الفصل 119: الحفظ الأخير
ستكون الحلقةُ القادمة… هي الحاسمة.
شعر رايان بذلك في أعماق عظامه. ورغم أن درع ساتورن مع دعائمه الإضافية أثقل كاهله، فإن إحساسًا عميقًا بالتحرّر انساب في عضلاته.
في أعماق غواصة ميكرون، صنع ألكيمو عرشًا من المعدن والأسلاك خصيصًا للموصِّل؛ ستةُ خوذاتٍ ومقاعدُ مجهّزة للمسافرين عبر الزمن المنتظرين. كان الجميع مشغولًا بالتحضيرات. ودّع فيليكس شقيقتَيه وسط دموعٍ كثيرة، فيما كانت ليفيا تحفظ في ذهنها جميع خرائط الأدمغة المسجّلة حديثًا، من شروق الشمس إلى نارسينا. أمّا السيد ويف وشريكه الشمس الحيّة، فكانا يُعدّان شراود للرحلة. تولّت لين وبقية العباقرة مراقبة الحسابات المعقّدة على الحواسيب، بينما لم تكفّ بيانكا عن التذمّر لأن تجهيزاتها استغرقت أكثر من المعتاد. أمّا ستيتش فكان يراقب المشهد عن بُعد، وباندا وحيدٌ يعاني ما بعد البطولة.
“إنها أول مرة أسافر فيها عبر الزمن.” تمتم الباندا، وهو يعضّ أظافره بقلق في هيئته البشرية. كان أول من ارتدى الخوذة بين المسافرين المنتظرين، وكعادته صدّق كل كلمة من حكايات رايان. “ماذا لو فشلت العملية؟”
“لن تفشل.” أجابه الموصِّل بثبات. “ثم إنك باندا… لا شيء في الكون يمكن أن يؤذي باندا.”
“لكن يا سيفو… عندما أعود، لن…” انحنى رأس الرجل–الدبّ خجلًا. “لن أتعلم…”
“لقد تعلمتَ ما يكفي.” قال رايان بابتسامة. “وبما أنك ربحت اليانصيب الكوني مرة، يمكنك شرب الإكسير ثانيةً. أنت وحدك من جعل تعدد الإكسير ممكنًا!” حسنًا، تقنيًّا كان يمكن لأيٍّ منهم ذلك بعد اكتشاف العلاج، وقد أثبتت التجارب على أسرى عصابة الميتا نجاح الطريقة.
ومع ذلك، كان رايان يفضّل أن يبقى العميل السري فرانك سايكو كما هو.
“لكن… ماذا لو حصل الباندا هذه المرة على قدرةٍ سخيفة؟” سأل تلميذه بجدّية مضحكة. “الباندا… الباندا لا يريد أن يكون بلا فائدة.”
“لم تكن عديم الفائدة أبدا.” قال رايان بحزم، فرفع الرجل–الدبّ نظره نحوه وقد لمعت عينيه بالأمل. “أ-أبدا؟”
“أبدا.” أكّد رايان بابتسامةٍ مطمئنة. “والإكسيرات تحقق الأمنيات، وإن لم تتقن التنفيذ دومًا. إن كنتَ تريد أن تتعلّم، فلا سبب يمنع الإكسير الأزرق من الإصغاء إليك.”
تساءل رايان فجأة عمّا كانت أمنية البعوضي حين شرب إكسيره. لا بدّ أنه صاغها بأسلوبٍ رديء.
“أنا… كنت أتمنى أن أُحَبّ حين شربتُ الإكسير.” اعترف الباندا بخجل. “أن ينظر إليّ الجميع بإعجاب.”
“وقد تحقق ذلك، لكن ليس بفضل قوّتك.” رفع رايان يده المعدنية ووضع سبّابته على صدر تلميذه. “بل بفضل هذا.”
“الـ… القلب؟”
“تعرف ما الذي أعجبني فيك أكثر من أي شيء آخر؟” قال رايان بنبرةٍ دافئة. “أنك، رغم كل ما مررتَ به، ما زلتَ متفائلًا ومصممًا كما كنتَ منذ اليوم الأول.” وفي داخله رأى الموصِّل نفسه في تلميذه. “قصتك المأساوية كانت من أحلك ما سمعت، وقليلون فقط من يخرجون منها دون أن يفقدوا براءتهم. وذلك… يحتاج إلى قوّة حقيقية.”
يبدو أن كلماته أصابت موضعها في قلب تلميذه، إذ كفّ عن قضم أظافره وأومأ لنفسه بثقة. “شكرًا يا سيفو.” قال باحترامٍ خافت.
رفع رايان إبهامه مشجّعًا، بينما أخذت لين وبيانكا أماكنهما حول عرش الآلة.
“أتمنى أن يكون هذا يستحقّ العناء.” تمتمت بيانكا وهي تتأفف بينما يضع ألكيمو الخوذة على رأسها. “لم أعمل سنوات كغيمةٍ حيّة لأحظى بإجازةٍ قصيرةٍ كإنسانة. هذه ليست وظيفة دوامٍ جزئي!”
“حالُك أكثر الحالات غموضًا.” حذّرها ألكيمو. “تركيبتك الكيميائية الفريدة تجعل نقلكِ مغامرةً بخمسين بالمئة.”
“سينجح الأمر.” قالت لين وهي تغمض عينيها، وقد أثقلت الخوذة على رأسها. ومع خبرتها في حلقتين زمنيتين سابقتين، صارت شبه معتادة على الإجراء. “لا بدّ أن ينجح.”
اتبعاهما فيليكس وشراود، رغم أن حبيبة الأخير عانقته قبل أن يُدخل رأسه في الخوذة. “كيف يقولها الكهنة؟” تساءل رايان وهو يراقب الفريق يرتدي التجهيزات. “حتى يُفرّقنا الزمن؟”
“وعدتُ أني… أياً يكن ما سيحدث في المرة القادمة…” تنحنح شراودي ماتّي قليلًا، وصوته يرتجف بين الجدّ والحياء. “أن أفعلها كما يجب.”
“تفعل ماذا كما يجب؟”
“أن أواعدها.” قالها بصراحةٍ غير معتادة. “لا مزيد من العمل السرّي خلف ظهرها، ولا أكاذيب. سأكون صريحًا منذ البداية.” زفر شراود بعمق، ورغم ذلك لاحظ رايان ابتسامةً رقيقةً عند طرف شفتيه. “أياً كان الطريق الذي سيقودنا إليه.”
“سنصل إلى روما الجديدة بأسرع ما يمكن، إن طلب شراود ذلك،” قال ليو بعد أن ثبّت زميله في مقعده، “لكن بعد بضعة أيام.”
تدخّل السيد ويف بلهجته العلمية الجافة: “في الثامن من مايو كان السيد ويف منشغلًا بقتل النازيين.” ثم أضاف بهدوءٍ تام: “نازيين أوندد. طردُ الرايخ الثالث يستغرق وقتًا… حتى بسرعة الضوء.”
إذًا لن يشاركا في اقتحام المخبأ. لم يُفاجأ رايان؛ كان يتوقّع ذلك أصلًا.
وبينما كان السيد ويف يثبّت خوذة فيليكس بيديه، اقترب شروق الشمس من الموصّل وهمس: “الورقة الرابحة التي ستمكّنك من التفوّق على أوغستس… وربما من هزيمة غايست أيضًا…” رفع حاجبيه. “مصدرها العالم الأسود، أليس كذلك؟”
“أحمل في يد قوةَ الأكثرية، وفي الأخرى قوّةَ الأقلية.” أجاب رايان بثقةٍ ساخرة.
“لا أفهم هذه النكتة.” قال شروق الشمس بجدّيةٍ مطلقة. “عندما قاتلنا ميكرون آخر مرة، فتح بوابةً إلى العالم الأزرق محاولًا تعزيز قوّته… أو هكذا ظنّ. لكنه تواصل بدلًا من ذلك مع مكانٍ أكثر ظلمة.”
“العالم الأسود؟”
“ذلك المخلوق الذي خرج من البوابة دمّر ميكرون محقًا إياه تمامًا، وكاد يمحو معه مدينة سراييفو بأكملها. لم يكن في فعله شرّ، بل فضولٌ عابث فحسب.” تنهد شروق الشمس. “ما أريد قوله هو: إن كانت تلك الكيانات قادرةً على خرق السببيّة وتدمير واقعنا عن غير قصد، فربما لقوّتك أنت آثار جانبية لا يمكن التنبؤ بها. عليك استخدامها باعتدال.”
“كلّ ما عداها فشل في إيذاء أوغستس.” أجاب رايان، وقد تذكّر كلمات حبيبته: كل ما عداها سيفشل أيضًا. “ورأيتَ أنت بنفسك ما يحدث عندما لا يُحبس البرق في قارورته.”
“لكن موت أوغستس لا يستحقّ أن نخاطر من أجله بعالمنا، مهما كان يستحق العقاب.” قال ليو محذّرًا، وذراعاه متشابكتان. “لكنني أظنّ أن القرار في النهاية لك.”
“سآخذها بعين الاعتبار، أعدك.” قال رايان وهو يشبك يديه معًا. “تعلم، أنا سعيد لأنك لا تحاول دفعي بقوّة للانضمام إلى سيرككم، واستغلال قدرتي لصالحكم.”
ابتسم شروق الشمس بنظرةٍ طيبة: “أنا لا أؤمن بإجبار أحدٍ على الانضمام إلينا. الإخلاص الحقيقي لا يولد إلا حين يُمنح بحرية.”
تنهّد رايان في نفسه. فارسٌ لامع في درعٍ ذهبيّ… مجرد النظر إليه كفيل بجعل القلب رقيقًا.
“نحن جاهزون للبدء، أيها الأكياس اللحمية.” أعلن ألكيمو ببرودٍ وهو يعبث بلوحة مفاتيحه.
وأخيرًا جلست ليفيا إلى يسار حبيبها مباشرة. مدّت يدها نحو يده، وأقسم رايان أنه شعر بحرارة أصابعها رغم الفولاذ الذي يغطي درع ساتورن.
“قلِق؟” همست ليفيا.
“لا.” أجابها وهو يضغط على أصابعها. “انتظرتُ سبع عشرة حلقة لأصل إلى هذه اللحظة.”
توقّف الزمن حين فعّل قدرته، وبدأت العملية. تكوّنت حوله جسيمات بنفسجية امتزجت بسوداء، تتكاثر بسرعةٍ مذهلة. لمح رايان في لمحةٍ خاطفة أذنيْ أرنبٍ أبيض ترتفعان خلف كتف ألكيمو… قبل أن تبتلع الجسيماتُ العبقريَّ المتذمّرَ هو الآخر.
توقّع رايان أن يعود إلى الماضي فورًا، لكن المفاجأة أنّ الظاهرة لم تتوقف. ازدادت جسيمات التدفق البنفسجي حوله حتى أعمت بصره عن الواقع، وطغت شدتها حتى على البقع السوداء المتناثرة بينها.
ثم انشقّ الحجاب البنفسجي إلى نصفين… نافذةً تُطلّ على الزمن والفضاء معًا. ومن خلال تلك الفُتحة، لمح رايان ومضاتٍ من عالمٍ بنفسجيٍّ خالص، وظلًا مثلثًا يتحرّك نحوه ببطء. أخذ الشكل يتّضح أكثر، حتى ظهرت عيونٌ غريبة في داخله، يشتعل في أعماقها نورُ نجومٍ متقدة.
كان هرم المتنورين يحدّق في الموصِّل بنظرةٍ كونيةٍ باردة… ثم اختفى كل شيء.
□■□■□
وعاد الثامن من مايو من جديد. وربما… للمرة الأخيرة.
قاد رايان سيارته فورًا عبر شوارع روما الجديدة متجهًا نحو حانة رينيسكو. بات الطريق مألوفًا له كراحة يده.
ورغم أنه لا ينصح أحدًا بتقليده، أمسك المقود بيدٍ واحدة وهاتفه بالأخرى. وما إن بلغ منتصف الطريق حتى بدأت رسائل التهنئة تتوالى على شاشته:
[رقم مجهول: عدتُ يا سيفو، عدتُ!]
[رقم مجهول: في طريقي إلى ساحة الخردة يا كويك سيف.]
[رقم مجهول: لا أصدق أنك كنت تقول الحقيقة. سأصل إليك بأسرع ما يمكن.]
[رقم مجهول: أنا هنا… يا فارسي.]
تيمي، ماتياس، فيليكس، و… ليفيا.
أما لين، فقد أعلنت حضورها على طريقتها، إذ استولت على موجة الراديو الزمني ما إن فعّله رايان: “ريـري، وصلت. أشعر ببعض الدوخة، لكن… لكني هنا.”
“والآخرون أيضًا.” أجابها رايان بفرحٍ غامر. “نجحنا!”
لقد استغرق الأمر قرونًا من المحاولات، لكن الموصِّل أخيرًا… وسّع خدمة البريد الزمني!
الشخص الوحيد الذي لم يرسل رسالة كان بيانكا، وبالنظر إلى مكانها الحالي، لم يكن بوسعها ذلك أصلاً. تمنى رايان أن تكون عملية النقل قد نجحت معها أيضًا.
“سأتكفّل أنا بـغول، وألتقي بالآخرين، ثم نهاجم المخبأ من الباب الأمامي.” قال رايان لصديقته العزيزة. “انتظري عند الباب الخلفي، وخذي معك مسدس الماء. حان وقت إغراق سايساي مجددًا.”
“بكل سرور.” أجابت بابتسامةٍ خفيّة. لم تنسَ بعدُ هجمات عصابة الميتا المتكرّرة على ميتمها. “احترس يا ريـري… وحظًا طيبًا.”
“وأنتِ كذلك يا قصيرة.” قال الموصِّل قبل أن يسود الصمت على الطرف الآخر.
وبما أنّ عدّة أشخاص نجحوا فعلًا في العودة بالزمن، فقد حان الوقت لاختبار نظرية ليفيا. إن قام رايان بالحفظ الآن، سيتمكّن من تثبيت ذكريات حلفائه من الحلقات السابقة، حتى لو انتهت هذه قبل أوانها. عادةً ما كان يعتبر ذلك مخالفةً جسيمة لقواعده، لكنّه خرقها كلّها منذ زمن طويل… فما المانع من خرقٍ إضافي؟
جمّد الزمن، وترك الكون يغمره الأرجوان. توقفت السيارة وسط الطريق، ومعها كل المركبات الأخرى.
مرّت ثانية، ثم ثانيةٌ أخرى. حبس رايان أنفاسه وعدّها في صمت… منتظرًا العدّ التنازلي الأخير.
ثم شعر بقوّةٍ مضادّةٍ تدفعه بعنف، واستأنف الزمنُ سيره… قبل أن تبلغ العدّةُ العاشرة.
كاد رايان أن ينحرف عن الطريق من شدّة الصدمة، لكن مهارته المصقولة عبر مئات الحلقات الزمنية مكّنته من استعادة السيطرة على السيارة بسرعة.
حاول الموصِّل أن يحفظ مجددًا، لكن المشهد تكرّر كما هو؛ توقّف الزمن حتى العاشرة، ثم استأنف حركته من تلقاء نفسه قبل أن يُثبَّت الماضي. تسلّل بردٌ مرعبٌ إلى عموده الفقري، ومعه الحقيقة المروّعة:
لم يستطع الحفظ.
لماذا؟! هل تداخلت قوته السوداء مع البنفسجية؟ أم أن الخيميائية عبثت بقوّته قبل أن تموت؟
تجمّدت أنفاسه من الخوف. إن لم يكن قادرًا على الحفظ… فهل سيبقى عالقًا إلى الأبد في هذه المدينة؟ يعود كل مرة إلى الماضي دون أن يستطيع الموت أو المضيّ قُدمًا؟
خرج صوتٌ من الراديو الزمني، لكنّه لم يكن صوت لين.
كان صوت ليفيا.
{ما الفرق الذي يمكن أن تصنعه عشر ثوانٍ؟} قالت حبيبته، بصدى من الحلقة الزمنية الماضية.
{الفرق كبيرٌ على نحوٍ مدهش.} أجابها صوت غايست، ببرودٍ يوازي شواهد القبور.
ثم جاء صوت فيليكس، ساخرًا من حلقة زمنية بعيدة:
{إذن، أنت لا تعرف كل شيء بعد.}
اشتدّت قبضة رايان على المقود. لقد مرّ بموقفٍ مشابه من قبل، حين حاول التواصل أول مرة مع الكيان الأسمى البنفسجي. آنذاك، كانت أصداء الماضي ترشده هو ولين في طريقهما لاكتشاف تقنية نقل الوعي.
على الرغم من أنه لم يكن بإمكانه إجباره على إعادة التحميل، فإن إكسير ريان كان قادرًا على منعه من الحفظ، تمامًا كما حدث في موناكو. فعل ذلك حينها ليمنعه من أن يُغلق على نفسه في مكانٍ بلا مخرج، ويُفسد بذلك كلّ الحلقات القادمة.
فهل يتكرّر الأمر الآن؟ هل تجاهل رايان تفصيلًا يجعل الحفظ في هذه اللحظة خطرًا، فقرّرت قوّته التدخّل من تلقاء نفسها؟ هل كانت هذه النهاية المثالية محكومةً بالفشل منذ البداية؟
وجاءه الجواب… بصوته هو.
{يقول البعض إن عليَّ أن أُواصل.}
صدى كلماته تردّد في الجهاز، ثم تحوّل إلى صوت فورتونا:
{قوّتي سترشدنا إلى النصر!}
زفر رايان بسخرية. “كم أكره أن يوجّهني السيناريو بالقوّة.”
ثم سمع صوت سيمون يهمس مشجّعًا:
{لا تُرهق ظهرك وأنت تتسلّق التلّ.}
ثم ساد الصمت.
حسنًا إذًا…
عليه أن يُكمل هذه الحلقة حتى نهايتها، ويرى ما ينتظره في الختام.
أوقف سيارته أخيرًا قرب حانة رينيسكو. وأثناء انتظاره وصول الأب العظمي المفضل لديه، رنّ هاتفه بنغمةٍ مألوفة. رفعه فور أن رأى اسم المتّصلة: ليفيا.
“حبيبتي؟”
“فارسي، أين أنت؟”
“في طريقي إلى الحانة.” أجابها. “هل كل شيء بخير؟”
“لا.” ردت بسرعةٍ وذعرٍ واضح، ما جعله يتجمّد في مكانه. “هناك خطبٌ ما.”
توتّر رايان في الحال. هل استولى سايساي على عقل لين من جديد؟ أم أنّ واحدةً من عمليات النقل فشلت؟ “ما الذي يحدث؟”
لا أستطيع رؤية غايست بعد الآن.”
رمش رايان خلف قناعه، بينما لمح في تلك اللحظة غول المقنّع يقترب من الحانة عند الزاوية المقابلة.
“لا أعلم، كان بخير قبل دقائق، ثم اختفى بلا أثر. حاول باخوس الاتصال به مجددًا، دون جدوى. كأنه…”
“… كأنه رحل عن هذا العالم.” أكمل رايان عنها.
تذكّر تحذير داركلينغ: قوّته السوداء تتغذّى على الوقائع الممحوة والتناقضات الزمنية، وكل استخدامٍ لها يزيدها تغوّلًا على الواقع.
حلقتان زمنيتان فقط… كفتا لجعل قوته السوداء قوية بما يكفي للتأثير رجعيًا على الماضي نفسه.
وهذا يعني أنه إن قتل أحدًا بها — حتى أوغستس — فقد يُمحى من الوجود نفسه.
“رايان… ماذا فعلت؟” سألت ليفيا بصوتٍ نصفه خوفٌ ونصفه ذهول. “لا أستطيع رؤيته بقوتي.”
“لستُ متأكدًا، أميرتي.” اعترف رايان بصوتٍ متردّد. هل كانت النتائج دائمة؟ أم ستتلاشى مع الحلقة التالية؟ هل لهذا السبب لا يستطيع الحفظ؟ هل قوّته السوداء تعيق الأخرى؟ أم أنها بدأت تمزّق الخطّ الزمني ذاته؟
كان شروقُ الشمس مُحقًّا: لم يكن رايان يفهم قوته كما ينبغي.
“نمضي بالخطة كما هي الآن،” تمتم الموصِّل. “كل ثانية لها ثمن. سنرى ما قصة كاسبر لاحقًا.”
“أنا… نعم، معك حق.” تنحنحت ليفيا. “سأتوجّه إلى ساحة الخردة مع فورتونا. أراك قريبًا.”
“أراك قريبًا،” ردّ رايان بودّ، وأنهى المكالمة في اللحظة نفسها التي دخل فيها غول إلى الحانة.
تبا—الحلقة بالكاد بدأت، وها هو مضطر لتعديل توقيته!
أعاد الهاتف إلى جيبه، ضغط دواسة البنزين بكل ما أوتي، وافتتح حلقته المثالية بتحطيم سيارته في ظهر غول.
ولسببٍ ما لم يفقد هذا المشهد بريقه قط.
تحطم جدارُ المدخل تحت صدمة الـبليموث فيوري، وارتطم غول بالأرض رأسًا على عقب. تراجع النادل خلف المنضدة، وتعالت صرخاتُ الزبائن وهم يفرّون.
ترجّل رايان بهدوء، اتجه إلى صندوق السيارة، التقط الحقيبة التي استؤجر لتسليمها، ثم عبر الحانة كطفلٍ يقتحم متجر حلوى.
“سأتصل بالأمن الخاص!” صاح رينيسكو من وراء المنضدة.
“لا تقلق، إنها خدمة البريد!” ردّ رايان، ثم هَوَى بالحقيبة على جمجمة غول وهو ما يزال مترنّحًا. “جئتُ أُسلِّم البريد!”
“اخرُج من حا—” لم يُكمل رينيسكو، إذ رمى رايان الحقيبة على المنضدة ومعها رُزمة سميكة من اليورو.
“كويك سيف يوصل دائمًا… مهما تكررت المحاولات،” قال رايان، ورينيسكو يَعُدُّ المال بسرعة ولا يكاد ينتبه للحقيبة. “ولدينا تأمين ممتاز ضد أضرار الممتلكات.”
“تكفي لإصلاح الخراب،” قال رينيسكو، قبل أن يطلّ من فوق المنضدة نحو غول المدوّخ. “وماذا عنه؟”
“لا تشغل بالك بهذا الكيس العظمي،” قال الموصِّل عابثًا وهو يرمي نظرةً على مفضّله من الأوندد. حاول غول النهوض مستخدمًا كرسيًا كعكّاز، لكن رايان ركل الكرسي بعيدًا بلطف. “مجرد حزمةٍ مجانية مع التوصيل.”
“من أنت؟” خَرَج صوتُ غول مبحوحًا، وقد نجح بالكاد في النهوض إلى نصف قامة.
ربما تكون هذه آخر حلقة يعبث فيها الموصِّل بلُعبته العظمية المفضلة؛ والآن هو الوقت الأمثل لتفريغ التوتر. وبما أن حبيبته حظرت عليه حلقات الانتحار الترفيهية المعتادة، قرّر أن يستمتع بما استطاع.
سيفرّغ كل التوتّر… ليبدأ حلقته المثالية مرتاحًا، هادئًا، ومتّزنًا.
أتعلم يا غول، قد تكون هذه آخر مرة نتكلّم فيها بقلوبٍ صادقة، فاعتقدت أن من اللائق أن أخبرك بما في صدري.”
أخذ الموصِّل نفسًا عميقًا.
“كنت تقريبًا بمثابة لويجي بالنسبة لي.”
أمسك رايان جمجمةَ الأوندد على حين غرّة.
“ولهذا سأرسلك إلى الفضاء!” أعلن بعينين تلتمعان بجنون. “ستركب صاروخًا يا غول! سأحشوك في صاروخ ونسميه جيف! ستذهب إلى الفضاء، يا غول—الفضاء! الحدودُ الأخيرة للعظام والبشر!”
“ما الذي ته—” ركل رايان لعبته العظمية في ساقه وأفلت الرأس، فتهاوى على الأرض.
“سأبعثك إلى المرّيخ… أو إلى بلوتو—ولا يهمّني رأي الآخرين—فهو ما يزال كوكبًا!” واصل رايان هذيانه، وقد بدأ الفزع يتسرّب إلى قلب السايكو؛ مما زاد حماس الموصِّل. “كرويّ ويدور حول الشمس، وفيه قاعدة فضائية! يدفعون أجورهم بالصدَف، ويقودون صحونهم الطائرة كأنهم لِمنغز ثملون—تلك القوارض الانتحارية—وهم عميو ألوان، يا غول، عميو ألوان!”
حاول غول الزحف هاربًا؛ قبض رايان على ساقه وجرّه نحوه، ثم تقدّم على أربع حتى غزا مساحته الشخصية.
“ستكون أوّل جثّةٍ في الفضاء، يا غول! أوّل رائدٍ أوندد في الكون بأسره!” صار صراخه يقرع أذن بديل لويجي مع كل كلمة. “لكن قبل المهمة… ستتمرّن مع هنرييت! ستقضمك، وتُعمِّد جمجمتك صندوقَ فضلاتٍ لها! وسيصير ذلك بك قوّيًا… قويًا كروّاد الفضاء الروس! ولين ستعجب بالفكرة، لأننا بذلك نُصدِّر الشيوعية إلى ما وراء مجموعتنا الشمسية!”
انكمش غول في مكانه، مستوعبًا أن الكابوس لا يزال في بدايته.
“ستُضاجع المريخيين، يا غول!”
☆☆☆☆☆
اللمنغز أو اللاموس: اشتهر هذا الحيوان خطأً بالاعتقاد الشائع بأنه ينتحر عمداً عندما يهاجر بأعداد كبيرة ويرمي نفسه في البحر. هذا الاعتقاد غير صحيح؛ فما يحدث فعلياً هو أن أعداداً كبيرة منها قد تصل إلى حافة الماء وتفشل في عبور الأنهار أو المسطحات المائية الكبيرة، أو تُصاب بالارتباك والفزع، مما يؤدي إلى غرقها.
