النهاية المثالية: الفصل 113

الإتصال النهائي

الفصل 113: الإتصال النهائي

 

بدأ أول اتصال بقتال، لكن يُحسب للبشرية أن الكائنات الفضائية هي من أطلقت النار أولاً.

 

لم يكن أمام رايان سوى لحظة واحدة ليفعّل قدرته ويدفع لين والباندا أرضاً، قبل أن يطلق الدخيل الغامض شعاعاً قرمزياً اجتاح الغرفة. وما إن استؤنف الزمن، حتى كان الليزر قد بخّر الكرسي تماماً وفتح فجوة منصهرة في الجدار المعدني. أما السيد ويف، القادر على الحركة بسرعة الضوء، فقد تمايل جانباً ليتفادى الهجوم، فيما انتفضت سارين وشروق الشمس في حالة تأهّب قصوى. شراود، كالعادة، اختفى عن الأنظار.

 

اندفع الكائن إلى المختبر، بكل رعبه اللا إنساني. كان مسخاً بيوـميكانيكياً على هيئة بشرية، بطول ثلاثة أمتار، يغطي جسده درع معدني بلون قرمزي مائل للبرتقالي. غطاء عضوي أسود أشبه بمدفع حي التفّ حول ذراعه اليمنى، فيما انتهت اليد اليسرى بمخالب حادة كالسكاكين. وعلى الكتفين والصدر، تلمع عيون خضراء زاحفة، بينما يسيل اللعاب الحمضي من فم مسنّن حيث كان يجب أن يكون البطن. ومن خلف خوذة قرمزية وعدسة خضراء وحيدة، حدّق النظر الأحادي إلى الحاضرين.

 

رايان قرر أن يطلق عليه اسم “إي. تي.”.[1]

 

“حسنًا، أظن أنّنا تأخرنا على البيض المسلوق.” تمتم الموصِّل وهو ينهض مع رفاقه. “يبدو أننا انتقلنا مباشرة إلى العجة.”

 

“سيفو، ما هذا الشيء؟!” صاح الباندا مذعوراً، لكن يُحسب له أنه اتخذ وضعية القتال فوراً.

 

«إنهم هم!» جاء صوت الرجل اللطيف من داخل خزّانه، ولم يفهمه سوى رايان. «لقد عادوا! عادوا!»

 

“ومن يهتم؟” تمتمت سارين، طاقتها تتجمع في القفازات. “هو من بدأ الهجوم!”

 

جاء الرد من الكائن بزئير غرغري غير بشري.

 

“السيد ويف يخمّن أنكم ستنضمون إلى لائحة أعدائه الموتى!” هدر الجينوم المتباهي، جسده يتوهّج بالأحمر. “عميقاً في قائمة الأنواع المنقرضة!”

 

تحوّل السيد ويف إلى شعاع ليزر وانقضّ على “إي. تي.” مباشرة. لكن الكائن اختفى في ومضة بنفسجية قبل أن يصطدم به عضو الكرنفال. تابع السيد ويف مساره إلى الغرفة المجاورة، فيما ظهر “إي. تي.” من جديد وسط المختبر. رفعت سارين قفازَيها، لكن شروق الشمس أوقفها قبل أن تطلق النار. “انتبهِي، قد تصيبين حاويات الإكسير!” حذّرها. “لو أصابنا أيٌّ منها—”

 

يُحسب لها أنها لم تطلق النار، بل حاولت أن تغيّر موقعها لتتفادى إلحاق الضرر بالمختبر أو إيذاء رفيقها. شروق الشمس اتّبع خطاها، فيما اندفع الباندا ولين للاشتباك مع الكائن وجهاً لوجه. أمّا رايان، فوجد المكان ضيّقاً على حركاته المعتادة، وحاول تطويق الكائن من الجانب.

 

توهّج جسد “إي. تي.” بوهج برتقالي، فمرّت مخالب الباندا وقبضات لين المعدنية من خلاله دون أن تترك أثراً. لكن حين امتدت يد الوحش اليسرى نحو عنق الباندا، صارت صلبة. غرست مخالبها في جسد الرجل-الدب كأنها تخترق الزبدة، رفعته عن الأرض، ثم قذفته في اتجاه لين. القصيرة تلقّفته، لكن كليهما ارتطما بالجدار. ارتاع رايان حين رأى ظهر لين يصطدم بخزان الرجل اللطيف البيو-ميكانيكي، لكنه تنفّس الصعداء حين لاحظ أن الخزان أكثر صلابة مما يبدو. ظلّ قائماً، من دون حتى شرخ واحد.

 

تحوّل الباندا بسرعة بين هيئته الدبّية والبشرية ليلتئم جرحه، فيما بدأت العيون المتعددة للكائن تطلق ضوءاً أزرق يذكّر رايان بماسح خيالي من أفلام الخيال العلمي. كل عين مسحت أحد أعضاء الفريق، حتى توقفت عدسة “إي. تي.” على الموصِّل. ولدهشة رايان، عرف فوراً ما يقرأه في ذلك النظر الأحادي.

 

خوف.

 

“قبل أن تسأل، ليس معي هاتف[2].” تمتم رايان، فاشتعل جسد “إي. تي.” باللون الأحمر، وانقض عليه. وبرغم ضخامته، تحرّك بسرعة تكاد العين تعجز عن متابعتها. بالكاد تمكّن رايان من تفعيل إيقاف الزمن قبل أن تصل المخالب إلى رأسه.

 

وظلّت تتقدّم ببطء.

 

راقب رايان المخالب وهي تزحف نحوه ببطء، ببطءٍ يكاد يكون غير مرئي. عيون الكائن تجول حول المكان بحركة متثاقلة، تراقب الشقوق الرفيعة التي أحدثتها جسيمات التدفق الأسود في نسيج الزمكان.

 

تبا، هل صار بوسع الجميع التحرك داخل زمنه الخاص الآن؟ كان عليه أن يفرض عليهم أجرة لقاء هذه الخدمة!

 

لحسن الحظ، لم يكن الكائن سريع الحركة مثل مؤخرة البرق. استدار رايان على جانب الوحش، وجّه صدر درعه بعيداً عن حاويات الإكسير، وأطلق سلاح الصدر عن مسافة الصفر. انطلق مقذوف الجاذبية نحو “إي. تي.” لحظة استئناف الزمن، مصيباً إياه في صدره.

 

كان رايان قد رأى هذا السلاح من قبل يخترق جدار مخبأ ميكرون، لكنه فشل هنا في إحداث أي ضرر. كل ما فعله أنه دفع “إي. تي.” بضعة أمتار إلى زاوية المختبر، حيث غرست أقدام الوحش المدرّعة نفسها في المعدن لتثبّته في مكانه.

 

“البشري خاصتي سيسحق مجسّك!” صرخ الرجل اللطيف عبر الرابط التخاطري. كلمة ‘خاصتي’ جعلت القشعريرة تسري في رايان، لكنه ركّز على المعركة. “تماماً بين الكُرَيّات!”

 

اختار شراود هذه اللحظة ليكشف نفسه، محلّقاً فوق رأس الكائن مباشرة. وبفضل الكتلة الإضافية من دروعه الزجاجية، استحضر قيوداً سميكة كبّلت “إي. تي.” المفاجَأ. “الآن!” صرخ.

 

مع انكشاف خط النار، أطلقت سارين وشروق الشمس في اللحظة ذاتها، فيما انسحب شراود للخلف. تلقى وجه الكائن في زاوية المختبر ضوء البلازما الشمسية وموجة صادمة.

 

أو كان يفترض به أن يتلقى… لو لم يستحضر الكائن حقلاً طاقياً أبيض مستديراً قبل الارتطام مباشرة. تشكّلت فقاعة صغيرة تحيط بدرعه، فامتصّت الهجمات لحظة اصطدامها. اختفت التوهجات الشمسية والموجات الصادمة الحمراء، فيما تحولت قيود شراود إلى غبار زجاجي لا يؤذي.

 

تدفق أبيض. كان الكائن قادراً على استخدام نسخة من قوة كانسل.

 

كاد رايان أن يفعّل قدرته، لكنه تراجع. لو أن الدرع سمح للوحش بالحركة داخل شذوذه الزمني بالسرعة العادية، لذبح رفاقه واحداً تلو الآخر. على الأقل ظلّ “إي. تي.” ساكناً ما دام الدرع مرفوعاً، وعيونه المتعددة تمسح المكان من كل اتجاه.

 

“لا أشعر بزجاجي داخل الدرع!” صرخ شراود، فيما انضمّت لين والباندا إليه، محاصرين الكائن من كل الجهات.

 

“جينوم أبيض!” صرخ ليو، بينما عاد السيد ويف إلى المختبر مستعداً للجولة الثانية. لم يتوقف شروق الشمس ولا سارين عن وابل نيرانهم، ممسكين بالوحش في زاويته. ربما كانا يأملان في إحداث قصر بدارة لدرعه. “لا تقتربوا من مداه!”

 

«ليس مضيفاً!» احتجّ الرجل اللطيف. صحيح أن أحداً لم يفهم كلام الإكسير الأسير غير رايان، لكن الواضح أنه كان يسمع ما يقولون. «لقد سرق طاقاتنا واحتفظ بها لنفسه!»

 

“إذًا مخزونه محدود؟” خمّن رايان، وهو يجهّز سلاح الجاذبية. كان الكائن يستهلك التدفق كما تستهلك السيارة الزيت، ما يعني أنه قد ينفد منه. “استمروا!”

 

أطلق الموصِّل مقذوفه من صدر درعه، فيما أطلقت لين نفثة ماء مضغوط. لم تعتمد هذه المقذوفات على أي قوة خارقة، لذا اخترقت الدرع الأبيض بسهولة.

 

لكن “إي. تي.” ردّ بخفض درعه الأبيض والاختفاء قبل أن يصيبه شيء. “فوق!” صاح شراود محذّراً، إذ ظهر الوحش مجدداً فوق رؤوسهم، وقد التصقت قدماه بالسقف كالرجل العنكبوت.

 

رفع الفضائي مدفعه العضوي في ذراعه اليمنى، فتحوّل السلاح ليكشف عن عشرات الأفواه على الجانبين، كل منها يبصق بذرة خضراء شائكة.

 

تفرّق الفريق في كل الاتجاهات لتفادي وابل المقذوفات، حتى الشمس الحية نفسه. كان حكيماً بما يكفي ليتجنّب المخاطرة، ومحقاً في ذلك. فما إن اصطدمت البذور بالأرض حتى انبثقت أشواكها، متحوّلة إلى جذور مسنّنة تمزّق الفولاذ تمزيقاً. سقطت إحداها وسط صناديق العجائب، ولرعب رايان راحت تلتهم حاويات الإكسير بنهم. أخذت تلك البذرة تنمو بسرعة كابوسية، مما أجبر ليو على حرقها فوراً قبل أن تبتلع الغرفة.

 

واصل “إي. تي.” وابل هجماته، مجبراً الجميع على التشتت من جديد. وكما أنقذ رايان في أولى حلقاته الزمنية، استخدم السيد ويف سرعته الخيالية لينقل الأعضاء الأبطأ إلى برّ الأمان. أما رايان وشراود فحلّقا في الهواء، يحاولان ضرب الكائن من جهتين.

 

لكن الوحش اختفى مجدداً، ليظهر هذه المرة فوق سطح خزان الرجل اللطيف. لا بد أنه أدرك تردّد الفريق في إتلاف تجهيزات المختبر، فاستخدم موقعه كدرع دفاعي وهو يواصل القصف. عندها أصدر فم صدره غرغرة غريبة، وأدرك رايان أن الكائن كان يتكلم.

 

“ما الذي يقوله؟” سألت سارين، وقد صدّت إحدى البذور بموجة صدمة خفيفة غلّفت جسدها كله.

 

“أظن—” صرخ الباندا وهو يتفادى مقذوفاً عضويّاً بالكاد، قوته تتيح له فهم أساسيات لغة الكائن. “أظن أنه قال: السلام بين النجوم!”

 

آه، من نوع السلام الذي يبدأ بقتل كل من يقاوم. رائع. ورغم أن خبرة رايان مع الإكسير علّمته أن معظم المخلوقات الفضائية مسالمة، إلا أنه خمن أنهم صادفوا هذه المرة إحدى الثمار الفاسدة.

 

اندفع الموصِّل بدرعه، عازماً على الاشتباك مع “إي. تي.” قتالاً قريباً.

 

ردّ الكائن بإيقاف وابل هجماته، وهالة برتقالية تنتشر على طول درعه. وما إن انحسرت، حتى تغيّر لونه. من الصفائح القرمزية إلى العدسة، تحوّل الدرع بأكمله إلى عاجي.

 

إلى أدامانتين.

 

كان بوسعه تغيير مادة درعه على المستوى الجزيئي، حتى إلى شيء لا يُدمَّر.

 

لكن هذه المرة، كان ذلك خطأً قاتلاً. قفز الكائن إلى الأرض بتبجّح، رافعاً يده لملاقاة رايان وجهاً لوجه. كان بإمكان مخالبه الأدامانتينية أن تمزق درع ساتورن كما تمزق السكين الزبدة.

 

“توقف!” حذّر السيد ويف، محاولاً منع المواجهة المباشرة بالارتطام بالكائن بنفسه. لكن المخلوق الفضائي لم يعره انتباهاً، وارتدّ الليزر الحي عن درعه الذي لا يُقهر كما ترتد كرة التنس عن جدار. انقض الكائن على الموصِّل بعزم آلي لا يعرف التردد.

 

وحين لم يعد يفصل رايان عن الكائن سوى بضع بوصات، جمّد الزمن ولكم خوذته. لم يحاول “إي. تي.” حتى أن يتفادى الضربة، واثقاً من مناعته كما كان مؤخرة البرق. صحيح أن درعه الأدامانتيني سمح له بالحركة داخل الزمن المجمّد، لكن خصمه كان يحمل قروناً من الخبرة على كتفيه.

 

خفض رايان رأسه ليتفادى مخالب الكائن، فيما حطّمت قبضته عدسة الخوذة. تشقّق المعدن العاجي… وتسربت داخله جسيمات سوداء.

 

أطلق الكائن انفجاراً من طاقة متعددة الألوان داخل الزمن المجمّد، فأرجع رايان إلى الخلف مترنحاً. وحين استؤنف الزمن، أطلق الوحش صرخة حادة، يخدش خوذته بهلع.

 

“أيها المهووس، ماذا فعلت؟!” زمجرت سارين، مقشعرة من المشهد. أطلقت موجة صادمة نحو “إي. تي.”، لكن تأثيرها لم يكن أشد من نسيم يلامس درعه الذي لا يُخترق.

 

تراجع رايان خطوة إلى الوراء، بينما صرخات الكائن الحادّة تزداد حدّة. ظهرت خطوط سوداء على سطح الدرع، تكشف عن دوائر شبه خفية تضجّ بالتدفق. لمح الموصِّل خطوطاً بيضاء وحمراء وزرقاء، وكل ألوان قوس قزح الإكسير…

 

لكنها جميعاً كانت تتحوّل إلى السواد بسرعة.

 

كان جوهر السواد تناقضاً بحد ذاته، قوة زعزعة، فيما كان درع الكائن يستمدّ طاقته من الألوان السبعة الأساسية معاً. اتحاد مثالي… وقد شوّشه رايان.

 

“أظن أنني سبّبت تسرّب نفطياً.” اعترف الموصِّل بخجل.

 

أطلق “إي. تي.” صرخة مسخية، وكل عيونه تنقلب إلى السواد، ثم ظهرت كرة ظلام داخل فمه. انهارت الجاذبية حوله، شاطرة جسده نصفين وساحبة القطعتين داخل ثقب أسود صغير. التهم التدفق الأسود الكائن من الداخل.

 

“ريـري، انحنيييي—” اندفعت لين نحو صديقها، لكن حركتها تباطأت، وجملتها بقيت معلّقة في الهواء. لم يتحوّل العالم من حول رايان إلى اللون الأرجواني، ومع ذلك تجمّد كل شيء في مكانه. لهيب شروق الشمس يلتهم البذور دون أن يُنهي مهمته؛ شراود يمدّ يده للسيد ويف لكن أصابعهما لا تلتقي؛ قفّازات سارين تتوهّج بطاقة حمراء، بينما رأس الباندا يطلّ من خلف حاسوب المختبر. حتى جسد الكائن نفسه ظلّ عالقاً بين ثانيتين، يُلتهم على نحو أبدي من الثقب الأسود في قلبه. شقوق دقيقة أخذت تنتشر في نسيج الزمكان من حوله.

 

كل شيء توقّف، ما عدا الإكسيريات التي ما زالت تدور في حاوياتها، ورايان نفسه. التفت الموصِّل حوله، لكن جسده لم يُصدر لا جسيمات بنفسجية ولا سوداء. ولا شبح من الماضي يطارده.

 

كان هذا الشذوذ الزمكاني غريباً عن قوته… وهذا ما أرعبه حقاً.

 

“يا ترى، هل كسرت الزمن من غير قصد؟” تساءل رايان، قبل أن يلقي نظرة على الإكسيريات العالقة. ركّز على البنفسجي تحديداً. “أي فكرة عن كيفية إصلاح هذا؟”

 

ولدهشته، أجاب الإكسير البنفسجي برسالة تخاطرية خاصة به.

«هل أنت من جنس الهومو سابينس؟» سأل، ونبرة الأمل فيه واضحة.

 

تنهد رايان. “لا، أنا خلد منقار.”

 

«أوه. هذا يحزنني.» يبدو أنه رغم قدرتهم على فهم لسان البشر، ما زالت السخرية عصيّة على عقول الإكسير. «الأسود يفعل ما يشاء.»

 

طبعاً يفعل. اقترب رايان من الثقب الأسود، لعلّه يتمكن من إغلاقه بنفس الطريقة التي فتح بها بوابة العالم الأسود في السابق.

 

«صديقي.»

 

كان الصوت يتردّد في عقل رايان، لكنه لم يكن صوت الرجل اللطيف، ولا الإكسير البنفسجي. كان رايان ليعرفه بين آلاف الأصوات.

 

نظر داخل الثقب الأسود، بقعة ظلام لا تكاد تتعدّى حجم الإصبع. لم يكن هاوية بلا قاع، بل باباً. بوابة إلى مكان مألوف.

 

“داركلينغ؟” نادى رايان نحو الفراغ.

 

فجاءه الرد، ممزوجاً بإحباط نفسي يكاد يكون محسوساً.

 

«اسمي… ليس داركلينغ.»

 

“بل هو كذلك.” أجاب رايان، زافراً نفساً مرتاحاً. “سعيد بسماع صوتك أيضاً، يا صديقي الفضائي من الأقليات.”

 

«ليس أمامنا سوى القليل من الوقت…» حذّره الكائن الفضائي، متجاوزاً كل مقدمات المجاملات. «حين ينتهي التدفق الأسود من التهام مخزون هذا الكائن من التدفق… سينهار الباب ويستأنف الزمن… لا أستطيع الحديث معك طويلاً.»

 

زفر رايان براحة، ممتنّاً لأنه لن يضطر إلى إعادة التحميل لإعادة الزمن إلى مساره. “كيف يكون هذا ممكناً أصلاً؟” سأل. “اضطررنا إلى استخدام مسرّع جسيمات لفتح بوابة في المرة السابقة.”

 

«الزمكان في هذا السجن المعدني… غير منتظم. رقيق. أظن أنه صُمِّم عمداً… لفتح أبواب إلى العوالم العليا.» وكما يحدث غالباً مع هواة الاستدعاء، فلا شك أن إيفا فابر استدعت شيئاً لم تستطع إيقافه. كان ذلك يفسّر أيضاً لماذا سهُل على جسيمات التدفق الأسود زعزعة هذا البعد الجيبي. «لقد راقبت هذا المكان من العالم الأسود… حيث الزمن بلا سلطان. ومن هذه البوابة، رأيت الماضي… والحاضر… راقبت… وتعلّمت.»

 

“هل تستطيع أن تخبرني ما هذا المكان؟” سأل رايان وهو يلقي نظرة على المنشأة من حوله.

 

«كان هناك يوماً ما إمبراطورية… في كون آخر… أقامت اتصالاً مع العوالم العليا…» بدا أن داركلينغ يكافح ليجد الكلمات المناسبة. فعلى الرغم من الوقت الذي قضاه إلى جانب رايان، ما زال يجد صعوبة في التعبير بالمفاهيم البشرية. «تعلّموا استخدام التدفق لتغذية تقنياتهم… قبل أن يحاولوا استعباد بني جنسي للصعود بالقوة… وبعد أن أذلّتهم الكيانات الأسمى، فرّوا إلى هنا… إلى كونكم.»

 

تذكّر رايان قصة باخوس، وربط الخيوط ببعضها. “الخيميائية عثرت على هذه السفينة بعد تحطّمها.” تمتم لنفسه. “واستخدمت تقنياتهم لخلق الجينومات، حتى نحظى بفرصة قتال إن حاولت هذه الكائنات مهاجمتنا.”

 

«نعم، لكن… كانت مخطئة.»

 

“ماذا تعني؟”

 

«لقد سألت الكيان الأسود الأسمى عن الإجابات… الإمبراطورية التي بنت هذه السفينة انهارت قبل عقود طويلة… أُطيح بها على يد عبيدها… لم يبقَ منها شيء.» توقّف داركلينغ لحظة قصيرة، وكلماته تزداد ثقلاً.

«لا غزو قادم… ولا حتى عملية إنقاذ. هذه السفينة هي… كل ما تبقّى.»

 

رمق رايان المحارب المدرّع، والثقب الأسود يلتهم أطرافه ببطء من دون أن يمسّه بسوء. “إنه أشبه بالحصون اليابانية التي ظلت تقاتل بعد الحرب.” تمتم الموصِّل. “إنهم ما زالوا يخوضون حرباً خسروها منذ زمن بعيد.”[3]

 

«وما هو… الياباني؟»

 

“هسباندو… أو وايفو.”[4]

 

لم يُجب داركلينغ على الفور. «أياً يكن… فإن شرارة صغيرة يمكن أن توقد حريقاً إن تُركت بلا رقيب… كان بوسع تلك الخيميائية أن تدمر هذا المكان إلى الأبد… كما تخطط أنت لتدمير قاعدة الآلات في مدينتك.»

 

“لكنها لم تفعل.” إيفا فابر حاولت بدلاً من ذلك أن تمنح البشر قوى خارقة، ليقاتلوا أي كيان فضائي قد يصل إلى الأرض. لكن إن كان داركلينغ محقاً، فقد كانت تحارب طواحين الهواء طوال الوقت.

 

العرق السائد على مستوى الكون…

 

لقد عرفت إيفا فابر تاريخ هؤلاء الفضائيين، لكنها بدلاً من أن تتعامل معه كعبرة تحذيرية، أعادت تكرار أخطائهم من جديد. حاولت أن تجعل من البشر ورثةً لهؤلاء الغرباء، تمنحهم القوة لغزو الكون.

 

لكنها، بدلاً من أن تصنع فوق-بشر، خلقت ميكرون وبلدستريم وأوغستس. أو لعلها لم تكن تكترث أساساً. لا بد أنها كانت تعرف بوجود متلازمة السايكو قبل أن تطلق الإكسير في البرية.

 

«لم تستطع مقاومة إغراء تلك القوة… فاستدعت مخلوقات من العوالم العليا… وحاولت حصد تكنولوجيا الجنود النائمين…»

 

“لكن شيئاً ما حدث خطأ. هربت بعض عينات التجارب، وفقدت السيطرة على المنشأة.”

 

«لقد انسحبت إلى أعماق السفينة… وإن تمكّن آخر الجنود من الفرار من هنا… سيجلبون دماراً عظيماً لحضارتكم… بوسعهم نسخ أقوى قواكم الخارقة. كلّها… عدا السواد.»

 

اقشعرّ جسد رايان وهو يدرك أن الكائن الذي قاتلوه لم يكن زعيماً نهائياً…

 

بل مجرد جندي عادي.

 

«إنهم أشباح حاقدة… يجب أن يُمنحوا الراحة.»

 

“لكن إن كانت الكيانات الأسمى قد أسقطت تلك الإمبراطورية، فلماذا لا تكمل عملها؟” سأل رايان. “الأسمى البنفسجي كان يعرف بوجود هذا المكان، فقد أرسل إليّ رؤى. لماذا لا يتدخل بنفسه؟”

 

«لقد فعل.» أجاب داركلينغ. «لقد أرسلك أنت.»

 

تجمّد رايان في مكانه، إذ سقطت كل القطع فجأة في مواضعها.

 

لقد كان البنفسجي الأسمى من أرسل إليه الرؤى، واستخدم الرسائل ليدفعه إلى نقل العقول عبر الزمن. لم يتدخل الكيان البُعدي مباشرة قط، لكنه كان يترك تلميحات… أو ما يشبه التلميحات بالنسبة إلى كيان متعدّد الأبعاد.

 

كل ذلك ليحثّ رايان على أن يكون في المكان المناسب، في اللحظة المناسبة.

 

“أفهم الآن.” قال الموصِّل، حاجباه يقطّبان خلف الخوذة. “لقد أرسل إليّ هذه الرؤيا لأتخذ قراري بنفسي. إنسان هو من أشعل هذه الكارثة، وإنسان هو من يجب أن ينهيها.”

 

«نعم… بوسعك أن تُسقط هذا المكان… الآن وعبر كل الخطوط الزمنية. القرار… قرارك وحدك.»

 

في النهاية، لم تكن هذه السفينة مختلفة عن قاعدة من قواعد ميكرون.

“كيف أدمرها؟” سأل رايان بجدية كاملة.

 

«تملك هذه السفينة مركز تحكّم… وعقلاً… اعثر عليه. أعتقد أن الطريق سيكشف لك عندها.» أرسل داركلينغ شعوراً غريباً عبر الرابط التخاطري، ففهمه رايان كمحاولة لطمأنته. «نحن الإكسير نتواصل مع بعضنا باستخدام التدفق… وأنت قضيت زمناً طويلاً مرتبطاً برسولك… حتى اتصلت بالكيانات الأسمى.»

 

أدار رايان رأسه نحو الإكسير الأسرى. جميعهم خيّم عليهم الصمت، وكأنهم يتنصتون على النقاش. “إذًا لقد تعلمتُ لغتكم؟”

 

«نعم… من بين كل البشر على هذه الأرض، أنت الأقرب إلى الصعود. التواصل المباشر معك… صعب… لكنه ممكن. ومع الوقت، سيتعلّم آخرون أيضاً… وهذا سيجعلك متوافقاً مع التكنولوجيا… لكنّها قد تقاوم.»

 

قد؟ بل ستفعل، من كل ما رآه رايان حتى الآن. الخيميائية لن تفرّط بتلك الكنوز التقنية بسهولة.

 

للأسف كان الوقت ينفد. فقد بدأ الموصِّل يلمح حركة تعود إلى حواف رؤيته، وأجزاء أخرى من الدرع تُسحب نحو البوابة. “شكراً لك يا صديقي.”

 

«حظاً سعيداً…» قال داركلينغ، والفتحة تنهار على نفسها. «ليتني… أستطيع مساعدتك أكثر.»

 

“لقد فعلت ما يكفي وأكثر.”

 

كان رايان يتوقع انفجاراً ساطعاً، لكن الشذوذ الزمكاني انتهى همساً لا دوياً. انهار جسد الكائن بأكمله في الثقب الأسود، الذي تلاشى تماماً في اللحظة التي استؤنف فيها الزمن.

 

“…ـني!” أكملت لين جملتها، لكن يدها تجمّدت في الهواء قبل أن تلمس كتف رايان. لم يبقَ من المحارب الفضائي حتى غبار.

 

ساد صمت قصير، ثم ومع غياب أي هجوم آخر، أعاد الجينوم تجمّعهم. كان شروق الشمس قد أنهى حرق البذور، ورغم الأضرار البالغة التي أصابت صناديق العجائب والجدران، بقي معظم المختبر سليماً.

 

“هل زال؟” سأل شراود وهو يحوم فوق البقعة التي كان يقف عليها الكائن. “أم أنه انتقل آنيا؟”

 

“زال.” أجاب رايان، ناظراً إلى الممر المؤدي إلى الغرفة التالية. “وأنا أعرف ما يجب أن أفعله.”

 

لا بد أن رفاقه شعروا بنبرة الجدية في صوته، إذ رمقه شراود بنظرة حذرة. “تفضل.” قال ببرود.

 

“سبق أن لعبت مترويد[5]، أليس كذلك؟” ذكّره رايان. “إذن تعرف كيف يجب أن تنتهي.”

 

بانفجار ضخم واحد.

 

☆☆☆☆☆

 

ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.

 

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.

 

[1] إي.تي. : هو اسم المخلوق الفضائي الودود والشهير في فيلم الخيال العلمي الأمريكي “إي.تي. خارج الأرض”، الذي أُنتج وأخرجه ستيفن سبيلبرغ عام 1982. تدور قصته حول صبي يُدعى إليوت يصادق هذا المخلوق ويحاول مساعدته للعودة إلى كوكبه.

 

[2] الإشارة إلى العبارة الأيقونية التي نطقها الكائن الفضائي “إي. تي.” في الفيلم عندما كان يحاول الاتصال بكوكبه.

 

[3] الإشارة إلى جنود الجيش الإمبراطوري الياباني الذين استمروا في القتال أو الاختباء في جزر معزولة لسنوات بعد استسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية.

 

[4] مصطلحات مستمدة من الإنجليزية وتُستخدم في ثقافة الأنمي والمانغا للإشارة إلى الشخصيات الخيالية المفضلة (الذكورية والأنثوية).

 

[5] الإشارة إلى سلسلة ألعاب نينتندو الشهيرة، والتي تتضمن مهمات استكشاف لمنشآت فضائية تنتهي عادةً بزرع قنبلة وتدمير القاعدة بأكملها.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset