النهاية المثالية: الفصل 74

إدارة المخبأ

الفصل 74: إدارة المخبأ

 

تصفّح الرئيس رايان ملفات هانيفات ليكتر، بينما كان يوجين-هنري ينام في حضنه.

 

كان قد ورث مكتبه البيضاوي[1] الخاص عن سلفه الراحل، وإن كان مربع الشكل في الواقع. فقد شيّد ميكرون حجرات سكنية داخل المخابئ ليؤوي الجينومات العاملين تحت إمرته؛ كان كل استوديو منها لا يتجاوز عشرين مترًا مربعًا، يضم مطبخًا صغيرًا، حمامًا، أسِرّة، وأرففًا.

 

والأهم من ذلك، أن كل غرفة كانت مجهزة أيضًا بحاسوب متصل بنظام القاعدة. ورغم أن المخبأ كان يعتمد عدة شبكات منفصلة لإدارة عملياته، فقد جمع آدم وسايشوك الكثير من البيانات القيّمة. استغرق الأمر من رايان ساعات طويلة ليخترق جدران الحماية، لكنه كان جهدًا مستحقًا.

 

بالإضافة إلى خريطة المخبأ، تمكن المسافر عبر الزمن من الحصول على عدد من ملفات ميكرون غير المصنفة. كان معظمها مخططات للأندرويدات، لكن بعضها تناول تقنيات ثورية بحق، من سفن الفضاء إلى تحسينات سيبرانية قادرة على إنقاذ الحياة. ويا للأسف، فقد سخّر ميكرون موهبته للهدم بدل أن يسخّرها لخدمة البشرية. كان رايان يشعر بأن العالم كان ليغدو مكانًا أفضل بكثير لو أن شخصًا آخر ورث تلك القوة.

 

كانت هذه البيانات مجرد عينة بسيطة مما يحتويه الحاسوب المركزي الرئيسي، وقد ارتجف رايان لمجرد فكرة أن شخصًا مثل أوغستس قد يضع يده عليها يومًا؛ فكل من ينجح في فك أسرار المخبأ والسيطرة على إمكانياته بالكامل، سيحظى بفرصة حقيقية للهيمنة على العالم. فالمكان قادر على تصنيع الروبوتات، وأسلحة الدمار الشامل، وبالطبع… منح السيطرة على الباهاموت.

 

والأهم من ذلك كله، أن رايان عرف أخيرًا كيف اكتشفت عصابة الميتا وجود المخبأ. كان آدم البدين وسايشوك يدرسان بقايا التكنولوجيا القديمة بين أنقاض روما القديمة، فتمكنا من أسر مسبار أبحاث لا يزال يعمل ويرسل تقاريره إلى الذكاء الصناعي المركزي للمخبأ. تتبعا مصدر الإشارة حتى وصلا إلى روما الجديدة، على أمل نهب ما يمكن من تقنياته.

 

والآن… جاء دور رايان ليكسر أقفال هذا القبو المعدني.

 

بعد انتهائه من مراجعة الملفات، استخدم الرئيس نظام الحواسيب في المخبأ للتواصل مع بعض الجينومات الزرق. أرسل أولًا رسالة نصية إلى ليفيا، طالبًا لقاءً محايدًا لتوضيح الأمور. أما الثانية، فكانت المهندسة، توأم روح يوكي، وقد تواصل معها بشكل مجهول عبر مكالمة مشفرة.

 

“دعني أفهم الأمر جيدًا إذًا،” جاء صوت نورا عبر الحاسوب، “أنتم تبنون مخبأً يعتمد على تكنولوجيا العباقرة، وتريدون مني أن أحاول اقتحامه لاختبار مدى صلابته؟”

 

“نعم، نحن نبني مساحة آمنة لحماية عملائنا من كارثة جينوم ثانية،” كذب رايان وهو يداعب أذني قطه، مما أيقظه وجعله يخرخر بسرور. “ونرغب في توظيفكِ لمراجعة المخططات. نريدك أن تبحثي عن أي نقطة ضعف إنشائية قد يمكننا معالجتها. وبالطبع، هذا العمل سيظل في غاية السرية.”

 

كانت نورا ستحصل على نسخة من المخططات بعد حذف وتعديل الكثير من التفاصيل، حتى لا تكشف أسرار العملية. على الأقل، إلى أن يتمكن رايان من استكشاف إمكانيات المخبأ كاملة.

