الفصل 21: النجاة
ارتفعت سرعة ليكس على الفور بمجرد خروجه من الحديقة إلى الطريق المرصوف بالحصى. كان أسلوب المباني وهندستها المعمارية مختلفًا بشكل كبير عما اعتاد عليه ليكس على الأرض، لكنه لا يمكن أن ينزعج من ذلك الآن. كل ما أصبح يهمه هو الوصول إلى مكان آمن.
كان الطريق، وهو مسار واحد واسع يمر عبر المدينة، مليئًا بأشياء مستطيلة كبيرة لا يمكن أن يفترض ليكس سوى أنها مركبات، على الرغم من أنه لم يرى أي إطارات. لم تكن هناك نوافذ في ‘السيارات’ أيضًا، لذا لم يتمكن من النظر من خلالها ولم يعرف كيفية فتحها، لذلك تم استبعادها تلقائيًا كمكان للإختباء.
بدت المباني، التي كانت مكونة من طابقين فقط، وكأنها مقطوعة من صخور كبيرة حيث لم تكن بها وصلات أو طبقات، والأهم من ذلك، لا أبواب أو نوافذ! كيف كان من المفترض أن يدخل؟
واصل ليكس العرج في الظلام، بعيدًا عن الحديقة. لحسن الحظ لا يبدو أن هناك أي زومبي أحياء يتجولون في الطرق. قال زومبي ‘أحياء’ لأن الطرق بدت مليئة بالجثث الميتة الفاسدة التي لم يكن بإمكانه إلا أن يفترض أنها زومبي. وهذا جعله يشعر بالراحة لأن ذلك ربما يعني أن هناك بشرًا أحياء يقومون بتطهير…
لفت انتباهه صوت اصطدام عالٍ، أعقبه المزيد من الضجيج. بدا أن شخصا ما كان يقاتل. بعد التفكير للحظة، بدأ يتحرك ببطء نحو الصوت، باذلا قصارى جهده للبقاء بعيدًا عن الأنظار. إذا وجد عددًا قليلاً من الأشخاص فقد يفكر في الانضمام إليهم.
في الدقائق القليلة التي ظل يمشي فيها، خف الألم، و إن كان قليلا. أثبت هذا على الأقل أن ندى بوتلام فعال في الوقت الحالي. بعد أن استند على السيارات للحصول على الدعم و الغطاء، ألقى نظرة خاطفة من الزاوية ليرى ما إذا كان بإمكانه رؤية القتال.
ما رآه لم يكن بشرًا يقاتلون الزومبي، بل رأى وحشًا عملاقًا بطول ثمانية أقدام بدا وكأنه أسد يلتهم بشراسة حشدًا صغيرًا من الزومبي. متحركين بوتيرتهم البطيئة المعتادة، تجمع الزومبي حول الأسد و حاولوا مهاجمته. لقد قاموا بخدش الأسد و عضه ولكن يبدو أنهم لم يسببوا أي ضرر، بينما قام الأسد بعض رأس زومبي بشكل عرضي و بدا أنه يمتص شيئًا من جسده. ذبل الزومبي المتحلل بالفعل قبل أن يرميه الأسد بعيدًا ليصطدم بسيارة قريبة، و عض الزومبي التالي.
كان ليكس مرعوبًا.بدأ عندها يتحرك ببطء إلى الوراء. على الرغم من أن خطواته كانت خفيفة بالفعل، إلا أنه بذل قصارى جهده حتى لا يصدر حتى أدنى قدر من الضجيج أثناء تراجعه. في كل مرة أصدرت حقيبته حفيفًا، شعر بالرعب! أصبح هذا العالم مخيفًا جدًا! لكن لا يبدو أن الوضع يتحسن. عندما استدار، رأى العديد من الزومبي يسيرون نحو الأسد من مسافة بعيدة، وكان في طريقهم مباشرة! ظل الضجيج العالي للقتال بارزًا جدًا في الليل الصامت. تعين عليه أن يخرج من المكان على الفور!
وسرعان ما غير اتجاهه وسار في شارع مختلف ممسكًا بسكينه بإحكام، كما لو كان هذا هو الشيء الوحيد الذي يمنحه الشجاعة. ومض البرق في السماء مرة أخرى، و بدا الرعد الذي أعقبه بمثابة إشارة إلى بداية عاصفة مدمرة. بدأ المطر بشكل عفوي و هطل بسرعة وشراسة ستكبح جيشا مندفعا.
و في هذا الوقت تقريبًا رأى أخيرًا مبنى به جزء صغير من الجدار منهار. شاكرا حظه البائس الذي تحول أخيرًا، ترنح نحو المبنى و دخله. كان العالم مظلمًا تمامًا الآن، وباستثناء ومضات البرق القليلة، لم يكن لدى ليكس في بعض الأحيان مصدر آخر للضوء. أمسى خائفا قليلا؛ لم يكن يريد دخول المبنى دون أن يتمكن من الرؤية. ماذا لو اصطدم مباشرة بزومبي؟ كان عندها، مثل وحي من السماء، تذكر أنه كان يحمل مصباحًا يدويًا. مفتشا حقيبة ظهره بإرتباك، وجد المصباح وقام بتشغيله. نظرًا لعدم رغبته في جذب الكثير من الاهتمام في الظلام، دخل المبنى على الفور إلى ما افترض أنه غرفة معيشة. غطى الأثاث المكسور والزجاج المهشم الأرض كالركام، وأظهرت الغرفة علامات واضحة على وجود قتال. كانت بعض الهياكل العظمية ملقاة على الأرض، مكسورة و مفككة. لكن الشيء الوحيد الذي لم يكن في الغرفة هو الباب الذي يؤدي إلى عمق المنزل. لا بد أن الناس في هذا العالم كانت لديهم طريقة أخرى للدخول والخروج، وكان على ليكس اكتشاف ذلك بطريقة ما. ومع ذلك، فهو يحتاج في الوقت الحالي إلى الراحة.
مشى ليكس بإضطراب إلى زاوية في الغرفة و سحب بقايا أريكة لتغطية نفسه بينما كان يجلس بعيدًا عن الأنظار. أغلق المصباح حتى لا يجذب الانتباه، لكنه ظل يقظًا في حالة اكتشافه لزومبي قادمين نحوه. كان السكين لا يزال ممسكاً بقوة في يده.
*****
وقفت امرأة متوترة في صالة كبيرة، مرتدية بدلة رسمية للغاية، و متمسكة بيد ابنها بقوة. كان ابنها، و هو صبي صغير يقف بجانبها، ينظر حول الغرفة الكبيرة بتعجب ورهبة. ظل الطفل ذات مرة في غرف أكثر فخامة من هذه، لكنه كان صغيرًا و كانت الذكريات حتى قبل بضعة أشهر قديمة جدًا بالنسبة له، ناهيك عن تلك التي تعود إلى زمن أبعد. أصبحت يده اليسرى تشعره بعدم الإرتياح بعض الشيء – كانت والدته تضغط عليها بشدة، لكنه لم يقل أي شيء لأنه كان يعلم أن والدته لن تفعل ذلك إلا عندما لا تكون على ما يرام. كانت والدته في كثير من الأحيان ليست على ما يرام هذه الأيام، اعتقدت أنه لا يعرف ولكن يمكنه معرفة ذلك. لم يكن يعرف كيف يجعلها تشعر بالتحسن، رغم ذلك، كان مجرد طفل. في بعض الأحيان كان سيشاركها الحبوب، أو يحتفظ ببعض الحلوى التي حصل عليها من المدرسة ليقدمها لها.
ظل الطفل يحمل في يده اليمنى مفتاحاً ذهبياً. لقد كان لعبة حصل عليها من مكان ما، لا يتذكر أين، و قد أحبه حقًا. إن حمل المفتاح يجعله يشعر بالقوة، وفي بعض الأحيان عندما يشعر بالبرد فإنه يبقيه دافئًا. حاول أن يعطي والدته المفتاح حتى تشعر بتحسن، لكنها عادة ما تكون مشغولة بأشياء أخرى. كان يحتفظ بالمفتاح معه دائمًا، حتى يتمكن من إعطائه لها عندما تكون والدته أقل انشغالًا.
بينما كان الطفل ضائعًا في أفكاره، دخل رجل عجوز إلى الغرفة و معه ممرض يساعده على المشي و ممرضة تسحب عمودًا وريديًا مزودًا بالتنقيط الذي كان متصلاً بيد الرجل. بدا الرجل العجوز ضعيفا، لكن عينيه كانتا مليئتين بالطاقة و هو ينظر إلى المرأة التي أمامه.
“هيرا طفلتي، من الجيد رؤيتك، من الجيد رؤيتك. يا له من عمر مضى منذ التقينا آخر مرة. اقتربي أكثر، دعيني ألقي نظرة أفضل عليك.” تحدث الرجل بمرح، ولوّح للمرأة لتقترب.
“أتذكر حفل زفافك، يا له من يوم سعيد كان. كانت تلك أوقاتًا أكثر سعادة”، قال الرجل العجوز و هو يسترجع ذكرياته.
“نعم”، قالت هيرا بهدوء، وهي تحاول بذل قصارى جهدها حتى لا تسمح لنفسها بالتفكير في ذلك الوقت. لقد توفي زوجها مع بقية أفراد أسرتها، و كان التفكير في الأيام السعيدة يجلب لها الألم أكثر من الراحة. الرجل العجوز الذي أمامها لم يكن بهذا العمر حقًا. إنه في أواخر الخمسينيات من عمره، و في حفل زفافها كان قويًا وبصحة جيدة. لقد استنزف مرض نادر في السنوات الأخيرة معظم قوته، تاركا إياه في مأزقه الحالي. كان أيضًا صديقًا قديمًا للعائلة، وهو الوحيد الذي وافق على مقابلتها حتى الآن. أصبح الأمر مضحكًا، فالعديد من الأشخاص الذين كانت تعتقد أنهم قريبون منها أصبحوا فجأة بعيدين عنها بعد وفاة عائلتها و تم تركها محتاجة. حتى عندما وافق هذا الرجل العجوز، ويل، على مقابلتها، كانت خائفة من أن لديه بعض الدوافع الخفية. ومع ذلك، لم يكن أمامها خيار سوى المحاولة.
“يجب أن يكون هذا الصغير جيمي. يا له من صبي صغير وسيم،” قال الرجل العجوز و هو ينظر إلى الطفل. لكن جيمي تحرك فجأة خلف أمه، وكأنه يختبئ منه.
ابتسمت هيرا بضعف للرجل العجوز، وكأنها تعتذر عن سلوك الطفل، لكن ويل لم يمانع و لم ينظر إليهما إلا باعتزاز.
“لقد فوجئت جدًا بتواصلك معي. لم أسمع عن عائلتك… أنا… آسف عما حدث لهم،” قال الرجل بصوت بائس. “كنت سأتواصل معك بنفسي لو كنت أعرف. صحتي تشغلني، بالكاد أقابل أي شخص هذه الأيام”.
“لا بأس،” قالت هيرا ببعض الصعوبة. “لديك مشاكل خاصة بك. مجرد الموافقة على مقابلتي هو معروف عظيم…”
“كلام فارغ!” قاطعها الرجل العجوز. “أنت مثل العائلة، الطفل، مثل العائلة. كيف يمكنني أن أسمح لكما بالبقاء هناك بمفردكما عندما سمعت عما تمران به؟ ستبقيان معي، وسأساعدكما على الوقوف على قدميكما مرة أخرى. انتهى الأمر.”
“لا هذا ليس…” حاولت المرأة أن تتكلم، لم تكن نيتها قبول الصدقات، لكن الرجل العجوز لم يسمح لها.
“إذا قلت ان الأمر انتهى، فهو كذلك. لم يعد هناك الكثير مما يمكن لهذا الرجل العجوز فعله بعد الآن، لكن هذا لا يعني أنني سأترك عائلتي تعاني في العالم بمفردها. كان والدك مثل أخي، و كانت والدتك مثل أختي الكبرى. كيف سأواجههما إذا اكتشفا أنني تركتكما تعانيان كثيرًا؟ لا يا طفلي، لا يجب أن تعامليني كغريب. يجب عليكما البقاء، والحفاظ على صحبة هذا الرجل العجوز. لقد كان الوضع كئيبًا جدًا في هذا المنزل خلال السنوات القليلة الماضية، و وجودكما سيضفي الحيوية على المكان. “
كادت هيرا أن تبكي، رغم أنها سيطرت على نفسها بسرعة. ظل الرجل العجوز مصرًا وعنيدًا، لكنها شعرت منه بدفء الحنان الذي لم تشعر به منذ فترة طويلة.
و بقي الطفل، الذي كان يستمع إلى كل شيء حتى الآن، ينظر بين الرجل العجوز وأمه. بدا أنهما سيعيشان معه الآن، و هذا ما جعل والدته سعيدة بطريقة ما. فكر الطفل قليلاً، ثم سار ببطء من خلف أمه واقترب من الرجل العجوز المخيف. كان نحيفًا ومتجعدًا و كانت الأوردة تظهر في جميع أنحاء جسده، لكنه كان رجلًا جيدًا إذا استطاع أن يُسعد والدته. أخيرًا، رفع المفتاح الذهبي للرجل العجوز وتمتم، “هذا لك”.
تفاجأ الرجل العجوز بلفتة الطفل الخجول، لكنه ابتسم ومد يده ليأخذ المفتاح الذهبي. عندما لمس المفتاح، اهتز حتى النخاع و هو يحدق به في رعب و إثارة!
******
وصلات المباني: الواجهة بين المواضع الخرسانية التي تم إنشاؤها عمدا لتسهيل البناء.
