الفصل 247: الضباب
واقفين حول كومة الصخور، نظر إليها أعضاء المجموعة بتعبيرات حزينة – باستثناء كاسي، التي استدارت و واجهت جانب الجبل، كما لو كانت تحاول إخفاء مشاعرها.
الآن بعد أن عرفوا ما كانوا ينظرون إليه، أصبح مزاجهم فجأة حزينًا و رصينا. أمسى الأشخاص الذين تقطعت بهم السبل على الشاطئ المنسي على دراية بالموت والمأساة، لكن العثور على هذا القبر الوحيد بعيدًا عن أي مكان يمكن أن يجده فيه إنسان آخر، ضائعًا تحت السماء الرمادية الغريبة لعالم الأحلام، إنه لا يزال اكتشافًا مؤثرًا.
لم يلتقي أي منهم من قبل بالحالمين من المجموعة الأولى، ولكن بعد العيش في ظل إنجازاتهم الأسطورية وسماع قصص أفعالهم لفترة طويلة، بدا كما لو أن هذا القبر ينتمي إلى واحد منهم.
نظرًا لمدى كآبة و توتر واقع القلعة الساطعة، كان من السهل نسيان أنه في هذا العالم الملعون، كانوا جميعًا زملاء من البشر. لكن أمام القبر الهادئ، كانت الحقيقة صارخة وقاسية: لقد كانوا هم وحدهم في مواجهة المد اللامتناهي للمخلوقات الكابوسية، وكل حياة بشرية ضائعة قللتهم جميعًا.
تنهد صاني ولاحظ وجود كلمات محفورة في أحد الحجارة الموضوعة أعلى كومة الصخور. استغرق الأمر بعض الوقت لفهم النقش، لأنه لم يكن مكتوبًا بالأحرف الرونية التي اعتاد عليها. بدلاً من ذلك، كان مكتوبًا بأحرف بسيطة من اللغة البشرية، والتي بدت غريبة في هذه الأرض المهجورة.
منقوشة في الحجر بوسائل غير معروفة، تم ترك جملة واحدة على القبر الذي لا يحمل أي علامات.
“لقد انتهى كابوسها”
بقلب مثقل، كرر صاني ذلك بصمت عدة مرات. كان من الغريب مقدار المعنى الذي يمكن التعبير عنه بكلمات قليلة جدًا. ترددت أصداءها في ذهنه وبقيت هناك، تاركة أثرًا عميقًا وحزينًا.
‘…ارقدي بسلام، أيًا كنت. أنا… أتمنى أن تكون أحلامك حلوة و هادئة الآن.’
و بهذا استدار و صر على أسنانه.
متى ستنتهي كوابيسهم؟
كان الأعضاء الآخرون في المجموعة يعودون ببطء من أحلام اليقظة المفاجئة. تنهد كاي ونظر إلى نجمة التغيير، بوجه مليئ بالحزن.
“أعتقد… أعتقد أن هذا هو ما كنا نبحث عنه. بالتأكيد مر اللورد الأول و بعثته من هنا. ولكن ماذا الآن؟”
ألقت نيفيس نظرة أخيرة على القبر واستدارت لمواجهة رامي السهام الساحر.
“يجب أن يكون هناك مدخل لمنجم قديم في مكان قريب. مما رأته كاسي، ذلك هو المكان الذي ذهبوا إليه.”
عبس صاني. شيء ما في ما قالته جعله يشعر بعدم الارتياح. لكن لماذا؟
أدار رأسه و نظر إلى كاسي، التي كانت لا تزال واقفة بصمت على بعد خطوات قليلة منهم، و رأسها يواجه الجبال. بدا كما لو أن الفتاة العمياء كانت تستمتع بمشهد الضباب الأبيض الذي كان يتدفق أسفل منحدر الجبل، ويقترب ببطء من الوادي.
لقد كانت هادئة للغاية طوال هذا الوقت.
مع شعور مشؤوم يجتاح قلبه فجأة، أشار صاني إلى نيفيس لجذب انتباهها. عبست نجمة التغيير، ثم تتبعت نظراته و تغير وجهها قليلاً.
أثناء سيرها نحو صديقتها، وضعت يدها بعناية على كتف الفتاة العمياء. على الفور، إرتجفت كاسي عندما استدارت، و كان وجهها شاحبًا.
“…كاسي؟ هل رأيت شيئا؟”
كان هناك تعبير عن الرعب مكتوب على وجه الفتاة العمياء. لبضع لحظات، ظلت تتنفس بشدة فقط، كما لو كانت تحاول السيطرة على نفسها. وأخيرا تحدثت بصوت هادئ ولكن ثابت:
“الضباب… يجب أن ننزل تحت الأرض قبل أن يأتي الضباب. إذا لم نفعل، فسوف نموت جميعا!”
لم تضيع نيفيس أي وقت في استجواب كاسي أكثر. بعد ان استدارت، صرخت:
“صاني، كاي! ابحثا عن مدخل المنجم بسرعة!”
بعد لحظة، ارتفع كاي في الهواء واندفع نحو المدرج العملاق على الجانب الآخر من المحجر. لم يتردد صاني أيضًا: انفصل ظله عن قدميه و انزلق بعيدًا بسرعة مذهلة.
على الرغم من خطورة الوضع، إلا أنه ظل هادئا.
‘لذا… أعتقد أن هناك سببًا لعدم مقابلتنا لأي كائن حي في هذا المكان، بعد كل شيء.’
توقع صاني حدوث شيء كهذا منذ اللحظة الأولى التي دخلوا فيها سفوح الجبال المجوفة. حتى قبل أن يعرف مدى خطورة هذه القمم، لقد كان يعلم بالفعل أنه لا يمكن أن تكون أي أرض لا يستطيع المرجان القرمزي النمو فيها آمنة.
“كاستر، إيفي! استعدا للتحرك بمجرد أن يجد الكشافة أي شيء!”
بإلقاء نظرة خاطفة على جدار الضباب الأبيض الذي بدأ بالفعل يتسرب إلى الوادي، تريثت نيفيس للحظة، ثم استدعت سيفها. خلفها، ارتفعت كاسي قليلاً عن الأرض وأخرجت الراقصة الهادئة، ممسكة بالسيف الأنيق في يدها اليسرى.
تحول جناحان شفافان إلى طمس خلف ظهرها.
عند النظر إليهم، تنهد صاني و مشى للوقوف بالقرب من القديسة الحجرية. كان عقله منشغلاً بإدراك العالم من خلال الظل. عندها، أغمض عينيه للتركيز على حواسه الأخرى.
وجد الظل و كاي مدخل المنجم في وقت واحد تقريبًا. تم قطع ممر طويل في جانب الجبل مباشرةً، مع أعمدة زائفة محفورة في الصخر المحيط به. كان فم النفق مظلمًا و مشؤومًا.
كان هناك طريق ملتوي يؤدي من المنجم إلى المحجر. لم يتمكن صاني من رؤية مخرجه من متاهة الكتل الحجرية، لكنه كان متأكدا من أن كاي سيراه من الأعلى.
بعد فتح عينيه، لاحظ أن جدار الضباب كان يلوح في الأفق فوقهم، على بعد ثوانٍ فقط من السقوط في المحجر، و قال:
“اتبعوني!”
وبذلك ركض نحو الاتجاه العام لمكان وجود المنجم. ركض الآخرون خلفه، مبذلين أكبر قدر ممكن من السرعة – باستثناء كاستر بالطبع.
في منتصف الطريق إلى جدار المحجر، هبط كاي بالقرب منهم وأشار إلى فتحة بالكاد مرئية بين الدرجات الحجرية.
“هناك! أسرعوا!”
دخلوا المسار المخفي و ركضوا بأسرع ما يمكن، وسرعان ما اقتربوا من النفق الواسع.
على حافة الظلام، توقف صاني لثانية ونظر للخلف إلى جدار الضباب الذي يقترب بسرعة.
بينما كان يحدق في الضباب اللبني، استحوذ فجأة على قلبه شعور بارد وثقيل بالرهبة.
دون تضييع المزيد من الوقت، استدار و غاص في الظلال.
بعد لحظات قليلة، انتشر الضباب حول مدخل النفق و التهم بقية العالم.
******
