النهاية المثالية: الفصل 35

قبل الحفلة

الفصل 35: قبل الحفلة

 

كان رايان يعشق حفلات الجينوم. فهي دائمًا ما تتضمّن قدرًا وفيرًا من الأضرار الماديّة.

 

كان قد حضر عددًا منها في أنحاء متفرقة من إيطاليا، عادةً حين ينضمّ إلى مجموعة من الجينومات. لكن هذه الحفلة تحديدًا بدت وكأنها ستكون الأضخم حتى الآن؛ وبما أن الغد سيصادف مرور أسبوع على وجود كويك سيف في روما الجديدة، فقد قرّر الموصل أن يختم المناسبة بضجّة تليق به.

 

حسنًا، هو قضى في الواقع شهرين تقريبًا داخل المدينة عبر الحلقات المختلفة… لكن لا بأس! فمن يدري؟ ربّما تكون هذه الحفلة شيئًا جديدًا ومفاجئًا تمامًا.

 

“كم عدد الذين سيحضرون؟” سأل رايان، وقد استبدل معطفه المعتاد وقبعته وقناعه ببدلة أرجوانية داكنة أنيقة. رغم أن كي-جونغ أصرّت على أن بوسعه ارتداء ملابس بسيطة، إلا أن الجينوم لم يكن ليرضى بأقلّ من أرقى زيّ في القاعة.

 

فالأناقة لا تُؤخذ على نصف وجه[1].

 

“أوه، لا أكثر من مئة شخص،” أجابت كي-جونغ، وأصابعها تعبث بتوتّر واضح. كانت قد استبدلت نظّارتها بعدسات لاصقة، وملابسها المتحفّظة بثوبٍ أسود بلا أكمام. أمّا حبيبها، فارتدى قميصًا أزرق بسيطًا وبنطالًا أسود.

 

“هل تريدون المزيد من البيتزا بالتونة؟” سألت لانكا وهي جالسة على الأريكة، منشغلة بهاتفها. تلك الخارجة عن السرب — التي بلا ذوق — كانت الوحيدة التي لم تكلّف نفسها عناء ارتداء شيء أنيق. “لا يزال في ميزانية الحفلة ما يكفي لأربع أخرى.”

 

“أضيفي بعض الأنواع النباتية من أجل فورتونا،” قالت كي-جونغ، قبل أن تتفقّد المطبخ للمرة الخامسة خلال الساعة الماضية. كان جيمي قد جمع مجموعة مذهلة من زجاجات الكحول فوق الطاولة. “هل هذا كافٍ؟”

 

“إنها أقوى المشروبات التي استطعت العثور عليها،” أجاب جيمي، وقد قرّر أن يتولّى مهمة الساقي، وبدأ بالفعل بإعداد الكوكتيلات. فالجينومات، نظرًا لامتلاكهم استقلابًا أكثر كفاءة من البشر العاديين، يحتاجون إلى عشرة أضعاف الجرعة المعتادة حتى يشعروا بتأثير الكحول.

 

“لديّ أشياء خاصّة بالجينوم في سيارتي،” قال رايان.

“لكنّها ستجعلكم تتوهّجون في الظلام… وترون أشياء غير مرئيّة.”

 

“لا تقلق،” قال جيمي بسرعة. “فورتونا تجلب أشياء قوية، و— أقتبس هنا — ‘حبوب الحفلات’.”

 

“لا مخدر سعادة، أليس كذلك؟” سألت كي-جونغ، وقد شدّ التوتر ملامح وجهها.

 

“لا مخدر سعادة،” طمأنها حبيبها، في اللحظة التي دوّى فيها جرس الباب. “تفضّلوا بالدخول!”

 

فتح أوّل الضيوف الباب، بينما وقفت كي-جونغ متوتّرة القامة بجانب رايان وهم يدخلون الواحد تلو الآخر. كان الليل قد حلّ في الخارج، ورغم أن الحفلة كانت مُقرّرة عند الثامنة، إلا أنّ معظم الضيوف سيصلون متأخّرين بأناقة.

 

“مرحبًا بالجميع!” دخلت فورتونا إلى المنزل، يتبعها حبيبها وفتاة مراهقة في الخامسة عشرة تقريبًا. كانت سيدة الحظ ترتدي فستانًا ذهبيًا فخمًا — بل أكثر بهرجة من المعتاد؛ أما الفتاة الصغيرة، فقد ارتدت شيئًا بلا ذوق إلى درجة أن رايان لم يستطع النظر إليها دون أن يُقاوم رغبة جامحة في سحبها إلى محلّ خياطة.

 

كان رفيق فورتونا في الموعد يقارب رايان في عمره الجسدي، بشعرٍ بنيّ قصير ومهذّب، وعينين زرقاوين، وبدلة سوداء أنيقة رسمية بالكامل.

كان مظهره عاديًا إلى حدّ ما مقارنةً بحبيبته المتألّقة، لكن الموصل شعر بشيءٍ قويّ يشعّ من حضوره.

 

بل في الواقع، بدا له مألوفًا بشكلٍ غامض.

 

ركّز الفتى الغامض نظره على الموصل على الفور، فلوّح له رايان بيده.

“مرحبًا، أنا رايان. كنتُ لأقول إنني خالد… لكنك على الأرجح تعرف ذلك سلفًا.”

 

“ماتياس،” أجابه الشاب، وهو يصافحه بابتسامة خفيفة. “ماتياس مارتيل.”

 

طريقته في الحركة، هالته، النبرة الطفيفة في صوته… “أعرفك، التقينا من قبل،” قال رايان بمرح، وهو يختبر ردّ الفعل.

 

“حقًا؟” سألت فورتونا، بينما توتّرت ابتسامة ماتياس قليلًا. وبما أنّ رايان لم يقصّ شعر هذه المحظوظة هذه المرّة، بدت أكثر تقبّلًا له. “مات، لماذا لم تخبرني؟”

 

“نعم، عادةً ما تكون من النوع الشفّاف جدًّا، يا مات،” أضاف رايان مغمزًا له. “آمل فقط ألا تكون تُخفي شيئًا آخر.”

 

ظلّ وجه مات جامدًا كالصخر وهو يجيب عن سؤال حبيبته: “لم يبدُ الأمر مهمًا في حينها.”

 

“فورتونا، أحضرتِ شقيقتك؟” سألت كي-جونغ تلك الحسناء الشقراء، وإن كانت نظراتها لا تفارق الفتاة المراهقة. “أليست صغيرة على حفلة من هذا النوع؟”

 

“لقد شارف عمري على الخامسة عشرة!” تمعّرت شفتا الفتاة الصغيرة باستياء. صحيحٌ أنها لا ترقى إلى مرتبة العارضات كأختها، لكن من الواضح أنها ستغدو شابّة فاتنة حين تنضج. كان لها شعرٌ قصير بلون البُنّ الفاتح، وعينان بلون البحر، ووجهٌ على هيئة قلب.

 

“أربعة عشر ونصف،” مازحتها فورتونا، فما كان من أختها الصغرى إلا أن قرصتها في ذراعها.

 

“مرحبًا، أنا نارسينا، نارسينا فيران.” ابتسمت الفتاة الصغيرة للجميع ببشاشة. “الاسم المستعار: سيريس.”

 

“لا أصدق حتى الآن أن أوغستس منحكِ اسمًا أولمبيًّا قبلي،” تذمّرت فورتونا، فيما أدار حبيبها نظره جانبًا. “لو لم يصب فيليكس بالجنون، لكنا أصبحنا ديانا وأبولّو.”

 

“هل ردّ على رسائلك؟” سألت كي-جونغ، والقلق بادٍ على وجهها.

 

“ليتَه فعل!” تذمّرت فورتونا، وهي تعقد ذراعيها بانزعاج. “أقسم أنه حين يعود—”

 

“إن عاد أصلًا،” قاطعتها نارسينا بوجهٍ كئيب.

 

“ربما صدمته سيارة،” قال رايان، فتوجّهت إليه نظرات حادّة من الجميع.

“أعني… هو قطّ في النهاية. أوه، هل قلتها باكرًا جدًا؟”

 

“سيعود،” أصرّت فورتونا، رغم أنها نظرت إلى جيمي وكي-جونغ بتوسّل.

“ألا يمكنكما المساعدة؟ الاتصال به مثلًا؟”

 

تبادل الاثنان نظرة محرجة، مليئة بالندم. “لم يغادر المنزل بأفضل شكل ممكن،” قال جيمي بجمود. “فيليكس… يحتاج وقتًا ليعرف نفسه.”

 

“لكن—”

 

وضع ماتياس يده على ذراع حبيبته قبل أن تُكمل إصرارها.

كان يبدو أكثر بصيرة منها، وإن لم يكن ذلك بالأمر الصعب.

 

بعد حديثه مع آتوم كات في مسار ديناميس، لم يجد رايان صعوبة في جمع الخيوط معًا. كانت لديه فكرة واضحة عمّا دفع رفيقه القطّ إلى مغادرة الأوغُسْتي، وعلى الأرجح، كانت حالة كي-جونغ هي السبب.

 

لكنّ أمرًا آخر أزعجه أيضًا. فقد ذكر فيليكس أنّ أخته نارسينا مُتبنّاة، وهي تطابق وصفًا معيّنًا… أتكون هي فعلًا؟

 

هذه الحفلة تعد بالكثير من المفاجآت.

 

“لويجي ليس هنا؟” سألت فورتونا وهي تمسح الغرفة بعينيها. “عادةً ما يصل باكرًا عندما تكون هناك فتيات.”

 

“لا، قاتل الهوكي هاجمه مجددًا عندما ذهب حارسه إلى الحمّام،” أجاب جيمي بوجهٍ عابس. “وأجبره على أكل قطعة سلامي[1] أيضًا.”

 

“قاتل الهوكي؟” سأل رايان، في نفس اللحظة التي صاحت فيها فورتونا بدهشة: “سلامي؟”

 

“غالبًا هو نفس المعتوه الذي هاجم لويجي من قبل،” قال جيمي متنهّدًا.

“ونعم، سلامي. لا تسألوني عن السبب. يقولون إن المدينة صارت أكثر أمانًا بعد رحيل الميتا، لكن إن سألتموني… فالمجانين ما زالوا كُثُرًا فيها.”

 

“قد يكون أحد حراس العدالة،” قال رايان. “شاب وسيم ذو حسٍّ غريب للعدالة، يُحارب الجريمة بهراوة هوكي في يد… ونقانق في الأخرى.”

 

“ولماذا هاجم لويجي فقط إذًا؟” عقّبت لانكا من على الأريكة، متكاسلة عن النهوض من مكانها. “لا يا ثرثار، إنها مجرد انتقامات تافهة. إن سألتني، ذلك الأحمق نال ما يستحقه، دائمًا ما يطرح الأسئلة الخطأ.”

 

“أيًّا يكن، سيحصل قاتل الهوكي هذا على ما يستحق،” قال جيمي بحزم، وهو يرمق فورتونا بنظرة ذات مغزى. “الآن بعد أن غادرت عصابة الميتا روما الجديدة، هلا بدأت التحقيق في هذا؟”

 

“فولكان لم تُطلق سراحنا بعد،” تذمّرت فورتونا. “مع أننا نظّفنا مدينة الصدأ، وسبارو طاردت أولئك السايكو حتى أقاصي الأرض.”

 

في الواقع، لم يكن رايان ليقول إنهم نظّفوا مدينة الصدأ حقًّا. صحيح أنهم حالوا دون اندلاع حريق هائل، لكن ساحة الخردة كانت قد تحوّلت إلى كومة من النفايات المنصهرة تُخفي مدخل المخبأ عن الأنظار بمنتهى الملاءمة. كانت فولكان قد كلّفت الفريق بدوريات في المنطقة تحسّبًا لعودة الميتا، بينما غادرت مع سبارو لمطاردتهم. ومنذ ذلك الحين، لم تصله أي أخبار، وإن كان قد سمع أن كلتيهما ستحضران الحفلة.

 

في الحقيقة، لم يكن المسافر عبر الزمن قد توصّل بعد إلى ما يجب فعله بشأن مخبأ ميكرون، كما أن لين لم تتواصل معه منذ ذلك الحين. كان يأمل أن تساعده هذه الحفلة على التخلّص من التوتّر… وتصفية ذهنه.

 

“هل ينبغي أن نناقش هذا بينما…” تنحنحت كي-جونغ، وهي ترمق ماتياس بنظرة متردّدة. “أنا آسفة، لكن…”

 

“لا تقلقي، لقد اخترقنا بنظره منذ اللحظة الأولى،” قال رايان مبتسمًا، مستمتعًا بإغاظة مارتيل وإشعاره بعدم الراحة أكثر فأكثر.

 

“أجل، أنا متأكد أن أحدكم هو قاتل الهوكي،” ردّ الرجل بنفس الوجه المرح. “آمل ألا أكون قد كشفت هويّتكم.”

 

الجميع تلقّى الأمر كمزحة وانفجروا ضحكًا، ولم يضحك أحد بصوت أعلى من رايان نفسه. لمسة ذكية. “لا بأس، تشيتر، أنا أضمن ماتياس،” قالت فورتونا وهي تسند رأسها إلى كتف حبيبها. “إنه الشخص المناسب.”

 

“أنا وافقت فقط على موعد ثانٍ،” ردّ ماتياس بتعبير جامد.

 

“وسيحصل، سواء أعجبك ذلك أم لا.”

 

“كيف التقيتما؟” سألت كي-جونغ بفضول.

 

“تتذكرين تلك الحادثة عندما تسرّب الغاز في شقتي الثالثة الأسبوع الماضي؟” قالت فورتونا. “كدت أموت وأنا أسقط من النافذة، لكن ماتياس أنقذني.”

