النهاية المثالية: الفصل 10

"أبطال وأشرار"

“الفصل 10: “أبطال وأشرار

 

لقد مرّ وقت طويل منذ أن أقلّ رايان مجموعةً كاملة في سيارته البليموث فيوري.

 

عادةً ما كان يُقلّ شخصًا أو اثنين، خصوصًا في جولات السكر أو أثناء عمله كسائق هروب، لكنه نادرًا ما كان يصطحب مجموعة كتلك. جيمي جلس في الخلف مرتديًا درعه الآلي، بينما جلست كي-جونغ بجواره بمعطفها الأخضر بقلنسوة. أما جرذانها، فقد غزت كل زاوية في السيارة، مختبئةً خلف المقاعد وتحته.

 

للأسف، أمضت لانكا الطريق كلّه تتذمّر من المقعد الأمامي. “لقد غششت، أيها ثرثار،” اتّهمت رايان. كانت لتذهب إلى الاجتماع بدراجتها لولا إصرار جيمي على أن يسافروا جميعًا في سيارة واحدة لتعزيز روح الفريق. “أنا واثقة أنك فعلتها.”

 

“يبدو أن أحدهم لا يعرف كيف يتقبّل الخسارة،” رد رايان، وقد خرج من طاولة الأمس وفي جيبه بضع مئات إضافية. أما ثرثار؟ فلديه ألقاب أفضل بكثير من ذلك! مثل مدمر الجدّات الصغير.

 

“كنت أعدّ البطاقات،” قالت لانكا. “لكنك بدّلتها. وأنا لا أخطئ في هذا أبدًا.”

 

“إذًا تتّهمينه بالغش، وأنتِ تعترفين أنكِ غششتِ أولًا؟” علّق جيمي دون ذرة تعاطف.

 

“بالطبع غششت،” اعترف رايان دون تردد، مما أثار دهشة جيمي وكي-جونغ. “وبدلًا من أن تدينيني، عليك أن تتعلمي منّي، أيتها الباداوان[1] الصغيرة. الفشل تجربة.”

 

“إذن لا بدّ أنك أصبحت خبيرًا جدًّا الآن،” ردّت لانكا بلا مبالاة، وقد بدا جليًّا أنها تعرف كيف ترد الصاع صاعين.

 

“لا شيء أكثر إنسانية من الغش. هل تعرفون من اتّهم البشر بالغش أيضًا؟ الماموث! قالوا: ‘هؤلاء البشر يهاجموننا بالأقواس والرماح بدلًا من الأنياب. هذا غير عادل’.” التفت رايان إلى الخاسرة الغاضبة. “هل قابلتِ أي ماموث مؤخرًا، يا لانكا؟”

 

تنهد جيمي وهو يشاهد جدالهما. “سنجرّب ألعاب الطاولة في المرّة القادمة.”

 

أوقف الفريق السيارة قرب حي المغرب الصغير، إلى جانب قلعةٍ من الحجر والفولاذ. كان ذلك المبنى مصهرًا فيما مضى قبل الحرب، إلى أن استولت عليه فولكان قبل بضع سنوات. لكن رايان رآه أقرب إلى قاعدة عسكرية قديمة: جدران معدنية، أنابيب، خزّانات، وحراسة مشدّدة. جنود بسطاء يجوبون المكان حاملين بنادق رشاشة، وقاذفات قنابل، ومدافع دوّارة. كما لمح قنّاصين يتمركزون على السطح، يراقبون كل زاوية من الشوارع المحيطة بالمصهر.

 

يبدو أن الجميع كان يعلم—دون أن يتحدث—أن فرع الأسلحة التابع لفولكان يعمل من هنا، لكن لا أحد كان غبيًّا بما يكفي ليُهاجمهم. لا الأمن الخاص، ولا حتى إل ميليوري. لقد كانت روما الجديدة تعيش حقبة تشبه الحرب الباردة بكل ما فيها.

 

وكان هذا المكان قريبًا أيضًا من الفندق الذي استخدمه رايان في حلقة زمنية سابقة. لا عجب أن فولكان هاجمت وايفرن عندما انتقلت إلى جوار مقرّهم.

 

“وأود أن أقول إنني خائب الأمل فيكما، أيتها السيدتين،” قال رايان موجّهًا حديثه إلى لانكا وكي-جونغ. “فقط زانباتو وأنا نرتدي أزياء! أنتما لا تضعان حتى قناعين!”

 

“ولِمَ نرتدي أقنعة أصلاً إن كانت قوات الأمن الخاص تملك ملفات عنّا؟” سألت كي-جونغ باستغراب، تاركة جرذانها في السيارة لتراقبها. “إنهم يعرفون حتى أين نعيش.”

 

“وليس هناك ذلك العدد من الدروع المتطوّرة ليتقاسمها الجميع،” أضافت لانكا، رغم أنها تحلّت ببعض الحس السليم ووضعت حزامًا يحمل مسدسًا. “ثم أيّ زي تقصد؟ رداءً؟ هل تعرف كم هو صعب أن تمشي دون أن تتعثّر به؟”

 

“الأمر لا يتعلق بالعملية، بل بالأناقة،” رد رايان واضعًا يديه على معطفه الطويل. “من دون أسلوب زاهٍ ومميّز، ما نحن؟ مجرد حيوانات! الثقافة هي ما يسمو بنا—”

 

“آه، أشرار!”

 

توقف رايان، وأدار نظره نحو الوافد الغريب.

 

نزل شخص من دراجة هوائية قرب السيارة، مرتديًا زيًّا شبيهًا برامبو… باستثناء البندقية، ونصف العضلات. كان قد طلى وجهه وصبغ شعره بالأبيض، مع بقع سوداء حول عينيه.

 

وبصراحة… كان مظهره مثيرًا للشفقة.

 

بدا أن باقي المجموعة تعرفه، لكن بدلًا من مهاجمته، خيّم عليهم جميعًا شعور محرج.

 

“لقد تجاوزتم ما ينبغي، لكنكم وجدتم هلاككم المحتوم!” أعلن الأحمق، محاولًا أن يبدو مرعبًا… وفشل بشكل يرثى له. “استعدوا لمواجهة غضب…”

 

“يا إلهي، ليس مجددًا،” تمتمت لانكا بتنهيدة، بينما التزم البقية صمتًا غريبًا.

 

“الـبـانـدا!”

 

“الـ ماذا؟” سأل رايان، غير متأكد إن كان عليه أن يشجب هذا الذوق المروّع في الأزياء، أم يصفّق لجهوده. فعلى الأقل، هناك من يفهم في هذه المدينة أهمية ارتداء زيّ مميّز! “هل قوتك الخارقة هي ممارسة الجنس مرة كل عشر سنوات؟”

 

“الباندا كائنات انتقائية!” أجاب الرجل المثير للشفقة، لكن نبرة صوته جعلت رايان يشكّ في أمره. لم يكن يبدو صينيًا حتى!

 

“إنه أحد أولئك ‘المنتقمين’.” قالت لانكا، بطريقة جعلت الكلمة تبدو مثيرة للسخرية، مقلّبة عينيها أثناء النطق بها. من الواضح أنها لم تكن تأخذه على محمل الجد. “يمكنه التحوّل إلى باندا.”

 

“… وماذا بعد؟” سأل رايان متوقعًا شيئًا إضافيًا.

 

“وهذا كل ما في الأمر.”

 

“لكن باندا ضخم جدًا،” أضافت كي-جونغ وهي تضحك بخفة، وكأنها تحاول التخفيف من وقع الحقيقة.

 

يا رجل… بعض الجينومات لم يكن لهم حظ.

 

“هل أرعبكم خوف الباندا أيها الأشرار؟” قال البطل واضعًا يديه على خصره، وقد ظن أن الصمت المتوتّر هو علامة على الرعب.

 

هل جاء بالفعل كل هذه المسافة ليتشاجر؟ رايان يكنّ له بعض الاحترام على ذلك… وإن كان يحتاج لتحسين طريقته في الظهور.

 

“تجاهلوه فقط، وسيختفي من تلقاء نفسه،” ردّ جيمي وهو يتجه نحو مستودع الأسلحة دون أن يكلّف نفسه حتى نظرة واحدة نحو ذلك البطل المسكين. تبِعته كي-جونغ بعد لحظات، لكنها ألقت نظرة مشفقة على ذلك الكائن التعيس. حتى حرّاس المصهر بدوا وكأنهم يسخرون من الوافد الجديد، إذ لم يُظهر أيٌّ منهم نية للتصدّي له.

 

“لن تفلتوا مني!”

 

غاضبًا من هذا الاستخفاف الجماعي، شرع الباندا في تحوّل رهيب. نبت الفراء الأسود والأبيض فوق جلده، وراح جسده يتضخم بالعضلات والكتلة. برزت له مخالب وأنياب، وتخلّى عن بنطاله وستراته كما لو كان فراشةً رائعة تخرج من شرنقتها. لم يعد هناك رجل… بل بقي فقط: الباندا.

 

كان باندا ضخمًا فعلًا، بل أكبر حجمًا من دب قطبي. لكن حين أطلق صرخة مدوّية، وجدها رايان… لطيفة أكثر منها مرعبة.

 

تنهدت لانكا بعمق، ثم ضمّت إصبعيها السبابة والوسطى لتشكّلا مسدسًا وهميًا، وأطلقت منه كرة طاقة برتقالية. اندفع المقذوف بسرعة سهم، وأصاب الباندا في أنفه مباشرة. فسقط المسكين على جانبه الأيسر، مشلولًا على الفور.

 

الآن فهم رايان لماذا كانوا يلقّبونها بـسفير.

 

“حسنًا،” قالت لانكا وهي تسحب مسدس بيريتا 76 من جيبها، “أطالب بحصّتي من جثته أولًا.”

 

“ستقتلين باندا؟!” سأل رايان مذهولًا، “إنهم منقرضون!”

 

“بالضبط، وهذا يعني أننا نستطيع بيع فرائه لهوّاة التحف.” قالت وهي تصوّب سلاحها نحو ذلك المسكين.

 

“سأتدخّل هنا، كرويلا[2]!” اندفع رايان ليقف أمام فوهة المسدس، غير قادر على تحمّل قسوةٍ كهذه. “لن أسمح لكِ بقتل آخر باندا! قد يُحكم عليكِ بالإعدام بسبب هذا!”

 

“إنه ليس باندا، أيها الثرثار، بل أحمق! وكأنك ميت بالفعل… لكن بعد أن فقدت عقلك وأنت حي!”

 

“لن أسمح لك بإغضاب بيتا[3]! أنت لا تعرفين ما الذي يستطيع هؤلاء فعله!” أو ما كانوا قادرين عليه… قبل الحروب.

 

“ومن تكون بيتا بحق الجحيم؟ جينوم آخر؟” تساءلت في حيرة، قبل أن تُنزل سلاحها بتأفّف. “هل تدرك، أيها الثرثار، أنه سيعود لاحقًا ليُقتل على يد الحرس؟ من وجهة نظري، البقاء للأقوى. على الأقل كنتُ سأمنحه موتًا سريعًا.”

 

“سأتحمّل كامل المسؤولية عن إنقاذ هذا التلميذ في درب الأناقة،” رد رايان، فيما اكتفت رفيقته بالتنهّد والتلويح بعينيها وهي تعيد المسدس إلى حزامه. “ما زلت أؤمن أن هناك أملًا له، يا صديقتي النهابة.”

 

رفعت حاجبًا. “وكيف عرفت ذلك؟”

 

كونها كانت نهّابة سابقة؟ “وشم الأفعى على ذراعك، ذاك الذي حاولتِ إخفاءه تحت وشوم أخرى،” رد رايان، وقد لاحظه خلال ليلة البوكر. “سبق لي أن التقيتُ بأشخاص يحملونه. لم يكونوا طيّبين أبدًا.”

 

“آمل أنك قتلتهم،” ردّت وهي تعبر بوابة المصنع برفقة رايان بعد أن سمح لهما الحرس بالدخول، “كنتُ أنتمي في الماضي لعصابة متوحّشين حقيقيين.”

 

أوه، نعم، لقد فعل.

 

توجّه رايان ولانكا نحو البوابة المعدنية، ليجدا جيمي وكي-جونغ يتحادثان مع ثنائيٍّ آخر. أو بالأحرى، كانت امرأة تتكلم، بينما يكتفي الباقون بالإنصات مع إيماءات بين الحين والآخر.

 

كانت جينوم بوضوح؛ بشرتها شاحبة على نحو غير طبيعي، وشعرها الأزرق الطويل يسطع كالنيون. بدت هذه السيدة الناضجة وكأنها تجسيد لغموض خرافي، تحمل نفسها بأناقة غريبة، كجنيّة من عالم آخر تسير بين البشر. وعلى عكس فريق رايان، كانت تفيض بالأناقة، ترتدي ثوب كيتون يوناني أسود كزيّها الخاص، وتكمّله بصنادل، وعقد من أسنان قرش، وأقراط على شكل جماجم.

 

لم يعرف رايان السبب، لكن شعورًا سيئًا تسلّل إليه فور رؤيتها. ربما لأن جيمي وكي-جونغ بدا عليهما التوتر الشديد أثناء حديثها، بل حتى لانكا، التي لا تهتزّ عادة، شحبت ملامحها وانكمشت قليلاً لمجرّد رؤيتها.

 

وقد تعرّف الموصّل أيضًا على حارستها الشخصية؛ كانت هي نفسها المرأة التي حاولت مغازلته في باكوتو، حينما أفسد تسلسل الأحداث في إحدى الحلقات الزمنية السابقة. لكنها هذه المرة، تخلّت عن فستانها لصالح زيّ أسود قتالي وبندقية هجومية. ولأنهما لم يلتقيا في هذه الإعادة، لم تتعرّف عليه.

 

مرّت المرأة ذات الشعر الأزرق برفقة حارستها بجانب رايان ولانكا في طريقهما إلى موقف السيارات، لكنها توقفت فجأة عندما وقعت عيناها على الموصّل. “أنت…” قالت، بصوت عميق ينتمي لمن اعتاد أن يُطاع.

 

“مْوا (أنا)؟” أشار رايان إلى نفسه بإصبع مرتاب.

 

“كم عمرك؟” سألت، وهي تحدّق فيه بعينيها الرماديتين الحادتين. كان الأمر يشبه التحديق في عيني تمساح جائع يطلّ برأسه من تحت الماء.

 

“يا له من سؤال!” انحنى رايان بانحناءة مسرحية. “أنا خالد… لكن لا تخبري أحدًا.”

 

“لا أحد خالد،” ردّت بنبرة يكسوها بعض التسلية، وإن كانت غامضة. “لكنني آمل أن أبلغ عمرك يومًا ما.”

 

ثم تجاهلته تمامًا ومضت في طريقها برفقة مرافقتها.

 

“تبًّا”، همست لانكا. “هذا لا يُبشّر بالخير.”

 

“من تكون؟” سأل رايان، وقد أثار فضوله القلق الذي رأه في عيونهم.

 

“بلوتو، شقيقة أوغستس ونائبته،” قال جيمي بعد أن عاد إليهم، وملامحه مشدودة بوضوح. “حين يُرسلها، تسقط الرؤوس.”

 

“أليس بلوتو رجلًا في الأساطير الرومانية؟” سأل رايان. “أنا أؤيّد المساواة بين الجنسين طبعًا، لكن ألن يكون بلوتونيا اسمًا أنسب؟”

 

“أظن أن العائلة كانت تعتمد نمطًا معينًا في اختيار الأسماء،” ردّت لانكا، وقد بدا عليها بعض الارتياح بعد اختفاء نائبة الزعيم عن الأنظار. “العضو الثالث من الإخوة يُدعى نبتون، ويشغل منصب المستشار عند أوغستس.”

 

على الأقل حاولوا الحفاظ على روح الأسماء. وقدّر رايان هذه الإشارة الثقافية. “وما هي قدرتها تحديدًا؟”

 

“إن أرادتك أن تموت،” قال جيمي وقد خيّم الظلام في عينيه، “ستموت.”

 

“يعني ماذا؟ تصعقك بالبرق مثلاً—”

 

“لا، تموت وحسب،” قاطعه جيمي، ونبرة الخوف والحذر واضحة في صوته. لعلّه كان يخشى—وبحق—أن يحاول كويك سيف اختبار هذه القدرة. “لا إنذار، لا وسيلة حماية، لا مقاومة. إن أرادت موتك، تموت. انتهى الأمر.”

 

“طالما لا يزال لدينا أعداء على قيد الحياة، فلا بد أن لقوّتها حدودًا،” قالت كي-جونغ. “لكننا لا نعرف ما هي.”

 

زاد هذا من اهتمام رايان فقط. سيختبر الأمر في حلقةٍ زمنية ما. أما لانكا، فكانت تبحث عن أجوبة. “ولمَ كانت هنا؟” سألت جيمي.

 

“خمسة من رجال العائلة لدينا لقوا حتفهم في ظروف غامضة مؤخرًا،” أجابت كي-جونغ بدلًا عنه.

 

“قمامة الميتا؟”

 

هزّ جيمي رأسه. “لا، لو كانوا هم، لأعلنوا مسؤوليتهم عن تلك الجرائم بصخب. ثم إن هذه ليست طريقتهم. سموم قوية بما يكفي للتأثير على الجينومات، متفجرات، غرق، اختناق… الزعيم يعتقد أننا أمام منتقم جديد متخفي. بلوتو وفرقة القتلة السبعة سيتكفّلون بالأمر، وإذا طلبوا شيئًا، فعلينا أن نقدّم لهم كل العون في مهمتهم.”

 

قال متفجّرات؟

 

“عدوي الخفي ضرب مجددًا!” قال رايان، وقد غمرته سعادة المنتصر الذي فكّ اللغز.

 

“نعم، فكرت في الأمر نفسه،” قال جيمي. “لكن ما لم يأتِ المسؤول عمّا يحدث ويطرق بابنا بحثًا عن شجار، فسندع الكبار يتولّون المسألة. ما إن تتولى فرقة القتلة الأمر، فالموضوع مسألة وقت لا أكثر قبل أن يُحسم.”

 

خمّن رايان أن استخدام كلمة يُقتل سيكون وقحًا نوعًا ما.

 

“حسنًا، بعض القواعد قبل أن تتحدث مع فولكان،” قال جيمي لرايان وهم يقفون أمام البوّابات المعدنية. “لا تمزح بشأن طولها، أهم شيء، لا تذكر وايفرن إلا إذا بدأت هي بذلك.”

 

أومأ رايان مطيعًا، بينما انفتحت الأبواب للسماح لهم بالدخول.

 

قادهم جيمي في جولةٍ داخل المصهر، رغم أن الاسم لم يكن يُنصف الحقيقة كما يجب. فقد اتضح سريعًا أن المبنى يحتضن عملية إنتاج أسلحة متكاملة، من صهر المعادن إلى خطوط التجميع. مرّت المجموعة بغرف ملتهبة تعجّ بالأفران وخطوط التصنيع الآلية؛ حيث تُنتَج البنادق والرصاصات والصواريخ. حتى بعض الحرّاس كانوا يرتدون نسخًا معدّلة من درع جيمي نفسه، وإن كانت أكثر ضخامة ورهبة.

 

وأخيرًا، وصلوا إلى ورشة فولكان. كانت تمثّل الصورة المثالية لمخبأ عباقرة الجينومات، مليئة بأجهزة ضخمة، ومصابيح زجاجية تنير المكان، وآلات عجيبة تبدو وكأنها تنتمي لقرون قادمة من المستقبل.

 

وكان هناك أيضًا روبوت ضخم… ضخم جدًا، في وضعية انتظار.

 

بل صحّح ذلك: لم يكن روبوتًا، بل بدلة قتال آلية ضخمة، تقارب الخمسة أمتار طولًا، بعرض يوازي ذلك الحجم الهائل. كانت ذات هيئة بشرية، لكن من فرط ضخامتها يمكن اعتبارها دبابة ذات ساقين. ومع ذلك، وبالنظر إلى عدد المفاعلات التوربينية الصغيرة، وتصميم المفاصل المتعدّدة في أطرافها، خمّن رايان أن هذه الآلة قد تكون سريعة الحركة بشكل مفاجئ في الميدان. وبالطبع، كانت مدجّجة بالأسلحة بما يكفي لمنافسة بارجة حربية؛ من قاذفة صواريخ ضخمة على الذراع اليمنى، إلى مدافع، بل وحتى أسلحة شعاعية.

 

لاحظ رايان أيضًا وجود عدة كاميرات على شكل عيون موزّعة في أنحاء البدلة، لعلّها تتيح للمستخدم رؤية كاملة في جميع الاتجاهات. وأخيرًا، كانت الآلة مطليّة بالذهب، على الأرجح لمجرّد التفاخر بأقصى قدر ممكن.

 

كانت البانية في انتظارهم، ترسم مخططات على طاولةٍ كبيرة. ومثل بلوتو، ورغم لقبها، تبيّن أن فولكان أيضًا فتاة.

 

ولدهشة رايان، بدت أصغر منه سنًا، بيولوجيًا على الأقل. ثمانية عشر؟ تسعة عشر عامًا؟ في جميع الأحوال، كانت ضئيلة البنية، بالكاد تبلغ متراً وستين طولًا، بشرة زيتونية، وعينان سوداوان حادتان، وشعر داكن معقود إلى الخلف باستخدام قلم، من بين كل الأشياء! أما ملابسها، فكانت متواضعة للغاية مقارنةً بمكانتها: قميص أسود بسيط، وسروال متسخ، وحذاء دون أربطة.

 

لكن عندما نظرت إليه، أبصر رايان في عينيها حدّة لا يُستهان بها.

 

“كنت أتوقّع شخصًا أطول،” قال لها ببراءة، “مثل وايفرن.”

 

ساد الغرفة توتر خانق، وحدّق الجميع به وكأنّه فقد صوابه، باستثناء فولكان التي رمقته بنظرة قاتلة. أدار رايان نظره بعيدًا نحو الآلية العملاقة، وهو يصفر متظاهرًا بالبراءة.

 

“سنرى من الأطول عندما أنسف ساقيك، أيها الأحمق،” قالت الزعيمة بوجهٍ ذكّر رايان بلين. لا بدّ أنها تعاني من عقدة الطول نفسها. “لأنك الآن، وضعت قدمك على لغمٍ أرضي.”

 

ها قد جاءت نابليون!

 

“كويك سيف، رجاءً، أبدِ بعض الاحترام،” تنحنح جيمي، بينما أومأ هو وبقية الفريق بتحية نحو فولكان. “أعتذر، زعيمتي. لا يدرك ما يقول.”

 

“أوه، بل يدرك تمامًا،” ردّت فولكان بغضب، تحدّق في رايان بنظرة نارية. “تلك الحقيرة هي نسختي الخاصة من الكلمة المحرّمة. من ينطق بها… يتألّم.”

 

“أليس لديك أي غريزة بقاء؟” همست لانكا في وجه رايان بحدّة.

 

“بالطبع لا، فأنا خالد. غريزة البقاء للناس الذين يمكنهم الموت.” رمق رايان الدرع العملاق بنظرة سريعة، وقد لفت نظره المفاعل الهائل المثبّت على ظهر الآلة. “هل هذا مفاعل اندماجي مُصغّر؟”

 

بدت على وجه فولكان علامات الدهشة، رغم أنها ما زالت غاضبة بوضوح. “فاجأني أنك استطعت تمييز ذلك.”

 

“عملتُ على واحدٍ من قبل، وإن كان أقل تطورًا بكثير،” قال رايان وهو يتفحّص بقية البدلة. “وأشعةٌ بلازمية كسلاح هجومي أيضًا… ذكي، ذكي.”

 

“ربما عليّ أن أقدّم لك عرضًا حيًا.” وما إن نطقت فولكان بتلك الكلمات، حتى تحرّكت البدلة من تلقاء نفسها. تراجع الآخرون خطوة إلى الوراء، وجيمي تحديدًا بدا مستعدًا لاستدعاء سيفٍ طاقي. “لكن بما أنك تملك عقلًا، سأكتفي على ما يبدو بتدمير الساقين فقط.”

 

واصل رايان تأمّل هذه الأعجوبة التقنية بهدوء، حتى حين وجّهت أسلحتها نحو نصفه السفلي.

 

“هممم.” عقدت فولكان حاجبيها، وقد حلّت الدهشة محلّ الغضب في ملامحها. “أنت على بُعد شعرة من الموت، ومع ذلك لم يتغيّر نبض قلبك ولا ضغط دمك. ولا حتى نشاطك العصبي. لا تبالي إطلاقًا، أليس كذلك؟”

 

مهلًا، كيف عرفت ذلك؟ هل كانت تملك رابطًا تخاطريًا مع حساسات بدلتها؟

 

رغم كل شيء، كان عليه أن يشعر بالامتنان لكون غضبها قد غادر المكان، وحلّ الفضول مكانه. من الأرجح أنها تظن أن في جعبته ورقة رابحة يخفيها.

 

“سمعتُ أنك تحمل تقنيات متقدّمة معك، يا كويك سيف،” قالت فولكان، فيما التزم الآخرون الصمت فرحًا بعودتها إلى هدوئها. “هل أنت عبقري؟”

 

“نوعًا ما.” لم يكن يملك ذكاءً خارقًا، لكنّه قضى عددًا لا يُحصى من الحلقات الزمنية وهو يعبث بالتقنيات المتقدّمة، حتى بات يُعد عبقريًا بحكم الأمر الواقع. ألقى رايان نظرة داخل معطفه الطويل وسلّم فولكان القنبلة الذرّية.

 

“يا له من تصميم جميل وأنيق.” صفّرت فولكان بإعجاب وهي تفحصها من كل زاوية. “أأنت من صنع هذه؟”

 

“ينبغي على كل شخص أن يحمل قنبلة معه للردع!” تهرّب رايان من الإجابة المباشرة، وقد استبدّ به الحماس لوجوده قرب صانعة قنابل مثله.

“القنابل تُنقذ الأرواح!”

 

“بالضبط!” ردّت فولكان بالحماسة نفسها، وقد عجزت عن كبح شغفها الطفولي بالانفجارات. “أتدري لِمَ لم تتحوّل الحرب الباردة إلى حرب فعلية؟ لأن الجميع كان يملك قنابل ذرّية! القوة التدميرية المطلقة هي مفتاح السلام!”

 

“يا إلهي، صار هناك اثنان الآن…” سمع رايان لانكا تهمس لجيمي، الذي بدأ يطحن أسنانه من التوتر. ومع ذلك، استطاع رايان أن يلمح شيئًا من الارتياح على وجوه الجميع.

 

“وماذا عن ميكرون؟” سألت كي-جونغ بخفة، وابتسامة خفيفة على شفتيها. “القنابل لم تنفع أمامه.”

 

“عامل غير متوقَّع يا تشيتر، مثل الخيميائي،” قالت فولكان بلامبالاة، ثم لوّحت بالقنبلة أمام أنف رايان. “ترى هذه؟”

 

“أه… نعم؟”

 

“إن تلفّظت باسم وايفرن مجددًا، سأدسّها في حلقك. بما أنك تملك مهارات ثمينة، سأعفيك من الموت، لكن لمرة واحدة فقط. لا تختبر حظك ثانية، إلا إن كنتَ تتوق إلى تذكرة ذهاب بلا عودة إلى مدينة القتل.”

 

مكان جميل… لقد زاره مرارًا من قبل. “إذًا، لن تعيدي إليّ القنبلة؟”

 

“لا، تلك ضريبة الاحترام،” أجابت وهي تسرق الجهاز بكل وقاحة وتدسّه في جيبها. “إن انضممتَ إلى وحدتي، فقد أراجع موقفي. عندي عمّال كثيرون، لكن قلائل هم المهندسون الحقيقيون الذين يُعوَّل عليهم. مشكلتك أنك وقح… لكنني سأروّضك.”

 

لاحظ رايان أيضًا أن الدرع الآلي لم يُنزِل أسلحته عنه، رغم أن نبرة فولكان بدت أكثر وُدًّا.

 

“ظننتُ أنه قد ينسجم أكثر مع قسم ميركوري.” سعل جيمي ليخفف التوتر، مدافعًا عن قسمه.

 

“أنا من بحث عنه أولًا، زانبـاتو.” ردت فولكان. “وإن كان ميركوري يريد رجالًا أكفاء، فعليه أن يغادر بيته من حين لآخر.”

 

“يسعدني هذا الاهتمام، حقًا، لكنني لست من نوع الموظفين الدائمين،” قال رايان. “أنا أبحث عن لين. شعر أسود، عينان زرقاوان، ماركسية-لينينية.”

 

“أندر دايفر،” ردّت فولكان، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة حين منحها رايان كامل انتباهه. “لكن لا أرى كيف سأستفيد من تعريفك بالمقاولة المتعاقدة معي، خاصةً إن لم تكن تنوي البقاء معنا على المدى الطويل.”

 

مقاولة؟ أخيرًا! كان يكاد يتذوّق لحظة اللقاء. “كم تطلبين مقابل هذا الشرف؟”

 

ضحكت فولكان وجلست على طاولة ورشتها. “أتظنّني مجرمة أعمل مقابل المال؟”

 

“إذًا لم يتبقَّ لي سوى جسدي لأبيعه.”

 

لم تستطع كي-جونغ كتم ضحكة على مزحته، قبل أن تسارع لتعديل ملامحها. ابتسمت فولكان قليلًا. “لا أدري إن كنت وقِحًا أم فقط مختلًا،” قالت. “لكن الواقع أنني بحاجة إلى أجساد دافئة وطازجة لأرميها على مشكلة[4].”

 

“عصابة الميتا؟” سعل جيمي بخفة. “أتريدين منّا إسقاطهم؟”

 

“فريقي سيتكفّل بمشكلة الميتا،” ردّت فولكان بفتور، وكأنها تزيحه من طريقها. “الزعيم الكبير أعطانا الضوء الأخضر. فقط احموا الشحنات، وسنتولّى أمر مدينة الصدأ. لا، ما أفكّر فيه… يتعلّق بمحاربة ’القانون‘.”

 

“أفضل نوع من المهمات!” تهلّل رايان. “هل سنتهرّب من الضرائب؟ لا شيء أكثر إثارة وخطورة! حتى آل كابوني[5] لم ينجُ منها!”

 

“لا أحد يدفع ضرائب أصلًا، أيها الثرثار،” عقّبت لانكا.

 

“الأمن الخاص وإل ميليوري بالغوا في حماسهم مؤخرًا،” قالت فولكان بسخرية. “لم يُلحقوا ضررًا حقيقيًا، لكنهم يختبروننا. يظنّون أن الميتا أضعفوا منظّمتنا. علينا أن نذكّرهم بعدم الاستهانة بالأوغُستي.”

 

“أتريدين منّا مهاجمة عمليات ديناميس؟” سأل جيمي، بينما قطّبت لانكا حاجبيها عند سماعها كلمة ‘منّا’.

 

أومأت فولكان. “ديناميس تصوّر حاليًا فيلمًا جديدًا لإل ميليوري. أريدكم أن تدمّروا الاستوديو… أوصلوا لهم الرسالة.”

 

“أليس الفيلم الجديد الذي يعملون عليه هناك…” تمتم جيمي، دون أن يُكمل الجملة.

 

“رحلة وايفرن الجزء 2،” أكملت فولكان، وبريق انتقامي يلمع في عينيها.

 

نعم، عمل روتيني تمامًا.

 

“هل ترغبين بانتقامك الشخصي مقرمشًا؟” سأل رايان، “أم مقرمشًا جدًا؟”

 

☆☆☆☆☆

 

منذ البداية وأنا أظن فولكان رجل. كان الكاتب يغير ضميره بين مذكر ومؤنث عمدا.

 

[1] باداوان: مصطلح من سلسلة أفلام Star Wars يُطلق على المتدرّب الشاب الذي يتعلّم على يد فارس “جِيداي”. يُستخدم أحيانًا بشكل فكاهي أو ساخر للإشارة إلى شخص قليل الخبرة أو في طور التعلّم.

 

[2] كرويلا: اسم شخصية شريرة شهيرة من قصة وأفلام 101 دمية دولماتي، معروفة بقسوتها ورغبتها في اصطياد الحيوانات من أجل فرائها. يستخدم الاسم أحيانًا بشكل ساخر أو لوصف شخص قاسٍ خاصة تجاه الحيوانات.

 

[3] بيتا: منظمة الدفاع عن حقوق الحيوانات.

 

[4] تشبيه يقصد به أنها بحاجة لأشخاص جدد يمكنها استخدامهم أو التضحية بهم في مواجهة مشكلة معينة.

 

[5] آل كابوني: هو أشهر زعيم مافيا في أمريكا في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وقد سُجن في النهاية بسبب التهرّب الضريبي.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset