… إلى أن تحين لحظة الحسم.
“أين هي؟” سأل الجينوم. كان بوسع الموصل أن يقضي على سايساي ومجموعته بسهولة لو أطلق العنان لنفسه، لكنه لم يكن قادرًا على منع ذلك القافز من الأجساد من الانتقال إلى جسدٍ آخر.
“إنها في غرفتها. لا ينبغي أن نُزعجها.”
“حسنًا، أنا أزعجها منذ اليوم الذي التقينا فيه،” علّق رايان وهو يترك جوليا خلفه ويتّجه نحو غرفة لين. على حدّ فهمه، كانت تلك الغرفة سابقًا مكتب مدير الملجأ… قبل أن يتركوه يصدأ مع بقيّة المكان.
طرق الباب… دون أن يتلقّى أيّ رد. ورغم أنه كان موصدًا، فإنّ الموصل قد أتقن منذ زمن بعيد فنّ الاقتحام. “لين؟” نادى بعدما فتح القفل، ليجد الغرفة غارقة في ظلامٍ دامس. “قصيرة؟”
لم يُجبه سوى مواء خافت.
أشعل رايان الضوء بسرعة… ليجد نفسه وجهًا لوجه أمام بذلة غطّاس عملاقة. البذلة ذاتها التي ارتدتها لين عندما حاولت إنقاذه من أسيد رين.
“قصيرة؟” نادى رايان، قبل أن يلتفّ حول البذلة. وجد لين جالسةً على كرسيّ بجانب فراش، تحدّق بصمت في الحائط. وحين تقدّم خطوة، كاد الجينوم أن يتعثّر بصندوق أدوية، ثم لاحظ عشرات الصناديق مبعثرة على الأرض. “قصيرة؟”
لا جواب.
كانت لين تحدّق في الحائط بعينين خاويتين، بينما يوجين-هنري فون شرودنغر ممدّد في حجرها. سواد تحت عينيها، أنهكهما السهر والإرهاق.
كانت تبدو… ميّتة.
“لين؟ لين!” وحين لم يتلقَّ ردًّا، مدّ الموصل يده نحو كتفها، عازمًا على هزّها لتستفيق من شرودها.
“لا تفعل!” جاء ردّها المفاجئ كالصاعقة، فأربك رايان، وأفزع القطّ الجالس في حجرها. وكأنها استيقظت للتو من كابوس. وضعت لين يديها على أذنيها، كأنها تقاوم صداعًا رهيبًا. “لا تقترب مني!”
ذكّره ذلك بلقائهما الأول تحت البحر… لكن بطريقةٍ ما، كان هذا أسوأ.
لم ينبس الموصل بكلمة، بل اكتفى بالنظر إلى الصناديق الملقاة على الأرض. التقط أحدها، فوجده فارغًا. “لين،” قال رايان بجدية قاتمة وهو يرمي العلبة على السرير، “لو لم تكوني جينوم… لكنتِ في عداد الأموات من فرط ما ابتلعتِه من حبوب.”
“ولو لم تكن لديّ قدرات، لما احتجتُ إلى كلّ هذه الحبوب.”
“صحيح أن الجينومات تمتلك استقلابًا أسرع، لكن مع ذلك… هل تعلمين أن هذه الأدوية لا ينبغي أن تُؤخذ معًا أصلًا؟”
لم تأته أيّ إجابة.
“أنتِ لا تتبعين أيّ علاج فعلي…” تمتم رايان، وقد بدا عليه الذهول.
“إن لم آخذها، لا أرغب في فعل أي شيء!” انفجرت لين، وكانت حالتها النفسية قد ازدادت سوءًا — ربما بسبب تداخل الأدوية الخاطئ.
“إن لم آخذها، أنا… أنا لا أستطيع حتى التحدّث معك. لا أريد شيئًا سوى استخدام قدرتي.”
لم تكن قادرة حتى على التفاعل مع الآخرين… إلا تحت تأثيرٍ ثقيل من الأدوية.
كم تناولت حين كنا تحت البحر؟ وهل كان لقاؤنا في ملاذها الخاصّ آنذاك… قد زاد الطين بلّة؟ رؤية صديقته تنهار بهذا الشكل… أرعبت رايان. لكنّه لم يجد ما يقوله.
“أنا… أنا قادمة،” تمتمت لين أخيرًا، وهي تدلّك جبهتها بأصابع مرتجفة.
“سأرتدي البذلة… يجب أن أفعل.”
“أستطيع أن أواجه سايشوك وحدي، إن كان الأمر فوق طاقتك.”
“لا، لا، لا يمكن… لا يمكن أن أتركك تفعل كل شيء،” أجابت، بالكاد تنجح في تشكيل جملةٍ كاملة. “عليّ أن أساعد. يجب أن أساعد.”
“حسنًا، سأبقى أراقب حتى تجهزي.” غادر رايان الغرفة ليمنحها بعض المساحة، لكن عينه وقعت على شيء فوق السرير وهو في طريقه إلى الخارج. رسومات أوليّة لجهازٍ يشبه السونار — خَشِنة ومبهمة، لم تكتمل بعد. لا شكّ أن لين كانت تعمل على هذا الجهاز الجديد خلال النهار.
خرج الموصل من الميتم، وتوقّف عند العتبة. كانت سيارته مركونة على مقربة، فتذكّر رايان كيف وقفت سارة وصديقتها في الموضع ذاته تمامًا… في حلقةٍ سابقة.
لكن حين لمح حافلة سايشوك السوداء تقترب، قرّر أن يُضفي بعض الإثارة على هذا المشهد. رفع البندقية وصوّب نحو الإطارات الأمامية. أصاب الهدف بدقّة، فدخلت مركبة الميتا في دوّامة، وهي تحاول تفادي الاصطدام.
“ضربة موفّقة!” هتف رايان، وهو يتهلّل شماتة. “إنها ضربة مثالية!”
نجح السائق في استعادة توازن الحافلة، وهو ما خيّب أمل رايان بشدّة.
ثم سمع وقع خطوات ثقيلة خلفه… وخرجت لين من الميتم مرتدية درعها القتالي الكامل. كانت تحمل مدفعًا مائيًا كسلاح رئيسي، وعزمها واضح: حماية الأطفال بأيّ ثمن.
وما إن ترجّل سايشوك من الحافلة، متنكّرًا بهيئته المعتادة، حتى استرخى رايان قليلًا. العابث بالأدمغة لم يُحضر معه سوى البعوضي ومونغريل، تمامًا كما في الحلقة السابقة. لا وجود لأيّ ضاربٍ ثقيل هذه المرّة.
“الصغير تشيزاري،” قال سايشوك وهو ينزع نظّاراته الشمسية، كاشفًا عن عينَيه البيوميكانيكيتين. “وهل هذه الصغيرة لين أيضًا؟ يمكنني التعرّف على عملها من على بُعد ميل. هل سيلتحق بنا والدك أيضًا… من العالم السفلي؟” ظلت لين صامتة بشكل مقلق، يُشعّ منها توتّر صامت لا يُخطئه أحد. “إن أحببت، معي شرائح عرض من الأيام الخوالي،”
سخر رايان، مُوجهًا كلماته إلى سايشوك. “نصفها مخصّص… للركل الملوكي الذي نالته مؤخرتك.”
“لم تكن شجاعًا إلى هذا الحدّ في لقائنا الأخير، عندما أوصلتُ أسلاكي إلى دماغك،” ردّ سايشوك، ونبرته تقطر وعيدًا. “مع أننا جئنا فقط من أجل أولئك العفاريت في الملجأ… إلا أن هذا اليوم يبدو واعدًا بالفعل. يبدو أن ما يُقال صحيح… لا تنسى أبدًا من أفلت من قبضتك.”
“فهل سنقتلهم أم لا؟” سأل البعوضي، بينما مونغريل يكشف عن أنيابه.
“رائحة دمهم… تدفعني للجنون.”
“لن يموت أحد اليوم،” ردّ سايشوك، وأذرعه السلكية تلتفّ في حركة حيّة تحت معطفه. “هذان الإثنان… لي. كانا دومًا لي.”
رفعت لين مدفع الماء دون أن تنطق بكلمة.
“أتريدين القتال، أيتها الصغيرة؟” سخر سايشوك منهما.
“راجعي حساباتك… أنتما أقل عددًا، وأضعف.”
“بل راجع حساباتك أنت، سايساي،” ردّ رايان، وقد لمح دراجة ياماها بيضاء تقترب من الخلف. “صرنا ثلاثة… منَاجَ أ تروَا[1].”
ركبت امرأة شقراء الدراجة النارية، دون أن ترتدي خوذة، لكن بيدها عصا من تقنيات العباقرة، تشبه رمح فارسٍ جاء للمشاركة في بطولة مبارزة. توقّفت فجأة عند ساحة الميتم، وما إن ظهرت حتى تغيّر مزاج السايكو من ثقةٍ متغطرسة… إلى توتّرٍ صامت.
“مرحبًا يا رفاق!” قدّمت كانسل نفسها بابتسامة ساحرة، وهي تترجّل عن الدراجة وتتأرجح بسلاحها يمينًا ويسارًا. “سُررت بلقائكم!”
أطلقت عينَا سايشوك الإلكترونيتان ومضةً خافتة، بينما ارتجف أتباعه من الرعب.
“هيه، لا تحدّقوا بها هكذا،” علّق رايان وهو يرفع بندقيته.
“كنت أريد بلوتو، لكنها رفضت.”
كانت قدرة سايشوك لا تختلف كثيرًا عن قدرة الموصل نفسه؛ نقطة حفظ تسمح لهما بإعادة المحاولة بعد الموت. وبالتالي، فهما على الأرجح يشتركان في نقاط الضعف ذاتها.
لكن حين أدرك سايشوك الخطر… فعل شيئًا جديدًا وغير متوقّع. شيئًا لم يفعله قطّ في أيّ من الحلقات السابقة، مهما بلغ الموقف من يأسٍ أو تهوّر.
حاول الفرار، ممزّقًا ملابسه بأذرعه السلكية، فيما انقضّ أتباعه على كانسل.
أمسكتك.
جمّد رايان الزمن، رفع بندقيته، ثم فجّر أذرع سايشوك تمزيقًا. وحين عاد الزمن إلى مساره، تعثّر المتخاطر وسقط على وجهه المتغطرس… بطريقةٍ مثيرة للشفقة.
“لا تقلق، ألم تقرأ اللافتة عند مدخل ملجأ الكلاب؟” سخر رايان منه.
“القتل الرحيم… مجاني.”
في تلك الأثناء، وبينما تتحرّك بسرعة ورشاقة كـ لاعبة جمباز أولمبية، اندفعت كانسل نحو مونغريل بسرعة مذهلة. حاول السايكو أن يشعل النار في وجهها عبر يديه، لكنّ اللهب انطفأ عند أطراف أصابعه كما لو لم يكن. طعنت كانسل صدره بعصاها قبل أن يتمكن من الرد، وأطلقت الأداة صدمة كهربائية هائلة. كان رايان ليشبّهها بمسدس صعق… لولا أنّ مسدس الصعق لا يشوي ضحاياه أحياء كما فعلت أداة كانسل.
في تلك اللحظة، حاول البعوضي الفرار طائرًا، لكن لين أطلقت عليه. انطلق من سلاحها تيار ماء مضغوط، قطع جناحه الأيسر كما يُقطَع الورق، وأرسل ذلك الحشري المتضخّم يهوي إلى الأرض بقوة. ما إن تحطّم على الإسفلت، حتى رمى رايان بندقيته جانبًا وانقضّ عليه بقفازيه المعدّلين، ينهال عليه ضربًا حتى اختفى ما تبقّى من كرامته. وحين حاول الحشرة رفع قبضته للردّ، بترت لين ذراعه بسلاحها المائي… بكلّ بساطة.
“قصيرة، أمعكِ مبيدٌ للحشرات؟” صاح رايان وهو يدق البعوضي في الأرض كالمسمار. “مضرب الذباب لا يعمل كما ينبغي!”
لكن لين لم تُجبه.
فرغم أنّها لم تكن تجهل القسوة، ولم تتردّد قط في استخدام القوة المميتة حين تستدعيها الحاجة، إلا أنّ العبقرية كانت تنكمش داخل عقلها كلّما احتدم القتال. فبعكس رايان… لم تكن تجد حياتها في قلب الفوضى.
في هذه الأثناء، وبعد أن شوَت مونغريل حيًّا، اندفعت كانسل مباشرةً نحو سايشوك. حاول السايكو أن ينهض، لكن القاتلة سبقته بخطوتين. كان واضحًا أنّ قدرتها لا تؤثّر في طفراته الجسدية، ما جعل رايان يرجّح أنها لا تُبطل سوى مصادر القوى الغامضة التي تغذّي تلك الطفرات.
“انظر إليّ،” طلبت كانسل من سايشوك، ونبرتها لا تزال هادئة مطمئنة.
“انظر في عينيّ… أريد أن أتذكّر وجهك.”
رمقها السايكو الشرير بنظرة حانقة، ورفع ما تبقّى من أذرعه السلكية محاولًا تهشيم جمجمتها.
لكنّه لم يتحرّك بالسرعة الكافية.
غرست كانسل عصاها في جمجمة سايساي بسرعة خاطفة، وسحقت رأسه على الأرض حتى لم يتبقَّ منه سوى لطخة دامية. تناثر شيء من دمه على خدّها، فتحوّلت ابتسامتها إلى تعبير سادي خالص، فيما راحت الأسلاك تتلوّى حولها بجنون.
تحقّق رايان بسرعة من قدرة إيقاف الزمن… لكنها لم تعمل. جيّد حتى الآن. وبعد ثوانٍ معدودة، كان البعوضي ملقًى عند قدميه كحشرة مسحوقة؛ لا يزال حيًّا، لكن ينزف حتى الموت. أما الآخران… فقد أرسلتهما كانسل إلى العالم الآخر في لمح البصر.
“حسنًا، كان هذا سريعًا،” علّق رايان بنبرة لا تخلو من خيبة أمل خفيفة.
على ما يبدو، فإن غياب فولكان، والمباغتة، ووجود محترفَين إلى جانبه… أحدثوا فرقًا كبيرًا.
“تعلم؟ كنتُ قد تلقيت أوامر بقتل الجميع إن تبيّن أن الأمر فخًّا،” قالت غريتا بابتسامة مرحة، وهي تطيح بجثة سايشوك الجامدة بعصاها.
دمه لا يزال على خدّها، ولم تُبدِ أيّ نية لمسحه. “لكنني سعيدة للغاية لأنني لم أضطر إلى ذلك… لقد بدأت أصدأ فعلًا.”
“شكرًا لكِ، لكن… ألم يخبركِ أحد أنني خالِد؟”
“ظريفٌ أنت،” ردّت كانسل، وهي تترك بقايا سايشوك خلفها وتلتفت نحو البعوضي. “هل لا يزال على قيد الحياة؟”
“إن لم يتلقَّ علاجًا طبيًّا، فلن يصمد طويلًا.”
“أرجوكم…” تمتم البعوضي بتوسّل.
“جهدٌ كبير جدًا،” أجابت كانسل، قبل أن تسحق وجهه بعصاها.
ارتجفت لين بوضوح من وحشيتها اللامبالية، الأمر الذي لم يفُت على غريتا. “من أنتِ؟”
“أنا…” كان من الغريب أن يسمع المرء صوت لين الرقيق ينبعث من داخل تلك الدروع العملاقة. “أندر دايفر.”
“أوه، تشرفنا، أنا غريتا.” لقد قلتِ ذلك من قبل. فكّر رايان. عندها أدرك أن عبارات هذه المرأة لم تكن تلقائية قط، بل محفوظة عن ظهر قلب.
“هل بقي أحد علينا التخلّص منه؟”
“لا، الأمور تحت السيطرة،” أجاب رايان.
“جميل! آمل أن نلتقي مجددًا إذن!”
“وأنا كذلك، يا غريتا!” ردّ رايان بابتسامة مشرقة مماثلة. “أنتِ ألطف سوسيوباث[2] قابلتها حتى الآن!”
“شكرًا! وما السوسيوباث؟”
فردّ عليها رايان بإبهامين مرفوعين.
لوّحت كانسل لهما مودّعة، ثم انطلقت بدراجتها النارية بالسرعة نفسها التي جاءت بها، تاركةً جثث السايكو تتعفّن في مكانها. من الواضح أنها تملك خبرة واسعة في القتل العَرَضي. تساءل رايان كيف يبدو ملفّها المهني.
“إنها… فارغة من الداخل،” تمتمت لين بعد رحيل القاتلة.
وقبل أن يردّ رايان، شعر بثقل غير مرئي يهبط على كتفيه؛ لقد وقعت عليه فجأة نظرة لاند. لوّح بيده نحو السماء، وهو يتساءل إن كانت السايكو تراقبه من هناك.
لم يدم ذلك الشعور سوى بضع ثوانٍ… لكنه كان كافيًا لأن تتعثر لين من فرط التوتّر. “ما كان ذلك؟”
“نظرات،” أجاب رايان. “أنصح بأن نغادر قبل أن يأتي المزيد.”
“نعم، نعم،” التفتت لين نحو الميتم ورفعت صوتها: “سارة، جوليا—”
لكن فجأة، تحطّمت جميع النوافذ في الجوار دفعةً واحدة، بما فيها زجاج بليموث فيوري الأمامي.
“لا بأس، إنها غلطتي،” كذب رايان بسرعة قبل أن تصاب لين بالذعر. ولحسن الحظ، كانت معتادة على غرابة الأحداث التي تدور من حوله، فلم تطرح أيّ سؤال.
“سارة، جوليا، اجمعا الباقين، سنغادر الآن!”
“ماما، هل يمكن أن نأخذ الكلاب معنا؟” جاء صوت طفلة صغيرة من الداخل.
“آسفة، صغيرتي، لا يمكننا ذلك. سنترك الأقفاص مفتوحة… ليخرجوا منها بأنفسهم.” ثم التفتت إلى رايان. “شكرًا، ريري.”
“لا مشكلة. هل تحتاجين إلى مساعدة في نقلهم إلى برّ الأمان؟ الطريق إلى الميناء طويل.”
“لا بأس،” شرحت لين، “أنا أنقل الكرات الغاطسة عبر المجاري بانتظام، وهناك منفذ في القبو.” ذلك يُفسّر كيف كانت تدخل وتخرج من الميتم دون أن يلاحظها أحد. “ريري، أنا…”
“لا عليكِ،” قاطعها الموصل بنبرة مطمئنة، وقد عرف ما كانت ستقوله تاليًا. “إنه منزلك… وأتفهم تمامًا أنكِ لا تريدينني فيه بعد.”
في المرة السابقة… كان قد زار المكان على حين غرّة.
لا بدّ أن ملامح الذنب ارتسمت على وجه لين خلف خوذتها، رغم أنّ رايان لم يكن يراها. “أنا… أظنني وجدتُ شيئًا. يتعلق بقوّتك.”
تجمّد الموصل في مكانه. “ماذا قلتِ؟”
“لقد… كنتُ أتنصّت على الراديو الزمني الخاص بك منذ فترة،” اعترفت أخيرًا. “وحين تفحّصته عن كثب، لاحظتُ جزءًا في التصميم… أظن أنّ بإمكاني مساعدتك فيه. في الملاحة. أ—أنا آسفة، ما زلتُ بحاجة إلى وقت أطول لأتعمّق فيه. أحتاج إلى تركيز. الأمر لا يتعدّى فكرة في رأسي الآن، ولا أعلم إن كانت ستنجح… أو إن كانت قابلة للتحقيق أصلًا. فلا تُعلّق آمالك عليها أو أي ش—”
“قصيرة، مررتُ من قبل على مقبرة مليئة بالآمال الكاذبة،” قاطعها بابتسامة خافتة وهزّ رأسه. “كما قلتُ لكِ سابقًا… مجرّد رغبتك في مساعدتي بعد كل ما حدث، يعني لي أكثر مما تتصورين.”
بدت لين شديدة الارتباك خلف درعها… فلم تنبس ببنت شفة. “أعتقد… أنّني سأتواصل معك لاحقًا،” تمتمت بصوت خافت مرتبك. “أ-أراك لاحقًا، ريري.”
“لين،” ناداها بينما كانت تهمّ بالعودة إلى الداخل، “رجاءً، كوني حذرة في تعاطي أدويتك.”
توقّفت لحظة في مكانها، وكأنها لم تعرف بمَ تجيب. “سأفعل،” قالت أخيرًا. “لا تقلق، أنا… أستطيع التدبّر.”
لم يكن رايان يعلم إن كانت تكذب، أم تُقنع نفسها بذلك. زفر بعمق، يراقبها تختفي داخل الميتم… وقلبه يزداد ثقلًا.
“عليك أن تعوّضني زجاج السيارة،” علّق رايان ما إن غابت لين عن السمع.
“أعتذر،” جاء صوت شراود إلى جانبه، وكان لا يزال خفيا. “فاجأتني… وفقدت السيطرة للحظة.”
“أتخاف من الفتيات الصغيرات؟ كنتُ لأظنّ أن الحمام هو نقطة ضعفك.”
“أبحث عن شخص يحمل الاسم ذاته،” أوضح المنتقم. “جوليا كوستا. لكنّها ليست تلك الطفلة. العمر والوجه والجسد لا يتطابقون. أعلم أنها في هذه المدينة، لكن لا خيط يدلّني بعد.”
“وماذا حدث لجوليا التي تبحث عنها؟” سأل رايان بفضول، ولاحظ في الوقت ذاته أنّ شراود كان قادرًا على رؤية الأيتام من خلف الجدران.
“أوغستس قتل والديها، وخطفها وهي طفلة… ليستخدمها كرهينة ضد ليو.”ارتعدت أوصال رايان لدى سماع ذلك. “كلّما راودتك الشكوك… تذكّر أن هذا ما يمثّله الأوغُسْتي.”
“سأبحث في الأمر،” وعده الموصل. “كيف تبدو؟”
“يُفترض أن عمرها خمسة عشر عامًا تقريبًا، بشعرٍ بني فاتح، وعينين زرقاوين.” ليست أوصافًا وافية، لكنها أفضل من لا شيء.
“أنت لست تشيزاري سابينُو الحقيقي، أليس كذلك؟ طريقتك في التعامل مع الآنسة سابينُو لا توحي بعلاقة أخويّة.”
“يا للعجب، استغرقتَ أربع سنوات لتكتشف ذلك؟ يا لك من محقّقٍ بارع!”
“لا أجرؤ حتى أن أتخيّل ما الذي دار في رأس بلدستريم… لا بدّ أنّه كان أمرًا بالغ القسوة.” كانت تلك من أكثر الجمل المفعمة بالعاطفة التي سمعها رايان من فم الرجل الخفيّ.
“كنتُ أحبّها… ذات يوم.” لكنّ الهوّة بينهما اتّسعت إلى حدّ بات رايان ليُعتبر محظوظًا لو استطاع مجرد الحديث معها مجددًا بعد نهايته المثالية. “لكنه زمن بعيد الآن.”
“قال لي أحد الأصدقاء يومًا إن جميع الرجال حمقى ميؤوسٌ منهم.”
ثم أردف بأسى لا يخلو من تهكّم: “للأسف، لا أملك لك أيّ نصيحة… فحظي في الحبّ أسوأ من حظك.”
“ربما لأنهم يرون مباشرة من خلالك.” هزّ رايان رأسه، ثم أضاف بنبرة هادئة: “أنا أساعدها… لأنها صديقة عزيزة، ولأنها تحتاجني.”
لم يعُد يبحث عن حبٍّ رومنسي… بل عن رابطةٍ بشرية، أيّ رابطة، ستصمد في وجه بداياته المتكرّرة التي لا تنتهي. شعر الموصل بشيء يلامس كتفه — كأن يدًا خفيّة قد ربتت عليه بلطف، في لحظة تعاطفٍ صامتة.
“لقد كان ما فعلتَه متقنًا،” قال الرجل الزجاجي. “ظننتُ للحظة أنني سأضطرّ للتدخّل، لكنك كنت مسيطرًا تمامًا على الموقف. سأتحقّق من أمر سايشوك، إن كان قد زال فعلًا إلى الأبد… لكن أنصحك بمغادرة مدينة الصدأ سريعًا. لديّ شعور بأنك أفسدت خطط آدم، ولن يروق له ذلك أبدًا.”
بالفعل. كان رايان قد لاحظ أصلًا سُحبًا حمضية تتّسع فوق ساحة الخردة. لعلّ غياب وايفرن قد منح عصابة الميتا جرأةً أكبر… أو ربما كانت قدرة كانسل قد منعت سايشوك فعلًا من الانتقال إلى جسدٍ آخر.
وفي جميع الأحوال… لم يكن رايان قد بدأ بعد سوى لتوّه.
“اللعبة بدأت، موبيديك[3].”
☆☆☆☆☆
ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.
[1] مناج أ تروا: تعبير فرنسي ساخر يلفظه رايان عن عمد للإثارة والعبث. العبارة تحمل في الأصل تلميحًا مزدوجًا: عدد الأشخاص، وإشارة هزلية لعلاقة ثلاثية.
[2] السوسيوباث هو شخص يعاني من مشاكل في التفاعل الاجتماعي ويظهر سلوكًا معاديًا أو متمردًا على القواعد الاجتماعية والأخلاقية.
[3] موبيديك هو اسم رواية كلاسيكية شهيرة كتبها هيرمان ملفيل، بطلها قبطان يُدعى “أهاب” يطارد حوتًا أبيض ضخمًا يُدعى “موبيديك” عبر المحيط، في رحلة ملحمية تتحوّل إلى هوس مدمر.
في الثقافة الشعبية، أصبح “موبيديك” يرمز إلى الخصم الضخم أو العقبة المستعصية التي يلاحقها البطل بجنون أو عزيمة.