 

“بل أنقذتك قدرتك،” صحّح ماتياس بوجه خالٍ من أي انفعال. “لم أكن أتوقّع أن تسقطي عليّ من الطابق الثالث. كان ذلك مفاجئًا تمامًا.”

 

“كان حبًّا من النظرة الأولى!” أعلنت فورتونا بحماسة.

 

“لم يكن كذلك،” اعترض حبيبها بهدوء. “تفقدتُ إن كنتِ بخير، وحين هممتُ بالرحيل لأن لديّ أمورًا أخرى مخطّطة، بدأتِ تصرخين في وجهي.”

 

“طبعًا كنتُ غاضبة!” احتجّت فورتونا، بينما تعالت ضحكات الآخرين. “أجمل امرأة في العالم تسقط في حضنك، وتطلب منك أن تدلّلها لأنها متوترة، وتجرؤ على الرفض؟”

 

“نعم.” أجاب ماتياس بجفاف. من الواضح أنه محصّن ضد سحر فورتونا، وهذا ما كانت تكرهه فيه. “ماذا؟ أكان يجب أن يتوقف عالمي من أجلك؟”

 

“نعم، كان يجب!” وقالتها بلا أدنى لمحة من سخرية. “عندما أنظر إلى الأولاد، ينهارون عند قدميّ، لكنك أنت، مات؟ أنت مشيت بعيدًا!”

 

“متى تبدأ الموسيقى؟” تكلّمت نارسينا أخيرًا. بدت خجولة بعض الشيء وسط هذا الجمع من الكبار، لكنها بدأت تزداد ثقة كلما تبادلوا أطراف الحديث.

 

ألقى جيمي نظرة على رايان، الذي أشار بدوره إلى منسّق الحفل: دماغ محفوظ في مرطبان، موصول بالتلفاز ومكبّرات الصوت، ومحاط بفئران كي-جونغ.

 

“تستعملون دماغًا إلكترونيًا من صنع عبقري كمنسّق موسيقي؟” سألت نارسينا، وعلى عكس الآخرين، بدا عليها الحماس أكثر من الانزعاج. “هذا مذهل!”

 

“ما كان عليّ أن أطلب منك الاعتناء بقائمة الأغاني،” قالت كي-جونغ متنهّدة بندم.

 

“الندم حيلة من لا يعرف ما يريد!” ردّ رايان وهو يشغّل دماغ منسق الأغاني. “والآن، شاهدي.”

 

بدأ الدماغ بتشغيل الموسيقى، وفي اللحظة نفسها، انبعث ضوء من داخل المرطبان. تغيّر لون السائل الذي يحيط بالمادة الرمادية، ليخلق أجواء ملهى ليلي متكاملة تُطابق إيقاع الموسيقى.

 

“الإيقاع لا بأس به،” اعترفت لانكا وهي تهزّ رأسها بانسجام مع النغمة.

 

“لا أميّز اسم الفنان،” قالت كي-جونغ، بينما بدأت جرذانها بالرقص حول التلفاز على طريقة البريك دانس.

 

“إنه ريمكس من لعبة GTA،” قال ماتياس، مما أثار دهشة رايان. “وهو جيد جدًا في الواقع.”

 

“ماتياس مصمّم ألعاب،” أعلنت فورتونا، بما أنه كان متواضعًا أكثر من أن يمدح نفسه. “موهوب للغاية.”

 

“لأكون دقيقًا، أنا مبرمج وأصمّم ألعابًا مستقلة في وقت فراغي،” ردّ رفيقها بابتسامة خجولة، وهي أكثر تعبير عاطفي يراه رايان على وجهه حتى الآن. “معظمها ألعاب تقمّص أدوار وأسلوب ميترويدفينيا[3].”

 

لم يفهم أحد المصطلحات التقنية سوى رايان، الذي لمعت عيناه من الحماس. لكنه قرّر أن يختبر معرفة الرجل أولًا، قبل أن يسمح لنفسه بالتعلّق. “هل لعبت ميترويد فيوجن؟”

 

“نعم، لكنني أفضّل سوبر ميترويد،” أجابه ماتياس. “أكثر انفتاحًا من حيث أسلوب اللعب.”

 

“أفضل لعبة تقمص أدوار من إنتاج شركة سكوير؟”

 

“فاينل فانتسي الجزء الخامس، لكن الجزء السادس له مكانة خاصة في قلبي.”

 

“يوجد لاعب آخر حيّ على هذا الكوكب الملعون!” قال رايان وقد كادت دموع التأثّر تفرّ من عينيه بعد أن وجد توأم روحه. “يمكنني أن أموت سعيدًا الآن!”

 

“هل لديك قوى خارقة، أيها المهووس رقم اثنين؟” سألت لانكا ماتياس، وهي ترفع رأسها فوق الأريكة وعلبة بيرة في يدها. “أنا لانكا بالمناسبة.”

 

أومأ المبرمج برأسه. “إحدى غرف النوم، على الأرجح غرفتك، مطلية باللون البني، وفي الزاوية كومة من ثلاثين علبة بيرة ومجلة دراجات نارية—”

 

“رائع، أزرق جديد،” تمطّت لانكا بلا اهتمام قبل أن يُكمل، “وإن أخبرتَ أحدًا بما تحت السرير، فسأقتلك.”

 

“ماتياس يستطيع أن يرى أي شيء ضمن محيط قصير،” ردّت فورتونا بفخر، وقد وضعت ذراعها حول ذراعه. بدا عليه الانزعاج من مظاهر المودّة العلنيّة أكثر بكثير من صديقته، ورايان لم يشك لحظة في أنها جرّته إلى الحفلة جَرًّا.

 

“تافه.” قالت نارسينا، وهي تمسك بسكين من المطبخ وترفعه نحو إبهامها. “شاهِدوا.”

 

شقّت إبهامها قبل أن يتمكن أحد من التدخّل، وسقطت قطرة دم على أرضية الباركيه. سرعان ما تمددت القطرة إلى فقاعة خضراء، ثم بدأت تتشكّل… نبتت لها قرون، وأرجل، وفراء…

 

وبعد خمس ثوانٍ، كان الجميع يحدّق في عنزة بيضاء صغيرة.

 

“إنها رائعة”، قالت كي-جونغ بانبهار، بينما اكتفى جيمي بابتسامة دافئة.

 

“أستطيع أن أخلق الحياة من دمي”، تباهت نارسينا، فيما أطلقت العنزة الجديدة صرخة خفيفة. “ليست كائنات كبيرة أو معقدة، لكن يمكنني صنع أي نوع من الحيوانات أو النباتات… حتى الكائنات الهجينة!”

 

“يمكنك صنع أي نوع من العنزات؟” سأل رايان وقد بدا عليه اهتمام بالغ.

 

“طبعًا! لماذا تسأل؟”

 

نظر الموصّل في عيني هذه الفتاة الطيّبة ذات القلب النقيّ، ثم همس بكلمتين قد تُفسدانها إلى الأبد:

 

“معارك العنزات.”

 

نظرت نارسينا إلى رايان وكأنه عبقريّ، وهو كذلك فعلًا، ثم صنعت عنزة ثانية. كانت سوداء الفراء، مقاتلة بالفطرة، تلمع عيناها بلون الذهب.

“أيّ واحدة تختار، رايان؟” سألته، والعنزتان تتبادلان نظرات التحدّي.

 

“السوداء.”

 

كان بإمكانه أن يرى السوق غير المستغلّ يتفتّح أمامه.

□■□■□

 

انتهى الأمر بنارسينا وقد صنعت ثماني عنزات، بعدما قرّر بعض الضيوف الجدد المشاركة. منحت كلّ واحدة منها لونًا مختلفًا، ونظّمت بطولة مصغّرة بينما امتلأ البيت تدريجيًّا بالناس. بعضهم كوّن دائرة حول الأريكة… لمتابعة المعركة النهائية.

 

“هيا، ما بيكيت(عنزتي الصغيرة)!” هتف رايان لتشجيع بطلته، بنصف فرنسي ونصف إنجليزي. كانت قد التحمت بقرونها مع خصمتها، مستعدّة لانتزاع مكانتها المستحقّة كفائزة في البطولة. “أنتِ قادرة على هذا، يا شوب-نيغوراث[4]!”

 

“أعطيتها اسمًا، أيها الثرثار؟” سألت لانكا وقد راهنت على العنزة الذهبية، وأصبحت منغمسة بشكل غريب في المعركة. “اسحقيها!”

 

لكن للأسف، لم تستطع عنزتها الصمود طويلًا أمام وحشية شوب-نيغوراث التي لا تلين. إذ تمكّنت العنزة السوداء من طرح خصمتها أرضًا، فهوت إلى الجانب لتنضمّ إلى بقيّة الخاسرين… في منفى الهزيمة المخزي.

 

“نعم! نعم!” صرخ رايان وهو يربّت على عنزته السوداء، التي رفعت رأسها بتفاخر مغرور. صفق الحاضرون للبطلة، وإن لم يصفّق أحد بحماسة تضاهي نارسينا. “لقد فعلتها! لقد فعلتها!”

 

“أنا متأكدة أنك غششت بإيقاف الزمن،” تمتمت لانكا وهي تُنهي سيجارتها. ومع انتهاء العرض، تفرّق معظم الضيوف ليتحادثوا في الزوايا أو ليأخذوا مشروبًا.

 

“أكنتِ لتقولي ذلك لو كانت بيضاء؟” اتّهمها رايان، وهو يداعب أذن شوب-نيغوراث. في الواقع، هو غشّ مرّة واحدة، لكن فقط ضد فورتونا؛ وبالنظر إلى حظّها المجنون، كان عليه أن يُسوّي أرض الملعب بطريقة ما.

 

على أيّ حال، أثبتت فتاة الحظّ أنها لا تتقبّل الخسارة برحابة صدر، وغادرت ساحة المنافسة بصحبة حبيبها. انتقل الثنائي إلى المطبخ-البار، حيث انشغلت فورتونا بالترويج لحبيبها لكلّ من يصغي إليها. أما جيمي، الرجل الاجتماعي كما عهدناه، فقد بدأ حديثًا وديًّا مع ماتياس أثناء تحضيره للكوكتيلات، رغم أن المبرمج ظلّ متحفّظًا. في هذه الأثناء، كانت كي-جونغ تستقبل كلّ ضيف جديد يصل، ويزداد توتّرها مع كلّ دقيقة تمرّ.

 

كان جميع الضيوف من الجينومات، ومعظمهم لا يخجل من التباهي. أحدهم، موهوب بالتحريك الذهني وقد عرفه رايان كأحد زبائن رينيسكو، راح يساعد جيمي في ترتيب المشروبات بتحريكها من بعد؛ بينما كان متحكّم بالنار يستعرض أمام فتاة، مشكّلًا أشكالًا ملتهبة من الهواء.

 

ومع معرفته بطباع الجينومات… كان رايان سيُصاب بخيبة أمل إن لم تنتهِ الحفلة بانفجار أو اثنين على الأقل.

 

“هل تتّهمني بالعنصرية تجاه العنزات؟” أعادته لانكا إلى مجرى الحديث.

 

“لكن… ماذا نفعل بالعنزات الآن؟” سألت نارسينا. كانت مخلوقاتها قد بدأت تلعب مع جرذان كي-جونغ، التي راحت تتسلّق ظهور العنزات الأكبر حجمًا. بدا أغلب الضيوف مستمتعين بالمشهد، وإن نظر بعضهم إليها… بشيء من الجوع.

 

“اصنعي ذئبًا ليأكلهم،” اقترح رايان، بينما نظرت إليه عنزته البطلة.

“فقط الخاسرين، شوب-نيغوراث. فقط الخاسرين.”

 

“وكيف نتخلّص من الذئب بعد ذلك؟” سألت لانكا السؤال الصعب، وقد توقّعت أن تحشره في زاوية.

 

لكن رايان قدّم الحل ببساطة: “نصنع دبًّا… ليأكل الذئب.”

 

“لا أستطيع صنع دبّ،” ردّت نارسينا بضحكة مرحة، وقد جلست على الأريكة بجانب لانكا. “بدين جدًّا.”

 

“إذًا ننادي الباندا. من تتوقعين أن يفوز بينه وبين الذئب؟”

 

“الذئب طبعًا، ما في مقارنة أصلًا،” قالت لانكا، ثم قدّمت علبة بيرة لنارسينا. “تريدين واحدة، أيتها العنزة المتفوّقة؟”

 

“أمّي وأبي قالا إن بوسعي الحضور إن لم أشرب،” أجابت نارسينا وهي تشبك أصابعها بخجل. “وبالأخص لأن الأب تورك أخبرني أن الكحول سمٌّ للروح.”

 

“هل ترين والديكِ أو كاهنًا في الجوار؟ صدّقيني، ستحتاجين إلى عشرة أضعاف هذه الكمية قبل أن تسمّم أيّ شيء.” دفعت لانكا العلبة إلى يدي نارسينا المندهشة، التي نظرت إليها بتردّد واضح. “هل ترى أيّ فتى وسيم هنا، أيها الثرثار؟ أنا جائعة.”

 

“يعتمد الأمر،” قال رايان مازحًا. “هل أحتسب نفسي؟ لأن الجميع بعدي سيكونون خيبة أمل فادحة.”

 

“لستَ من النوع الذي يعجبني، أيها الثرثار. أنا أفضل الرجل القويّ الصامت، وأنت… لا تغلق فمك أبدًا.” رمقت لانكا باب المدخل.

“لكن الفرسان قادمون لإنقاذك.”

 

كانت غريتا وسبارو قد وصلتا عبر البوابة الأمامية؛ الأولى ترتدي ملابس عادية، والثانية بفستان أحمر أنيق. برفقتهما امرأة ثالثة، فاتنة الجمال ذات شعر أحمر، ترتدي فستانًا أخضر أخّاذًا. كانت قد صففت شعرها في كعكة وحاولت الحفاظ على وقارها، لكن رايان لمح خلف نظراتها الزمرديّة تيّارًا خفيًّا من القسوة المرحة… قسوة ماكرة كعيني ثعلب. من الواضح أنها إحدى القتلة السبعة.

 

استغرق رايان لحظة ليدرك أن النساء الثلاث، القاتلات، كنّ يرافقن شابة في أوائل العشرينات؛ امرأة فاتنة، ذات طلة ملكيّة، بشعر بلاتيني طويل يكاد يشعّ بلون الفضة. وعلى عكس مرافِقاتها، ارتدت ملابس شديدة التحفّظ، كلّها سوداء، ما زاد بشرتها الشاحبة بياضًا. تأمّلت تلك المرأة الجامدة أرجاء الغرفة بعينين زرقاوين غارقتين في اللامبالاة، وعلى وجهها… ارتسمت تعابير مللٍ نقيّ، مطلق، لا يُضاهى.

 

شعر كويك سيف برغبةٍ نصف جادّة في الاقتراب منها، لكن ما إن لمح ملامح وجهها الخالي من أيّ تعبير… حتى تراجع على الفور.

 

كانت تشبه بلوتو، لكن بنسخة أصغر سنًّا — وأكثر مما يحتمله قلبه.

 

لكن غريتا لاحظته، ومنحته ابتسامتها المزيّفة المعتادة، بينما تمتمت السيدة الشاحبة ببضع كلمات لسبارو وصاحبة الشعر الأحمر. لم تكن تبدي أدنى اهتمام بالتواصل الاجتماعي، بل توجّهت نحو البار لتشرب في ركنٍ بعيد.

 

“فامب،” قالت لانكا، مشيرة إلى صاحبة الشعر الأحمر بذقنها. “عاهرة تمتصّ شركاءها حتى آخر قطرة، فلا تقترب منها. وبالطبع، أنت تعرف ناش وغريتا بالفعل.”

 

ناش؟ لقب لطيف لسبارو. “وماذا عن البلاتينية—”

 

“لا تفعل،” قطعت لانكا الكلام، وقد اختفى من نبرتها كلّ لعب.

“جدّيًّا، لا تقترب منها.”

 

“إنها ليفيا،” قالت نارسينا، وكأن في ذلك وحده جوابًا كافيًا.

 

“لن أكون من ينظّف جثّتك المضرّجة بالدم، أيها الثرثار، فالتزم بشيء من قواعد التباعد الاجتماعي،” قالت لانكا وهي تشعل سيجارتها الرابعة تلك الليلة. “فامب ستقتلك وأنت تمارس معها الجنس، لكنك مع ليفيا… لن تصل حتى إلى تلك المرحلة.”

 

“ماذا؟ أيمكنها أن تحوّلني إلى حجر بنظرة واحدة؟” سأل رايان.

 

“ليست ليفيا من يجب أن تخشى،” ردّت لانكا بنبرة تنذر بالسوء، “بل والدها.”

 

“وقد واعدت شقيقي أيضًا،” أضافت نارسينا موجّهة كلامها إلى رايان.

 

“إذًا فهي من محبّي القطط؟”

 

قرصته نارسينا في ذراعه. “كانت تلك نكتة غبيّة،” قالتها بابتسامة ساخرة. أجل… مراهقون. “ألا تريد مواعدة أختي، يا رايان؟ يمكننا إقامة معارك عنزات كلّ عطلة نهاية أسبوع!”

 

“أنا واثقة تمامًا من أنها مرتبطة أصلًا،” ضحكت لانكا وهي تُلقي نظرة على الحضور، ثم أطلقت تنهيدة ثقيلة. على ما يبدو، لم تجد بعدُ من يلفت انتباهها.

 

“لكنني لا أحبّ ذلك الشاب!” تذمّرت نارسينا، وهي تفتح علبة البيرة بفرقعة خفيفة. “يتطلّع إليّ أحيانًا بطريقة مزعجة… يثير القشعريرة. آمل أن تملّ أختي منه قريبًا.”

 

“سأتولّى الأمر فورًا.” رمق رايان مصمّم الألعاب الهادئ بنظرة، ثم بدأ يصرخ نحوه: “هيه، يا ماتي!”

 

نظر ماتياس مارتيل إليه، وقد بدا بوضوح على شفير الجنون.

 

“هل تودّ إحضار مشروب لي والدردشة قليلًا عن الثقافة الشعبيّة في الخارج؟ لا تنسَ أنّك لا تزال مدينًا لي بواحد!”

 

تبادل مصمّم الألعاب بضع كلمات مع حبيبته، وبعد ثوانٍ، كانت فورتونا ترمق الموصّل بنظرة مشتعلة… بينما التقط ماتياس كأسين من فوق الطاولة.

 

“احمي العنزات، يا صديقتي الخضراء،” قال رايان لنارسينا. “قد نضطرّ إلى التضحية بها… لتحقيق أمنيتك.”

 

“أأنت من عبدة الشيطان؟” سألت المراهقة بقلق مفاجئ.

 

“لا، إنه أسوأ بكثير،” علّقت لانكا، بينما كان رايان قد بدأ يشقّ طريقه نحو الشرفة.

 

“الحرائق التي تحتنا لا تُقارن بتلك التي أشعلتها أنا،” ردّ الموصّل بمزاح خفيف.

 

“ك-كنت أمزح!” توسلّت نارسينا، بينما أطلقت شوب-نيغوراث صرخات صغيرة. “كنت أمزح!”

 

غمز رايان لها فوق كتفه، قبل أن ينضمّ إليه ماتياس. كان بعض الجينومات قد استولوا على المسبح اللامتناهي، لكنّ معظم الضيوف ما زالوا في الداخل. أخذ الموصل الكأس المقدّم له، ثم جلس على الحافة، على بُعد شبرٍ واحدٍ من السقوط في الفراغ تحته.

 

رفع بصره عند سماعه ضجيجًا، ليُشاهد آليّ فولكان وهو يحلّق فوق المنزل ويهبط في الحديقة الخلفية.

 

جيد، سيتسنّى لرايان أن يستجوبها بشأن مطاردتها لعصابة الميتا.

“ظننتك منحوسًا في الحب؟” سأل رايان ماتياس.

 

“أنا كذلك، إنها مجرّد وظيفة،” أجابه، مؤكّدًا شكوك رايان حول هويّته.

“وظيفة انقلبت عليّ بشكل كارثي، والجدير بالذكر… أن قوّتها معطوبة تمامًا.”

 

“هذا تعليق بارد نوعًا ما.”

 

“يقولها مَن لا يختلف عن القدر الذي يسخر من الغلاية.” رشَف المبرمج من كأسه وحدّق في الموصّل بنظرة حادّة. “أنت وغدٌ ضخم، يا كويك سيف.”

 

“أعلم، ولهذا تحبّني.”

 

“لكن أحسنت التصرف بخصوص لويجي،” أضاف بصوت خافت لا يسمعه سواهما. “كنتُ سأتولّى أمره، لكنك سبقتني إلى ذلك.”

 

“أعتذر لأن كراهيتي لكاشفي الحقيقة عرقلت محاولتك الباردة للاغتيال.” رمق رايان نارسينا بطرف عينه، وكانت قد بدأت مع لانكا بإزاحة الأريكة، لتفريغ غرفة الجلوس وتحويلها إلى ساحة رقص. حفلة الإلكترو الصاخبة ستنطلق قريبًا. “إذًا، هي المقصودة؟”

 

لم ينظر ماتياس مارتيل إليه، بل ظلّ يحدّق في الأختين فيران. وفي لحظة، انزلق القناع، وتحدّث الشخص الحقيقي من خلفه.

 

“أجل،” أجاب شراود، وعيناه تلمعان بنظرة خطرة وهو يراقب نارسينا.

“إنها هي.”

 

☆☆☆☆☆

 

ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.

 

[1] نصف وجه هي إستعارة تعني التصرّف بشيء من الإهمال أو عدم الالتزام الكامل.

 

 

[2] السلامي هو نوع من أنواع اللحوم المصنعه ، تصنع بشكل شعبى على ايد الفلاحين الإيطالين

 

 

[3] هذا المصطلح هو لفظ منحوت من سلسلة لعبة ميترويد وكاسلفينيا وتُعرف ألعاب الميترويدفانيا أحيانًا باسم ” ألعاب المغامرات على المنصات ” نظرًا لنطاقها الواسع. وترتبط الميترويدفانيا عادةً بمستويات/خرائط اللعبة المصممة على شكل ألعاب تمرير جانبي ثنائية الأبعاد، حيث تتحرك شخصية اللاعب يسارًا ويمينًا وأعلى وأسفل عبر المستويات.

 

[4] عبارة “شوب نيغوراث” هي جزء من سلسلة خيالية شهيرة كتبها المؤلف ه. ف. لوفكرافت، وتعود إلى “أساطير كوثولو”. “شوب نيغوراث” هو كائن خرافي يمثل “الحاكمة الأم” أو “السيدة الوحشية” التي تتميز بمظهر غير محدد وتشكل جزءاً من مجموعة من الكائنات التي تمثل قوى مدمرة ومثيرة للرعب في عالم لوفكرافت.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset