الفصل 45: دماء في الماء
حين كان رايان يلعب ألعاب العالم المفتوح، لطالما أحبّ أن يوجّه الذكاء الاصطناعي ضدّ نفسه. أن يستدرج وحشًا إلى حدود مستوطنة، ثم يجلس متفرّجًا على الشخصيّات غير القابلة للّعب وهي تتقاتل مع أعداء مبرمجين… من أجل تسليته فقط. كان يجد في ذلك متعةً مريحة.
لكن مشاهدة النسخة الواقعيّة؟ كانت أكثر توتّرًا بكثير.
أمطرت قوّة ديناميس الجوّية السماء بوابلٍ من الصواريخ، لكن أنظمة ياسمين المضادّة للطيران نجحت، بمعظمها، في تفجيرها في الجو. أما غايست، وقد تحوّل الآن إلى طيفٍ عاصفٍ بحجم مبنى، فقد أعاد توجيه بعض القذائف بقوّته الذهنيّة، مدمّرًا مروحيّتين في طريقه.
لكن الحظّ لم يحالف الأوغُستي حين تعلّق الأمر بجينومات العدو. فقد اخترقت وايفرن، التي لا تُقهَر، الجدار الخارجيّ للحصن، ناشرةً الحجارة في كلّ اتجاه، بينما بدأت ديفيلري، صاحبة القوّة الناريّة، تمطر دفاعات المختبر الفائق بالقذائف من الأعلى، مركّزةً على الأبراج. وفي الأثناء، استدعى ويندسويب إعصارًا مصغّرًا في محاولة لصدّ غايست.
“كويك سيف، هل تودّ المراهنة مع مورتيمر العجوز المسكين؟” صاح مورتيمر، وهو يطلق النار على المروحيات دون أن يكلّف نفسه عناء الاحتماء. كانت الرصاصات والقذائف تمرّ عبر جسده دون أن تؤذيه. “من يقتل عددًا أكبر من رجال الشركة يفوز!”
“هل تُحتسب الإصابات غير القاتلة؟” سأل رايان، وكان لا يزال جالسًا على كرسيّه، ممسكًا بسلاحه، يستخدم مزيجًا من إيقافات الزمن والطلقات الدقيقة لتفجير الصواريخ قبل أن تصيب الحصن. “لأنني تركت أفضل معداتي المضادّة لمروحيات الحرب… في المنزل.”
اتّجه صاروخ نحو موقعه، فتوقّف الزمن، ونقل الموصّل الكرسي بعيدًا، ثم استأنف الوقت دورانه بعدما وصل إلى مكان آمن.
“يا للمستعرض،” علّق مورتيمر بلا انبهار. “أنت أسوأ من فورتونا.”
“مهلًا، هذا تطاول!” احتجّ رايان وهو يرمي سلاحه بعدما فرغ من الذخيرة. “أنا أعمل جاهدًا لأبدو مثاليًّا، أما هي… فقوّتها من تقوم بكل العمل.”
بصراحة، بدأ القلق يتسرّب إلى رايان قليلًا. فرغم أنّ الدفاعات البشريّة والآليّة للحصن كانت تصمد جيدًا، إلا أن ديناميس كانت تحرز تقدّمًا، وتساءل الموصّل كيف سيردّ أوغستس على هجوم علنيّ كهذا ضدّ مصنعه للمخدّرات. رايان اشتبه أن التعزيزات ستصل قريبًا… وتحوّل هذا الفوضى إلى معركة طاحنة ضخمة.
وباختصار؟ لم يستطع الانتظار.
ومع تدمير بعض الأبراج الدفاعية، تمكّنت مروحيات من الهبوط فوق الجدار الخارجي. اشتبك جنود مدجّجون بدروع مكافحة الشغب أو دروع آلية متطوّرة مع مدافعي الأوغُستي في معركة ناريّة مباشرة، بينما تابعت وايفرن ضرب الحصن محاوِلةً فتح ثغرة في المبنى. وكانت الأرض تهتزّ مع كلّ ضربة من ذاك التنّين العملاق… رغم أنّه بدا أن فولكان قد عزّزت جدران الحجر القديمة.
في نهاية المطاف، لاحظ رايان مروحيّة أخرى تهبط في الحديقة القريبة. خرج منها ثمانية جنود يرتدون دروع مكافحة الشغب، يرافقون جينومَين اثنين. الأول كان رجلًا ذا شعرٍ أسود طويل، يرتدي مزيجًا غريبًا على طريقة ماد ماكس[1] من درعٍ فولاذيّ صدئ ورداءٍ متهالك. معظم وجهه كان مغطّى بوشاحٍ أحمر ونظّارات داكنة، وما أقلق رايان حقًا هو الحزام الناسف الملفوف حول خصره.
أما الثاني، الأكثر بهجة، فكانت شابة في عمر رايان تقريبًا، من أصل صيني أو ياباني على الأرجح. ذكّرته بأولئك نجمات الكيبوب قبل الحرب، بشعرٍ مصبوغ، وملامح جميلة، وعينين بُنيّتين ساحرتين. كانت ترتدي فستانًا غريبًا، يتغيّر لونه وطوله كلما نظر إليه، فيما بدت ابتسامتها المشرقة والخجولة غير ملائمة وسط الفوضى المحيطة بها.
“ريلود و ووردروب،” تمتم مورتيمر وهو يفتح النار على الوافدين الجدد، بينما كان جنود مكافحة الشغب يشكّلون جدارًا من الدروع الشفّافة لحماية أنفسهم. احتمى جينومات ديناميس خلفهم، يتلقّون الأوامر عبر سدّادات أذن مخصصة. “رائع فعلًا… لا أطيق ريلود!”
“لماذا؟ بسبب ذوقه الكارثي في الملابس؟” سأل رايان، وقد نهض عن كرسيّه ورفعه كسلاح مرتجَل. بجدّية، قسم التسويق في ديناميس يستحقّ الإبادة—كيف يمكن الترويج لكارثة بصريّة كهذه؟
“لأنه لا يموت ببساطة!” زمجر مورتيمر وهو يعيد تلقيم بندقيته. “إنه أسوأ أنواع البنفسجيّين!”
أثار ذلك فضول رايان فعلًا. نظر إلى كارثة نهاية العالم المتمردة المختبئة خلف جدار الدرع، لكن لم يستطع استنتاج قوّته من مظهره وحده. “تحذير أخير، يا رومانو!” صاح أحد الجنود وهو يجهّز سلاحه خلف الجدار الشفّاف. “استسلم الآن، وإلّا فتحنا النار! لدينا تصريح باستخدام القوّة القاتلة!”
“ألم يخبرك أحد أنني خالد؟!” صرخ رايان في وجهه، رافعًا كرسيّه مهدّدًا، بينما دوّت الانفجارات من حولهم. “سأعود لأطاردكم كالشبح!”
“أوه، هل أنت أصفر أيضًا؟” سألت ووردروب من خلف الجدار، بنبرة يغلب عليها الفضول.
“إنه مشتّت، أطلقوا النار!” صرخ أحد الجنود وهو يوجّه بندقيّته فوق الحاجز الشفّاف. مورتيمر فتح النار فورًا، وأسقط سلاح الرجل برصاصة موضوعة بعناية، بينما ألقى رايان الكرسي في وجه شرطة الشركة.
ارتدّ المقذوف عن الدروع، وفي تلك اللحظة تغيّرت ملابس ووردروب حرفيًّا. فستانها الغريب تحوّل إلى زيّ تميمة على شكل ذئب، وقفزت فوق الحديقة بقوّة ورشاقة أقرب إلى مستذئب.
اضطر رايان إلى إيقاف الزمن كي يمنعها من الانقضاض عليه كأنّه فأر، واستغلّ تلك اللحظات القليلة ليرتدي القفازين المعدلين.
“يا إلهي، ها أنا أموت من جديد!” قال ريلود بحماسٍ مبالغ فيه، وهو يقفز فوق جدار الدروع ويندفع نحو غطاء مورتيمر كأنه انتحاري. وفي مشهد يُنتزع من فيلم أكشن، أطلق القاتل النار على صدر البطل، لكن ريلود واصل اندفاعه بلا تباطؤ. قفز باتجاه مورتيمر، الذي اختفى بسرعة عبر الأرض تحته. ثم انفجر الحزام الناسف، ونسف الغطاء الحجري إلى شظايا.
شعر رايان بوخزة مألوفة في مؤخرة جمجمته. في البداية ظنّ أنه من فعل أسيد رين، لكن الجسد الذي انفجر قبل لحظات أعاد تشكيل نفسه في نفس المكان، وسط وميض بنفسجيّ، دون أن يصاب بخدش. كان الحزام الناسف لا يزال يلتفّ حول خصره، سليمًا تمامًا.
“أيها المقلّد! أنا من بدأ موضة الأحزمة الناسفة قبل أن تصبح رائجة!” صرخ رايان وهو يشير بإصبع الاتهام نحو ريلود، راكضًا في دوائر ليتفادى مخالب ووردروب. “وإن أوقفت الزمن، سأقاضيك!”
لماذا لم تطلق عليه ديناميس اسم تايم لورد؟
وحين لم يظهر مورتيمر مجددًا، وجّه الجنود أنظارهم نحو رايان وبدأوا بإسناد ووردروب بنيران تغطيّة. لكن الموصّل السعيد أوقف الزمن ليتفادى الرصاص، واقترب من الحثالة، ثم سدد لكمة باستخدام القفاز المعدل لأقرب واحد منهم لحظة استئناف الوقت. وكما يليق بلحوم المدافع، سقطوا بضربة واحدة.
بينما كان حبيبها منشغلًا بمشاجرة ضدّ الجنود، خرجت فولكان من الحصن بكامل درعها، واندفعت نحو وايفرن بأسلوبٍ يشبه مصارعة الرغبي. دفع الدرع الآليّ التنّين المفاجَأ نحو شعاب جزيرة إيسكيا، وردّت البطلة المتحوّلة بإطلاق شعاعٍ من الضوء المتماوج كالشفق من فمها.
انطلقت حزمٌ قرمزيّة من داخل الحصن نحو المروحيات — على الأرجح من فعل سبارو.
وفيما كان رايان يدمّر وحده وحدة الجنود، وظلّت ووردروب تراقب من بعيد باحثة عن طريقة للهجوم، دخل ريلود المعركة مجدّدًا. مدّ يده أسفل درعه، وأخرج قضيبًا معدنيًّا صغيرًا.
انبثق منه سيفٌ من ضوء بنفسجيّ.
أوقف رايان سَحقه الأحادي لأحد الجنود للحظة، وحدّق في السلاح الإلهي، مسحورًا بكماله؛ تصميمٌ نقيّ، خالد، ولون بنفسجيّ أنقى من أيّ درجة رآها في حياته. كان ليبدو مثاليًّا مع بدلته.
لقد كان حبّ من النظرة الأولى.
وفورًا، فعّل رايان قدرته، سرق النصل، وركل ريلود في الزمن المجمّد.
وحين عاد الزمن إلى دورانه، وسقط البطل على ظهره بين الأزهار، رفع رايان غنيمته عاليًا نحو السماء. كان خفيفا كريشة… لكن، ولخيبة أمله، لم يصدر أيّ صوت.
“ششششڤرررررررررررممممم!” قال الموصّل، مقلّدًا صوت سيف ضوئيّ حقيقي. “ششششڤرررررررممممم!”
لن يتخلّى عنه أبدًا.
“هيه! سيفي الليزري!” احتجّ ريلود وهو ينهض على قدميه مجددًا، بينما كان رايان قد عاد لتأديب جنود ديناميس.
“اسمه سيف ضوئي!” صرخ رايان في وجه هذا الجاهل، وهو يقطع درع أحد الحثالة وبندقيّته كأنها زبدة. “أنصت إلى مشاعرك… أنت تعرف الحقيقة!”
في هذه المرحلة، كانت تعليقاته الساخرة تكتب نفسها بنفسها.
“لحسن الحظ،” قال ريلود وهو يُخرج سيفًا ضوئيًّا ثانيًا بلونٍ قرمزي، “أحتفظ بواحد احتياطي!”
لكن اللون… خاطئ تمامًا.
بحلول تلك اللحظة، كان رايان قد ركل مؤخرات كلّ الحثالة الموجودين، أو جرّدهم من سلاحهم، ولم يتبقَّ في الساحة سوى البطلَين لمواجهته. فرّ الجنود عائدين إلى المروحيّة، ثم انسحبوا من الجزيرة بالكامل، فيما ظلّ الجينومات في مواجهة متجمّدة، أشبه بما يُسمّى مأزق مكسيكي. رمق الموصّل ياسمين بنظرة سريعة، لكنها بدت واثقة ومسيطرة على الوضع تمامًا. كانت العبقرية ووايفرن قد دخلا في اشتباك جويّ طويل المدى، وفولكان تواصل صدّ شريكتها السابقة عند حدود الجزيرة.
“كويك سيف!” نادت ووردروب، وقد تحوّل زيّ المستذئب إلى زيّ هالوين تقليديّ على شكل جاك-أو-لانترن[2]. قناع قرعٍ برتقالي غطّى رأسها، تتحرّك شفتاه كأنهما تنتميان لمخلوقٍ حي. “هل صحيح أنّك تستطيع إيقاف الزمن؟”
“نعم، أستطيع!” ردّ رايان بنبرة ودودة مماثلة، مشيرًا بسيفه الضوئيّ نحوها كسيّاف مبارز. رفع ريلود سلاحه بدوره، محاولًا أن يجد ثغرة… أو ربّما فقط ليبدو رائعًا. “هل فيليكس القط معكم؟”
“أوه، أراد أن يأتي، لكن إنريكي منعه!” ردّت ووردروب بابتسامة، وقد كوّنت بيديها فانوسًا ناريًّا أصفر وهميّ الشكل، ثم رشقته نحو رايان كأنّه حجر. “أنا ووردروب، بالمناسبة! تشرفت بلقائك!”
حسنًا، يبدو أنها تأخذ القتال بجدّية توازي رايان نفسه. من المؤسف أنّهما يقاتلان في صفّين متقابلين — الموصّل كان واثقًا أنّ بينهما انسجامًا طبيعيًّا لو التقيا في ظروف مختلفة.
باستخدام سيفه الضوئيّ المسروق، شطر رايان قذيفة الفانوس إلى نصفين، فانهارت إلى غبارٍ أصفر غير ضارّ، قبل أن يصدّ نصل دارث ريلود بينما حاول الالتفاف عليه من الجنب. التقى السيفان الضوئيّان دون أن يخترق أحدهما الآخر، وراح رايان يستخدم إيقاف الزمن لتفادي فانوس ناريّ جديد من ووردروب. وهذه المرّة، انفجر المقذوف عند اصطدامه بالأرض… إلى لهبٍ شبحيّ.
قوّتها غريبة فعلًا.
لكن لسوء حظه، كان ريلود مجرّد هاوٍ يحمل سلاحًا متطوّرًا، بينما الموصّل… قد أتقن كلّ أساليب المبارزة التي عرفتها البشريّة. ورغم أنّ المشهد بدا ملحميًّا، إلا أنّ المبارزة بالسيوف الضوئيّة لم ترقَ لتوقّعات رايان.
“بجدّية، في هذه المرحلة، أنتما تجبرانني على استخدام يدٍ واحدة فقط،” قال الموصّل وهو يضع ذراع خلف ظهره ويتصدّى لجميع ضربات البطل بالأخرى. “ومع ذلك… ما زال الأمر يبدو غير عادل.”
“سأريك ما هو الظلم!” انفجر ريلود غيظًا من السخرية، وحاول تفجير حزامه الناسف، لكن رايان أوقف الزمن وانتقل خارج نطاق الانفجار. تحوّل البطل إلى غبار… ثم أعاد تشكيل نفسه من جديد.
“استخدم غضبك!” سخر رايان منه، وهو يقطع فانوسًا ناريًّا من جانبه دون أن يلتفت حتى. “استخدم ألمك! أكيد عندك ما يكفي لتغرف منه!”
“أيمكنك أن تُكرّر إيقاف الزمن؟!” زمجر ريلود وهو ينهال على الجينوم البنفسجي المنافس بسيفه بعشوائية، فور تعافيه. لكن محاولته اليائسة لاختراق دفاع رايان فشلت، وهو ما زاد من غيظه أكثر. “أيها الغشّاش المبالغ في القوّة!”
“قوّة لا محدودة!” ردّ رايان، وقبل أن يُكمل عبارته، قطع ذراع البطل بضربة حاسمة… لكنها عادت لتلتصق بجسده بعد لحظات. إعادة زمنية محدودة، يبدو أنها تطبّق فقط على الجسد والأشياء الملاصقة له. لم يكن ينوي السقوط، مهما تكرّرت المحاولات الفاشلة.
شعر رايان بنوع من الألفة الروحية تجاه هذا الرجل. بالطبع، ليس إلى درجة أن يأخذه على محمل الجد، لكن على الأرجح سيدعوه لشرب شيء بعد أن تهدأ الأمور.
“ولِمَ لا تتحوّلين إلى سوبرغيرل إذًا؟” سأل رايان ووردروب، وهو يتفادى ضربة من ريلود. أوقف الزمن، وأمسك البطل من وشاحه بيده الحرة، ثم استغل الزخم ليرميه نحو زميلته. “كان بوسعكِ إنهاء هذه المعركة في ثوانٍ لو فعلتِ!”
“لا يمكنني ذلك! تلك شخصية محمية بحقوق النشر!” ردّت الجينوم الصفراء ما إن عاد الزمن للدوران، فيما كان زيها يتحوّل إلى ملاءة سرير. مرّ ريلود من خلالها كما لو لم تكن موجودة أصلًا. “أنا أستطيع استخدام الشخصيات المتاحة ضمن الملكية العامة فقط!”
“ماذا، حقوق الملكية الفكرية هي نقطة ضعفك؟” سأل رايان بخيبة أمل شديدة. “كيف يُعقل هذا أصلاً؟”
“أنا لا أضع قوانين قوتي، مفهوم؟!” ردّت ووردروب بعبوس، وقد بدا عليها التأثر بتعليقه. تغيّر زيها من جديد إلى زي ساحرة، وأطلقت صاعقة برق من أطراف أصابعها نحو رايان.
“آسف، آسف!” قال رايان وهو يصد البرق بسيفه الضوئي على طريقة ستار وورز. “بصدق، كنت سأغازلكِ في ظروف أخرى. أنتِ تمامًا على ذوقي، لكن عندي عقد حصري في الوقت الحالي.”
“أوه، شكرًا! وأنا أيضًا لدي عقد حصري!” ردّت بحماس، بينما كان ريلود ينهض من جديد. وبصراحة، لم يستطع رايان إلا أن يعجب بإصراره. “هل ترغب أن تصبح عدوي اللدود؟ ليس لديّ واحد حاليًا، وقسم التسويق يقول إن ذلك يزيد من نسب المشاهدة!”
حسنًا، سايشوك مات في هذه الحلقة الزمنية… إذًا، “لمَ لا؟ أنا متفرغ كل عطلة أسبوع!”
“شكرًا!” تبدّل زي ووردروب مجددًا، ليصبح هذه المرة زي مومياء. تحولت الأزهار من حولها فورًا إلى غبار، وتحولت ضماداتها إلى أربطة بالية انطلقت كالأسواط نحو رايان. سارع الموصّل إلى قطعها بسيفه الضوئي، بينما حاول ريلود الالتفاف عليه من الجهة اليسرى.
حَيَّر رايان سببُ عدم تحوّل ووردروب إلى جينوم آخر، أو حتى اكتفاؤها بشكل واحد بدلًا من تبديل هيئتها باستمرار. ربما كان ذلك جزءًا من أسلوبها في القتال، أو أن قدرتها—مهما بدت متنوّعة—لها حدود زمنية.
ومع ذلك… كانت هذه واحدة من أمتع المعارك التي خاضها منذ وصوله إلى روما الجديدة! تستحقّ الرحلة عن جدارة!
“قدرتُه خارقة بشكل مجنون!” تذمّر ريلود، بينما كان رايان يوقف الزمن للحظات ليتفادى إحدى ضرباته. “ووردروب، عندك شيء يمكنه مقاومتها؟”
“أظن أنني أملك، لكن إنريكي لن يُعجبه الأمر!” ردّت وهي تغيّر زيها مجددًا. توقّف رايان عن الحركة، يراقب المشهد وهو يتشكّل أمامه. لقد تحوّل زي ووردروب إلى هيئة حاكم يوناني قديم، بتوجا وصنادل وإكليل غار ذهبي. بدا وكأن الزي يغلف بشرتها، محوِّلًا إياها إلى لون أبيض غير طبيعي.
بدت أشبه بتمثال عاجيّ لـ—
…
تبًّا.
أوقف رايان الزمن فورًا، وتحول العالم إلى أرجواني.
توقفت كل حركة، وخمد كل صوت. المعركة المستعرة في الخلفية أصبحت مجرد مشهد جامد، لحظة مجمّدة في الزمن.
“آه، هكذا يبدو الأمر إذًا!” قالت ووردروب، وهي تتلفّت بدهشة بين رفاقها المتجمّدين في الزمن. أصابعها تتوهّج بالكهرباء الصفراء، أقرب إلى الذهبية. “إنه جميل للغاية!”
كانت تشيتر قد حذّرته في إحدى الحلقات الماضية، لكنه لم يُعر الأمر انتباهًا.
تبًّا، تبًّا، تبًّا!
“تبًّا!” صرخ رايان، بينما أطلقت ووردروب صاعقة برق نحوه داخل الزمن المتوقف. أصابت الضربة صدره، وقذفته إلى الوراء بعنف.
لقد كانت مؤلمة، وبدا شكلها كصاعقة بالفعل… لكن رايان، الذي مات صعقًا بالكهرباء أكثر من أن يستطيع العدّ، أدرك على الفور أن الهجوم لم يكن سوى تقليد باهت للبرق الحقيقي. لو كانت ضربة حقيقية، لقتلته في الحال؛ أما هذه النسخة الصفراء فلم تتسبب سوى بأضرار طفيفة—كانت تعمل بمنطق أفلام السينما، لا بقوانين الصواعق الفعلية.
انتهت رحلة رايان القسرية عند طرف الحديقة، حيث لامست الأزهار مياه البحر الأبيض المتوسط. ما إن عاد الزمن إلى دورانه، حتى صرخ ريلود بحماس: “لقد نجحت!”
“لا أستطيع الصمود…” تمتمت ووردروب، وقد بدأت ملابسها تتغير خارج إرادتها—في لحظة كانت ترتدي زي أوغستس، وفي اللحظة التالية صارت في زي تميمة ديناصور تيرانوصور. “اللعنة، الشخصية غير مستقرة بما يكفي!”
على الأقل… لا يمكنها استخدام قوة الأصل بالكامل، فكّر رايان وهو ينهض واقفًا من جديد. وإلا لكان قد تبخّر فورًا.
مع ذلك، صدره ما زال يؤلمه بشكل فظيع!
“انتهى أمرك يا كويك سيف!” قالت ووردروب بابتسامة واثقة، وقد احتضنت هيئتها الديناصورية الجديدة، بينما وقف رايان منتصبًا من جديد، سيفه الضوئي في قبضته. “نحن نملك الأفضلية الآن!”
رايان كان على وشك أن يتأوّه، لكن طريقتها في إلقاء العبارة كانت مثالية بالفعل.
لكنهم جميعًا… لم يحسبوا حساب قوة الصداقة.
شعر رايان بشيء يخرج من المياه خلفه؛ صوت ارتطام واحتكاك درع آلي ثقيل وهو يخطو إلى اليابسة بدا كموسيقى عذبة في أذنه. رمش أبطال ديناميس بدهشة، قبل أن تغمر وجوههم سيولٌ من الماء المضغوط.
ألقى رايان نظرة خلفه، فرأى صديقته الأقدم تتقدم إلى جانبه، وسلاحها المائي يفرغ كامل قوته على ثنائي إل ميليوري. “قصيرة!”
“آسفة، آسفة!” اعتذرت لين، وقد تشوّه صوتها قليلًا بفعل الدرع المائي. “جئت بأقصى سرعة استطعتُها!”
واصلت لين ضخّ الماء المضغوط، لكن لدهشة رايان، بدأ السائل ينقسم إلى نصفين. ظلّت ووردروب وريلود واقفَين وسط التيار بلا أن يصيبهما ضرر، بعدما تغيّر زي الجينوم الصفراء مجددًا ليصبح زيّ شابة ترتدي ملابس بالأزرق والأبيض، بشعر بني طويل مضفور.
“يمكنكِ تقليد سوسانو[3] أيضًا؟” سأل رايان غريمته الجديدة، مدهوشًا من مرونة قوّتها الهائلة. “ماذا بعد؟ هل بوسعك ارتداء زي ديونيسيوس[4] وتحويل الماء إلى نبيذ؟”
“أفعل ذلك أحيانًا في الحفلات!” ردّت بابتسامة، بينما أوقفت لين مضخات الماء. ظل الثنائيان يراقبان بعضهما بعضًا لثوانٍ، يحاول كل طرف أن يجد مخرجًا.
لكن سلسلة من الانفجارات قطعت حالة الجمود، إذ تحطمت مروحية تابعة لديناميس في الحديقة القريبة، سقطت وسط ألسنة اللهب، وأضرمت النار في الأزهار المحيطة.
نظر رايان إلى البحر الأبيض المتوسط، فإذا بأذرع مائية هائلة بحجم ناطحات السحاب تنهض من بين الأمواج، تطارد المروحيات كأنها أفاعٍ عملاقة.
توقفت ديفيلري عن قصف الحصن، وركّزت اهتمامها على تلك الظواهر الغريبة، فأطلقت كرات نارية هائلة باتجاه أذرع الماء، لكن رغم أنها تحوّلت إلى بخار بفعل الحرارة، سرعان ما ظهرت أطراف أخرى من الأعماق محاولة سحق الطائرة. ومن بعيد، لمح رايان عدة دراجات مائية تتجه نحو الجزيرة؛ وقد تعرّف بين السائقين على وجوه مألوفة، مثل غريتا.
التعزيزات وصلت.
في هذه الأثناء، كان كل من وايفرن وفولكان قد تحولا إلى نقطتين بعيدتين في السماء، يواصلان معركتهما فوق الغيوم وخارج مرمى الأنظار. ورغم أن الجدار الخارجي للقلعة كان قد تهدّم بفعل القصف، إلا أن حصن الأوغُستي بقي صامدًا في معظمه. أما غايست، فقد تولّى سدّ الثغرة التي أحدثتها وايفرن في البناء، رافعًا الحجارة بقوته الذهنية محاولًا إغلاقها من جديد.
“نبتون…” تمتم ريلود وهو يحدّق في الأذرع المائية، قبل أن يلتفت إلى زميلته. “ووردروب، أخرجي بذلة القيامة!”
“لكنها خطِرة للغاية!” اعترضت ووردروب.
“إن لم تستخدميها، سيُغرقنا جميعًا!”
استنشقت ووردروب نفسًا عميقًا، وبدأ زيها يتغير، بينما كان رايان ولين يستعدان لمعركتهما الأخيرة، ظهريهما متلاصقان.
دوّى صوت طلقة نارية عبر ساحة المعركة، ثم انهارت ووردروب أرضًا.
لثانيةٍ واحدة، بدا الزمن وكأنه تجمّد—دون أن يكون لرايان يد في ذلك. سقط جسد البطلة أرضًا، فيما راقبها ريلود مذهولًا، وقد خرجت من تحت الأرض وراءهما مباشرةً هيئة مألوفة.
“يا للخيبة…” تمتم مورتيمر بلا أي ندم، ورأس بندقيته ما زال يطلق الدخان. “يبدو أن مورتيمر هو من فاز بالرهان.”
☆☆☆☆☆
اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.
[1] ماد ماكس هو بطل سلسلة أفلام حركة تدور في عالم ما بعد الانهيار، حيث يصبح الناجون محاربين في صحراء قاسية وفوضوية. يتميز بشخصيته القاسية وزيه المميز الذي يحميه من الظروف الصعبة.
[2] “جاك أو لانترن” هو اسم يُطلق على فوانيس الهالوين المصنوعة من القرع والمحفورة بوجوه مخيفة.
[3] سوسانو: حاكم العواصف والبحر في الأساطير اليابانية.
[4] ديونيسيوس: حاكم النبيذ والاحتفالات في الاساطير الاغريقية.
