الفصل 21: التدريبات التمهيدية
كان كل شيء يسير على ما يرام في مسار الأوغُسْتِي.
التقى ريان بـ زانباتو كما هو متوقّع، ولقّن سارين درسًا عند الميناء، وها هو الآن يكرّر الحوار ذاته الذي سيؤدي به إلى المبيت في منزل جيمي. كل شيء بدا على ما يرام، حتى صوت الأمواج المتكسّرة على الأرصفة…
“عليّ أن أتأكد من أمرٍ ما،” سأل لويجي الموصل، “هل أنت مخبر أو عميل مزدوج؟”
“في الحقيقة، أنا لا أنتمي لأي طرف.” أجاب ريان، لكن بعدها تحدث فمه من تلقاء نفسه. “لكن نعم، أنا عميل للكَرْنَفَال.”
…أو لعلّ الأمور لم تكن بخير بعد كل شيء.
استدار الجميع نحوه في لحظة تجمّد فيها الهواء، وساد صمت خانق. رفع الجنود أسلحتهم على الفور، بينما تغيرت ملامح زانباتو من الصدمة، إلى الخيبة، ثم إلى الغضب العارم.
“أوه… هذا ليس جيدًا.”
_____________________________________________________
حسنًا، درسان تعلّمهما رايان في هذه الحلقة:
أولًا، يكره كاشفي الحقيقة. يكرههم بكل ذرة في كيانه.
وثانيًا، زانباتو يستطيع أن يحوّل البشر إلى ساشيمي باستخدام سيفه الليزري. رايان لن ينظر إلى طبق السوشي بنفس الطريقة مجددًا.
لكن هذه المرة… هذه المرة سيكون الأمر مختلفًا. فالموصّل كان قد تدرّب على إجابات مضلِّلة بإتقان. قوة لويجي تُجبره على قول الحقيقة، نعم، لكن فقط بما يتطابق حرفيًا مع صيغة السؤال.
“علي أن أتأكّد من أمرٍ ما،” سأله لويجي من جديد. “هل أنت مخبر أو عميل مزدوج؟”
“لا يمكنني الوشاية بمجموعة لم أنضم إليها رسميًّا بعد، ولست عميلًا مزدوجًا.” من الناحية الفنية، كان عميلاً ثلاثيًّا.
“هل أنت خُلد (جاسوس)؟”
“بالطبع لست خلدًا، أنا إنسان.”
نعم! تم إنقاذ الموقف! لقد فعلها! لقد نجا!
“حسنًا، عليّ أن أُعيد صياغة سؤالي،” تنهد لويجي لكنه لم يستسلم. “هل تنوي، أو سبق لك، أن نقلت معلومات عنّا إلى جهة أخرى؟”
“حسنًا، نعم، أنوي ذلك. في الحقيقة، لقد فعلت ذلك بالفعل!”
تبا!
_____________________________________________________
حسنًا…
حسنًا، الثالثة ثابتة.
بفضل التوقيت المناسب والذكاء، تمكّن رايان من التنقّل ببراعة بين حلقات السببيّة، متفاديًا السؤال المشؤوم. أطلق سحره الخاص، كوَّن صداقات، وأشغل الجنود بحكايات طريفة. والآن، يستعدّ الموصّل وزانباتو للعودة إلى سيارة بليموث فيوري، والانطلاق لتناول بعض البيتزا اللذيذة.
“يا كويك سيف،” ناداه لويجي وهما يقطعان بضع خطوات باتجاه السيارة، “قبل أن ترحل، هناك بعض الأسئلة التي يجب أن أطرحها على كل عضو جديد.”
“لويجي، بحقّك، أرجوك، لا تفعل هذا،” قال رايان وقد امتلأت عيناه بالتوسّل. “من أجلك، لا تقلها… الأمر لن ينتهي بخير، أقسم لك، لن ينتهي بخير—”
“آسف، هذا جزء من البروتوكول. هل أنت مخبر؟”
“نعم، نعم، نعم! نعم، أنا مخبر! أهذا ما تريد أن تسمعه، لويجي؟! أهذا ما تريد أن تسمعه؟!”
تنفّس كويك سيف بعمق، محاولًا كبح إحباطه المتصاعد.
“لويجي،” قال رايان وهو يوجّه إصبعه نحو كاشف الحقيقة، بينما كانت الأسلحة ترتفع لتصطفّ في وجهه، “بيننا مشكلة… أنت وأنا.”
_____________________________________________________
“أين لويجي؟” سأل زانباتو الجندي1، حين فشل كاشف الحقيقة في الظهور عند الميناء، تاركًا العملية بأكملها في عهدة الأتباع فقط. “ألم يكن من المفترض أن يتولّى أمر الشحنة؟”
“عذرًا، لقد تعرّض لهجوم الليلة الماضية،” قال الجندي الصغير وهو يحمل هاتف لويجي. ويبدو أنه سيتولّى المهمّة بدلًا من رجل العائلة. “إنه في المستشفى حاليًا، وسيغيب عن الخدمة لفترة.”
“ماذا؟” صدمت الأخبار جيمي، وكان من الواضح أنه لم يُخبَر بالأمر. “ومن الذي هاجمه؟”
“مختل من نوع ما، يرتدي قناع هوكي ويحمل عصًا، على حدّ ما سمعته.”
“الهوكي رياضة خطيرة للغاية،” تمتم رايان وهو يحدّق في البحر بشرود، “لا أنصح بها أبدًا.”
“نعم، كان أمرًا جنونيًّا بحق،” أومأ الجندي1. “على ما يبدو، رجع لويجي للبيت متأخرًا بعد حفلة، أمر عادي، يبدأ يفتح الباب و— بوم! يطلع له مجنون من نوع فيلم ‘الجمعة الثالث عشر’ من الظلال، يكسر له فكه بعصا هوكي، ينهال عليه بالضرب، ثم يختفي.”
“لماذا؟” كاد جيمي أن يضحك. “لماذا لويجي بالذات؟ أكانت محاولة سرقة؟”
“لا، المجنون لم يلمس حتى ماله،” رد الجندي1. “ربما كانت جريمة كراهية؟”
“المهاجم بدا… شغوفًا جدًّا، حسب شهادة الشهود،” أضاف الجندي الصغير. “على الأقل هذا ما سمعته.”
“لويجي لا يتورّع عن التسكّع مع النساء، مخرب بيوت حقيقي،” علّق الجندي2، “ربما كان عشيقًا غيورًا؟ كان لا بد أن يحدث هذا يومًا ما.”
“أو ربما تكون الميتا،” قال زانباتو وهو يعقِد ذراعيه، “لكن… كيف عرفوا مكان سكنه؟”
استغرق رايان وقتًا أطول في العثور على معدات الهوكي مما استغرقه في الوصول إلى عنوان لويجي. لم يعد أحد يلعب تلك الرياضة في هذه الأيام.
“كويك سيف، أنت تقيم في فندق، صحيح؟” سأل جيمي رايان. “أعتقد أنه من الأفضل أن تبيت عندي الليلة… احتياطًا. المدينة لم تعد آمنة على الإطلاق.”
“حقًا؟” رد رايان بسخرية جافة.
بعد ذلك، جرت الأمور كما كان متوقّعًا. دعا جيمي رايان إلى منزله، ولعبوا البوكر، ثم ذهبوا إلى مصنع فولكان، وأنقذ رايان الباندا من الانقراض.
كان عقل رايان قد دخل منذ زمن في وضع القيادة الذاتية، تاركًا لحسّه الزمني أن يوجّهه إلى الأمام. وليس ذلك بنوع من القوى الثانوية، بل مجرد حالة ذهنية يدخلها وعيه عندما يضجر من عيش الأحداث نفسها مرارًا وتكرارًا. لا يختلف الأمر كثيرًا عن الشرود الذهني أثناء أداء مهمة رتيبة تُفقدك الإحساس بالزمن.
كان البشر مقيدين بقوانين السببية. وباستثناءات نادرة، عاش رايان في مسرحية لا تنتهي من الإعادات المتكررة. لم يعودوا يثيرون لديه أي فضول؛ فبعد وقت كافٍ، صاروا يتصرّفون بالطريقة ذاتها حيال الأمور ذاتها، ينسون وجوده ثم يعيدون اكتشافه، مرارًا وتكرارًا. تحوّلوا إلى آلات… وبقي هو الإنسان الوحيد في الغرفة.
كان التكرار كفيلًا بأن يدفع أيّ إنسان إلى الجنون.
لكنها معاناة لا بدّ منها في سبيل بلوغ النهاية المثالية. وسرعان ما ستنتهي هذه الدوامة أخيرًا. كلّ شيء سينقلب إلى صالحه عندما يجد لين. كان واثقًا من ذلك.
رنّ هاتفه فجأة، قاطعًا تيّار السببية، وجاذبًا وعيه من غفوته.
استغرق رايان لحظة ليتذكّر متى وأين هو، حين استعاد وعيه فجأة.
فالتكرار المفرط والحلقات الزمنية المتتالية كثيرًا ما تآكل معه إدراك الجينومي للواقع، لا سيّما حين تلتقط قدرته تغيّرًا ما في خطّه الزمني الشخصي.
تفحّص رايان هاتفه، فيما كانت لانكا قد غادرت بالفعل متوجهة إلى مصنع فولكان، تاركة الباندا ممدّدًا مهزومًا على الأرض. كانت الرسالة تتضمّن صورة لميتم مدينة الصدأ، لا يزال سليمًا، وأسفلها سطر نصي:
تمّ التعامل مع سايشوك. الأطفال بخير.
شكرًا على المعلومة.
كان رايان يحيا من أجل تلك المفاجآت… سواء كانت سارة أو كارثية.
حين لمح بلوتو وحارستها الشخصية تتحدثان مع زانباتو، توقّع رايان أن تتكرر الأحداث كعادتها إلى أن يلتقي بفولكان. حتى نائبة الأوغُسْتِي تجمّدت بالطريقة نفسها تمامًا عند رؤيته، وردّدت العبارة ذاتها حرفيًا.
“أنت،” سألت بلوتو وهي تنظر إلى كويك سيف.
“موا(أنا)؟” ردّ رايان، وهو يتهيّأ لتكرار الحوار نفسه.
“هل التقينا من قبل؟”
فاجأه السؤال، إذ لم يكن يتوقّع تغييرًا في النص. “ربما… من الصعب نسياني.”
“أنا واثقة من ذلك، لقد التقينا سابقًا،” ردّت بلوتو، وقد تحوّلت نبرتها من فضول حذر إلى حيرة صادقة. “من أنت؟”
“سيّدتي، ما الأمر؟” سألت الحارسة الشخصية بلوتو، بينما كانت لانكا تقف ساكنة بجوار رايان. نظرة واحدة من نائبة الزعيم كانت كفيلة بأن تزرع الرعب في نفسها وتصيبها بالصمت.
“إنه موسوم،” قالت بلوتو. “لكنني لا أذكره.”
و… تبا! هل امتد تأثير قدرتها عبر الزمن ووسمته فعلًا؟
“هل هناك ما يثير القلق، سيّدتي؟” انضمّ جيمي إلى الحوار، متّخذًا موقعًا حذرًا بجوار رايان، ومعه كي-جونغ.
“من هذا المجنّد الجديد يا زانباتو؟”
استعد رايان لإلقاء نكتة، لكن جيمي اقتحم مساحته الخاصة ووضع يدًا على كتفه. لا تتكلم إلا إذا كُلّمت. — تلك العبارة لم ينطق بها، لكنها كانت حاضرة بكل وضوح.
“كويك سيف،” أجاب زانباتو بدلًا عنه، موجّهًا الرد إلى بلوتو. “جينومي بنفسجي… موقِف للزمن.”
“ليس أزرق؟” سألت بلوتو وهي تحدّق في رايان بنظرة حادّة، كأنها تحاول النفاذ إلى أعماق روحه. لم يكن الموصّل يعرف السبب، لكنه أحسّ بضغط يتزايد من حوله. الهواء ازداد ثِقلاً، وشيءٌ ما بدأ يُثقل على ذهنه.
“كان كانسل ليلاحظ أيّ تغيّر في الذّاكرة أو خطر معرفي،” أشارت الحارسة الشخصيّة لبلوتو. “ربما قواكما تتداخل بطريقة ما؟”
لم تبدُ بلوتو مقتنعة، وعيناها ما تزالان مثبتتين على رايان.
أطلق الموصّل صفيرًا وتظاهر بالبراءة وهو يُشيح بنظره، بينما تدخّل زانباتو مدافعًا عنه. “كويك سيف قد يكون غريب الأطوار، لكنه جدير بالثقة،” قال رجل العائلة. “لقد ساعدنا في صدّ هجوم سارين بالأمس—”
“ما اسمك، كويك سيف؟” قاطعته بلوتو، موجّهة السؤال إلى رايان وكأنها لم تسمع كلمة مما قاله. “اسمك الحقيقي.”
“أوه، أنا رايان!” ردّ بنبرة تقديس زائفة، محاولًا تخفيف التوتر. “رايان رومانو. أنا خالد… لكن لا تخبري أحدًا.”
“لا أحد يعيش إلى الأبد،” ردّت بلوتو ببرود. “لدي أماكن عليّ الذهاب إليها الآن، لكنني سأستدعيك قريبًا لحسم هذا الأمر. تظاهر بالغباء، تذاكى، اهرب، أو ارفض… وستموت.”
الطريقة التي هدّدت بها رايان… لا، انتظر، لم يكن ذلك تهديدًا. كانت حقيقة.
إن لم يطعها، سيموت. نهاية القصة.
راقب الموصّل ومجموعته نائبة الزعيم وهي تغادر برفقة حارستها الشخصية، وسط صمتٍ مطبق، حتى توارَت عن الأنظار. لم يجرؤ أحد على الكلام في البداية، فبادر رايان بكسر الجليد:
“حسنًا… من يرغب في تناول طعام صيني؟”
“تبا،” تمتمت لانكا وهي تزفر بارتياح. “أيها الثرثار، ماذا فعلت بحق الجحيم؟”
“السؤال هو: ماذا لم أفعل؟!” ردّ رايان بنفس الحيرة، “أو… هل تفضّلين طعامًا إيطاليًا؟”
“الموضوع جديّ، كويك سيف،” قال جيمي بحدة. “تلك المرأة هي بلوتو، أخت أوغُسْتُس ونائبته. اهتمامها بك لا يبشّر بخير.”
“أنصحك أن تطيعها دون أي نقاش،” قالت كي-جونغ وملامح القلق ترتسم على وجهها، “بإمكانها أن تقتلك مجرّد أن تفكّر بذلك.”
“لكن… ما الذي جاء بها أصلًا؟” سألت لانكا موجّهة كلامها لقائد فريقها.
“الزعيم أعطى الضوء الأخضر لضرب عصابة الميتا بقوة،” قال جيمي وهو يعقد ذراعيه. “فولكان ستتولى قيادة عملية التنظيف، بما أنها تموت شوقًا لتجربة أسلحتها الجديدة ميدانيًا، وبلوتو أعارتها فرقة القتلة السبعة. أعتقد أن الوقت قد حان أخيرًا لتنظيف هذه القاذورات.”
“خصوصًا بعد ما فعلوه بالمسكين لويجي،” قالت كي-جونغ بوجه متجهم. “الهجوم عليه أمام منزله مباشرة… إن لم يعد المرء يشعر بالأمان في بيته…”
“هل نحن متأكدون أصلًا أن من فعلها هم الميتا؟” سألت لانكا بنبرة متشككة. “أعني… الأمر كلّه كان مجرد رجل يحمل عصا هوكي. لو كان واحدًا من الميتا، لكان هناك ضحايا أكثر بكثير.”
“غالبًا مجرد مدمن بلا قوى استأجروه بالمال،” ردّ جيمي. “عصابة الميتا ليست جماعة كبيرة. من الطبيعي أن يوكلوا المهام القذرة لغيرهم.”
كان رايان يُنصت للنقاش، محاولًا أن يعيد تركيب تسلسل الأحداث في ذهنه. يبدو أن شرواد قد أوفى بوعده وتوقّف عن استهداف الأوغُسْتِي بعمليات الاغتيال. ومع غياب ما يشتّت انتباههم، قرّرت العصابة الإجرامية أن تركّز كلّ جهودها على القضاء التام على عصابة الميتا.
لكن رايان لم يكن واثقًا من كيف سينتهي اهتمام بلوتو المفاجئ به. فذلك قد يُهدّد مهمّته بأكملها في التسلّل، وكان عليه أن يفهم كيف استطاعت التعرّف عليه رغم تغييره للخطّ الزمني.
تباّ! في كلّ مرّة يُحرز فيها تقدّمًا، تظهر له مشكلة جديدة!
لا، انتظر، لا يهم. كلّ ما على رايان فعله هو مجاراة الموقف حتى تخبره فولكان بكيفية الوصول إلى لين أو التواصل معها. لم يكن مضطرًّا للبقاء مع الأوغُسْتِي أكثر من ذلك. وإن حاولوا دفعه لتنفيذ مهمة تافهة تلو الأخرى…
فالأمر… لن ينتهي لصالحهم.
دخلوا إلى مصنع فولكان بعد ذلك، بينما كان زانباتو يُلقي على رايان محاضرة جديدة حول كيفية التحدّث مع الزعيمة. لكن رايان بالكاد أنصت إليه، فقد كان قد تجاهل نصيحته في المرة الأولى أصلًا. إلا أن لقائه المتوتّر مع بلوتو جعله يعيد النظر في طريقة تعامله مع العبقرية المتقلّبة. فواحد من كبار أفراد الأوغُسْتِي بدأ يشكّ بأمره، ولقاؤه المنتظَر مع لين بات على المحك… وليس من الحكمة أن ينفّر شخصًا آخر في هذا التوقيت.
حتى لو كان يكره ذلك، سيتعيّن على كويك سيف أن يُحسن التصرّف.
دخل رايان ورفاقه ورشة فولكان، فالتقطت عيناه على الفور ذلك الدرع الضخم. كان من الغريب أن ينظر مجددًا إلى هذه الآلة الجبّارة، بعد أن حاولت العبقرية قتله بها.
بدلًا من السخرية من قصر فولكان هذه المرة، ركّز رايان كامل انتباهه على الدرع، بينما كان زانباتو يتبادل التحايا مع الزعيمة. لكن فولكان سرعان ما لاحظت اهتمام رايان بعملها.
“هل أبهرتك؟” سألت فولكان رايان، وهي تتوقّع منه بوضوح أن يُغدق عليها المديح.
“تصميم مثير للاهتمام، خصوصًا المفاعل الاندماجي المصغّر،” أجاب رايان ببراءة. “لكن يجدر بكِ طلاء المفاصل بطبقة واقية مقاومة للصدمات… قد يتمكّن أحدهم من كسرها بالضغط الانتقائي عليها.”
“فكّرتُ في ذلك،” ردّت، وقد بدا عليها شيء من المفاجأة من حدّة ملاحظته. “لكنني لم أجد حتى الآن سبيكة مركّبة تستطيع تحمّل احتكاك الحركة العنيف دون أن تؤدي إلى تعطّل الذراع. وبالنظر إلى الهدف المقصود، فضّلت السرعة على الدفاع.”
تذكّر رايان كيف داست وايفرن على الآلة في المرّة الماضية، لكنه احتفظ بتلك الحكاية المسلّية لنفسه. “ولِمَ لا تستخدمين مشتقًا بلاستيكيًّا إذن؟”
جلست فولكان على طاولة العمل، وقد لمعت في عينيها ومضة اهتمام.
“هل أنت عبقري، يا كويك سيف؟”
“ليس تمامًا، لكن لدي خبرة مع تقنيات العباقرة،” قال وهو يرمي القنبلة الذرية بلا مبالاة نحوها. “وفي الحقيقة… لدي خبرة بكل شيء تقريبًا.”
“بكل شيء؟” تمتمت عدوّة وايفرن وهي تتأمّل القنبلة بإعجاب. “يا له من تصميمٍ رائع…”
“باستثناء التزلّج على الجليد.” والآن بعد أن فكّر بالأمر، ربما يجدر به تخصيص حلقة زمنية لتعلّم تلك المهارة… في حال اضطرّ لمواجهة غول مجددًا. “هل ترغبين في الاحتفاظ بالقنبلة؟ هل يمكنني رشوتك بها؟”
“أيمكنني الاحتفاظ بها؟” في تلك اللحظة، بدا على فولكان وكأنها طفلة تلقّت هدية عيد ميلاد مفاجئة.
“أهذا ما يُسمّى بالحب من النظرة الأولى؟” تمتمت لانكا بوجه خالٍ من التعابير. “كنت أظنّ أنه مجرّد كذبة.”
“احذري لسانك، يا سْفير،” ردّت فولكان، وهي تُبقي القنبلة معها. “كويك سيف، أريدك في فريقي. تبدأ غدًا.”
واو، واو، واو! لقد تجاوزت مراحل كثيرة دفعة واحدة! سارع جيمي إلى الدفاع عن طهارته الخيالية. “كنتُ أظن أنه قد ينسجم مع قسم ميركوري،” قال وهو يحاول تعديل نبرته، “وفوق ذلك، بلوتو تراقبه عن كثب… لا تطيقه.”
“بلوتو؟” هزّت فولكان كتفيها بلا مبالاة. “تلك الكلبة مصابة بجنون الارتياب، لكنني أعرف كيف أتعامل معها. لم تكن تريدني أصلًا في الفريق حين انضممت، وها أنا ذا. فلا تقلق بشأنها، كويك سيف، سأغطيك.”
هل كانت… لطيفة بالفعل؟ يا للمفارقة! كم يختلف هذا عن تلك المجرمة سريعة الغضب التي حاولت قتله قبل بضع حلقات زمنية.
“أما بالنسبة لميركوري، فأنا من اكتشف كويك سيف أولًا، وسيكون من المعيب أن نضيّعه في مهام الحمقى،” أضافت العبقرية بازدراء متعالٍ، وهي تُقصي جيمي جانبًا بنظرة ساخرة.
“أقدّر العرض، لكنني لا أبحث عن وظيفة طويلة الأمد،” ردّ رايان. “أنا أبحث عن لين، شعر أسود، عينان زرقاوان، ماركسية-لينينية.”
“أندر دايفر.”
“أعرف أن لديها قاعدة تحت البحر، وأنك على تواصل معها،” قال رايان وهو يضع يديه خلف ظهره. “لو أمكنكِ إرسالي إليها، فسأكون ممتنًّا للغاية.”
“أنت مطّلع جيدًا،” ردّت فولكان، قبل أن ترتسم على وجهها ملامح غريبة. “لكن كلمة تواصل ليست التي أستخدمها لوصف علاقتنا. نحن أشبه برفيقين عبقريين بالمراسلة، نتبادل التقنيات من حين لآخر. أستطيع ترتيب لقاء… لكن ليس مجّانًا.”
ظنّ رايان أنها ستطلب منه دعوة عشاء كثمن للمساعدة، لكن بدلًا من ذلك، أمرتهم مجددًا بتخريب فيلم وايفرن… بدافع انتقام تافه. بعض الأمور لا تتغيّر أبدًا.
ومع ذلك، راح يتفحّص المكان باحثًا عن كاميرات خفية أو قنبلة. لا يمكن أن تسير الأمور بهذه السلاسة، أليس كذلك؟
“عد غدًا بعد أن تُنهي المهمة وتنحلّ مشكلتك مع بلوتو، يا رايان،” قالت فولكان. “سأمنحك مكافأتك… وقد أُغيّر رأيك بشأن مسألة التوظيف طويل الأمد.”
لاحظ الموصّل أنها أصبحت تناديه باسمه مباشرة الآن.
لا شيء يكسبك ودّ امرأة مثل قنبلة نووية صغيرة.
“حسنًا… هذا سار على نحو مفاجئ،” قالت لانكا بدهشة حين غادروا المصنع. “كنتُ واثقة أنك ستُفسد كل شيء بطريقة ما، أيها الثرثار، لكن يبدو أنها معجبة بك.”
“هل أنت بخير؟” سأل جيمي رايان بمجرد أن خرجوا من المصنع.
“ما سبب السؤال، يا يوجيمبو[1]؟” ردّ الموصّل بسؤال مضاد.
“تبدو هادئًا على غير عادتك،” أشار السيّاف. “لا أقول إن ذلك أمر سيئ، لكن… واضح أنك مكتئب بعض الشيء يا رجل.”
ملاحظة ذكيّة. في الحقيقة، لم يكن رايان بخير تمامًا لأنه أصبح قريبًا جدًا من بلوغ هدفه. لقد تخلّص من تدخّلات شرواد، وكلّ الأمور تسير بسلاسة، وإن لم تقرّر بلوتو قتله فجأة، فعلى الأرجح سيلتقي بـ لين غدًا.
الطريق بات واضحًا أمامه.
ظنّ أنه سيشعر بالحماسة، بالفرح بعد تجاوزه لكلّ العقبات في طريقه… لكن رايان لم يستطع التخلّص من شعور مبهم بعدم الارتياح. كأنّه شخص قضى عمره في التدريب لتسلّق قمة إيفرست، والآن باتت القمّة في مرمى البصر.
كان يخشى أن يُصاب بخيبة أمل.
☆☆☆☆☆
[1] يوجيمبو: فيلم يتحدث عن ساموراي.
