النهاية المثالية: الفصل 90

شظية من الماضي: الحلقة الزمنية الأولى

الفصل 90: شظية من الماضي: الحلقة الزمنية الأولى

 

تحوّل العالم إلى أرجواني، فيما انحنى الزمن إلى زحف بطيء.

 

تجمّدت قطرات المطر في الهواء، لم تبلغ الأرض أبدًا. صاعقة شقّت السماء، ندبة ضوء في صفحة السماوات. لم يسمع رايان حتى وقع خطواته وهو يتحرّك.

 

لقد تمنى وقتًا أطول، فاستجاب الإكسير. كان الفتى يعرف ذلك في أعماق عظامه، غريزة طبيعية كالتنفس. رايان رومانو أوقف الزمن نفسه بمجرد خاطرة، كما يوقف لاعب لعبة فيديو بلمسة زر.

 

لكن… ليس إلى الأبد.

 

أعماه وميض خاطف، تلاه دويّ انفجارات، ثم تساقط عليه ماء المطر البارد. عاد الزمن إلى الجريان، وكاد رايان يتعثر في بركة ماء. تبا… أكان عليه أن يركّز بقوّته كي يُبقي الزمن متجمّدًا؟

 

مهما يكن، واصل رايان تتبّع الضوضاء. لمح ليو ــ الشمس الحيّة ــ معلّقًا فوق البحر، يطلق أنهارًا من اللهب نحو مرفأ بورتو فينيري. ذاك المكان الذي كان يومًا ممشى سياحيًا، تتراصف على جانبيه بيوت ملوّنة متعدّدة الطوابق قبالة أرصفة اليخوت. وبعد أعوام من الخراب، بهتت الألوان إلى رمادٍ باهت، وتحولت القوارب إلى هياكل خردة. وكان المطر المنهمر بالكاد يسمح لرايان برؤية المعركة.

 

فعّل قوته، وانقلب العالم إلى أرجواني من جديد. هذه المرة بدأ يعدّ في رأسه.

 

واحد.

 

خمسة.

 

تسعة.

 

عشــ—

 

وعاد الزمن ليستأنف جريانه.

 

كان بوسع رايان أن يجمّد الزمن لعشر ثوانٍ تقريبًا. بعدها تخونه قوّته من جديد. حاول الفتى أن يوقف الوقت في كل ثانية تلت، ولم ينجح إلا في المحاولة العاشرة. كان قادرًا على إيقاف الكون لعشر ثوانٍ… مع فترة تبريد بالطول نفسه.

 

قوة بسيطة واضحة، إذا فكرت فيها. لكن هل ستحدث فرقًا؟ صحيح أنّ بلَدستريم يوجّه ضربات قاسية، لكنه يقاتل ليو الشمس الحيّة. ورايان سمع شائعات بأن ذلك الرجل قاتل أوغُستس وخرج حيًّا.

 

فتّش رايان في جيوبه، وأخرج مسدسًا دوّارًا صغيرًا يحمله دائمًا معه. أخذ نفسًا عميقًا، لعن حظّه، وتقدّم نحو ساحة القتال.

□■□■□

 

كان سريعًا.

 

لم يصدّق ليونارد حظّه حين لمح فتى تنطبق عليه أوصاف ابن بلَدستريم، تشيزاري، وهو يجمع مؤنًا خلال دورية عادية. كان الكرنفال قد فقد أثر ذلك السايكو منذ أيام، حتى ظنّوا أنه ربما غادر إيطاليا. لكن ليونارد استدعى حلفاءه، وتتبع الفتى فورًا حتى وصل إلى مخبأ والده.

 

دخل ليو المعركة ومعه فقط الكوساك والسيد ويف كدعم. الأوّل ببدلته المدرّعة البيضاء المحصّنة ضد عدوى الدم، أما الثاني فلا يملك جهازًا دورانيًا من الأساس. بقيت آيس في موقع آمن على استعداد لنقل الجرحى إلى مستوصف ستيتش عند الحاجة. كان الكوساك قد اقترح حرق البلدة كلها لضمان هلاك بلَدستريم، حتى ولو على حساب الطفلين، لكن زملاءه اعترضوا على ذلك المسار.

 

كان عليهم أن يلتزموا بالقواعد.

 

لكن لسوء الحظ، لا بد أنّ بلَدستريم استشعر اقتراب الثلاثة فنصب لهم كمينًا قرب المارينا المهدّمة للبلدة. أمطر ليو الممشى بنيران متفجرة، فيما أطلق الكوساك نيران بندقيته الليزرية. لم ينجحا إلا في إشعال مطعم مهجور، بينما كان بلَدستريم يتفادى هجماتهم جميعًا. قفز الهلام الدموي من مكان إلى آخر كبرغوث.

 

“متطفّلون، مزعجون! لماذا يصرّ الجميع على مضايقتي؟!” صرخ بلَدستريم. بدا صوته لليونارد حادًّا مرتفع النبرة، أشبه بطفل صغير يصرخ في نوبة غضب. “هل جُنّ كل رجلٍ على هذا الكوكب الملعون؟!”

 

تبلور الدم المضغوط الذي يشكّل جلد بلَدستريم إلى أشواك، أطلقها في كل اتجاه. لم يكلّف ليونارد نفسه عناء تفاديها، فجسده الشمسي أحرق المقذوفات قبل أن تقترب منه أصلًا. حتى قطرات المطر تحوّلت إلى سحابة من البخار تحيط به، والسماء من فوقهم أخذت تزداد عتمة.

 

أقلع الكوساك بنفاثته مبتعدًا، لكن شوكة أصابت صدره؛ تحوّل الرمح الدموي إلى مثقاب يحاول أن يشقّ طريقه نحو الإنسان تحت الدرع.

 

وفورًا كفّ ليو عن مطاردة بلَدستريم ليمعن في حرق المقذوف قبل أن يُصيب رفيقه بالعدوى، فيما تحرّك الـسايكو باتجاه سيارة نصف صدئة قرب الممشى، وقد تحوّلت أصابعه إلى مجسّات تمسّكت بالمركبة.

 

“منذ أن تناولتُ هذه الجرعات، والعالم يعذّبني!” رفع بلَدستريم السيارة فوق رأسه استعدادًا لقذفها نحو أعضاء الكرنفال الطائرين. “يحاول انتزاع أطفالي منّي!”

 

“وكل معاناتك لم تُعِدك لـ…” ظهر متحدٍّ جديد على الأرض، خطٌّ قرمزي خاطف. “السيد ويف!”

 

ركض الكائن الموجي الحيّ نحو بلَدستريم، وجسده يتحوّل إلى ليزر. تحوّل السيد ويف إلى كتلة من الضوء القرمزي تشقّ طريقها بخط مستقيم، تقطع كل ما يعترضها. مزّقت هيئة البطل الليزرية بلَدستريم إلى نصفين، لتهوي السيارة فوق الـسايكو المشطور.

 

عاد السيد ويف إلى شكله البشري بعد أمتار قليلة، محركًا قدميه كما لو كان يُبطئ اندفاعه. صحيح أنه قادر على التحرك بسرعة الضوء في حالته الليزرية، لكن حركته تقتصر على خط مستقيم ويحتاج إلى العودة لشكله الطبيعي كي يلتفّ. وكان قد اعترف لليونارد يومًا أنّ أكبر مخاوفه أن يُقذَف في الفضاء، عاجزًا عن العودة.

 

“آخ، يا للسوء! لقد تلطّخ كشمير السيد ويف بالدماء!” تذمّر وهو يتفحّص بدلته. سرعان ما التحم نصفا بلَدستريم من جديد، وزحف خارجًا من تحت السيارة. “لقد أنشأت عدوًا رهيبًا اليوم، أيها العصير الطماطمي!”

 

“فلتَمُت وحسب!” حوّل بلَدستريم كلتا يديه إلى فأسَين حادّين، ومدّ ذراعَيه حتى صارا بطول خمسة أمتار، محاولًا قطع رأس السيد ويف بحركة مقصّية. لكن البطل الخارق وضع يديه في جيبيه وتفادى الضربة بخطوة مرتدّة إلى الخلف.

 

“كادت سيدةُ الموت نفسها أن تعيشَ تجربةً قريبةً من السيّد ويف،” علّق البطل، بينما كان بلَدستريم يطارده بجنون كثور هائج يلاحق مصارعًا. “السيد ويف أرقى من أن يدخل الجنّة… وأرعب من أن يُلقى في الجحيم!”

 

اضطر ليونارد أن يكبح رغبته في أن يطلب من زميله التوقف عن المباهاة. فالسيد ويف طيب القلب وقوي، لكنه أيضًا استعراضي لا يعرف الندم.

 

ومع ذلك، فقد نجحت استفزازاته. ركّز بلَدستريم كامل غضبه على السيد ويف وتجاهل حلفاءه، مانحًا إيّاهم بعض الأنفاس. وما إن اقترب الـسايكو أكثر من أن يتمكّن البطل من المراوغة في هيئته البشرية، حتى اخترقه السيد ويف مجددًا في صورته الليزرية. لكن الضرر لم يدم طويلًا، إذ كان المجرم المسعور يلملم أشلاءه ويعيد لحم نفسه في ثوانٍ معدودة.

 

“هل أنت بخير؟” سأل ليو الكوساك بعدما أحرق مثقاب الدم وحوّله إلى رماد.

 

“كم من الدم يملك هذا الرجل؟” تمتم المدرّع، وهو يلقي نظرة نحو الممشى أسفلهم. كانت أشواك بلَدستريم قد عادت لتسيل دمًا سائلًا، تزحف راجعةً إلى صاحبها.

 

“لا أستطيع الجزم.” فقد ضغط بلَدستريم الدم الذي يشكّل جسده، بحيث يمكن أن يحمل أطنانًا من الكتلة العضوية في ذلك القوام النحيل. “أستطيع أن أحرقه بكرة نارية واحدة إن استطعنا شلّ حركته. لكنني لا أريد أن أطلق العنان لقوتي كاملة، فلربما يُخفي أطفاله بالجوار… قد أجرحهم عن غير قصد.”

 

لكن القول أسهل من الفعل. كان ليونارد والكوساك يحلّقان فوق الممشى، يحاولان مواكبة مبارزة رفيقهما مع بلَدستريم. وما إن أدرك السيد ويف أنّه عاجز عن إلحاق ضرر يدوم بالـسايكو، حتى غيّر استراتيجيته إلى الدفاع. تارةً يقف في مكانه، يتحدّى بلَدستريم بإشارات يديه وحركات قدميه المتثاقلة؛ وتارةً، حين يهدده خصمه بالقطع، يخطو خطوة إلى الأمام، يتحوّل إلى شعاع ليزر، ثم يظهر بعد أمتار قليلة.

 

غير أنّ بلَدستريم، رغم افتقاره إلى البراعة، صعّب الأمر على ليو في تتبّع حركته. بدا كأنه خط أحمر عابر، كفهد ينقضّ، وجسده يلتوي بزوايا مستحيلة.

 

“كفّ عن المراوغة!” قفز بلَدستريم من جدار أحد المباني إلى الممشى محاولًا مباغتة السيد ويف من زاوية غير متوقعة، لكن الكائن الموجي الحي لمح الهجوم قبل وقوعه وتفاداه بخطوة جانبية فقط. لم يحتج حتى إلى أن يتحوّل.

 

“السيد ويف لا يتحرّك بسرعة الضوء… الضوء هو من يتحرّك بسرعة السيد ويف.”

 

“طبعًا،” علّق الكوساك، فيما انفتح ظهر درعه ليكشف عن قواذف صواريخ. وانهمر وابل من المقذوفات على الممشى، ممزوجًا بالمطر والرعد. انفجر الإسمنت والحجر في سحابة كثيفة من الغبار، حجبت الرؤية عن ليونارد.

 

خمّن ليو خطّة رفيقه: إرغام بلَدستريم على إعادة تشكيل جسده بعدما يفجّره إربًا. أعاد السيد ويف الظهور قرب مطعم مهدّم، يمسح الدم عن بدلته، لكن العدو ظلّ متواريًا عن الأنظار. سحابة الغبار غطّت المارينا، حاجبةً القوارب والأرصفة.

 

“التقط!” صرخ بلَدستريم من داخل الدخان.

 

بعد لحظة، طار قارب صدئ عبر السماء في اتجاه المقاتلين الطائرين. أطلق ليونارد والكوساك نيرانهم عليه فمزّقاه قبل أن يصيبهم، وتناثرت أجزاؤه في البحر. غير أنّ الـسايكو انقضّ عليهما بينما كانا منشغلَين، واندفع خارج سحابة الغبار بضحكة جنونية.

 

كان قد مدّ ذراعه اليمنى ولواها حول نفسها، يبني قوة كزنبرك مطّاط. ثم سدّد لكمة إلى صدر الكوساك قبل أن يتمكّن الأخير من الردّ، وكانت قبضته المشحونة تعادل قذيفة مدفع. تحطّمت صفيحة درع الكوساك، واندفع المحارب المدرّع ليرتطم بالممشى، فتكسّر الحجر تحته عند الاصطدام.

 

“كوساك!” صرخ ليونارد، وزميله ممدّد على الطريق بلا حراك. والأسوأ أنّ الثغرة في درعه كشفت صدره العاري. “آيس! أَجليه!”

 

“تحت الفولاذ… الدم الحلو!” قهقه بلَدستريم وهو يهبط على الأرض. انقضّ مباشرةً على أربع كضبع، مندفعًا نحو الكوساك. “غذاء… أخيرًا!”

 

خطا السيد ويف خطوة إلى الأمام وتحول مجددًا إلى شعاع ليزر، فأصاب الـسايكو من الخلف قبل أن يبلغ الكوساك. تحطّم بلَدستريم كالزجاج، لكن ما إن عاد السيد ويف إلى هيئته الأصلية حتى التحمت قطرات الدم في الحال لتتخذ شكلًا بشريًا من جديد.

 

وفي تلك الثغرة الوجيزة، فتحت آيس بوابة خلف الكوساك. أمسكت بالمحارب المدرّع وبدأت تجذبه نحو الأمان عبر البوابة.

 

“أحرقه يا شروق الشمس!” صرخ السيد ويف وهو يشتبك مع بلَدستريم مجددًا. تفادى فأسًا متبلورًا بخطوة جانبية، وتحول إلى ليزر ليوقف رصاصات الدم في الهواء قبل أن تصيب آيس، ثم اندفع مخترقًا بلَدستريم كأنه ورق ممزّق. “السيد ويف سيتكفّل بالأمر!”

 

وفعل حقًا. فحين حاول بلَدستريم أن يعيد تجميع نفسه، عاد السيد ويف إلى هيئته البشرية، دار حول نفسه، ثم نطح الـسايكو من جديد. وظلّ البطل يعيد الكرّة، مانعًا المجرم من أن يستعيد تماسكه بالكامل.

 

وإذ كان ليونارد يعلم أن السيد ويف لن يقوى على الاستمرار طويلًا، جمع البلازما في كفه، مشكّلًا كرة نارية متألقة، حارّة بما يكفي لتبخير آخر قطرة دم.

 

الآن أو… لا أبدًا.

□■□■□

 

عاد الزمن إلى الجريان من جديد، فيما شقّ رايان طريقه عبر الغبار والدخان.

 

لقد حوّل الكرنفال وبلَدستريم الممشى إلى قطعة جبن مثقوبة، فالقُرُحات نثرت الشارع المرصوف بأكمله. وذاك الأب الحنون للين كان يتلقّى أقسى علقة في حياته من خطٍّ قرمزي أسرع من أن تدركه العين. بالكاد لمح رايان المقاتل المسؤول للحظة واحدة وهو يستدير: كتلة بشرية من طاقة حمراء، تجمعها بذلة أرجوانية. كان بلَدستريم ينفجر شلالًا من الدم، ثم يعيد تشكيل نفسه، ليعود وينفجر ثانية كلما اصطدم به خصمه.

 

وفي الجوار، كانت امرأة منمّشة تجرّ جسدًا مدرّعًا عبر شقّ دائري في نسيج الزمكان نفسه، ولمح رايان عيادة ناصعة البياض على الطرف الآخر. أمّا ليو ــ الشمس الحيّة ــ فظلّ معلقًا في الهواء فوق الساحة، يشكّل نجمًا صغيرًا في كفّه. كان على وشك أن يُحرق السايكو حرقًا تامًا، فلا يخلّف وراءه سوى رماد.

 

لم يلحظ أحد وجود رايان بعد، إذ أخفته سحب الدخان والمطر الغزير. وللحظة، راودته فكرة أن يجلس جانبًا ولا يفعل شيئًا. قد تكون هذه فرصته الوحيدة ليشهد ذلك الـسايكو المقيت، الخالد، وهو يهلك أخيرًا.

 

لكن… لكن لين لن ترحل من دون والدها. لن تغفر له أبدًا إن ترك بلَدستريم يموت، ثم إن الكرنفال… لم يستطع الفتى أن يستبعد احتمال أن يلاحقوه والقصيرة أيضًا.

 

تبًّا… ماذا عليه أن يفعل؟

 

“توقّفوا!” صرخ رايان، مطلقًا رصاصة تحذيرية نحو السماء. لم يكن قادرًا على حسم قراره. “توقّفوا عن القتال!”

 

ارتجفت كرة النار في يد ليو حين وقعت عيناه على رايان. “السيد ويف، الطفل!”

 

توقّف الجينوم الموجي عن ضرب بلَدستريم ليلتفت إلى رايان، والطاقة التي تشكّل جسده تصوغ وجهًا شبحيًا. وفي الأثناء، كان الـسايكو يعيد تجميع نفسه، فيما رفع ‘السيد ويف’ يده نحو رايان. “ابتعد يا فتى، المكان خطر—”

 

ارتعش الرعب في صوته، فأدرك رايان أنه ارتكب خطأً فادحًا. لم يكن الكرنفال ينوون أذيته هو أو لين. لقد كانوا أبطالًا حقيقيين، جاؤوا لينقذوهما من وحشٍ متعطّش للدماء.

 

لكن لحظة شرود واحدة كانت كافية لينتصر الشر.

 

أطلق بلَدستريم وابلًا من رصاصاته الدموية نحو البوابة، فأصاب أحد مقذوفاته عنق المرأة التي كانت تجرّ الجسد المدرّع عبرها. لم تسنح لها سوى لحظة لتشهق قبل أن يتشقّق جلدها، ويغطيه الدم القرمزي.

 

وتحوّل صوتها إلى صوت بلَدستريم نفسه في منتصف صرختها الأخيرة.

 

“آيس!” صرخ الشمس الحيّة بينما انغلقت البوابة، وتلاشت كرة النار من يده. “السيد ويف، تراجع!”

 

تراجع الجينوم الآخر مذهولًا، وهو يراوغ جانبًا ليتفادى مخالب بلَدستريم المسنّنة. “نتراجع؟!”

 

“ماتياس والباقون في القاعدة!” صاح الشمس الحيّة بقلق، منطلقًا شمالًا بسرعة هائلة. تحوّلت نظرات السيد ويف من بلَدستريم إلى رايان، وتمتم بشيء لم يسمعه مُجمِّد الزمن. ثم تحوّل البطل الخارق إلى شعاع حيّ، يخترق المباني في اتجاه زميله.

 

“هل أنت بخير؟” سأل رايان بلَدستريم، وإن كان مجرد السؤال يقرفه.

 

“تشيزاري، لقد قلت لك أن تحمي أختك!” زمجر بلَدستريم، وكان في حالة سليمة تمامًا، وكأن شيئًا لم يُصبه. فما عاناه من ضرر شُفي في لحظة. “عليك أن تُصغي إلى والدك!”

 

ابتسم الفتى بمرارة، وهو يدرك أنه لن يتحرر يومًا من هذا الوحش. كانت تلك فرصته الذهبية للتخلّص من بلَدستريم نهائيًا، وربما الوحيدة… وقد بدّدها كلها.

 

لكنّه كان يحب لين أكثر مما يكره أباها.

 

“لا وقت لدينا،” ردّ رايان وهو يخفض مسدسه. “غواصة لين ستغادر قريبًا. علينا أن نذهب الآن.”

 

لكن بدلًا من الجواب، تجمّد بلَدستريم في مكانه. حدّق في ابنه بالتبنّي بنظرة مقلقة جعلت قشعريرة تسري في عمود رايان الفقري. “أبي؟”

 

“من أنت؟” سأل بلَدستريم بصوت مرتجف.

 

تجمّد رايان في مكانه؛ الـسايكو لم يتعرّف عليه. لعلّ الإكسير الذي يسري في دمه قد حطّم أوهام الرجل. أو ربما أغرقه في هذيان آخر.

 

“أبي، أنا—”

 

لكن يد بلَدستريم قبضت على عنق رايان قبل أن يتمكّن من إكمال جملته. كانت قبضته صلبة كالفولاذ، تخنق أنفاسه.

 

“أين تشيزاري؟!” تحوّلت كلمات الـسايكو الهاذية إلى صدى بعيد مع انقطاع الهواء عن دماغ رايان. عظام عنقه تصدّعت تحت الضغط. ارتخت يده فسقط سلاحه على الرصيف. “أين ابني؟! ماذا فعلت بابني؟!”

 

حاول الفتى أن يجمّد الزمن ويفلت من قبضة بلَدستريم، لكن الـسايكو المخبول هوى برأسه على الرصيف. ألم لم يعرف مثله من قبل انفجر في جمجمته، رؤيته تذبذبت، ودماغه ينزف على الأرض. لم يعد قادرًا على التفكير، لم يعد قادرًا على—

 

“أين ابني؟!”

 

ثم عمّ الظلام.

□■□■□

 

صحيح ما يُقال. لقد شاهد رايان شريط حياته يمر أمام عينيه وهو يموت. تراجعت الأحداث إلى الوراء، من لحظة موته، إلى تلك المعركة الفوضوية، حتى اللحظة التي اندفع فيها الفتى بحماقة خارج سحابة الدخان.

 

ثم توقّف كل شيء.

 

رمش رايان، فإذا به واقف في منتصف الممشى. اختفى الألم، وعاد الهواء يملأ رئتَيه من جديد. قطرات المطر تهطل على بشرته الدافئة، والرعد يدوي فوق رأسه، ودماغه عاد إلى مكانه داخل جمجمته.

 

لقد… لقد عاد إلى الحياة من جديد.

 

أكان ما رآه رايان رؤيةً من المستقبل؟ تحذيرًا مما سيحدث إن اتخذ القرار الخاطئ؟ بدا له ذلك أشبه بقوةٍ زرقاء أكثر منه بما يملك، لكن الإحساس كان حقيقيًا للغاية. لقد مات رايان… ثم نهض من جديد.

 

لقد كانت قوته قادرة أيضًا على إنشاء نقطة حفظ، تمامًا كما في ألعاب الفيديو. منَحته فرصة جديدة لا يملك رفاهية إضاعتها.

 

رمق رايان بلَدستريم، ذلك الـسايكو المسعور، وهو يستعدّ ليمطر المرأة المنمّشة بوابلٍ دموي. لكن هذه المرة، ومن دون أن يشتته الفتى، أصاب السيد ويف بلَدستريم قبل أن يتمكّن حتى من الحراك. فأغلقت المرأة البوابة بعد أن سحبت الفارس المدرّع عبرها، واختفت عن الأنظار سالمة.

 

ثم التفت رايان إلى الشمس الحيّة، كرة النار في يده متوهجة بسطوعٍ يؤلم العين. حاول بلَدستريم أن يقفز بعيدًا إلى برّ الأمان، لكن السيد ويف تحوّل إلى شعاع ليزر ومزّق ساقيه، فتهاوى المجنون على الأرض.

 

نظر رايان إلى والده بالتبنّي، وإحساسٌ شبحيّ بيديه الدافئتين وهي تطبق على عنقه يخنقه من الداخل. ومعه تذكّر كل المرّات التي ضربهم فيها ذلك الوحش المتعطش للدماء، هو ولين. كم كانا عاجزَين، يرتجفان عند اقترابه. كم مرة عاد الـسايكو إلى جنونه العنيف، كلما توهّم رايان أنه قد يتحسّن.

 

لن تتغيّر أبدًا، فكّر رايان، يده تتحسّس عنقه. كاد أن يشعر بمخالب بلَدستريم تعتصر أنفاسه. هذا أنت. هذه حقيقتك. وشفقَتُها عليك ضائعة سدى.

 

لم يَدِن رايان ذلك الوحش بشيء… سوى بالازدراء.

 

فأدار ظهره، وترك بلَدستريم يواجه مصيره.

 

سيقول للين إنه وصل متأخرًا. ستبغضه لذلك، لكنه الأفضل. لقد رأى المستقبل بعينيه وعاد منه. أبوها حالة ميؤوس منها، ولن يتغيّر أبدًا.

 

رمى الشمس الحيّة كرة ناره على الممشى، والهواء يتموّج من الحرارة.

 

“يا فتى!” التفت رايان خلفه، فإذا بالسيد ويف قد لمح وجوده، في اللحظة ذاتها التي سقطت فيها كرة النار فوق بلَدستريم الهادر كحُكمٍ إلهي. “انبطح يا فتى!”

 

ارتطمت كرة النار بالممشى، واتّسعت في انفجار خارق.

 

فعّل رايان قوته، وركض بأقصى ما استطاع. انقلب الكون إلى أرجواني، متجمّدًا في تلك اللحظة.

 

جدار متسع من اللهب يلتهم الممشى، وبلَدستريم يحترق في المركز، متحوّلًا إلى رماد. شيطان يُطهَّر بنار الجحيم.

 

الرجل الطيب ببذلته، يعدو خلف رايان في محاولة يائسة ليحميه من كرة النار.

 

والشمس الحيّة يرقب المشهد من علٍ، تحيط به أمطارٌ متبخّرة.

 

تحرّكت ساقا رايان بأقصى ما تطيقان، حتى خشي الفتى أن ينهار في منتصف الطريق. تمدّدت الثواني كالأبد، لكن لين كانت بعيدة جدًا، وكرة النار قريبة أكثر مما يحتمل. الضوء سيلحقه في اللحظة التي يعود فيها الزمن للجريان.

 

“أرجوك!” توسل رايان وهو يعدّ من الثامنة إلى التاسعة. “أكثر من عشر! أكثر من عشر!”

 

لكن رايان رومانو لم يركض بالسرعة الكافية.

 

تحطّم الزمن المتجمّد كزجاج في الثانية العاشرة، وانفجر العالم في ألسنة اللهب.

□■□■□

 

لم يعرف رايان كم من الوقت ظلّ فاقدًا للوعي. وحين انبثق عقله المحموم من الغيبوبة ليواجه جدارًا أبيض، ظنّ أنّه قد مات نهائيًا وصعد إلى السماء. صحيح أنّ قصيرة لا تؤمن بمثل هذه الأمور، لكن حبيبها كان دائمًا يبقي ذهنه منفتحًا. فبعد كل شيء، لا أحد يعود من العالم الآخر بعد الموت.

 

…على الأقل، لا أحد سوى رايان نفسه.

 

“أوه، لقد استيقظت أخيرًا!” جالت عينا رايان إلى يمينه، ليرى الوجه الهولوغرافي المتلألئ للسيد ويف يحدّق به. كان البطل الخارق جالسًا على كرسي بقلق، ساقاه متشابكتان.

 

رمش رايان بضع مرات بينما يستعيد سيطرته على قواه العقلية. كان غطاء سريرٍ يلفّ جسده، وبدا وكأنه يتعافى داخل غرفة مستشفى من نوع ما. ظنّ الفتى أنه سيعاني من حروق، لكن بشرته بدت أكثر صحة من أي وقت مضى.

 

“كنت أظن أنّك—” توقّف الجينوم الموجي، كأنه شعر أنه قال حماقة. “لقد ظنّ السيد ويف أنك قد تنام إلى الأبد.”

 

“أنا… أنا ظننت ذلك أيضًا.” نظر رايان إلى يديه. “أنا… أنا حي.”

 

“طبيبنا لا يوحي بالثقة من النظرة الأولى، لكنه بارع،” قال السيد ويف. “حياته صراع دائم لإبقاء رفاق السيد ويف الانتحاريين على قيد الحياة. أما السيد ويف، فهو قوي جدًا ليَموت، لذا فهو بخير.”

 

“هل… هل انتهى أمر بلَدستريم؟” سأل رايان.

 

شبك البطل الخارق يديه. “والدك…” انكسر صوته. “والدك مات، يا تشيزاري الصغير. السيد ويف يأسف لذلك.”

 

لم يكن أبي، فكّر رايان، واسمـي ليس تشيزاري.

“جيد،” قال ببرود. “جيد. كان لا بد من ذلك.”

 

تأوّه البطل الخارق، لكن لحسن الحظ لم يسأله عن التفاصيل. لا بد أنه تخيّل الفظائع التي مرّ بها رايان. “على السيد ويف أن يسأل… هل هناك نسخة أخرى تركض في الخارج؟ لأن السيد ويف لا يحب الأجزاء التي لا تنتهي.”

 

هزّ رايان رأسه. “لقد قضيتُم على الأخيرة.”

 

“أوه، حسنًا.” بدا عليه الارتياح. “سيبقي السيد ويف عينه مفتوحة تحسّبًا لعودة والدك من جديد، لكنه يأمل ألا يكون هناك إعادة إنتاج في أي وقت قريب.”

 

“وماذا عن لين؟” سأل رايان، غير قادر على فهم نصف ما يقوله البطل الغريب الأطوار. “أين هي؟ هل أخذت الغواصة؟”

 

“أختك؟ السيد ويف يريد أن يعرف أيضًا. لم نتمكّن من العثور عليها مهما بحثنا. السيد ويف يعرف أنه يرعب حتى الآلهة، لذا لم يتفاجأ من ذلك.”

 

قشعريرة تسلّلت في عمود رايان الفقري. “كم من الوقت بقيت فاقدًا للوعي؟”

 

ومن صمت السيد ويف المرتبك، خمّن أنه وقت طويل جدًا. “يجب أن أذهب،” قال الفتى وهو ينهض من سريره، لكنه كاد أن يتعثر. ساقاه كانتا ثقيلتين ومنهكتين، كأنه استيقظ للتو بعد أن صدمته شاحنة.

 

لكن السيد ويف أمسك به قبل أن يسقط. بدا جسده غريبًا عند لمسه، صلبًا لكنه يتماوج قليلًا حين يلمسه أحد. بطريقة ما، ذكّر ذلك الفتى بالترامبولين.

 

“الفارس الحقيقي لا يجعل سيدة تنتظر، لكنه أحيانًا يقبل عونًا من جواده!” قال السيد ويف وهو يحمل رايان على ظهره. “أرشد الطريق، والسيد ويف سيضيئه!”

 

لم يكلّفا نفسيهما المرور عبر الباب. ولسببٍ غامض، أصرّ البطل الغريب الأطوار على القفز من النافذة، مدّعيًا أنها ‘بوابة المغامرين’. تساءل رايان إن كان مصابًا في رأسه، لكنه لم يشكُ من رجلٍ مستعد لتقديم المساعدة.

 

ورغم أنه لم يتحول إلى ليزر وهو يحمل الفتى، ربما خشية أن يؤذيه، إلا أنّ السيد ويف اندفع بسرعة خارقة لم تتباطأ لحظة. وبرغم أنّ المستشفى كان في جنوة، فقد عاد الثنائي إلى بورتو فينيري خلال دقائق. كان ليو هارغريفز قد أحرق القرية بأكملها، على الأرجح ليتأكد أنّ بلَدستريم لم يترك خلفه قطرة واحدة.

 

وعندما بلغ رايان والسيد ويف أطلال بيت القوارب المتفحّمة، لم يجدا سوى بركة ماء.

 

كانت لين قد رحلت منذ زمن.

□■□■□

 

قال آينشتاين ذات مرة إن تعريف الجنون هو أن تفعل الشيء نفسه مرارًا وتكرارًا… وتتوقع نتائج مختلفة.

 

ربما كان بوسعه هو أيضًا أن يعيد عقارب الزمن.

 

كان الفتى يشعر في أحشائه أن نقطة الحفظ التي منحته قوته لم تكن لمرة واحدة، لكن… بعد أن فشل في إرادته أن يعود إلى الوراء… لم يبقَ أمام رايان سوى وسيلة واحدة ليتأكد. لم يكن يمانع ما سيحدث. ففي يوم واحد فقط، فقد كل ما كان يعني له شيئًا في حياته. لم يعُد يرى سببًا ليستمر. داخله كان خاوٍ، بلا حياة. وإن كان هناك احتمال أن يُصلح ما حدث… فعليه أن يجرّب.

 

وقد صدق حدسه. الموت هو النهاية لمعظم الناس… لكنه لم يكن كذلك له.

 

لكن ما نفع ذلك؟

 

فقد كانت قوته دائمًا تعيده إلى ما قبل الانفجار مباشرة. جرّب كل شيء. أن يحمي رأسه. أن يحمي صدره. أن يرتمي أرضًا. أن يحاول تجميد الزمن. كان الموت مؤلمًا، لكن ليس بمقدار فكرة فقدان لين.

 

كانت كرة النار دائمًا تلحق به.

 

لم يستطع رايان أن يسبق الضوء. لم يتمكّن من تفعيل قوته في جزء الثانية قبل أن تضربه كرة النار. لم يقدر على إعادة عقارب الساعة إلى وقت أبكر من ذلك اليوم. كيفما كانت قوته تعمل، فقد اختارت أسوأ لحظة لتضع نقطة حفظ جديدة.

 

لكن رايان نادرًا ما كان يموت من الانفجار نفسه. فالسيد ويف كان دائمًا ينجح في حمايته بجسده من ألسنة اللهب. ولأجل ذلك، كان رايان ممتنًا، لأن الموت موجع. غير أنّ الانفجار كان في أفضل الأحوال يُسقط المسافر عبر الزمن في غيبوبة.

 

أحيانًا كان يستيقظ بعد ساعات قليلة، وأحيانًا بعد أيام، تبعًا لشدّة إصاباته. لكنّه كان دائمًا يصل متأخرًا. مهما جرّب رايان، لم يتمكّن من اللحاق بلين. ظلّ المسافر عبر الزمن عالقًا في حلقة لا تنتهي، لا يحرز فيها أي تقدّم.

 

وبينما كان يشهد غروبًا متوسطيًا للمرة التي بدت وكأنها المئة، حاول أن يفهم. هل كانت الغواصة قد حملت قصيرة بعيدًا؟ هل رأت الانفجار وظنّت أن عائلتها قد هلكت في النيران؟

 

طلب رايان المساعدة من الكرنفال مرارًا. ذات مرة، أخبرهم أن بلَدستريم احتفظ بإستنساخ احتياطي من نفسه، فبحثوا ثلاثة أسابيع كاملة بلا جدوى. شعر رايان ببعض الذنب لاستغلالهم، خاصة وأن السيد ويف كان يفعل كل ما بوسعه لمساعدته. كان البطل يلوم نفسه على جراح رايان، لكن الشاب كان يعرف من تجربته أنّ الرجل أنقذ حياته مرارًا.

 

ومع ذلك، وبغضّ النظر عن مدى ما بذلوه من جهد، لم يعثروا على أي أثر للغواصة. ولم يكن لدى رايان وسيلة للاتصال بـقصيرة.

 

في آخر حلقة زمنية، هرب رايان من المستشفى واختبأ من مُنقذيه أنفسهم حتى يئسوا ورحلوا. كان الكرنفال يصرّ دائمًا على أن ينضم إلى عائلة حاضنة، لكن رايان كان قد شبِع منهم. لقد أراد لين… ولا أحد سواها. تحوّل امتنانه للكرنفال إلى سخط؛ ومع أنه كان يعلم أنّ الأمر غير عقلاني، فقد شعر أنهم حرموه من لين.

 

ربما كان من الأسهل على رايان أن يُلقي باللوم على الآخرين بدلًا من أن يلوم نفسه. لكنه في النهاية لم يستطع أن ينكر حقيقة أنّه هو من تسبب في هذه الكارثة بخياراته الطائشة. فمهما كان الطريق الذي يسلكه… كانت النهاية دائمًا هي نفسها.

 

رايان رومانو يحدّق في الغروب، وحيدًا في هذا العالم.

□■□■□

 

“إذن؟” سأل إنريكي مانادا، وهو يواجه شاشة الحاسوب.

 

“لقد تم تدمير آخر إستنساخ للهدف، بقدر ما نستطيع أن نؤكد،” أجاب الدكتور ناثانييل ستيتش من الطرف الآخر لمكالمة الفيديو. “ما زلنا نحاول تعقّب لين سابينو للتأكّد، لكن بخلاف ذلك يبدو أن التهديد قد انتهى.”

 

“هذا مُطمئن،” ردّ إنريكي. ورغم أنّ والده لم يكن يهتم سوى بالمخازن وموظفي الجينوم الذين قتلهم بلَدستريم، إلا أنّ الابن كان سيقدّم دعمه للكرنفال من باب المبدأ. فالعالم أفضل بوجود عدد أقل من الـسايكو فيه. “سنبقى متأهّبين، في حال ظهرت ابنته من جديد.”

 

“السيد هارغريفز يرسل لك تحيّاته وشكره،” قال الطبيب. “لم نكن لنتمكّن من مواصلة المطاردة من دون تعاون ديناميس.”

 

“لا شيء.” لم يفعلوا أكثر من تزويد الكرنفال بتقارير عن تحرّكات بلَدستريم عبر عملائهم، وتقديم الدعم التقني في تحليل عينات الدم. ما زال إنريكي يقشعرّ كلما تذكّر تقرير الدكتور تيرانو. “من دواعي سرورنا دائمًا أن نتعاون مع الكرنفال. والدي ما يزال متصلّبًا في مسألة أوغُستس، لكنّي آمل أن يأتي يوم نستطيع فيه أن نتوحّد ضده.”

 

ربما، في يوم ما، تنهض إيطاليا من رمادها من جديد، كبلد تحكمه سيادة القانون لا قوة الجينومات. ذلك كان أصدق أماني إنريكي.

 

“علينا الآن أن ندمّر العينات المتبقية،” قال ستيتش. “أحرِقوها عن آخرها. إن نجت خلية واحدة بما يكفي لتجد مضيفًا جديدًا، فسيبدأ الكابوس من جديد.”

 

“أخي يتولّى أمر عيناتنا بالفعل. إنه يحترق بحرارة شمسك.” قال إنريكي وهو يستعد لإنهاء الاتصال، إذ كان لديه اجتماع آخر مُقرَّر لاحقًا. “سنبقى على تواصل.”

 

أومأ عضو الكرنفال قبل أن تُغلق شاشته. اتصل إنريكي بعدها بألفونسو، ليواجه هيكلًا عظميًا متوهّجًا يرتدي بدلة وقاية سوداء. كان بلاك ثورن يشفق على شقيقه، فقوته خطيرة على أعدائه… كما على حلفائه.

 

“لدي أخبار سارة يا آل،” قال إنريكي. “لقد دمّر الكرنفال آخر إستنساخ لفريدي سابينو، وطهّروا المنطقة. يمكننا اعتبار التهديد قد انتهى.”

 

ولن يضطروا إلى قصف بورتو فينيري بالقنابل النووية لمجرد التأكد.

 

“جيد،” أجاب آل بخشونة. “السايكو طاعون على هذه الأرض.”

 

“هل تخلّصت من العينات المتبقية؟”

 

توقّف ألفونسو قليلًا قبل أن يرد: “نعم.”

 

شبك إنريكي يديه، شاعراً بانزعاج شقيقه. “لم يُعجبك الأمر.”

 

“قوة يمكنها أن تعيد تشكيل الشيفرة الجينية لشخص كامل في لحظة واحدة… لا بد أنك رأيت إمكاناتها كما رأيتها أنا. حتى والدنا رآها. كان بوسع هذه القوة أن تغيّر كل شيء، ليس لنا فحسب، بل للبشرية جمعاء.”

 

“لكن مستخدمها قتل عددًا لا يُحصى من الناس، وربما كان سيقتل المزيد.” لو كان بلَدستريم نصف دهاء آدم الغول واستعمل قواه بذكاء، لربما صار خطره مساوياً لأوغُستس نفسه. “يكفينا أن نتعامل مع سايكو واحد شبه خالد، ولا أريد آخر. خلية واحدة تكفي ليعود، يا أخي.”

 

“أعرف.” تمتم آل وهو ما يزال متحسّرًا.

 

“إذن فأنت تفهم أننا اتخذنا القرار الصائب.” إن كانوا يريدون للعالم أن ينهض من رماد القيامة، فعليهم تقليل المخاطر على الأجيال القادمة. والدهما لم يكن يهتم سوى بالمال والسمعة، لكن إنريكي وآل كانا يبصران أبعد منه. “لقد أحسنت يا ألفونسو.”

 

“كل شيء في سبيل الحُلم، يا أخي،” أجاب فول آوت قبل أن ينهي الاتصال. “كل شيء في سبيل الحُلم.”

 

☆☆☆☆☆

 

ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset