النهاية المثالية: الفصل 43

شبح جزيرة المخدرات

الفصل 43: شبح جزيرة المخدرات

 

في أعماق مخبأ فولكان، جلس جينومان حول طاولة العمل يتأمّلان مسوّدة تخطيط، منهمكين في العصف الذهني. فعلى مدار الساعة الماضية، كانا يكافحان للإجابة عن أحد أهم الأسئلة المصيريّة في هذا العالم — بل قد يقول البعض، السؤال الوحيد الذي يستحقّ الإجابة.

 

كم عدد الأسلحة التي يمكن حشرها داخل درعٍ قتاليّ واحد؟

 

“سيكون أفضل مع قاذفات صواريخ،” قال رايان وهو يناقش تصميم درعه. كانت فولكان قد اختارت تصميمًا يتناسب مع جسد الموصّل بدلًا من أن يكون آليًا عملاقًا؛ هيكلًا خارجيًا لا دبابة. “سكينان مخفيّان تحت الذراعين، مدفع ضخم في الصدر، أبراج رشاشة على الكتفين…”

 

“الهدف هو تعزيز قوتك، لا نسف نصف روما الجديدة،” قالت ياسمين بابتسامة مشاكسة.

 

“شخصيًّا، يمكنني الاكتفاء بمقر ديناميس.”

 

“في تلك الحالة، ستحتاج إلى ليزر أكبر،” قالت فولكان وهي تخطّ بعض التعديلات على التصميم. “يعمل بالطاقة النووية.”

 

“دعينا نسمّيه تشيرنوبل،” قال رايان بوجه خالٍ من التعابير. “هل تظنّين أنّ بعض جينوماتهم قد ينجون منه؟”

 

“نعم، لكنهم سيصبحون مشعّين. إن لم يقتلهم الليزر، فالسرطان سيتكفّل بالباقي.”

 

نظر رايان إلى ياسمين بنظرة احترام خالص. “قسوة بلغت حدّ الجمال.”

 

“أعرف،” ردّت. “والآن بعدما فكّرت بالأمر… أعتقد أنني قادرة فعليًّا على تصميم شعاع السرطان. سيكون شيئًا… بالغ القذارة.

 

كان موعدًا ممتعًا بحق… يقضيان وقتًا ثمينًا معًا، يصمّمان أسلحة دمار شامل. ثم مجددًا، فقد أمضى الموصّل معظم عطلة نهاية الأسبوع في منزل ياسمين، ما جعلهما أكثر ألفة وانسجامًا. أمّا جيمي، فكان غارقًا في تبعات ترقيته الجديدة، وبينما لم تنفّذ ديناميس تهديداتها بالانتقام بعد، كانت فولكان قد أمرت رايان، تقريبًا، بأن يبقى متواريًا لبعض الوقت.

 

حسنًا… بقدر ما يستطيع شخصٌ مثل رايان أن يتوارى.

 

“إذا كانت نظريتك صحيحة، وأنّ كل جينوم حقيقي يُنتج نوعًا من التدفّق، فلا بدّ أنه من الممكن احتواء هذه الطاقة المفترضة، حتى وإن لم نتمكّن من رصدها.” كانت ياسمين تُفكّر بصوتٍ عالٍ وهي تحدّق في السقف، وقد وضعت قدميها كلتيهما على طاولة العمل. “أعني، دميتك المحشوّة تحتفظ بمخلوق من ذلك البُعد البنفسجي محبوسًا، حسبما أخبرتني.”

 

“لا أظن أن كلمة محبوس هي التعبير الأدق—”

 

“لا يهم، ما دام قادرًا على احتوائه ومنع طاقته من التسرب،” قاطعته ياسمين. “لو جمعنا تقنيتينا، يمكننا تصميم شيء يحبس تدفق الطاقة البنفسجية الافتراضية داخل جسدك. بدلًا من تشتيت الحرارة… سنُضاعفها.”

 

ومن الناحية النظرية، فإن هذا قد يزيد من مقدار الطاقة التي يستطيع استخدامه. “أعشق الأمر حين تتحدّثين بهذه الطريقة.”

 

“أنا متحمّسة بجنون لهذا الشيء، يا رايان.” كانت ياسمين ترتجف من فرط الترقّب. وكما هو الحال مع لين وكل العباقرة الذين التقاهم رايان، لم تكن تسعد بشيء قدر انغماسها في العلم المجنون. “سنكتشف مصدر القوى، سنغيّر العالم بأسره. لا، بل سنمتلكه!”

 

“لو كان بإمكانك، هل كنتِ لتغيّري قوّتك؟” سأل رايان ببراءة. “تستبدلينها بشيءٍ آخر؟”

 

“لا، سعيدة جدًا بامتلاكها. في الحقيقة، أتمنّى لو حصلتُ عليها في وقتٍ أبكر. رغم أنني أتساءل أحيانًا كم أثّرت حالتي النفسيّة وقتها على طبيعة قوتي.” رمقته ياسمين بنظرة غريبة. “وأنت؟”

 

تنهد رايان. “لستُ أدري،” اعترف. “لقد أحببت قوتي وكرهتها بنفس القدر… لكنها الآن جزء مني. لا أستطيع تخيّل نفسي من دونها.”

 

“أفهمك،” ردّت فولكان، وإن كانت عابسة. “أنت شخص كتوم فعلًا، تدرك ذلك؟”

 

“هل تريدين معرفة هويتي السرّية؟”

 

“أنت تطرح عليّ أسئلة لا تريد طرحها على نفسك، وهذا لا يعجبني،” قالت ياسمين بنبرة حادة. “أنا لستُ طبيبتك النفسية، يا رايان. في النهاية، كل واحد يواجه الأمور وحده.”

 

“أعرف،” أجاب رايان، وقد بدأ مزاجه يعتكر. “لكن سيكون من الجميل… لو أمكن الاعتماد على أحدهم على المدى الطويل.”

 

“تغمض عينيك بسلام، لأنك تعرف أن أحدهم يساندك مدى الحياة؟ كنت أظنّ أنني امتلكت ذلك يومًا… ولم تنجح الأمور.” أشارت ياسمين إلى درعها بذقنها. “الوحيد الذي يمكنك الاعتماد عليه… هو ما تصنعه بيدك.”

 

نعم، رايان كان يشعر بالشيء ذاته تجاه سيارته. “هل سمعتِ بمعضلة القنفذ؟”

 

“ما هذا، مرض حيوانات؟”

 

“قنفذان يحاولان الاقتراب من بعضهما ليتشاركا الدفء في برد الشتاء، لكن لا يمكنهما فعل ذلك دون أن يطعنا بعضهما بأشواكهما. كلاهما يريد التقارب… لكن ذلك يعني التخلّي عن الحذر.”

 

استوعبت ياسمين المعنى بسرعة. “أيعني أنني القنفذ… أم أنت؟”

 

“كلانا.”

 

“حسنًا، هذا تشاؤمي بحق،” ردّت ياسمين.

 

“بل هذه… خبرة تتكلّم.”

 

في قرارة نفسه، كان رايان يأمل بصدق أن تُثمر تكنولوجيا دروع ياسمين عن نتائج فعلية؛ أن يكون هناك احتمال، ولو ضئيل، بأن تسير الأمور بشكل مختلف هذه المرّة.

 

ربما كان أحمقًا… لكن الموصّل لم يتوقّف يومًا عن الإيمان بأنّ كل شيء قابل للتحسّن.

 

ومع ذلك، كانت المواعيد تلاحقه. فعلى الرغم من أنه كبّدهم خسائر فادحة، ما يزال هانيفات ليكتر يعمل في مخبأ ميكرون بلا هوادة، ولم يجد رايان أي وسيلة لإزاحته دون إيقاع ضحايا… أو كشف وجود القاعدة. أفضل حلّ توصّل إليه حتى الآن، هو تجنيد شراود لاقتحام المخبأ، لكن المتحكّم بالزجاج رفض التحرّك دون دعم فريقه، وليو هارغريفز لن يصل إلى روما الجديدة قبل الأسبوع القادم.

 

“كان يمكن أن تسير الأمور بشكل مختلف،” قال رايان.

 

“ماذا؟”

 

“قوّتك،” أوضح الموصّل. “الأمر لا يتعلّق بالإكسير فقط. جزء منها أنتِ… وجزء عشوائي.”

 

“لو أعطيتِ شخصًا واحدًا إكسيرين أحمرين مختلفين في نفس الظروف، فلن يحصل على نفس القدرة. ولو أعطيتِه الإكسير ذاته، مرة وهو خائف على حياته، ومرة وهو يشعر بالأمان، سيحصل على قدرة مختلفة — وإن كانت تنتمي لنفس تصنيف اللون. ونفس الشيء إن كان معافًى، أو مسمومًا، أو متعرّضًا للإشعاع.”

 

“لا يمكنك تكرار تجربة في نفس الظروف تمامًا،” ردّت ياسمين بشكّ، وقد بدت غير مقتنعة تمامًا.

 

كان رايان يستطيع ذلك… وقد فعل.

 

في وقتٍ ما، ظنّ الموصّل أنه قد يجد طريقة يومًا ما لتكرار قوّته… لكنه، رغم كلّ ما تعلّمه عن الإكسير، أدرك في النهاية أن الأمر مستحيل.

 

نهضت ياسمين من مقعدها، أمسكت بزجاجة ماء، ثم جلست على الطاولة أمامه. فرفع رأسه نحوها. “لكن إن افترضنا أن نظريتك صحيحة،” قالت وهي تلعب برجليها في الهواء، “فأنت تعني أن لو حصل شخص ما على إكسيري… لم يكن ليصبح عبقريّ أسلحة؟”

 

هزّ رايان رأسه. “ولو كنتِ أنتِ من حصل على إكسيري، لما نلتِ قوتي. الإكسير يتكيّف جزئيًا مع الشخص الذي يشربه. وبمجرّد أن تُمنح قدرة فريدة، لا يمكن لأيّ شخصٍ آخر الحصول على نفس القدرة بالضبط.”

 

لكنّ هذا لا ينطبق سوى على الإكسير الأصلي.

 

“منطقي.” شبكت ياسمين رجليها، وعيناها شاردتان بتأمّل. “بحسب أبحاث ديناميس، يبدو أن أوغستس تمكّن من استخدام إكسيرين دون أن يُصاب بالجنون… بسبب طفرة جينية نادرة.” ثم نظرت إليه بخفة، “كيف حصلت على إكسيرك؟”

 

“صديقة لي عثرت عليه بين دفعة مكوّنة من ثلاثة.” قال رايان. “أخذتُ إكسيري حين كنتُ أحاول النجاة من وضعٍ ميؤوس منه.” لكن المأساة الحقيقية… كانت لين. القصيرة نالت قوةً كانت ستحبها في ظروفٍ عادية، لكنها لم تمنحها أمنيتها الأغلى. “وأنتِ، حبيبتي؟”

 

“سرقته بينما كنتُ أفرّ من ليبيا،” قالت ياسمين بوجهٍ متجهم. “إن كنتَ تظنّ أن إيطاليا كانت حفرة جحيمية أثناء الحروب، فأنت لم ترَ موطني. الآن تملك ديناميس حقول النفط، ولا أحد يسيطر على شيء آخر. قبائل ونهّابون يذبحون بعضهم دون توقف.”

 

“لا يمكن أن يكون أسوأ من موناكو.”

 

رفعت ياسمين حاجبها، وقد بدا الفضول في نبرتها. “وما قصّة موناكو؟”

 

“ثقي بي.” قال رايان بجديةٍ نادرة. “مهما ساءت الأمور… لا تذهبي إلى موناكو.”

 

ضحكت من كلماته الغامضة. “مشّط شعري.”

 

“ماذا؟ ولماذا؟”

 

“لأنني أطلب منك ذلك، أيها التابع.”

 

ضحك رايان بمزاح، وذهب وراء ياسمين رافعا خصلات شعرها ليجمعها في كعكة. ثم نظر إلى واجهة التحكّم العصبيّ أسفلهم باهتمام. “هل يمكنكِ صنع واحدة ثانية من هذه؟”

 

“طبعًا،” أجابت، “لكن عليّ أن أقرّ… هذه ليست تقنيتي فعلًا. إنها من ديناميس.”

 

“ديناميس؟”

 

“هيكتور لديه مشروع يمتدّ لعشر سنوات تقريبًا، هدفه تحميل العقول في أجساد جديدة… للوصول إلى الخلود. مسح دماغٍ كامل، ثم نقل محتواه إلى شخصٍ آخر. أظنّ الرجل لا يرغب في أن يرثه أبناؤه قريبًا.”

 

“كنت أعلم دائمًا أن الشركات ستجد طريقة يومًا ما لتسجيل البشريّة كعلامة تجارية.”

 

“لا يمكنهم ذلك، حتى لو كان هيكتور سيفعلها لو استطاع. الدماغ بحدّ ذاته معقّد… ويصير مضاعف التعقيد حين تكون جينومًا. لذا فهم يحتاجون إلى أجساد مستنسخة، وهو ما يمكن لطبيبهم المرعب، الدكتور تيرانو، أن يوفّره.” هزّت ياسمين كتفيها، ثم ارتشفت من زجاجة الماء. “ذلك الربط بين الآلة والدماغ البشري كان من محطاتهم الكبرى. لا أدري إلى أيّ مدى وصلوا بعد أن غادرت.”

 

“وتمكّنتِ من إعادة صنع هذا الجهاز من ذاكرتك فقط؟”

 

“صحيح أنني عبقرية أسلحة، لكنني أيضًا… عبقرية والسلام.” لم تكن ياسمين متواضعة بما يكفي لعدم التفاخر. “ولهذا أنا مهتمّة بواجهة الراديو الزمني الخاصّ بك. ردود فعلي البشرية لا تستطيع مجاراة الدرع بالكامل حين أستخدم التحكّم اليدوي… لكن مع واجهة مثالية…”

 

“راودني سؤال،” قال رايان. “ماذا سيحدث لو ارتدى كلٌّ منّا واجهةً متّصلة بعقل الآخر، ثم… فعلنا أشياء غير مناسبة للأطفال؟”

 

نظرت إليه ياسمين بابتسامة ماكرة، وطبعَت قبلة خفيفة على وجهه.

“سنضطر لتجربة ذلك… لأغراض بحثية طبعًا،” قالت العبقرية، قبل أن ترمي زجاجتها الفارغة بعيدًا. جمد رايان الزمن لحظة، فقط ليضعها في سلّة المهملات. “لكن هذا مؤجّل لوقت لاحق،” أضافت، “فقد حان تقريبًا موعد الذهاب إلى جزيرة إيسكيا.”

 

“أتظنّين أن بدلتي الكشميرية ستحميني من الإشعاع؟”

 

“لا،” قالتها ياسمين بابتسامة جانبية. “لكن درعي سيفعل.”

 

ثنائي لا يقهر.

 

كان اليوم مخصّصًا لتفقّد محيط الدفاع في جزيرة إيسكيا؛ ورغم أنّه لن يُسمح لرايان بدخول المختبر الفائق نفسه، إلا أنّ نارسينا كانت قد طلبت منه أن يزور المكان. ربّما كانت تشعر بالوحدة هناك.

 

الغريب في الأمر… أنّ ليفيا منحت الإذن بنفسها، وطلبت من فولكان أن تصطحب معها دعم قتالي.

 

“ما زلتُ لا أفهم لماذا تريد الأميرة حضورك، لا أقصد الإهانة،” قالت ياسمين.

 

“ولا أنا أفهمها،” اعترف رايان. كان يشعر بأنّ ليفيا تخفي أجندتها الخاصّة، وتلعب أوراقها قرب صدرها. الفضول بشأن تفاعل قواهما لا يكفي لتفسير تصرّفاتها كلّها. “هل تعرفين ما هي قوّتها؟”

 

هزّت فولكان رأسها. “تُبقي الأمر طيّ الكتمان. كلّ ما أعلمه أنها أشبه بمتنبّئة، يمكنها التفاعل مع أكوان بديلة… لكنها لا تُفصح عن شيء.”

 

وبما أنّ رايان ينوي تدمير الجزيرة لتسوية صفقته مع السيد الشفّاف، فهذا يعني أنّ ليفيا لا ترى بعيدًا جدًّا. حتى في الحلقات التي فشل فيها هجوم ساحة الخردة، لم تتلقَّ فولكان أيّ نصيحة تكتيكية أو تحذير منها.

 

إما أنّ ليفيا تكذب بشأن قدراتها… أو أنّ لها حدودًا صارمة.

 

“هذا التفتيش مضيعة للوقت،” تمتمت ياسمين بامتعاض. “ذاك المختبر الفائق محصّن تقريبًا مثل هذا المخزن، وبيتي ليس مسكونًا. ستحتاج إلى جيشٍ كامل لتدميره.”

 

تحدٍّ… قُبل.

 

وإن كانت ديناميس تملك فعلًا مشروعًا لرفع العقول وتحميلها، فسيتعيّن على رايان زيارتهم يومًا ما. لين كانت قد أرسلت له بالفعل تصميم منظومتها الاتصالية، لكنّه كان أقرب إلى تلقّي أجزاء إلكترونية لسيارة… من دون المحرّك، أو العجلات، أو أيّ شيء آخر.

 

والآن بعدما رأى تصميم درع فولكان، كان رايان قد حفظه عن ظهر قلب.

إن تمكّن من دمج تقنية لين مع تكنولوجيا ياسمين، وربطها بالراديو الزمني، وسرقة أيّ نظام مسحٍ دماغيّ تمتلكه ديناميس… فربّما، فقط ربّما، لن يظلّ وحيدًا بعد الآن.

 

لأوّل مرة منذ زمنٍ طويل… شعر رايان بالأمل.

□■□■□

 

كانت جزيرة إيسكيا ذات يوم جنّةً على الأرض. منتجعًا رائعًا وسط خليج نابولي، يتوافد إليه السيّاح من شتّى أنحاء أوروبا للاستمتاع بين ينابيعه الحارّة وهوائه النقيّ.

 

لكن، في مرحلةٍ ما… تحوّلت تلك الجنّة الأسطورية إلى جحيم.

 

لم يكن رايان يعرف لماذا قصف ميكرون هذه الجزيرة، لكنه أجاد فعلته.

فحتى بعد أكثر من خمس عشرة سنة على تلك الجريمة، ظلّ ضباب أرجواني كثيف يغطي معظم المنطقة — طاعونٌ سامّ لدرجة أنه قضى على كلّ أشكال الحياة هناك. نباتات، حيوانات، بشر… لقد حوّلت سميّة تلك المادة وإشعاعها الجزيرة إلى مقبرةٍ جماعية. جدرانٌ حديدية سميكة مزوّدة بتوربينات رياح كانت تحيط بساحل إيسكيا، ربّما لمنع الضباب من التسرّب إلى اليابسة.

 

المنطقة الوحيدة التي بدت عليها مظاهر الحياة، كانت كاستيلو أراجونيزه — قلعة تعود إلى ما قبل الميلاد. شيّدت فوق جزيرة بركانيّة صغيرة، وكانت متّصلة بإيسكيا عبر جسرٍ حجريّ تهدّم ولم يُرمَّم قط. وفي تناقضٍ صارخ مع بقية الجزيرة، كانت الطبقات الخارجية للقلعة تحتضن حياةً نباتيّة؛ نموّ مفرط وزهور قرمزية غريبة تحيط بالحصن كطوقٍ حيّ.

 

لم تبخل فولكان في الدفاعات أيضًا. أبراج رشاشة آلية كانت تغطي جدران القلعة الحجرية القديمة، إلى جانب أنظمة مضادّة للطيران تعمل تلقائيًا. ومُوكات[1] يرتدون دروعًا قتالية، يراقبون المنشأة وهم مدجّجون بقاذفات اللهب، ورشاشات دوّارة، وقاذفات صواريخ. سيتعين على رايان أن يخوض حلقة انتحاريّة لتجاوز المحيط الدفاعيّ.

 

شهدت كاستيلو أراجونيزه مرور سادة كثيرين منذ بنائها، من الرومان إلى ملوك نابولي… لكنّ الأوغُستي كانوا أول من حوّلها إلى مختبرٍ لإنتاج المخدّرات.

 

هبطت فولكان بدرعها فوق الجدار الخارجيّ دون أن تعير الدفاعات أدنى اهتمام، ثم خرج رايان منه. ولدهشته… كان الهواء قابلاً للتنفس — ربّما بفضل النباتات الطافرة التي تحيط بالمختبر.

 

وجد ليفيا بانتظاره في الجوار، تنظر إلى البحر الأبيض المتوسّط بشيءٍ من الحنين. أما سبارو ومورتيمر، فكانا يقفان إلى جانبها كحرسٍ شخصيّ.

 

“كويك سيف، فولكان، أهلًا بقدومكما،” رحّبت ليفيا بأدب، بينما كانت فولكان تخرج من درعها. تقدّم الجنود المدرّعون فورًا لتفقّد رايان، تحسّبًا لاحتمال تهريبه شيئًا خطيرًا إلى الجزيرة — أو بالأحرى، أكثر خطورة من المعتاد. “أقدّر التزامكما بالمواعيد.”

 

“كان علينا الوصول في الوقت المناسب للزيارة الجماعية،” قال رايان بوجه خالٍ من التعابير.

 

“المسكين مورتيمر لم يحصل حتى على قطعة حلوى مجانية في النهاية،” تذمّر مورتيمر.

 

“أخشى أنّه لن يُسمح لك بالدخول، يا كويك سيف،” قالت ليفيا. “آليات هذا المرفق سرّية للغاية، ولا يطّلع عليها سوى النخبة من أعضاء العائلة. ستبقى في الخارج وتقدّم الدعم للطاقم في حال تعرّضنا لهجوم.”

 

“ألا يمكنني التدرّب كطاهٍ مساعد في تصنيع الميث؟” سأل الموصّل.

 

“لا، لكنني واثقة أن نارسينا ستأخذك في جولة بين الحدائق حين ننتهي،” ردّت ليفيا، ثم التفتت نحو بقعة خالية، وقالت: “غايست، من فضلك… لا تكن خجولًا.”

 

هبت ريح باردة على الجدران الخارجية، بينما ظهرت فوق المجموعة جمجمة صفراء شبحية بحجم منزل، تتكوّن من مادة أثيرية. أحاط بها دوّامة من الغبار الملوّن والطاقة الغريبة، كأنها خرجت من كابوسٍ كونيّ.

 

“مرحبًا، يا رفاق.”

 

لكن صوت الشبح كان وديًّا، صغيرًا، وعاديًا للغاية… في تناقضٍ صارخ مع مظهره المرعب. ومع ذلك، لم يُبدِ أحدٌ أيّ ردّة فعل مصدومة — ربّما لأنّهم اعتادوا العيش في عالمٍ يعجّ بأشياء… أغرب بكثير.

 

“فلينادي أحدكم على صائدي الأشباح؟” قال رايان. “لدينا مشكلة شبح هنا.”

 

“أنا فرانسوا،” ردّت الجمجمة العملاقة بنبرة عادية، “أو غايسْت.”

 

“أُفضّل كاسبر الشبح،” قال رايان، فضحكت ياسمين. “ثمّ، اسمك فرانسوا وتستخدم لقبًا ألمانيًا؟ لا تقل لي إنك أحد أولئك الفرنسيين الذين يكرهون أنفسهم؟”

 

“فكرت في استخدام اسم الشبح، لكن جيمس بوند سبقني إليه.”

 

“وجودك بالكامل يحمل معه دلالات مرعبة،” قالت فولكان. “وأخطرها أنك تثبت وجود حياة بعد الموت.”

 

رأى رايان في الأمر مجرد واحدة من غرائب الإكسير الأصفر، لكن كاسبر بدا وكأنه يوافقها الرأي. “الجنة صفراء وذهبيّة بالكامل،” قال الشبح، “رغم أنني لم أرَ منها سوى لمحة. ومنذ ذلك الحين وأنا أحاول العودة إليها، لكن الأبواب لا تزال موصدة. آمل أن ينجح الأب تورك في طرد روحي يومًا ما.”

 

“هل جرّبتَ الانتحار؟” اقترح رايان. “أعلم أنه ليس بالتصرف الكاثوليكي جدًا، لكن ربما يمكنك تلبّس جثة، ثم تقتل نفسك من جديد؟ لو كررت المحاولة بما فيه الكفاية… قد تنجح.”

 

“جرّبتُ كل شيء.”

 

“النار؟ الحبال؟ تفجير نووي؟”

 

ساد صمت لثانية، قبل أن يردّ الشبح: “الأخيرة لم أفعلها بعد.”

 

“ولن تفعل،” قالت ليفيا فجأة بلهجة صارمة. “لن أسمح بذلك.”

 

“أسوأ ميتة هي الحرق،” قال كاسبر الشبح، وجعل الجمجمة ترتجف، “اللحم المشوي مؤلم جدًا… يجعلك نباتيًا.”

 

“أفضل طريقة للانتحار تبقى الحبل، بلا شك،” قال رايان. “مؤلم، صحيح، لكن إن فعلته بالطريقة المناسبة، يصبح ممتعًا بشكل غريب. لكن… لازم محاولات كثيرة لتتقنها.”

 

“محاولة انتحار واحدة فقط من كل ثلاث تنجح،” قال مورتيمر بنبرة مشؤومة، “أشعر بالأسى على الإثنين الآخرين.”

 

“مورتيمر، لا تشجّعهم،” وبّخته سبارو.

 

“غايسْت، أرجوك، كن يقظًا لأي غزاة،” أعلنت ليفيا، فجعل صوتها الجميع يصمت. “الاحتمالات لا تبشّر اليوم. أستطيع أن أرى الاحتمالات البديلة من موقعي… لكن الكثير منها بات مظلمًا في الآونة الأخيرة.”

 

“مظلم يعني… قطعتِ الكهرباء؟” علّقت ياسمين بلا مبالاة.

 

“مظلم يعني أنني أموت فيها.” قالت ذلك بنفس الجفاء الذي يتحدّث به كويك سيف. “بسرعة لا تسمح لي حتى برؤية السبب.”

 

“هذا… ينذر بالسوء،” قال رايان.

 

“وسأكررها ثانية،” قالت فولكان بلا اكتراث، “الهجوم على هذا المكان نوع من الانتحار المُبطّن، يا أميرة.”

 

“سنختبر صدق هذا التبجّح.” ابتسمت ليفيا، ثم نظرت إلى كويك سيف. “سنلتقي لاحقًا.”

 

تبعت ياسمين أميرة الأوغستي وحرسها الخاص إلى داخل المنشأة، تاركين رايان وكاسبر في الخارج. أدار الموصّل عينيه نحو البحر، وسؤال بسيط يتردّد في ذهنه:

 

كيف يمكنه تفجير هذه الجزيرة؟

 

☆☆☆☆☆

 

اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.

 

[1] موكات: الأتباع الضعفاء أو الجنود العاديين الذين لا يمتلكون شخصية مميزة، ويُستخدمون غالبًا كأعداء بكثرة ليُهزموا بسهولة.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset