الفصل 13: باتمان وروبن
الجحيم موجود، وقد اتّخذ هيئة ندوة تدريبية للشركات.
كان رايان يتخيّل أن أول يوم له كعضو في الدوري الصغير سيبدأ بتدريب بطولي، أو ربما بجولة دورية روتينية مع وايفرن. شيء عملي على الأقل. بدلًا من ذلك، تلقّى الموصل مهمة مملة تمتد لأسابيع، لا تتعدّى كونها تدريبًا داخليًا في شركة.
لم يحتج رايان إلا أن يُلقي نظرة على مخطط اليوم ليتمنى إعادة الحلقة الزمنية. إفطار قهوة، ثم اجتماع أول—متأخر بنصف ساعة بسبب استراحة القهوة السابقة الذكر—ثم غداء، فاجتماع ثانٍ، ثم الغداء الحقيقي، فاستراحة القهوة الثانية، ثم اجتماع ثالث، وغداء مسائي، ثم استراحة قهوة أخرى، يليها عرض مقاطع فيديو تعريفية عن الشركة. كل هذا قبل السادسة مساءً، وبعدها يخيّرونه بين المغادرة… أو الانخراط في ‘جلسة مشروبات لبناء العلاقات بعد الدوام’.
حتى الآن، لم تتجاوز هذه الاجتماعات كونها ندوات عن إدارة العلامة التجارية، أو جلسات عصف ذهني لمسوّقي الشركة حول ‘الهوية الجديدة والمحسّنة’ لعلامته، أو مقابلات مع محامين يناقشون فيها الحقوق الثانوية، والآن… شريط تثقيفي عن ثقافة العمل في شركة ديناميس.
باختصار، لا أثر لأي عمل بطولي حتى الآن.
لم يكن رايان الوحيد من ‘المجنّدين’ في القاعة، لكن ما أثار دهشته أن معظمهم كانوا يستمتعون فعلًا بهذه الأنشطة المملة الخالية من المعنى. بدا عليهم حماس أكبر لمناقشة صورتهم العامة وعائدات المنتجات… من الحديث عن العمل الميداني الحقيقي.
هذا المكان كان يستنزف روح الموصل. وكان يشعر بذلك حقًا.
تنهد رايان بملل وهو يصل إلى الغرفة المخصّصة لمشاهدة الفيديو الترويجي الجديد، واضعًا يده على ماسح الباب. كانت ديناميس قد أخذت قطرة من دمه فور توقيعه العقد، وهو ما منح الشركة وسيلة ما لتتبّعه والتعرّف عليه.
“التوقيع البيولوجي: تايم لورد.”
تأوّه رايان وهو يسمع ذلك الاسم التجاري الباهت بينما كان الباب يُفتح. ألم يكن بإمكانهم اختيار شيء أكثر تفرّدًا؟ مثل ساحر الزمن… أو حتى حاجب الزمن؟
دخل الموصل إلى قاعة مؤتمرات معتمة الطابع، غير رسمية، تتّسع لعشرات العشرات من الحضور، وكانت جدرانها الكريمية مزدانة برسومات مستوحاة من حضارات أمريكا الوسطى. ديناميس فضّلت أسلوبًا غير رسمي ومريح، فاستبدلت الكراسي البلاستيكية بمقاعد قطنية وأرائك مريحة.
كان المجنّدون الجدد في الدوري الصغير مجتمعين أمام شاشة عملاقة إلى جانب موظفي العلاقات العامة، يتبادلون المجاملات بينما يحتسون مشروبات طاقة من إنتاج ديناميس. بدا أن أعمارهم تتراوح بين الخامسة عشرة ومنتصف العشرينات، ويرتدون أزياء زاهية الألوان صمّمتها إدارة التسويق خصيصًا لهم. ومن خلال ما سمعه رايان، كانوا يناقشون آخر صيحات الموضة، ومن يواعد من بين دوري محترفي إل ميليوري، وكيف تعرّف كلّ منهم إلى إنريكي مانادا من الأساس.
لم يكن الباندا بين هذه الشرذمة من المراهقين. وهو ظلمٌ فادح لا شك فيه، لأنه كان سيندمج معهم بشكل طبيعي.
لاحظ رايان ذئبًا منفردًا يجلس في الخلف، يفضّل تصفّح صور وتقارير ورقية على أريكة فاخرة بدلًا من النظر إلى الشاشة.
كان الرجل يرتدي قناعًا أبيض على هيئة قط، يُخفي الجزء العلوي من وجهه ويُبرز بشرته الفاتحة الملساء، وعينيه الزرقاوين، وشعره الأشقر المصفّف بعناية؛ أدونيس[1] بكل معنى الكلمة. بدا في مجمله في نحو الثامنة عشرة، مرتديًا زيًّا رياضيًا بلا أكمام، ورديًّا وأبيض.
ظهر شعار ديناميس على شكل الحرف D على الشاشة، مترافقًا مع موسيقى ملونة مبهجة. ثم ظهرت صورة لرجل لاتيني مسنّ، شعره يشوبه الشيب، يزيّنه شارب كثيف، وبطنه بارزة على نحوٍ لافت. في الخلفية، كانت صورة لمدينة روما الجديدة تملأ الشاشة. ذكّر ذلك الرجل رايان بصورة قديمة لبابلو إسكوبار، من رأسه حتى أخمص قدميه: اللباس العفوي، الابتسامة الودودة… والأسنان المخبّأة خلفها.
“مرحبًا، أنا هيكتور مانادا، المدير التنفيذي والمؤسّس لشركة ديناميس. وبصفتي أرحّب بكم كموظفين جدد، فأهلاً بكم في عائلة D. لقد تم اختياركم بناءً على مهاراتكم وشخصيتكم، لتصبحوا جزءًا من شيء أعظم. فنحن في ديناميس وشركاتها التابعة لسنا مجرّد تكتّلٍ تجاري. قبل ثلاثٍ وثلاثين سنة، ومنذ لحظة تأسيسي لهذه الشركة، ظلّ مبدأنا التوجيهي ثابتًا لا يتغيّر… كيف ينبغي أن يبدو عليه هذا العالم؟”
كان رايان يعرف الكثير عن التاريخ الرسمي لشركة ديناميس… والفضل في ذلك يعود لحملاتهم الإعلانية المتواصلة.
فقد أسّس هيكتور مانادا، وهو في السادسة والعشرين من عمره، هذه الشركة الصيدلانية في إسبانيا قبل زمن حروب الجينوم بسنوات طويلة، ثم وسّع نشاطها لتشمل الشحن، والمستودعات، والزراعة، والغذاء، والتقنيات الحيوية، والصناعة، والنفط، والتجزئة… وكلّ ما يمكن تخيّله تقريبًا.
والمفارقة أن الشركة كانت قد نقلت مقرّها الرئيسي إلى إيطاليا قبل عام واحد فقط من قصف ميكرون للعالم بأسره، وذلك لتكون أقرب إلى نشاطاتها المتنامية في مجال الشحن. وقد أنقذت هذه المصادفة السعيدة معظم قياداتها عندما انهار العالم القديم. وبما أن ديناميس كانت قد مدّت أصابعها في كل مجال تقريبًا في أوروبا الغربية قبل حروب الجينوم، فقد امتلكت ما يكفي من الموارد لتزدهر من جديد بمجرد أن انقشع الغبار.
وبما أن إسبانيا كانت قد عانت أكثر بكثير من إيطاليا جرّاء اعتداءات الجينومات، فقد نقلت ديناميس ما تبقّى من بنيتها التحتية بعيدًا عن موطنها الأصلي، وأسّست روما الجديدة لتكون معقلها الخاص. ومن خلال اندماجها مع شركات أخرى وتوسّع فروعها التابعة، فرضت سيطرتها على كورسيكا، وسردينيا، ومايوركا، وجنوب إسبانيا، وغرب إيطاليا، وحقول النفط الليبية، في حين لا تزال تنازع أمراء الحرب الجينوميين على السيطرة في صقلية.
باختصار، كان مجلس إدارة ديناميس في طريقه ليُصبح الواجهة الرسمية لأوروبا ما بعد الجينوم… ما لم يسبقهم أوغستس إلى ذلك.
قرّر رايان أن يجلس في الخلف إلى جوار الذئب المنفرد، لأنه أقرب مكان إلى الباب؛ وكان ينوي المغادرة ما إن ينتهي الفيديو. جلس هناك، وحاول أن يصغي للمقطع لعشر ثوانٍ فقط… قبل أن يشعر بالملل ويبدأ بتفقّد هاتفه.
“هل يوجد واي فاي هنا؟” سأل رايان جاره. “أرى شبكة اسمها ‘داينا-مايت’، لكنها محمية بكلمة مرور.”
“هل ترى جهاز الواي فاي هناك؟” أشار الشاب الأشقر إلى جهاز في زاوية الغرفة. “كلمة السر مكتوبة—”
أوقف رايان الزمن قبل أن يُكمل جملته. وبحركة رشيقة كأفعى، أخرج من معطفه جهاز تتبّع صغير، فتح الغطاء الخلفي لجهاز الواي فاي، دسّ الجهاز داخله بخفّة، ثم أعاد إغلاقه كما كان.
“—على الجهة الخلفية،” أكمل الرجل، دون أن يلاحظ أحد أنّ رايان كان قد عاد إلى مكانه الأصلي. “لكنها طويلة جدًا، وتراعي الأحرف الكبيرة والصغيرة. اضطررت للمحاولة خمس مرات حتى أدخلتها بشكل صحيح.”
تظاهر الموصل بالتأفف من الكسل، وعيناه ما تزالان مركّزتين على هاتفه. كان جهاز التتبع قد بدأ عمله بالفعل، وبدأ يرسل له المعلومات.
كان رايان قد زرع أجهزة مشابهة في أنحاء الطابق طَوال اليوم، ما يمنحه وسيلة لاختراق أنظمة ديناميس. كل ما يحتاجه الموصل الآن هو مسح سريع للثغرات التي قد يستغلّها في الحلقات الزمنية التالية للدخول، ولم يكن يهمّه كثيرًا إن تم اكتشافه لاحقًا.
في الواقع، راودت رايان فكرة الانتحار فقط ليتجاوز مرحلة التدريب هذه كليًا. كان كائنًا يعشق المتعة، وموظفو هذا المكان بدوا وكأنهم عازمون على انتزاع كل قطرة حياة من جسده.
أعاد رايان هاتفه إلى جيبه بعد أن استهلك من محتوى ديناميس ما يكفي لعمرٍ بأكمله، وتوقّف عن متابعة الفيديو تمامًا. بدلًا من ذلك، بدأت عيناه الفضوليتان تتجوّلان نحو جاره، الذي بدا وكأنه يشاركه نفس اللامبالاة.
واتّضح أن الشاب الأشقر كان منشغلًا بتصفّح صور لعصابة الميتا.
تعرّف رايان على الفور إلى صور سارين وغول، وإلى جانبها صورة رجل أصلع، ضخم الجثة إلى حدّ مرعب، يرتدي ملابس رجالية تعود لحقبة الخمسينيات. وجهه المشوّه والمليء بالندوب، وأسنانُه البارزة، جعلا رايان يفكّر في فرس نهر.
لاحظ الشاب الأشقر فضول رايان، وشعر برغبة في إعطائه بعض التفاصيل. “آدم، الزعيم الكبير والشرير لعصابة الميتا.”
“استنتجت ذلك من الكرش،” ردّ رايان وهو يقترب لإلقاء نظرة أوضح على الصور.
“هو موجود في مكان ما داخل المدينة، لكن لا أحد يعرف موقعه بالتحديد،” تمتم الشاب الأشقر، وقد بدأ صوته يرتفع من شدّة الإحباط.
التفت بعض المجنّدين الجالسين بالقرب منهم لبرهة، ثم أعادوا تركيزهم على الفيديو. “الكثير من إجراءات مكافحة التتبّع، لا أثر إلكتروني له، وهو من يتّصل برجاله، وليس العكس. الوحيدون الذين قد يعرفون مكانه هم نوابه: سايشوك، أسيد رين، فرانك المجنون…”
قرر رايان أن يجعل عصابة الميتا إحدى أولوياته في هذه الحلقة.
فهؤلاء السايكو أصبحوا منظّمين ومنضبطين على نحو مريب. قبل أربع سنوات فقط، كان آدم بالكاد قادرًا على كبح جماح أتباعه المدمنين، ولم يكن ذلك يحصل قط… دون جرعة وافرة من العنف غير المناسب للعائلة.
“يا للعجب، لقد كبروا كثيرًا مع مرور السنين،” تمتم الموصل وهو يتفحّص الملف عن كثب. ووفقًا لمعلومات ديناميس، فقد باتت عصابة الميتا تضمّ قرابة خمسين عضوًا. “لا زلت أذكر حين لم يكونوا يملؤون حتى حافلة صغيرة.”
وقد أثار هذا التعليق انتباه الشاب الأشقر. “هل قابلت الميتا من قبل؟”
“قبل أربع سنوات،” ردّ رايان. “كانوا مجرد آدم، وسايشوك، وقِلّة من الأتباع المتطفّلين. لم يكونوا يختلفون كثيرًا عن أيّ مجموعة سايكو عادية، سوى بشغفهم بالعنف المفرط وطرق الإعدام التي تعود للعصور الوسطى.”
“هل يمكنك أن تخبرني بأي شيء عنهم؟” همس الشاب الأشقر، مما صعّب على رايان سماع صوت الفيديو. “تكتيكاتهم؟ تنظيمهم؟ نقاط ضعفهم؟”
“إن كنت تريد القصة كاملة، يا صديقي القطّي…” قال رايان بنبرة خفيفة، “فـ سايشوك حاول أن يُجنّد أحد أفراد مجموعتي القديمة. لم تسر الأمور على ما يرام… وانتهت بمجزرة.” سايكو نموذجيون. “آه، ونسيت أن أذكر أن سايشوك منحرف سادي، يمكنه السيطرة على جهازك العصبي بأسلاكه إن أمسك بك.”
كان أصحاب القدرات الذهنية من بين القلائل في عالم الجينومات القادرين على إلحاق ضرر دائم برايان، سواءً عبر العبث بذكرياته أو تدمير شخصيته بالكامل. لذا كان يتفاداهم كما يتفادى الطاعون كلما استطاع.
لكن سايشوك… فقد كان الموصل يفكّر في مطاردته وضربه لمجرّد المبدأ.
“هل يحتاج إلى تلامس جسدي؟” سأل الشاب الأشقر، وهو يدوّن المعلومة على ورقة. “جيد أن نعرف. وهل يحتاج إلى الحفاظ على التلامس أيضًا؟”
“أجل، لكن الانفصال مؤلم للغاية للضحية،” شرح رايان وهو يمدّ ساقيه على الأريكة، محتلًّا أكبر قدر ممكن من المساحة كأنما يتعمّد ذلك.
“فأخبرني يا صديقي القطّي… هل تنوي صيد بعض الفئران المتحوّلة؟”
“ليتني كنت أفعل،” تمتم بضيق، وعيناه تتجهان إلى الفيديو. “طلبت من إنريكي أن أرافق أعضاء الدوري المحترف في الجولات الميدانية، لكن بدلًا من ذلك… عليّ أن أؤدّي دورًا في فيلمهم الجديد. قال إن الظهور على الشاشة سيُعرّف الجمهور بي أفضل من أي عمل بطولي.”
“منذ متى تحتاج إلى تصريح لافتعال المشاكل؟” علّق رايان بمرح. “وما فائدة أن تكون بطلًا خارقًا إن لم تستطع تفريغ ميولك العنيفة بشكل قانوني… وتحصل على التصفيق في النهاية؟”
ويبدو أن ذلك أضحكه فعلًا.
“بالمناسبة، لم أعرّفك بنفسي بعد،” قال رايان وهو يمدّ يده للمصافحة. “كويك سيف. أنا خالد… لكن لا تخبر أحدا.”
“آتوم كات،” أجاب الآخر. “أستطيع تفجير الأشياء بمجرد لمسي لها.”
“آه، الفتى المافياوي؟”
تحوّلت المصافحة فجأة إلى قبضة من حديد. “من أين عرفت ذلك؟” همس من بين أسنانه. “هل أنت جاسوس؟ إنريكي أخبرك؟ ذلك الوغد… ما كان يجب أن أستمع—”
“هيه!”
توقف الفيديو، والتفت الجميع إلى الثنائي بنظرات غاضبة؛ وبينما بدا رايان غير مبالٍ تمامًا، بدا على آتوم كات بعض التوتر والانزعاج. لا شيء يفتتح صداقة جديدة مثل إحراج مشترك!
نظر أحد موظفي التسويق، ببدلته الرسمية وربطة عنقه، إلى الثنائي، تاركًا الصمت المحرج يخيّم على القاعة. “ألستما مهتمَّين،” بدأ كلامه، وصورة هيكتور مانادا المجمدة خلفه على الشاشة، “بالشركة التي ستعملان لصالحها في السنوات الخمس القادمة؟”
“مهتمّ جدًا، سيدي،” كذب آتوم كات بكل وقاحة، “ولن يتكرر الأمر، سيدي.”
“أنا لست مهتمًا إطلاقًا،” ردّ رايان بصراحة، “لكن تابع من فضلك… سنلتزم الصمت والانضباط كأننا متدرّبان بلا أجر.”
حدّق موظف التسويق في الموصل بنظرة حادة، وسرعان ما تبعه باقي المجنّدين، كما لو كانوا في روضة أطفال من جديد.
“إن تفوّهت بتعليق آخر من هذا النوع، تايم لورد، سأطلب منك بكل لطف أن تغادر القاعة دون أن تنبس بكلمة.”
الاسم الجديد آلمه… جسديًا.
مهلًا، هل يعني هذا أنه يمكنهم المغادرة مبكرًا؟!
ولما لم يتلقّ موظف التسويق أي رد، أعاد تشغيل الفيديو. انتظر آتوم كات حتى انصرف انتباه الجميع عنهما، ثم همس في أذن رايان: “إن لم تجبني، سأفجّرك. ونفس الشيء إن أفلتّ يدك دون إرادة مني.”
“هل تستطيع كتمان سر؟” سأل رايان وهو ينظر من حوله وكأنه مراقَب، ثم اقترب وهمس في أذن آتوم كات: “أنا آتٍ من المستقبل. استخدمتُ ديلوريان[2].”
“مراجعك قديمة جدًا،” ردّ آتوم كات، وقد اشتدّت قبضته أكثر، وبدأت حرارة جلد الموصل ترتفع. “ماذا تعرف؟”
“أعرف أننا قريبان بما يكفي لنقبّل بعضنا،” أجاب رايان، وقد انزلقت يده الحرة باتجاه سلاح.
“وأعرف أن والديك من زعماء الأوغستي، وأنك انضممت للفريق الآخر بدافع تمرّد مراهق، وأن عليك أن تعيد التفكير في فكرة الإنجاب.”
نظر آتوم كات إلى الأسفل، ولاحظ السكين المخفية على بُعد سنتيمترات خطيرة من أجزائه الحسّاسة. ولحسن الحظ، لم يلحظ أحد ما يجري، إذ كانت أعين الجميع مشدودة إلى الشاشة. “قدرتي أسرع،” قال بهدوء.
“وأنا بارع جدًا في تعقيم القطط، أيها القط الصغير.”
“على الأقل، الجاسوس الحقيقي كان سيتصرّف بقدر أكبر من الحذر،” تمتم آتوم كات، وعيناه تضيقان خلف القناع. “إذًا… أنت لا تعرف من هما والدَيّ فعلًا؟ هويتهما الحقيقية؟”
اكتفى الموصل بهزّ كتفيه.
نظر آتوم كات إلى بقيّة المجنّدين، ولم يتكلّم إلا بعد أن تأكّد من أنهم لا يصغون، بصوت خافت بالكاد سمعه الموصل: “إنهما مارس وفينوس.”
شهق رايان بذهول. “أأنت كيوبيد؟! لكن أين الجناحان والقوس؟”
توقّف آتوم كات لحظة قصيرة. “ليس الحكام الأسطوريين، أيها الأحمق،” قال أخيرًا، وهو يُفلت يد رايان. “تحتاج لقدر استثنائي من النرجسية الأرستقراطية كي تسمّي نفسك باسم حاكم… وتعتبرهم مجرد فئران أو كائنات أدنى منك.”
“سمعت عن جينوم حاول أن يطلق على نفسه لقب المسيح الصغير،” علّق الموصل وهو يعيد السكين إلى كمّه، “لم يعمّر طويلًا.”
“أوغستس شوَاه حيًّا،” ردّ آتوم كات وقد بدأ يهدأ قليلًا.
“أأنت لست من الأوغستي؟ لا… ما كنت لتخاطر بإجراء مسح جيني لو كنت كذلك. لقد بدأوا يرسلون إليّ أشخاصًا مؤخرًا… يطلبون مني أن أعود إلى الصف.”
“ولمَ تركتهم من الأساس؟” سأل رايان، عاقدًا ساقًا فوق الأخرى، ومتظاهرًا بالاهتمام بالفيديو حين نظر إليه موظف التسويق.
كانت الشاشة تعرض الآن هيكتور وهو يحيط بأطفال أمام مدرسة ترعاها ديناميس، فيما يكافح الصغار جاهدين ليبتسموا للكاميرا.
“لو كنت تعرف نصف ما يفعلونه، لفهمت،” ردّ آتوم كات بغضب. “مخدّر السعادة الذي يصنّعونه يقتل آلافًا كل عام، وأسلحتهم تحصد أرواحًا أكثر، وذلك فقط ما يظهر في الأخبار. أما الاختطافات، والاغتيالات، والابتزاز، والدعارة… فبعد فترة، لم أعد أحتمل. ظننت أنني قد أُحدث فرقًا في إل ميليوري.”
“وهل فعلت؟”
“ليس بعد،” تمتم بتبرّم. “عائلة مانادا وأوغستس يتناحرون منذ سنوات، فظننت أن لديهم خطة للإطاحة به، لكن يبدو أن شعار ديناميس الحقيقي هو: لا تزعزع القارب[3].”
“إنريكي بدا متحمّسًا جدًا حين قابلته،” علّق رايان.
“هو وشقيقه ألفونسو، نعم… لكن والدهما…” رمق آتوم كات صورة هيكتور على الشاشة بنظرة حادّة. “لا تزعزع القارب.”
حاول رايان جاهدًا أن يُتابع الفيديو لثلاثين ثانية إضافية، وسرعان ما أدرك أنه سيُجنّ إن استمرّ على هذا الحال. “حسنًا،” قال وهو يزحف على الأريكة مقتربًا من الباب، “أنا راحل.”
“إلى أين؟” سأل آتوم كات بفضول.
“إلى مدينة الصدأ… لألقّن الميتا درسًا.”
ظلّ البطل الخارق المحتمل يتأمّل كلمات رايان لدقيقة طويلة، طويلة بحق. “أنت تنوي الذهاب إلى منطقتهم الجديدة، و… ماذا؟ تبدأ قتالا مع أول سايكو يصادفك؟”
“أنت تُعقّد الأمور كثيرًا.”
“ديناميس ستخصم من راتبك لو فعلت ذلك،” ردّ آتوم كات بنبرة ضعيفة. “وربما حتى تطردك.”
فكّر رايان في كلامه للحظة، ثم تذكّر أن ما يملكه من مال مُخبّأ يفوق بكثير ما سيجنيه من العمل في إل ميليوري، فهزّ كتفيه بلا مبالاة. كان واثقًا من أنه سيعرف عن نشاطات ديناميس من خلال اختراق أنظمتها أكثر بكثير مما قد يتعلّمه من ندوة تستمر أسبوعًا.
“لقبك كويك سيف…” تمتم آتوم كات بالاسم، وقد تذكّر أخيرًا أين سمعه. “انتظر… ألستَ من ضرب غول بمضرب غولف؟”
“اضطررتُ لشراء واحد خصيصًا لتلك المناسبة، وكدت لا أصل في الوقت المناسب. ومع ذلك، حسّنتُ مستواي في التسديد القصير كثيرًا.” نهض رايان من على الأريكة، متظاهرًا بالهدوء، متجاهلًا نظرات موظف التسويق الحادّة. “والآن… هل ستأتي أم لا؟”
نظر آتوم كات إلى رايان، ثم إلى الفيديو، ولاحظ أنه لا يزال أمامه سبعٌ وخمسون دقيقة حتى ينتهي. نهض البطل الشاب فورًا من على الأريكة، وجمع الصور والتقارير، ثم لحق بالموصل باتجاه الباب.
“تايم لورد، آتوم كات، العرض لم ينتهِ بعد،” قال موظف التسويق محاولًا أن يبدو حازمًا… وفشل فشلًا ذريعًا.
“أنا أرافقه إلى خارج المبنى لأتأكّد من أنه لن يعود أبدًا، سيدي،” وعد آتوم كات. ويبدو أن التخلّص من الموصل، رغم كل الخطب السابقة، جعل موظف التسويق أكثر سعادة بكثير.
“تلميذ المعلم المدلل،” اتّهم رايان آتوم كات وهو يُغلق الباب خلفهما.
“هل لديك سيارة؟” سأل البطل الشاب. “أنا لا أقود سوى دراجة نارية.”
“لديّ أفضلها، لكن قبل أن ننطلق…” تنحنح رايان قليلًا، “هل تعرف أين يصنعون بدلات الكشمير؟”
“الطابق العشرون من مقر ديناميس، بجانب هذا المبنى مباشرة،” أجاب آتوم كات، بوضوح من يعرف ما يقول. “لكن… لماذا تسأل؟”
“لأنني سأحصل على بدلة كشمير… حتى لو اضطررت للقتال من أجلها.”
☆☆☆☆☆
[1] أدونيس هو شخصية أسطورية في الميثولوجيا اليونانية، وكان يُعتبر رمزًا للجمال الفائق والوسامة التي لا تضاهى.
[2] ديلوريان هو اسم السيارة الشهيرة التي تم تعديلها للسفر عبر الزمن في سلسلة أفلام (العودة إلى المستقبل).
[3] “لا تزعزع القارب” تعني تجنب المخاطرة أو التغيير الذي قد يؤدي إلى الفوضى أو الاضطراب. في السياق السياسي أو الاجتماعي، يمكن أن تُستخدم للسخرية من أولئك الذين يفضلون الحفاظ على الوضع الراهن خوفًا من العواقب، حتى لو كان ذلك يعني تجاهل المشاكل أو التحديات المتراكمة.