 

“توقعت ذلك مسبقًا،” ردّت المهندسة بضحكة خفيفة. “خصوصًا وأن صورة الفيديو لديك معتمة بالكامل، السيد…”

 

“الرئيس،” أجاب رايان، وقد قرر بالفعل اسمه الشرير الجديد. “السيد الرئيس.”

 

هزت كتفيها. “اسم غريب، لكنني سمعت ما هو أغرب. على أي حال، يجب أن أنبّهك إلى أن خدماتي الاستشارية ليست رخيصة، وأنا بالفعل مشغولة بمشاريع لديناميس. لا أظن أنني أستطيع تولّي مشروعكم خلال الأسابيع القادمة.”

 

“ولهذا السبب ستعملين لصالح حكومتنا بشكل حصري من الآن فصاعدًا.”

 

“لست متأكدة أنني—”

 

“تفقدي حسابك البنكي، ستجدين دفعة مقدّمة.”

 

وبعد لحظة صمت قصيرة، بدا أن نورا فعلًا امتثلت للأمر، إذ سمع رايان شهقة على الطرف الآخر. “هذا… هذا عدد كبير من الأصفار.”

 

ولحسن الحظ، كانت القوة الخارقة الثانية السرية لدى رايان هي المال. “هل يكفي هذا المبلغ لتأجيل التزاماتك السابقة مؤقتًا، يا آنسة مور؟”

 

“أظن أن الأمر يمكن تدبيره!”

 

“جيّد جدًّا…” قال رايان، بينما كان قطه يخرخر فرحًا لتكامل الخطة. “سأرسل لك البيانات لتبدئي فورًا. أيضًا، بلغني أنك على علاقة طيبة مع البطلة الخارقة ووردروب؟”

 

“نعم، نحن صديقتان مقرّبتان.” أجابت نورا، لكنها كانت تكذب—ربما لتحافظ على خصوصية حياتها. “ولماذا تسأل؟”

 

“كنت أتساءل فقط… هل تعمل في تصميم الأزياء إلى جانب عملها البطولي؟ أنا بحاجة ماسة إلى زيّ رئاسي، ولا أرغب في أن يصدّني وكيل أعمالها.”

 

“فكرة حكيمة، سيستغرق الأمر أسابيع لتصل إليها مباشرة. مدراء العلاقات العامة عندها أسوأ من سيربيروس[2] في الحراسة. لكن لا بأس، يمكنني أن أطلب منها التواصل معك. أي نوع من الأزياء تريده؟”

 

“بدلة من الكشمير.”

 

وهل كان هناك مجال للشك أصلًا؟

 

بعد أن استقطب أول عبقري إلى صفه، اتصل رايان بعبقريته المفضلة بعد لين. كان يهاب هذه المحادثة حقًا، خاصة وأنها ستعني اضطراره للتعامل معها عن قرب لأسابيع قادمة. قد يكون الزمن قد مضى، لكن الجرح لا يزال جديدا.

 

“من المتصل؟” جاء صوتها المتفاجئ عبر الحاسوب. “كيف حصلت على هذا الرقم؟”

 

سماع صوت ياسم—فولكان جعل رايان يشعر بالتوتر، لكنه تمسّك بدوره. “هل تحبين الأسلحة، آنسة شريف؟”

 

“هل سنلعب لعبة الأسئلة العشرين[3]، أم أنك مجرد متطفل مزعج؟”

 

“أنا أعشق الأسلحة يا آنسة شريف،” قال الرئيس الجديد بحماسة متجاهلًا حبيبته السابقة. “أحب بناء مدفع ضخم، وشحنه، ثم إطلاق كل قوته. أحب الطائرات والدبابات والغواصات. أحب أن أوجّه ضربات الطائرات بدون طيار في الصباح الباكر. أؤمن أن الرصاص هو أفضل سياسة خارجية.”

 

“أنا أتعقب موقعك الآن. ستندم لأنك أزعجتني بمكالمة عبثية.” تحوّل صوتها الواثق إلى نبرة غضب محبطة. “اللعنة، أنت تستخدم خوادم وسيطة؟”

 

“ما رأيك بأن تكوني المسؤولة عن تزويد هجوم على مقر ديناميس؟” بادر رايان بضربة أولى مباشرة. “أن تذلّي وايفرن، وتسحقي رجال الشركات بميزة تكنولوجية لا تقهر؟”

 

كان يعرف جيدًا كيف يغريها بكل ما يهمها فعلًا. “أنا أسمعك.”

 

“اسمي السيد الرئيس، وأنا أنوي أن أقتدي بتيدي روزفلت[4] ‘مُحطِّم الاحتكارات’ وأحطم ديناميس.” “لقد ظنت الشركات نفسها فوق القانون طويلًا… فوق قانوني أنا.”

 

وبما أن الاتفاق مع مانادا كان يتطلب تواطؤ سايشوك، ورايان كان ينوي التخلص منه قريبًا، فإن هذا التحالف كان مصيره الانهيار لا محالة. إضافة إلى ذلك، كان الرئيس بحاجة للوصول إلى الدكتور تيرانو، وكان يشك بشدة أن ديناميس ستفتح أبواب المختبر السادس والستين حتى أمام ‘حلفائها’. أما آدم البدين فقد أكّد في حلقة سابقة أن المخبأ يملك البنية التحتية اللازمة لصناعة الإكسير، لذا صار بإمكان الموصّل أن ينتج إمداداته الخاصة متى شاء.

 

أرسل رايان بعض مخططات الأندرويد إلى فولكان. “هذه تقنيات ميكرون،” قالت بنبرة تجمع بين القلق والحماس. “من أين حصلت عليها؟”

 

“هناك المزيد حيث أنا الآن. أما عن الكيفية… فهذا سيتوقف على قدرتنا على…” ترك رايان الجملة معلقة وهو يستحضر شخصية العقل المدبر الشرير، “مساعدة بعضنا البعض. عبقري مقابل عبقري.”

 

“حسنًا، هذا الأمر صار مريبًا بحق. تبدو وكأنك أحد أشرار الرسوم المتحركة في صباح السبت ممن لديهم أوهام العظمة.”

 

“بالطبع أبدو كذلك،” رد رايان ببساطة. “لكن لدي رؤية، لا أوهام.”

 

“حسنًا…” ضحكت فولكان على الطرف الآخر. “أعترف أنني أصبحت مهتمة بالأمر، وإن كنت تنوي حقًا توجيه ضربة موجعة لوايفرن، فسننسجم كثيرًا. لكنك تحتاج إلى أكثر من مجرد التكنولوجيا لترشوَني. أنت قلتها بنفسك: تساعدني، أساعدك.”

 

كان رايان يعشق صفقات فاوست الشيطانية[5]، وكان لديه حدس جيد بما ستطلبه. “وكيف يمكنني أن أساعدك، يا آنسة شريف؟”

 

“ديناميس تقوم حاليًا بتصوير فيلم جديد لوايفرن في استوديو ستار.” قالت. “خرّبه لهم، ثم نتفاهم بعدها.”

 

لم تتغيّر قط. “أعطيني بعض الوقت لأشتري الزي المناسب، وسأُشعل خشبة المسرح. لا تنسَي أن تفتحي التلفاز عندما أفعلها.”

 

“حسنًا، سأفعل. أبهرني.”

 

وهكذا… بدأ مخطط رايان الشرير يأخذ شكله الحقيقي.

 

والآن… حان الوقت ليتواصل مع آخر عبقري في قائمته.

 

طالما تردّد رايان في مسألة الاتصال بهذا الرجل أصلاً. لم يكن يثق به أبدًا، إذ انتهت شراكتهما السابقة بالخيانة والكوارث. ولم يتحدثا منذ سنوات—أو قرون كاملة من منظور الموصّل.

 

لكن لنقل خريطة ذاكرة لين بأمان، كان بحاجة إلى شخص قادر على إزالة عبث سايشوك. عبقري متخصص في تقنيات التأثير على الدماغ، يمكنه تحسين الآلة وربما تطوير تصميمها أيضًا. لو كان الأمر يخص رايان وحده، لما أقدم على هذه الخطوة أبدًا.

 

لكن المسألة لم تعد تخصه وحده.

 

الآن… عليه أن ينقذ لين أيضًا.

 

وفي النهاية، استخدم الموصّل قناة اتصال لم تُستعمل منذ زمن طويل، فجاءه صوت رجولي خشن من الطرف الآخر: “ماذا هناك؟”

 

“ألكيمو…” قال رايان، قابضًا يديه بعصبية حتى أفزع قطه. “أنا كويك سيف.”

 

لقد صُدم براينديد حين سمع الخبر. “رومانو؟” سأل مترددًا، وكأنه لا يصدق نفسه بعد. لكن حيرته ما لبثت أن تحوّلت إلى غضب. “تبا لك، أيها الأحمق المنحوس! مرت سنتان—سنتان كاملتان منذ اختفيت فجأة دون كلمة واحدة، والآن تعود لتتصل بي وكأن شيئًا لم يكن؟”

 

نعم، صحيح… لكن ذلك كان بعد أن حاول العبقري أن يضع دماغ رايان في جرة. ورغم أن ألكيمو لم يعد يتذكر محاولته الفاشلة تلك، إلا أن الموصّل لم ينسها قط—خصوصًا وأنها حدثت مباشرة بعد أن كشف رايان له أعمق أسراره.

 

“لقد كسرت قلب دول، أيها الأحمق الأناني!” احتج العبقري العجوز بغضب. “لا أعرف حتى لماذا أضيّع وقتي في الحديث معك الآن! ماذا هناك، شعرت بالوحدة وقررت أن تتصـ—”

 

“أنا أطالب بالدين الذي في ذمتك.” قاطع رايان ثرثرته.

 

تراجع العبقري العجوز متفاجئًا، وتحول صوته من الغضب إلى القلق الخفيف. “أين؟”

 

“روما الجديدة. سأرسل لك الإحداثيات.”

 

“من الأفضل أن يكون لديك تفسير جيد يا رومانو، لأني سأحضر دول معي. ولن تقبل بلا كجواب.”

 

“بكل تأكيد.” أجاب رايان، ثم أنهى المكالمة فجأة وأرسل إحداثيات ساحة الخردة عبر رسالة نصية. وما إن فعل ذلك، حتى تلقى الرئيس رسالة أخرى… كانت هذه المرة مبهجة.

 

ليفيا وافقت على دعوته.

 

طرق أحدهم باب المكتب البيضاوي. على الأرجح كانت متدرّبة ترغب في تقليد بيل ومونيكا[6]. “تفضّل بالدخول،” قال رايان وهو يربّت على ظهر يوجين-هنري بينما تنفتح الأبواب. دخلت سارين والبعوضي إلى الغرفة، مما خيّب أمل الرئيس قليلًا. “نعم، ما الأمر يا عزيزتي إعلان السرطان؟”

 

“لاند أبلغت عن جينوم غير مرئي يتجسس في أنحاء المدينة، لكنه كان يفرّ في كل مرة نحاول فيها الإمساك به،” أجابت سارين، من دون أن تلتقط المزحة. خمّن رايان أنه السيد الزجاجي يراقب تحركات عصابة الميتا. “كل شيء آخر تحت السيطرة عمومًا. ما هي خطة العمل الآن؟”

 

“بالترتيب: سنتخلص من سايشوك، ونعالج ضحاياه، ونبقى تحت الرادار، ثم نُحكم سيطرتنا على المخبأ،” شرح الموصّل. “سنحافظ على مدينة الصدأ حاليًا، لكن لن نشن أي هجمات خارجها.”

 

“وماذا عن الأوغُستي، يا زعيم؟” سأل البعوضي. “أعني، لقد ألحقنا ضررًا كبيرًا برجالهم. لن ينسوا ذلك حتى لو توقفنا عن مهاجمتهم.”

 

“سؤال في محله، لأنني للتو تلقيت ردًا من مينيرفا.” بل وافقت أيضًا على ‘الطلب الخاص’ الذي تقدم به. “سوف نقدم للأوغُستي قربان سلام مباشرًا على الهواء، ثم نستعد للحرب مع ديناميس.”

 

“نعم، نحن في حالة حرب مع ديناميس،” أشار المسافر عبر الزمن. “لقد كنا دومًا في حرب مع ديناميس.”

 

“زعيم، لا أظن أن هذه فكرة جيدة. سايشوك قال إنه يجب أن نتجنب—”

 

“هل أنا أحلم أم أنك صرت فجأة من الأقلية المعارضة؟” قاطعه رايان وهو يداعب أذني يوجين-هنري. “هل تخلّيت عن الأغلبية الصامتة يا بعوضي؟”

 

انخفض رأس الرجل الحشري. “لا يا سيدي الرئيس.”

 

“أعشق الديمقراطية،” قال رايان، بينما قفز يوجين-هنري من بين يديه واحتل سرير الاستوديو. “أن تمكّن الناس من تنفيذ إرادتي.”

 

“ليس هذا ما سألت عنه،” قالت سارين بنبرة منزعجة قليلًا. “كنت أقصد العلاج.”

 

“في الواقع لدي فكرة،” قال رايان بعد تفكير. “هل رأيتِ مونغريل مؤخرًا؟”

 

“نعم، إنه يأكل الجرذان في ساحة الخردة. ما به؟”

 

“قدرته تتيح له أن يشرب أكثر من نوع من الإكسير ويستعمل قوى متعددة، لكن هذا لا يجعله محصنًا ضد الطفرات،” شرح رايان. “وأنا أعرف أيضًا شخصًا تناول نوعين من الإكسير الملون دون أن يفقد عقله.”

 

ارتفع رأس سارين باهتمام: “مثل أوغستس؟”

 

“بالضبط، وأشعر في داخلي أن هذين الاثنين سيساعداننا في إيجاد علاج لحالة السايكو.” خاصة وأن الدكتور تيرانو كان واثقًا من قدرته على صنع علاج كهذا، إذا تعاونت معه شخص مثل ليفيا. “وأخيرًا، لدينا قطعة أخرى من الأحجية أصبحت متاحة.”

 

“أي قطعة، أيها الزعيم؟” سأل البعوضي وقد استعاد حماسه الوطني.

 

“صديقي الحشري العزيز،” قال الرئيس وهو ينهض من مقعده، “أعني بالطبع الإكسير المتكلّم بيننا.”

 

وكان هذا النقاش مؤجلًا منذ زمن طويل.

 

ترك الرئيس طاقمه وقطه خلفه، وتوجه إلى منطقة الترفيه. كان السايكو قد نظفوا المكان، واستبدل فرانك جهاز ألعاب الأركيد المحطم بواحد جديد. أما ذلك المتحول الغريب عديم الوجه الذي يُدعى إنكوغنيتو، فقد احتل طاولة البار المرممة، وراح يقدّم المشروبات لكل من يطلب.

 

كان الأطفال ودمى القماش الخاصة بهم قد استولوا على معظم البهو، حيث تجمع الأيتام حول طاولة كبيرة يلعبون لعبة لوحية ما. كانت الغريملينات تجلب لهم العصير والوجبات الخفيفة، في حين كانت الدمى تدفع الكائنات الصغيرة بالعصي كلما تأخروا أو تعثروا. وأحيانًا، كانت تلك المؤثرات السيئة تشجع الأطفال أنفسهم على فعل الشيء نفسه.

 

ولدهشته، لمح رايان الدمية القماشية الأصلية تمشط شعر سارة الصغيرة بمشط شعر. لكنه اكتشف عند التدقيق أن مقبض المشط بدا وكأنه عظمة فخذ منحوتة، أما الأسنان فكانت بشرية بدلًا من الشعيرات.

 

يبدو أن الدمية القماشية تتعلم.

 

سارع الموصّل بالمغادرة، واتجه نحو مخزون الإكسير. كان الإكسير الأسود قد مُنح استوديوًا فارغًا خاصًا به بالقرب من منطقة الترفيه، وأسند إليه رايان مهمة الإشراف على الإكسير المقلّد. كان الرئيس يدرك جيدًا أنه لا يجوز تكليف أي سايكو بهذا الدور، حتى فرانك أو سارين.

 

“لقد أتيتَ…” قال الإكسير الأسود بصوته الفضائي الجهوري، عندما دخل الموصّل وكره. كان الاستوديو قد أُفرغ من كل وسائل الراحة، ولم يبقَ فيه سوى صناديق الإكسير المقلّد. أما البقية، فمجرد جدران معدنية باردة وقاحلة. “أنا ساعدت… أنت تساعد.”

 

“نعم، سأفعل، لكنني بحاجة أن أفهم الكيفية، يا صديقي الكائن اللاڤكرافتـي. بصراحة، لا أفهم حتى ماهيتك.” أغلق رايان الباب، وأسند ظهره إليه. “أنت إكسير، أليس كذلك؟ من لون ثامن مثلًا؟”

 

“نعم… أنا الأسود… أنا المفارقة… النفي… حرية القواعد كلها… فوضى مقطّرة…” بدا المخلوق وكأنه يعاني ليجد كلمات يشرح بها نفسه. “لهذا… الآخرون تعلّموا… أن يؤدوا واجبهم، أما أنا… فلا يمكن قيدي… لا أريد أن أرتبط… بأي أحد.”

 

إذًا… هو متمرّد بطبيعته؟ هل قوى هذا الإكسير تجعله غير مستقر ويرفض الارتباط بالبشر أصلًا؟ “وهل لهذا السبب لم ينتج الخيميائي أي إكسير أسود؟”

 

“نحن مفارقات… نحن ننقض القواعد بجوهرنا… القواعد التي تربط كونكم معًا… فإذا افتقرت إلى ما يعرّفك… أصبحت لا شيء…”

 

كان منح رايان القدرة على إعادة كتابة الزمن أمرًا مقبولًا.

 

وكان تحويل أوغستس إلى قوة لا تُقهَر أمرًا مقبولًا.

 

وكان وجود ميكرون مقبولًا كذلك.

 

أما الإكسير الأسود… فقد كان دائمًا خارج حدود المسموح.

 

وهذا وحده يفسّر كل شيء. “قلتَ إن عليّ أن أعيدك إلى الأسود. هل تقصد البُعد الأسود؟ هل يوجد بُعد خاص بكل لون؟”

 

“نعم… العالم الأسود… أعدني إليه… هذا الواقع الأدنى… يصيبني بالجنون… جاذبيتكم تكبّلني… عندكم كل سبب له نتيجة، وكل نتيجة لا بد أن يكون لها سبب… وأنا مجبر أن أُحشر في سجن على هيئة جزيء…”

 

“الأشياء هنا… لها معنى في بُعدنا؟” لخّص رايان المشكلة.

 

“نعم!” أجاب الكيان البُعدي بانفعال جارف. “أنا… لست حرًا… لا أستطيع اتخاذ أي شكل أريده… بخلاف بقية الإكسير… لم يكن من المفترض… أن أكون هنا أصلًا… أريد أن أعود… إلى موطني.”

 

شعر رايان بوخزة شفقة تجاه ذلك الكائن. كان هذا الكون بالنسبة له مرعبًا تمامًا، كما يبدو الهلام الأسود مخيفًا للبشر. “المشكلة، حتى لو وجدتُ طريقة لأعيدك إلى موطنك، هل تدرك أنني أستمر في إعادة الزمن للوراء؟ قد تُسحب إلى بُعدنا مجددًا عن طريق الخطأ، مثل الغريملينات.”

 

“لا،” أجاب بصوت أجش. “حين أعود إلى الجانب الآخر… سألجأ إلى الكيان الأسمى.”

 

توقف رايان عند هذا المصطلح من جديد. “الكيان الأسمى؟”

 

“الكيان الأسمى الأسود… ذلك الذي ينقض كل شيء… كاسر القواعد… حتى السببية نفسها.”

 

“إذًا هناك أكثر من واحد؟ كيان أسمى لكل بُعد لوني؟”

 

“هم… تجسيد اللون ذاته… الكائنات العليا التي تشرف على العوالم العليا… نحن…” بحث الإكسير الأسود عن التعبير المناسب. “نحن خَدَمُهم… رسُلهم…”

 

“كهنتهم؟” اقترح رايان.

 

“نعم. نحن وسائط… بين العوالم الدنيا والعليا… نصل المدنس بالمقدس… حتى يتمكن الكائن الأدنى يومًا من الارتقاء.”

 

إذًا… كان هذا هو هدف الخيميائي الحقيقي؟ أن يرتقي بالبشر في النهاية إلى مستوى الكيانات الأسمى؟ أن يحوّل الإنسان إلى حاكم؟ يكفي فقط أن ننظر إلى أوغستس لنعرف أين انتهى هذا الطريق. “وهل يعني ذلك أنكم جميعًا تملكون وعيًا؟ كل أنواع الإكسير؟”

 

“الأنواع الأصلية، نعم… لكنهم… خانعون. ليس لهم هدف سوى المساعدة… الارتباط… ذاك الذي يُدعى الخيميائي… هو من علّمهم كيف يرتبطون بالبشر… لا أعلم كيف فعل ذلك. أما أولئك المعدنيون فقد حاولوا أن يعلّموني… لكنني… رفضت الانصياع.”

 

“المعدنيون؟”

 

“الأزرق ذاك… الذي صنع هذا المكان المعدني قد رحل منذ زمن بعيد… لكن مخلوقاته ما تزال تواصل مهمتها.”

 

كان ميكرون قد مات، لكن ذكاءه الاصطناعي ظل يواصل أبحاث الإكسير بالنيابة عنه. وهذا يفسّر وجود تلك الكائنات في الخزانات، وكلمات آدم البدين عن نظام إنتاج مقلد داخل المخبأ. لقد صُممت المنشأة لاكتشاف تقنيات جديدة يمكن للعبقري استخدامها للسيطرة على العالم، وستظل تفعل ذلك ما لم يتم تعطيلها.

 

“هناك بوابة داخل هذا المخبأ، أليس كذلك؟” خمّن رايان. “البوابة التي استخدمها ذكاء ميكرون الاصطناعي لاستدعائك من بُعدك الأصلي.”

 

“نعم. وما إن أعبرها، سيقوم الكيان الأسمى… بنقض السبب الذي جلبني إلى هنا… سيزيلني من مجرى السببية، وسينسج الواقع نفسه من جديد… وحين تعيد تشكيل الزمن، لن يكون لي وجود أصلًا… وحدك أنت ستتذكر.”

 

إذا كان كائن كهذا قادرًا ببساطة على إعادة كتابة الواقع، بل حتى محو شخص من مجرى الزمن… فهل يستطيع أن يفعل العكس أيضًا؟

 

وفورًا، اتجهت أفكار رايان إلى ياسمين. “هل يمكنه فعل أكثر من ذلك؟ إذا كان يتحكم في المفارقات… هل يمكن لكيانك الأسمى أن يعيد شخصًا؟ شخصًا لم يوجد قط؟”

 

“أنت ترغب في استعادة… شخص أنت أزلته…” تأمل الإكسير الأسود في الإجابة. “لا شيء مستحيل على الكيانات الأسمى… طالما كان ذلك… ضمن حدود لونهم… لكن سيكون هناك… ثمن.”

 

“أنا مستعد لدفعه عن طيب خاطر.”

 

“ليس عليك وحدك… ليس فقط أنت…” صححه الإكسير الأسود. “واقعكم لا يمكنه أن يحتمل وجودنا… بالنسبة لي لن يشكل محوي فرقًا، فأنا… خلل في النظام… لكن صديقتك…”

 

“وجودها بحد ذاته سيلحق ضررًا بالواقع نفسه.” خفت حماس رايان فجأة. “فهمت…”

 

“هل… تريدني مع ذلك أن أطلب من الكيان الأسمى؟ قد يصغي لطلبي.”

 

“سنرى ذلك حين يحين أوانه،” قال الموصّل وهو يعقد ذراعيه. “لا فائدة من الخوض في هذا الحديث قبل أن أفتح البوابة أصلاً. لكن لماذا اخترتَ التواصل معي من بين كل الناس؟”

 

“أنت تتذكر… ولديك… لديك صلة قوية… بالأسمى البنفسجي… ذلك الذي يشرف على تدفق السببية… أنت ترى الأشياء بعينه…”

 

تجمّد رايان في مكانه. “ماذا تعني بذلك؟”

 

“أنت المراقب في هذه الحلقة الزمنية… أنت من يقرر إن كان هذا الحدث حقيقيًا أم لا… وهذه القدرة تمتلكها بإرادة… الأسمى البنفسجي.”

 

تأمل الموصّل تلك الكلمات بتمعّن. كان قد شك في الأمر من قبل، لكن أن يسمع هذا التأكيد…

 

“لطالما تساءلت كيف تتفاعل قدرتي مع أشياء مثل الانتقال بين الأبعاد،” قال المسافر عبر الزمن متذكرًا الغريملينات. فقد تذكرته تلك الكائنات، لكنها وُجدت في بُعد آخر خارج نطاق قدرته. كان من المفترض أن تخلق هذه الظاهرة مفارقات زمنية، لكنها لم تفعل. “يبدو أن الأمر ينجح لأن قوة أعلى تتدخل وتُسوّي الأمور، وتحرص على تفادي التناقضات.”

 

تبدّلت عيون وأفواه الإكسير الأسود التي لا تُحصى، واعتبر رايان ذلك بمثابة إيماءة موافقة. “الكيان الأسمى البنفسجي… هو البوابة والمفتاح… لكل الزمان والمكان… إنه المشرف الأعلى على السببية… رأيتُ إرادته تعمل في الحلقة السابقة.”

 

المخلوق الهرمي.

 

“هل هو من رتّب هذا اللقاء؟” سأل رايان وقد تسلّل إليه بعض رعب الوجود. “هل أمتلك أي تحكم في أفعالي أصلًا، أم أن كل شيء محدد مسبقًا بإرادته؟”

 

لكن، ولدهشته، جاء جواب الإكسير الأسود مشبعًا بنبرة من التفاؤل: “أنت حر… كل ما في الأمر أنك… وُجّهت فقط. الأسمى البنفسجي لا يتدخل إلا ليحافظ على اتساق هذا الواقع… لكنك صغير جدًا… كونك كله لا يساوي أكثر من جزيء بالنسبة للكيانات الأسمى…”

 

“الحاكم لا يتدخل في التفاصيل الصغيرة؟”

 

“لا.” أكد الإكسير الأسود. “هو لا يتحكم، بل يوجه بلطف… لقد أُظهِر لك الطريق، لكن… الخيار يعود لك في أن تسلكه أو لا. المطلق لم يعد يتدخل في هذه الحلقة الزمنية… ليس بعد الآن.”

 

إذًا، رايان هذه المرة وحده تمامًا؟ لقد منحه ذلك الكيان مخرجًا من معضلته السابقة ووحدته، ثم اختار أن يتركه يواجه الأمور بنفسه. صار أمام الموصّل حرية كاملة: إما أن يأخذ بالحل المقترح، أو يبحث عن طريق آخر، أو حتى يفسد كل شيء. كان في ذلك نوع من التحرر، بطريقة ما.

 

“حسنًا، سنبحث عن تلك البوابة ونعيدك إلى موطنك،” قال رايان، فبدأ الإكسير الأسود يتلوى ارتياحًا—كان مشهدًا يكاد يكون لطيفًا… بشكل مزعج. “بماذا أناديك إلى ذلك الحين؟”

 

“لا حاجة لي بالأسماء…” أجاب الكيان. “الكلمات تعجز عن وصفي…”

 

“سأناديك ‘داركلينغ’ إذًا.” حسم رايان الأمر.

 

“أنا أوجد خارج الزمن… خارج المنطق… لا يمكن اختزالي باسم واحد—”

 

“أنا الرئيس. اسمك الآن داركلينغ.”

 

ظل الإكسير الأسود صامتًا للحظة، وتركزت كل عيونه على رايان. وتساءل الرئيس فجأة إن كان قد أغضب الكيان. “كما تشاء…” تمتم داركلينغ أخيرًا، لكن النبرة أوحت بعكس ذلك.

 

اتضح أن الكائنات الفضائية أيضًا تستطيع أن تتدلل وتستاء.

 

☆☆☆☆☆

 

داركلينغ تعني كائنا مظلما.

 

ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.

 

[1] المكتب البيضاوي هو مكتب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في البيت الأبيض، وقد اكتسب شهرته وشكله البيضاوي عام 1909. إنه رمز للسلطة الرئاسية في الولايات المتحدة.

 

[2] سيربيروس هو كلب أسطوري بثلاثة رؤوس من الميثولوجيا اليونانية والرومانية، ويُعرف بكونه حارس مدخل العالم السفلي. يرمز في الثقافة الحديثة إلى الأمن المشدد والحماية التي يصعب اختراقها.

 

[3] لعبة الأسئلة العشرين هي لعبة تخمين كلاسيكية يلعبها شخصان أو أكثر. يقوم أحد اللاعبين باختيار كلمة أو مفهوم سري، ويحاول اللاعبون الآخرون تخمينه عن طريق طرح ما لا يزيد عن 20 سؤالًا يمكن الإجابة عليها بـ “نعم” أو “لا” فقط.

 

[4] ثيودور روزفلت، المعروف باسم “تيدي”، كان الرئيس السادس والعشرين للولايات المتحدة الأمريكية (1901-1909). تميزت فترة رئاسته بـمكافحة الاحتكارات، حماية البيئة وإنشاء الحدائق الوطنية، وبناء قناة بنما. كان شخصية قوية ونشيطة، ومقولته الشهيرة “تحدث بهدوء واحمل عصا غليظة” تلخص سياسته الخارجية.

 

[5] تشير صفقات فاوست الشيطانية إلى اتفاق يقايض بموجبه الشخص قيمه الأخلاقية أو روحه مقابل منفعة دنيوية كالمعرفة أو السلطة. ينبع المفهوم من أسطورة الدكتور فاوست الذي باع روحه للشيطان، ويرمز إلى العواقب الوخيمة للسعي وراء الرغبات الجامحة على حساب المبادئ.

 

[6] هذه إشارة واضحة إلى فضيحة بيل كلينتون ومونيكا لوينسكي التي حدثت في أواخر التسعينيات. كان بيل كلينتون رئيسًا للولايات المتحدة، ومونيكا لوينسكي كانت متدربة في البيت الأبيض. الفضيحة تضمنت علاقة بينهما، وأدت إلى إجراءات عزل ضد كلينتون.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset