النهاية المثالية: الفصل 98

ليلة بلا نوم

الفصل 98: ليلة بلا نوم

 

وجد رايان ليفيا بانتظاره عند موتيل الأراضي الميتة.

 

قاد سيارته الـ بليموث فيوري إلى مكان اللقاء بعد أن أصلحها إثر ما دمّرتها لاند، غير أنه اضطر إلى إغراقها بالعطر ليخفي عنفوان رائحة مقبرة الخردة. أما هو، فاستبدل ثيابه المعتادة بسترة سوداء أنيقة وقميص بولو أرجواني تحتها، بلا أي لون فاقع؛ لو رآه داركلينغ لأُعجب به حتمًا.

 

كم كان مؤسفًا أنه لا يستطيع مداهمة مصنع الكشمير التابع لديناميس من غير أن يضع الشركة في حالة استنفار أو يشعل حربًا مع الأوغُستي. ولم يكن بوسعه أيضًا أن يستخدم ناسخ المادة عند ميكرون قبل أن يتمكّن ألكيمو من كسر قيود النظام.

 

بطبيعة الحال، كان يمكنه دومًا أن يشتري بدلته، لكن بدلة الكشمير لا تُشترى. بل تُنتَزع، بالقوة أو بالدهاء.

 

أما ليفيا فقد بذلت جهدًا في مظهرها لم يره رايان منها من قبل. ارتدت فستانًا بلا أكمام وأساور ذهبية، جوارب سوداء مع حذاء أحمر بكعب عالٍ، وأقراطًا ذهبية. زيّنت شعرها الفضي المتدفق على ظهرها بوردة قرمزية جميلة، ورسمت حول عينيها كحلًا أسود أبرز صفاء زرقتهما. ورغم أنها لا تضاهي صديقتها المقربة فورتونا في مجال الجمال، فإن رايان وجدها فاتنة بحق. أميرة حقيقية.

 

لم تكن قد رأته بعد بسبب عتمة المكان، فوقف يراقبها من بعيد للحظة. كانت تنتظر في موقف السيارات ويديها متشابكتان، تتحرك بتوتر في مكانها ثم تطلق زفرة طويلة ثقيلة كأنها تحاول تهدئة نفسها.

 

لم تكن قد رأت كيف سينتهي الموعد… وذلك ما جعلها قلقة.

 

قاد رايان سيارته نحوها، منهياً عذابها الصامت. ما إن لمحته ليفيا حتى عدّلت ملامحها فورًا، ورسمت ابتسامة دافئة ترحيبًا بقدومه.

 

“هل طلبتِ عربة يقطين[1] يا أميرة؟” سألها الموصّل وهو يوقف السيارة أمامها.

 

“وهل ستتحول عربتك إلى خضار عند منتصف الليل؟” مازحته وهي تجلس إلى جواره. كان عطرها يحمل نفحات الورد والفراولة. “هذا يعني أن أمامنا ثلاث ساعات فقط.”

 

“ليفيا، أنا قادر على السفر عبر الزمن. بوسعي أن أجعل الثلاث ساعات تدوم عمرًا كاملًا.”

 

“لا أشك في ذلك،” أجابت وهي تغلق باب السيارة خلفها. “لكنني أفضل أن تعيدني إلى المنزل قبل الثانية صباحًا، وإلا قد يغضب والدي.”

 

“ألم تعيشي ليلة ساهرة في الخارج من قبل؟” سألها رايان مازحًا وهو يقود عبر شوارع روما الجديدة. “يا للعجب، لقد حان الوقت حقًا لأدخل حياتك.”

 

احمرّ وجه ليفيا قليلًا من الخجل. “لم أكن معزولة إلى ذلك الحد،” احتجّت. “بقوتي كان بوسعي أن أعيش لحظات جامحة بالنيابة، من غير صداع ولا خمول ولا تبعات مزعجة.”

 

“المشاهدة ليست كالعيش.”

 

“صحيح، لكنني لا أستمتع بالحفلات كثيرًا،” اعترفت. “أفضل اللحظات البسيطة مع بضعة أصدقاء. كلما ازدادت الجموع حولي، اشتطّت قوتي أكثر من اللازم. تفاعلات كثيرة دفعة واحدة.”

 

“كانسل تمنع رؤاكِ؟” سأل رايان، فأجابته رفيقته بهزّة رأس قصيرة. “إذن يمكنكِ قضاء وقت معها دائمًا.”

 

هزّت ليفيا رأسها نافية. “لا أحب غريتا. تلك المرأة قادرة على كل شيء. يمكنها أن تكون عنيفة ببشاعة مثل آدم الغول، لو وجدت الدافع.” عقصت ابنة مؤخرة البرق حاجبيها، فيما كانا يقتربان من الطريق السريع حيث خاض رايان وفيليكس ذات مرة مطاردة مع عمتها بلوتو. “إلى أين نحن ذاهبان؟”

 

“إلى مكان بعيد،” أجاب رايان.

 

رمشت بدهشة. “بعيدًا عن المدينة؟”

 

“فكرتُ أنكِ على الأرجح زرتِ كل مطاعم روما الجديدة، إمّا مباشرة أو بقوتك. لكن هناك مكانًا واحدًا واثق أنك لم تزوريه من قبل.”

 

“على بُعد ساعة بالسيارة من روما الجديدة؟” سألت متشككة، قبل أن ترتسم على وجهها ابتسامة ماكرة. “أستبعد ذلك. إلا إذا… إلا إذا كنتَ تنوي أن تأخذني خارج المدينة لتفتك بي في البرية؟”

 

“هل جلبتِ معك حزام العفّة؟ لقد مضى وقت طويل منذ أن فتحت واحدًا.”

 

ارتسمت على شفتي ليفيا ابتسامة ماكرة لعوبة؛ لم تكن الفتاة بريئة كما تحاول أن تبدو. “لو سمعك أبي، لصعقك في الحال.”

 

“لدي مانع صواعق في صندوق السيارة. هل يعلم والدك أنكِ تجلسين في سيارة مع موصّل وسيم؟” ابتسامتها المفعمة بالمكر كانت جوابًا كافيًا. “وهل يسمح لكِ بمواعدة أي أحد أصلًا؟”

 

“فقط أحد الأوغُستي. أبي لا يثق بأي شخص من خارج العشيرة. لم يكن ليسمح لفيليكس بالاقتراب مني مجددًا، حتى لو…” تحوّلت ابتسامتها الخجِلة إلى مُرّة.

 

“إذن أنتِ تعصينه ونحن نتكلم الآن؟” تأمل رايان، محاولًا أن يبعدها عن ذكرياتها السيئة. “أنتِ تعيشين حياة خطرة.”

 

قهقهت رفيقته ردًا، فعدّها رايان إشارة طيبة. “ليست خطرة بقدر حياتك. والحق يُقال، أنت أول من تجرأ على طلبي للخروج أساسًا. أغلب الرجال كانوا خائفين جدًا من مجرد المحاولة.” نظرت إليه بحرارة. “وذلك من الأشياء التي أحبها فيك يا رايان. أنك تجازف بكل شيء.”

 

“لم ترِ شيئًا بعد،” أجاب وهو يضغط على دواسة الوقود. “هل حزام الأمان مربوط بإحكام؟”

 

“نعم، إن…”

 

شهقت فجأة، إذ انطلقت البليموث فيوري على الطريق السريع. مئة كيلومتر في الساعة تحولت إلى مئة وخمسين، فيما غيّر رايان موجة الراديو الزمني لتصدح بموسيقى فيلم ماد ماكس 2. اجتازا سيارتين، منتهكين كل قوانين السلامة المرورية.

 

“توقف!” توسلت ليفيا فيما السرعة لا تزال تتصاعد، واضعة يدها على ذراعه. صرخت حين مرّا بجوار سيارة أخرى عن قرب شديد حتى كادا يحتكّان بها؛ صحيح أنها استطاعت استشعار السيارات القادمة، لكنها لم تستطع أن تستبق كيف سيتصرف رايان تجاهها ــ أو إن كان سيتصرف أصلًا. “توقف أيها المجنون!”

 

“لا تجربوا هذا في بيوتكم يا أطفال!” صاح الموصّل، مستخدمًا ومضات قصيرة من إيقاف الزمن ليتفادى الاصطدام ببقية المركبات.

 

تحوّلت صرخة ليفيا المذعورة إلى ضحكة، فيما كان الأدرينالين يتدفّق في عروقها والبليموث فيوري تبلغ أقصى سرعتها. كان رايان قد عدّل سيارته لتتجاوز الثلاثمئة كيلومتر في الساعة، وعند هذه الوتيرة غدا العالم من حولهما مجرد لطخات ضبابية. السيارات الأخرى تحوّلت إلى بقع من الألوان، والطريق السريع أمامهما صار نفقًا من الضوء.

 

لو أن رايان قد قاد البليموث فيوري بدل الباندا موبيل عندما جاءت بلوتو تطلب رأسه، لما استطاعت كرويلا أن تقترب شبرًا واحدًا من سيارته.

 

وحين شعر أنهما باتا على مقربة من وجهتهما، ضغط رايان زرًا خفيًا. فانفتح غطاء المحرّك ليكشف عن جهاز عبقري، رأسُه أشبه بمسرّع جسيمات. انطلقت منه كرات ضوء صغيرة، تشدّ نسيج الواقع وتفككه.

 

“هل شاهدتِ العودة إلى المستقبل؟” ابتسم رايان بمكر نحو ليفيا.

 

أجابته بصرخة جمعت بين الذعر والنشوة، إذ ابتلعت الجسيمات بليموث فيوري. تساقطت النجوم من السماء مطرًا من الضوء، والواقع نفسه أخذ يتبدّل من حولهما.

 

امتدّ الفضاء حتى تفتّت، وخرجت السيارة من الجهة الأخرى.

 

ضغط رايان على المكابح، فانطفأ الجهاز. خرجت بليموث فيوري من سحابة جسيمية لتهدأ سرعتها تحت سماء غريبة، على طريق سريع بلا سيارات.

 

أطلقت ليفيا زفرة طويلة وهي تستعيد أنفاسها بعد اندفاع الأدرينالين. حينها فقط لاحظ رايان أن يدها اليسرى كانت تعتصر يده اليمنى بشدّة؛ لا بد أنها أمسكت به غريزيًا حين بلغا السرعة القصوى.

 

مرّر رايان إبهامه برفق على أصابعها الدافئة، فبادلت قبضته بضغط أشد.

 

“أأنت بخير؟” سألها الموصّل. بدلًا من أن تجيب، سحبت يدها من يده وصفعته على مؤخرة رأسه. “آخ!”

 

“أيها المجنون…” ضحكت ليفيا بضحكة عصبية، وقد بدأ التوتّر يتلاشى. “كان ذلك جنونيًا يا رايان.”

 

“سيتعين علينا أن نعيده ثانية في طريق العودة.”

 

“يا إلهي.” ابتسمت وهي تلتقط أنفاسها. “هل حصلتَ يومًا على رخصة قيادة؟”

 

“الآن، لا تسألي أكثر من اللازم.”

 

قهقهت ليفيا، ثم حدّقت عبر نافذتها. اتسعت عيناها وهي ترى العالم من حولهما.

 

رغم أنهما ما زالا على الطريق السريع، فقد غطّت السماء ليلاً شُفقيات بنفسجية. أضاءت الأضواء القطبية الشمالية ببريق النجوم، وداخلها تراءت صور لأماكن غريبة: بحار من الزئبق، سُحب من جليد عائم، وصواعق خضراء تجري في فضاء أسود خاوٍ.

 

كان الطريق السريع مقفرًا إلا من بليموث فيوري، ويمتد إلى ما لا نهاية. أما الأرض حوله فتحوّلت إلى صحراء حمراء، ومع ذلك كان يمكن رؤية طريق سريع آخر يلوح في البعيد. حتى الحرارة تغيّرت، من باردة إلى دافئة مريحة.

 

“ما هذا المكان؟” سألت ليفيا وهي تترجّل من السيارة، مبهوتة.

 

“مكان رقيق. شذوذ طبيعي في نسيج الفضاء، إن شئتِ.” تحرك رايان نحو صندوق السيارة حيث احتفظ بالعشاء. “أسميته الطريق عند منتصف الليل.”

 

“أرى أشخاصًا آخرين هناك،” قالت ليفيا، مشيرة إلى ظلّين على الطريق السريع الآخر.

 

“ذلك نحن.” رفع رايان يده، فقلّدته الصورة البعيدة على الطريق الموازي. “هل ترين؟”

 

“لا.” همست أميرة الأوغُستي والدمع يلمع عند طرفي عينيها. “لا، لا أستطيع أن أرى شيئًا.”

 

لم تكن تتحدث عن عينيها.

 

في النهاية جلسا على حافة الطريق السريع، وأقدامهما تتأرجح فوق الصحراء. قدّم رايان لليفيا علبة سوشي، وعيدان طعام لتأكل بها. “هل يطوي الفضاء نفسه؟” سألت بعد أن مسحت دموعها، وهي تحدق في الطريق الآخر الممتد في البعيد.

 

“أجل،” أجاب رايان، وفمه ممتلئ بالسمك. “يمتد الطريق لثلاثين كيلومترًا ثم يعود في حلقة. أما على الجوانب فالمسافة أقصر.”

 

“هل صنعتَ هذا المكان بنفسك؟” سألت ليفيا وهي تتذوق قطعة فوتوماكي بوجه يملؤه الفضول. “أم أن جينوم آخر بناه؟”

 

هزّ رايان رأسه. “إنه ظاهرة طبيعية، لكنك تحتاجين إلى تقنية عبقرية للوصول إليه. الأبعاد الملوّنة تعلو واقعنا، تتجاوز الزمان والمكان كما يفهمهما البشر، لكن هناك مجالات أخرى تمتد جانبًا أيضًا. وهي تسير على نفس مجرى الزمن الذي نعيشه.”

 

“إذن هذا كون بديل؟”

 

“لا أظن ذلك. الأمر أشبه… بكهف داخل جبل، إلا أن الجبل هنا هو واقع الأرض. مكان يطوي فيه الزمكان نفسه بسبب شذوذات جاذبية أو كهرومغناطيسية.” رفع رايان نظره إلى الشفق البنفسجي المتوهج فوق رأسيهما. “أعتقد أن هذا المكان قريب من العالم البنفسجي. أشبه بمجال حدودي بين كوننا والمفترق الأعظم لكل زمان ومكان.”

 

“لا أستطيع أن أرى شيئًا داخل الأبعاد الملوّنة… باستثناء الأزرق،” خمّنت ليفيا. “ولهذا لا أستطيع رصدك أيضًا، ما دمتَ موجودًا في بُعدين معًا.”

 

أومأ رايان، قبل أن يلاحظ أن رفيقته لا تبدو متحمسة لإكمال طبَقها. “ألستِ تحبين الطعام؟”

 

“آسفة…” ابتسمت ابتسامة محرَجة. “أكرهه.”

 

قفز قلب رايان فجأة. “أأنتِ تكرهين الطعام الياباني؟”

 

“لا أحب السوشي، لا.” هزّت ليفيا رأسها بخجل. “أعتذر.”

 

اللعنة، كان يعلم أنه كان يجب أن يختار الطعام الفرنسي! لا أحد يكرهه… سوى البريطانيين والأشرار حقًا.

 

“لكنني أحب المكان، وأقدّر المبادرة،” سارعت ليفيا إلى طمأنته حين رأت خيبة الأمل على وجهه. “هذا وحده يكفي لتعويض الطعام.”

 

“سأضطر إلى إعادة التحميل الآن،” تمتم رايان متذمّرًا. “الموعد ليس مثاليًا.”

 

“لا يا رايان، لا،” اعترضت ليفيا بجدية فورية. وضعت يدها على ذراعه وضغطت بقوة. “أرجوك، لا تفعل. إنما أستمتع بهذه اللحظة لأنها صادقة.”

 

“اهدئي، كنت أمزح،” مازحها رايان، وهو يمرر سبابته على خدها. فاحمر وجهها حتى ظهر خط قرمزي تحت عينيها. “مع ذلك، ابتسامتك قاتلة.”

 

انفجرت ليفيا بالضحك، وكادت تبصق طعامها من شدته. وصوتها أدفأ قلب رايان العجوز المرهق. “هل تنجح معك هذه الجملة حقًا؟” سألت مبتسمة بعرض.

 

“أكثر مما تتوقعين.”

 

“لكن ليس معي،” ردّت وهي تزيح يده. “ستضطر لأن تحاول أفضل من هذا.”

 

“قد تندمين. لقد اخترعت جُملاً غزلية قوية لدرجة أن بعض الدول حظرتها.”

 

تدحرجت عيناها استهزاء، لكنها تجرأت على تحديه. “إذن أثبِت العكس.”

 

بدلًا من أن يرد بالكلام، وضع رايان أطباق السوشي جانبًا، وأحاط خصر ليفيا بذراعيه. أطلقت صرخة دهشة صغيرة حين رفعها سريعًا وأجلسها في حجره. كان وزنها بالكاد يُذكر، وأقدامهما تتأرجح في الفراغ.

 

“رايان!” ضحكت ليفيا، وقد احمرّ وجهها إلى درجة جعلت الموصّل يتساءل إن كانت ستُغشى من شدّة الخجل. “لقد تماديت هذه المرة!”

 

“هيا، حضني أدفأ من خرسانة الطريق البُعدي.” أحاطها رايان بذراعيه يضمّها بقوة، ورأسها يستند إلى كتفه. “إلا إذا كانت جلالتكم تفضّل مقعدًا أرفع شأنًا؟”

 

“يجدر بي أن أُجلدك على وقاحتك، لكن لدي إحساس أنك ستستمتع بذلك.”

 

“أصبتِ يا سيّدتي.”

 

قهقهت أميرة المافيا بمرح، وقبلت عرش رومانو مقعدًا لها، وجلست بارتياح. استند ظهرها إلى صدر الموصّل، وشعر هو بخفقان قلبها السريع يتردّد تحت بشرتها. ورغم أن الخط القرمزي على وجه ليفيا قد تحوّل إلى حمرة خفيفة، إلا أن رايان أدرك أن الموقف جديد تمامًا عليها. فهي لم تواعد أحدًا سوى فيليكس، الذي لم يكن يومًا مرتاحًا للمس الجسدي كما كان الموصّل.

 

“هل تستطيع بلوغ هذه الأماكن؟” أشارت ليفيا بإصبعها إلى السراب الغريب في السماء، صورًا لعوالم غريبة لا تشبه الأرض.

 

“بعضها،” أكد رايان. “وأخرى أنوي زيارتها يومًا ما.”

 

“خذني معك حين تفعل،” قالت بنبرة أقرب إلى الأمر منها إلى الرجاء، ناطقة كملكة حقيقية. “تعويضًا عن تجاوزك الوقح.”

 

“وماذا لو واصلت ارتكاب الجريمة تلو الأخرى؟” مازحها.

 

“ربما أعاقبك… وربما لا،” ردّت بمكر، وهي تضع يديها على يديه. كانت دافئة مطمئنة الملمس، كما كانت ياسمين. “وكيف عثرت أصلًا على هذه الأماكن الرقيقة؟ هل تعثرت بأحدها صدفة؟”

 

“عرفت بوجودها حين كنت أبحث في فيزياء الجسيمات في سويسرا.” اقشعرّ رايان. “لا تذهبي إلى موناكو.”

 

“ما الذي يحدث في ذلك المكان؟” سألت بفضول. “قوتي لا تريني شيئًا عنه. سمعتُ أن من يذهب هناك لا يعود، لكنك قلت إنك عشت فيه حياة كاملة؟”

 

“جمبري وكافيار،” أجاب رايان بظلامة. وحتى الآن كان كلاهما يثير فيه ارتجاف ما بعد الصدمة. “جمبري وكافيار… إلى أن تعجز عن تحمّله.”

 

“هذا لا يفسّر شيئًا.” عقصت ليفيا حاجبيها، مستشعرة اضطرابه. “لقد وقع شيء في ذلك المكان. شيء جرحك بعمق.”

 

كانت غريزة رايان الأولى أن ينكر الحقيقة، لكن نظرتها الثابتة ثنته. “أنا…” تلعثم الموصّل، وهو الذي عاش مع هذا السر كصخرة مشدودة إلى كاحله، ككرة وسلسلة لا تنفك. لم يخبر به أحدًا قط، حاملاً صليبه عبر الزمن. لم يكن أحد ليفهم.

 

لكنها… ستفهم.

 

رأى ذلك في عينيها. لقد عاشت ليفيا حيوات كاملة عبر قوّتها، كما أخبرته من قبل. لم تستطع أن تدرك تمامًا ثِقَل ما يحمله، لكنها استطاعت أن تتصوره.

 

“قلت لك إنني قضيت هناك حياة كاملة،” باح رايان وهو يزيح الحمل عن صدره. “كنت أعني حياة كاملة.”

 

خمّنت ليفيا الحقيقة، فتحوّل وجهها إلى رعب وهي تضع يدها على فمها. “لا.”

 

أشاح رايان بوجهه نحو الصحراء الغريبة تحت الطريق السريع، دون أن ينطق بكلمة.

 

“ألهذا السبب تقول دائمًا إنك خالِد؟” رقّت عينا ليفيا بالشفقة. “هل تعرف لين؟”

 

“لا.” فقد كان على قصيرة أن تحمل ما يكفي من الأعباء على كتفيها النحيلتين، وأشباحها الخاصة بها. “أنت الوحيدة.”

 

“هل كنتَ…” عضّت العرافة شفتها السفلى، وكأنها تخشى أن تكمل. وفي تلك اللحظة بدت ليفيا لرايان شبيهة بلين إلى حد بعيد. كانتا تحملان القلب الطيب نفسه، رغم كل القسوة. “هل كانت لك… عائلة؟”

 

“أنا… لم أجرؤ قط،” اعترف. “لو كان توقيتي قد اختلّ بمقدار شعرة أثناء الحمل، لكان يولد طفل مختلف في كل حلقة. لم أكن لأحتمل ذلك. لا نفسيًا.”

 

“آسفة لطرحي هذا السؤال،” اعتذرت ليفيا. ثم أدارت رأسها، ورفعت يدها لتلمس ذقنه وتجعله يرفع نظره نحوها. “أنا…”

 

تعثرت العرافة تبحث عن الكلمات التي تواسيه… حتى وجدتها.

 

“رأيتُ حيوات أخرى كان يمكن أن أعيشها مع فليكس،” اعترفت ليفيا، وعيناها تنضحان حزنًا وندمًا. “نكبر معًا، ننجب أطفالًا. رأيتُ تلك الاحتمالات، لكنني لم أستطع أن أجعلها واقعًا. لن أتظاهر أنني أفهم ما مررتَ به، لأن…” أطلقت تنهيدة قصيرة. “لأن المشاهدة ليست كالعيش.”

 

“لكنّك تدركين عمق الألم.”

 

“نعم، أدرك.” مسّت يدها وجنته برفق. “لا يتوجّب عليك أن تعاني وحدك يا رايان. الآن… الآن لست مضطرًا لأن تعاني بعد. سأشاركك هذا الحمل، أعدك.”

 

“شكرًا.” أخذ يدها اليسرى وقبّلها برشاقة فارس. الآن وقد باتت إلى جانبه، أصبح رايان قادرًا على أن يحمل معه الآخرين عبر الزمن. أن يبني صداقات تدوم، وربما عائلة. الموصّل أخيرًا يستطيع أن يخلق مستقبلًا يرضى به. “وسأرد لكِ الجميل.”

 

“لقد فعلت بالفعل،” أقرت ليفيا، بنبرة أنهكها التعب كما أنهكه. “لقد حملتُ هذه القوة لما يقارب الخمسة عشر عامًا يا رايان. وصدقًا… لم أمضِ يومًا طويلًا بلاها منذ كنت طفلة. إنها… إنها منعشة، لكنها مخيفة أيضًا.”

 

“أتفهم ذلك. أشعر بالأمر ذاته كلما ظهرت كانسل في الصورة. قوتي قد تكون لعنة، لكنها تبعث على الاطمئنان.” في النهاية، كان إكسير رايان يحاول أن يساعد. لقد ظلّ الكيان إلى جانب صاحبه قرونًا، يشارك أعباءه وانتصاراته. “وقد استنتجت أن أجمل ما يمكن أن أقدمه لك… هو المفاجأة.”

 

“لقد كانت هدية رائعة.” صمتت ليفيا، محدّقة في الأفق الغريب. كان هناك ما يثقل خاطرها أيضًا.

 

خمّن رايان ما يدور في ذهنها. “رأيتِ أباك يشنّ حربًا في المستقبل.”

 

“رايان، هذه لحظة سعيدة. لا نكدّرها بأحزاني.”

 

“ظننت أنني سبقتك أصلًا بالاعترافات الكئيبة؟” قال وهو يشد قبضته على خصرها، ووجنته تلامس عنقها. “فلنكن صرحاء، لن نجد معالجين نفسيين أفضل من بعضنا.”

 

قهقهت ليفيا، لكن ضحكتها حملت مرارة. “نعم، رأيت ذلك،” اعترفت بقلب مثقل. “ذات ليلة حلمت أن فيليكس سيقتحم غرفتي ممتطيًا جوادًا أبيض، ليحملني بعيدًا عن هذه المدينة. كان حلم طفلة ساذجًا، لكنني تمنيت أن يتحقق يومًا ما.”

 

“أترضين بفارس في درع آلي؟” مازحها رايان. “الليزر هو السيوف الجديدة.”

 

“أتدري أن ديناميس تملك سيوفًا ضوئية؟” سألت بخفة. “ربما يجدر بك أن تخطف واحدًا. أزرق اللون.”

 

“وأنت تأخذين الأحمر، أيتها الملكة القرمزية؟”

 

“أنا أحب الجانب المظلم،” ردّت شريكته بمزحة مماثلة. “لكنني أفضل أن أراك إلى جانب الملائكة.”

 

“هيا، قضينا أمتع الأوقات في حلقة الميتا.” وإن كان ختامها أكثر قتامة مما توقّع.

 

“صحيح، لكن مهما حاولت أن تخفيه يا رايان، حقيقتك تتألّق. حقيقتك الطيبة، الرقيقة.” تلاشت ابتسامتها. “ما يخطط له أبي… سأوقفه، أعطيك كلمتي.”

 

“سأساعدك.”

 

“لقد فعلت، أكثر مما تدري. أكثر مما كان ينبغي لك أن تفعل.” نظرت ليفيا في عينيه. “لا يتوجب عليك المضي أبعد، رايان.”

 

“صحيح، لا يتوجّب عليّ،” أجاب وهو يبادلها نظرة عزم. “لكنني أريد.”

 

تلاقت أعينهما لدقائق بعدها، ورأى رايان مشاعر متعددة تتوالى في عيني ليفيا الزرقاوين: دهشة، تعاطف، فرح، امتنان… وشيئًا آخر. أعمق، وأشد.

 

“علينا أن نغادر،” قال رايان. “لقد تجاوزنا منتصف الليل.”

 

“ليس بعد،” ردّت رفيقته وهي تحدّق في السماء. “دعنا نبقَ قليلًا بعد.”

 

جلسا هناك في صمت مريح، يراقبان الشفق القطبي.

□■□■□

 

في النهاية أعاد رايان ليفيا إلى جبل أوغستس. أوقف السيارة أمام السور المحصّن الذي يطوّق التل، تمامًا مع دقات الساعة الثانية صباحًا. “في الموعد تمامًا يا أميرة،” قال الموصّل وهو يلقي نظرة على رفيقته الجينومية. “فما تقييمك لموعدنا؟ عشرة من عشرة؟ اثنا عشر ونصف إن غضضنا الطرف عن الطعام؟”

 

لكنها لم تجب. فقد قضت ليفيا كامل رحلة العودة صامتة، رأسها مستند إلى كفها، وعيناها شاردتان خلف النافذة. ربما كانت تندم الآن لأن قوتها الزرقاء عادت للعمل من جديد.

 

تنحنح رايان بخفة، وقد أحرجه الصمت. “ليفيا؟”

 

“أريد أن أريك شيئًا،” هزّت رأسها، وهي تحدّق عبر نافذة السيارة إلى كاميرا بوابة الدخول. وبعد دقيقة من الانتظار، انفتحت الأبواب أمامهما. “إن كنتَ ترغب.”

 

كان لدى رايان فكرة جيدة عمّا ينتظره، لكنه احتاج أن يتأكد. “أتعلمين أن أباك سيعرف؟”

 

نظرت ليفيا في عينيه، وفهم.

 

لقد اتخذت قرارها بسبب والدها، وهي واعية للعواقب.

 

إنه فعل تمرّد.

 

قاد رايان بليموث فيوري صعودًا نحو الفيلا في قمة جبل أوغستس. لمح الحراس يحرسون المكان، لكنه لم يلقِ لهم بالًا. وأخيرًا أوقف السيارة قرب مدخل البيت، ونزل منها برفقة ليفيا.

 

قادته الأميرة إلى الداخل عبر الباب الرئيسي، دون أن يتبادلا كلمة واحدة. كان البيت غارقًا في العتمة، لكنها عرفته كما تعرف كف يدها، فسارت به عبر ممرات مكسوّة بالرخام الأبيض. لقد صمّم مؤخرة البرق منزله كفيلا رومانية حقيقية، بهوس يكاد يكون مرضيًا بالتماثيل الرخامية والأعمدة.

 

أما رايان فلم يلتفت إلى ما حوله، فقد ثبتت عيناه على ظهر ليفيا وهي تمشي أمامه. رأى الارتجافات تسري على كتفيها العاريين، وجسدها يفيض قلقًا وتوترًا.

 

حتى وصلت به إلى غرفة ذات باب أحمر ضخم. توقفت لثوانٍ، أطلقت زفرة طويلة، ثم فتحته.

 

دخل رايان غرفة نوم تكاد تضاهي حجم شققه الفاخرة أيام عمله عند إل ميليوري. على خلاف بقية الفيلا، كانت الغرفة مزينة بطابع عصري: لوحات لمدن، وعائلات مبتسمة، وعجائب طبيعية تكسو الجدران، وبجانبها رفوف كتب مغبرة. نافذة معزَّزة تطل مباشرة على شرفة جميلة، وسرير ضخم يتكئ إلى الحائط.

 

جلست ليفيا بصمت على الفراش بعد أن أغلقت الباب خلفهما، وضمت يديها معًا. لم تواجه رايان، وعيناها معلقتان بالأرض. كان وجهها محمرًا، أنفاسها قصيرة، وتبدو وكأنها مذعورة من أن تطرح سؤالًا واحدًا.

 

تنحنح رايان. “ليفيا…”

 

“هل… هل تريد أن تقبّلني؟” سألت بخجل وهي ترفع نظرها إليه، تخشى ردة فعله.

 

التقت شفتاه بشفتيها، ولم تنطق بكلمة أخرى بقية الليل.

 

ولا هو أيضًا.

 

☆☆☆☆☆

 

ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.

 

[1] هذه إشارة لقصة سندريلا.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset