النهاية المثالية: الفصل 23

اللقاء

الفصل 23: اللقاء

 

حين قالت فولكان إن مقصورة قيادتها تتسع لراكبٍ ثانٍ، ظن رايان أنه سيحظى بمقعد أطفال في الخلف. لكن تبيّن أن العبقرية تفضّل تصميم الدراجات النارية على السيارات.

 

“سيبدأ الناس بالثرثرة،” علّق رايان وهو يطوّق خصر فولكان، صدره ملتصق بظهرها بينما كانت الآلة تتسارع. تلك المجنونة صمّمت مقصورة قيادتها على هيئة دراجة نارية، شاشات وواجهات حاسوبية تتكدّس في المقدّمة. المقعد الطويل يتّسع لراكبين، نعم، لكن رايان اضطر للاتكاء على القائدة بسبب ضيق المساحة.

 

ولو رآهما أحد من الخارج، لبدت وضعيتهما الحالية مثيرةً للشبهات.

 

“دَعهم يقولون ما يشاؤون،” ردّت فولكان. بسبب الضغط المحيطي، دخلت الآلة وضعًا خاصًّا لحماية أجزائها الأضعف؛ انكمشت المفاصل، وتحصّنت الكاميرات، واعتمدت الملاحة على السونار والمجسّات الحرارية فقط. ومن الخارج، لا بد أن الدرع بدا كتلة معدنية ضخمة بلا ملامح. “لا يهمّني في شيء.”

 

“خيار تصميم مثير للاهتمام،” علّق رايان، وقد التقطت أذنه طنينًا خافتًا ينبعث من تفاعل الاندماج الذي يغذّي البدلة. “هل هو تفضيل شخصي أم—”

 

“جنود النخبة في ديناميس يتدرّبون على التصويب نحو مركز الكتلة،” قاطعتْه فولكان. وقد لاحظ رايان أنها تستمتع كثيرًا باستعراض معرفتها متى سنحت لها الفرصة. “بما أن معظم مقصورات القيادة توضع هناك، فهذا يعني أن العدو يطلق نيرانه مباشرةً على أعضائك الحيوية أثناء القتال. كنت أعوّض ذلك بتدريع أثخن، لكن ذلك لا ينفع كثيرًا عندما يكون خصمك قادرًا على رفع دبّابة بيديه.”

 

“آه، فهمت الآن،” قال رايان وقد شعر بالآلة تُبطئ من سرعتها. “في التصميم الحالي، المقصورة تقع بين الكتفين، أي خارج المنطقة التي يستهدفها الجنود عادةً. هذا يزيد من فرص الإخلاء الطارئ في اللحظات الحرجة، لكن في المقابل، لا بد أنك تقلّصين حجم المقصورة حتى لا تُثقلي هيكل البدلة.”

 

“أتحكّم بمعظم الأنظمة عبر واجهة عصبية،” ردّت، وقد رفعت يدها إلى شعرها للحظة. لاحظ رايان حينها زرعة سوداء صغيرة مخفية تحت كعكة شعرها. “هذا يُغني عن وجود الأنظمة داخل المقصورة، باستثناء الأنظمة الطارئة.”

 

آه، هكذا إذًا كانت قادرة على التحكّم ببدلتها عن بُعد. تساءل رايان عن مدى نطاقها. “أظنها مقايضة عادلة مقابل القرب الجسدي المزعج وغير المريح.”

 

“وإن حاولت لمس شيءٍ في غير موضعه، سأخصيك،” حذّرته بنبرة باردة. “أشعر بك تمامًا من الخلف، وبصراحة… حين قلت إنك ‘سهل المنال’، لم تكن تمزح.”

 

“تأكّدي فقط أنك لا تريدينني أن أرفع المستوى الآن إلى ‘صعب’.”

 

قهقهت فولكان ضاحكةً من ذلك التلاعب الإيحائي بالألفاظ. رايان لم يصدق عينيه—تلك العبقرية العنيفة كانت تبدو ساحرة فعلًا حين لا يشعرها أحد بتهديدٍ يمسّ كبرياءها الهش. “وقحٌ بلا خجل،” علّقت، ثم تابعت: “وكنت أظن أنك تحب تلك الفتاة.”

 

“كنت أحبها، نعم،” أقرّ رايان. “لكن ذلك كان… منذ زمنٍ بعيد.”

 

صحيح أن إخلاصه للين لم يتزعزع مع مرور السنين، لكن رايان لم يعُد ينجذب إليها عاطفيًا؛ فقد خاض علاقات غرامية من قبل، كلها محتها الحلقات الزمنية كأن لم تكن. في هذه المرحلة، بات الموصل مستعدًا لأن يرضى بصديق… أو حتى مجرد شخص يعرفه. أحدٌ يمكن أن تربطه به صلة، مهما كانت هشة، قادرة على الصمود في وجه ترحاله الأبدي عبر الزمن.

 

كل ما كان رايان يريده… هو من يخفّف وحدته. لا أكثر، ولا أقل.

 

تنهد الموصل. التحرك على عمق كيلومترات تحت سطح البحر كان يبعث الكآبة في نفسه. “هل وصلنا؟”

 

“هل ستسأل هذا السؤال كل دقيقة؟”

 

“نعم، وسأظل أكرره حتى نصل.”

 

“إذا سألته مجددًا، فقل وداعًا لمؤخرتك،” ردّت.

 

“هل تحاولين إغوائي؟”

 

تجاهلتْه العبقرية، فيما راحت الآلة تهتزّ من تحتهم. خمّن رايان أنهم قد هبطوا في مكانٍ ما. “هل نحن…” بدأ يسأل، لكن فولكان رمقته بنظرة حادّة فوق كتفها، “…أصدقاء الآن؟”

 

“لا بدّ أن لديك أمنية بالموت،” تمتمت العبقرية، وسقف المقصورة يبدأ في التحرك. “وللمعلومية… لقد وصلنا.”

 

وأخيرًا.

 

انفتح ممر علوي فوق الموصل، وانسدلت منه سلّمٌ صغير. أمكن لرايان أن يرى مصباحًا أحمر خارج البدلة المعدنية، مغروسًا في سقف صدئ… لكن لم يتّضح له الكثير بعد.

 

“سأبقى هنا أعمل على أشياء أخرى،” قالت فولكان بينما بدأ رايان يتسلّق خارجًا من المقصورة. “أنتما بحاجة لبعض الوقت وحدكما، على ما يبدو. فقط لا تطِل الغياب… وإلا سأرحل وأتركك خلفي.”

 

“ستتخلّين عن استثمارٍ كبير وتتركينه عالقًا على عمق أميال تحت البحر؟” تأمّل رايان، ثم أومأ للعبقرية. “شكرًا لك.”

 

“أنت أنجزت عملك، وأنا أنجزت عملي. ولست خائنة، رايان.”

 

“وأنا أقدّر امرأة تفي بوعدها.” أحزنه ذلك قليلًا… إذ قد لا يمر بكل هذه المهمات مستقبلًا، حسب ما ستؤول إليه الأمور الآن. سيتعيّن عليه إيجاد طريقة لإعادة التوازن.

 

تسلّق الموصل خارجًا من البدلة، ووقف فوقها.

 

كانت الغرفة تشبه غرفة معادلة الضغط، وإن كانت أوسع بما يكفي لاحتواء شيءٍ بحجم بدلة فولكان. جدران فولاذية سميكة أحاطت برايان، متينة بما يكفي لتحمّل ضغط الأعماق في الخارج. وقفت آلة فولكان وقدماها مغمورتان في بركة ماء، خلفها بوّابات ضخمة مغلقة، وأمامها باب أصغر بحجم بشري. ومع أن مصباحًا ألقى ضوءًا قرمزيًا باهتًا، إلا أن رايان لم يلحظ وجود أي كاميرا.

 

“يا قصيرة؟” نادى، قبل أن يقفز من فوق البدلة إلى البركة أسفلها. وحين لم يصله رد، اتجه نحو الباب الصغير. لكن ما إن اقترب منه، حتى سمع صوتًا ينبعث من الخلف. البوابة بدأت تُفتح من تلقاء نفسها، مدفوعةً بآلية أوتوماتيكية.

 

بخطًى حذرة، خرج رايان من غرفة معادلة الضغط تحت البحر… ودخل إلى شقّة.

 

أو هكذا بدت على الأقل، وإن كانت مفروشة بأبسط ما يكون. كانت مساحتها تقارب الخمسين مترًا مربعًا، تضم غرفة رئيسية للراحة، ومطبخًا صغيرًا، وبابين يقودان—على الأرجح—إلى غرفة نوم وحمام.

الجدران طُليت بالأزرق والأحمر، لونَيها المفضلَين.

 

وكان في المكان بأسره… عطرٌ لا يُخطئه. عبق حضورها.

 

“أين ذاك السلطعون الجامايكي[1] حين نحتاجه ليغني لنا شيئًا؟” تمتم رايان وهو يصفر لنفسه، فالمكان بدا صامتًا أكثر مما يحتمل. ومع ذلك، لم يرَ أي جهاز موسيقى بالجوار.

 

اتجه الموصل نحو المطبخ، ولاحظ وجود ثلّاجة. وحين فتحها، وجد بداخلها مجموعة من الأطباق البحرية الشهية: سلطعونات، وأسماك، وطحالب… أنبوبٌ ما كان يمدّها بالطعام من جزء آخر من المجمع. اختبر رايان المغسلة بعد ذلك؛ كانت تعمل بكفاءة، وإن بدا واضحًا أنها لم تُستخدم كثيرًا مؤخرًا.

 

“يا قصيرة، أين أنتِ؟” نادى رايان وهو يتجوّل داخل غرفة الراحة الرئيسية، التي لم تكن تضم سوى أريكة وطاولة بلاستيكية. لم يكن هناك تلفاز؛ بل إن الأريكة وُضعت في مواجهة نافذة دائرية ضخمة، تتيح للجالسين تأمّل العالم الخارجي—وهو هاويةٌ بحرية في ظلمةٍ لا تُفرّق عن ظلمة الليل البهيم. وكانت هناك أسماك غريبة تحدّق من الجانب الآخر من الزجاج المدرّع، ربّما بدافع الفضول… أو لأن دفء هذا البيت العجيب جذبها نحوه.

 

لاحظ الموصل كومة من الكتب على الطاولة، من بينها عشرون ألف فرسخ تحت البحار—نفس النسخة التي عثرت عليها لين في فينيسيا منذ سنوات طويلة—إلى جانب كتاب رأس المال لكارل ماركس، وأسس فلسفة الحق لهيغل.

 

بعض الأشياء لا تتغيّر أبدًا.

 

غير أن ما أقلقه بحق… هو ملاحظته لعددٍ كبير من الأدوية مكدّسة إلى جوار تلك المكتبة الصغيرة. تفحّصها رايان سريعًا، وتعرّف على بعضها: مضادات اكتئاب ومهدّئات من إنتاج ديناميس—ومن النوع القوي أيضًا.

 

لم يكن رايان يعرف تفاصيل علاج لين الذاتي، لكن من الواضح أنه لم يكن صحيًا بأي حال.

 

حين مرّ الموصل أمام النافذة الدائرية وألقى نظرة عبرها، لمح مصادر ضوء أخرى تشقّ عتمة القاع. وحين دقّق أكثر، تبيّن أنها تصدر من نوافذ مشابهة في هياكل كروية الشكل، أشبه بعشّ بيضٍ مستقرّ في قاع الهاوية. وكانت مجموعة معقدة من الممرات تربط بين تلك الهياكل، مشكّلةً مجتمعًا واسعًا مترابطًا في الأعماق.

 

هل يعقل أن تكون لين قد بنت كل هذا؟ مستحيل أن يكون في غضون ستة أشهر، حتى مع مساعدة فولكان ودعمها المالي. لا بد أنها قضت عامًا على الأقل وهي تشيّد هذا المكان ببطء، وتتنقّل إلى روما الجديدة كلما احتاجت إلى تقنية لا تستطيع تصنيعها بنفسها. وإن كانت كل وحدة سكنية هنا شقّة مستقلة مكتفية ذاتيًا، فهذا يعني أن المكان يتّسع لمئات السكان.

 

يا لين السخيفة… لقد كنتِ تبنين خرشوفكا[2] تحت البحر!

 

ومع ذلك… بدا هذا المكان بلا روح.

 

لا لمسة شخصية، ولا دفء. كل شيء فيه وظيفي بحت، مصمَّم لتلبية احتياجات الإنسان الأساسية دون أدنى لمسة جمالية. باستثناء الكتب، لم يلحظ رايان أي وسيلة ترفيه، ولا حتى صورة واحدة. كان هذا المكان قبرًا تحت البحر… ملوّنًا بألوان زاهية، لا أكثر.

 

سمع بابًا آخر يُفتح خلفه—ربّما باب غرفة النوم.

 

لم تُصدر أي صوت في البداية، ومع ذلك… شعر بنظراتها تخترق ظهره.

لم تجرؤ على قول شيء، فاضطر رايان لكسر الجليد.

 

“مرحبًا، قصيرة،” قال الموصل وهو ينظر فوق كتفه. “مضى وقتٌ طويل… أكثر مما ينبغي.”

 

لقد كانت هي.

 

كانت… كانت مألوفة تمامًا، ومع ذلك مختلفة كليًا. لكنها كانت هي، دون أدنى شك. ترتدي بذلة غوص بنية اللون، وإن لم تكن تلك الدرع الضخمة التي ظهرت بها في الحلقة السابقة، وتحمل نوعًا من بنادق الماء. لقد نمت لين كثيرًا منذ لقائهما الأخير قبل أربع سنوات، وإن ظلّ حجمها الصغير كافيًا ليستمر في ممازحتها. جمالها المراهق أزهر إلى جمال حقيقي، رغم أنه تأثر بالإرهاق وشحوب بشرتها. من الواضح أنها لا تخرج كثيرًا.

 

كان كلاهما بحاجةٍ إلى إجازة.

 

“ريـري…” ابتسمت لين، لكن ابتسامتها كانت أقرب للحزن منها للفرح.

وصوتها… كان موسيقى في أذن رايان، وإن بدا ضعيفًا قلقًا، كما لو أنه يتكسر من الداخل.

 

مرّ زمنٌ طويل منذ آخر مرة سمع فيها ذاك اللقب، حتى كاد ينساه. وقد أيقظ في نفسه مشاعر دفنها منذ زمن بعيد، عبر عقود من التكرار الزمني. فرح… وحزن كذلك؛ فقد بدت لين بحالة يرثى لها، بعينين أرهقهما التعب والمهدّئات، حتى شعر رايان بالذنب لأنه لم يجدها في وقت أبكر. كان من المفترض أن يجعلها سعيدة… لكنها لم تكن كذلك، بوضوح.

 

استدار رايان بالكامل ليعانق أقدم أصدقائه، لكن لين تراجعت خطوة إلى الوراء ما إن رأته يتحرك من مكانه. تجمّد في مكانه، مشوشًا، فيما الأريكة تقف بينهما كحاجز لا يُقهر.

 

“لا… لا تقترب،” ترجّته لين، ويدها على بندقية الماء. لم تكن تصوّبها نحوه، لكنها لم تُبعدها أيضًا. “أرجوك.”

 

“يا قصيرة، ما الأمر؟” سأل رايان، مصدومًا من هذا الاستقبال البارد—لم يكن هذا ما كان يأمله، ولا حتى ما توقّعه. “إنه أنا. لقد كنت أبحث عنك في كل مكان.”

 

“أعرف،” ردّت. “أعرف.”

 

توتر رايان عند سماع تلك الكلمات. “منذ متى؟”

 

أشاحت صديقته المقرّبة بوجهها، قبل أن تعترف أخيرًا: “منذ عامين.”

 

تجمّد رايان في مكانه… إذ انهار عالمه في لحظة.

 

لطالما رفض رايان مجرّد التفكير في الأمر، حتى وإن كان… في أعماقه، يعلم أن هذا هو التفسير الوحيد المنطقي. لقد أحدث ضجّةً هائلة في أنحاء إيطاليا، وكان يعتقد أنه لو كانت لين على قيد الحياة، لاتّصلت به حتمًا. وإن لم تفعل، فلا بد أنها كانت ميّتة، أو أسيرة، أو في وضعٍ مروّع.

 

رايان لم يشأ يومًا أن يواجه الاحتمال الأرجح.

 

وهو أنها كانت تتجنّبه… عمدًا.

 

“لماذا؟” سأل رايان، وكأنه تلقّى رصاصة في أحشائه. “لماذا؟ لماذا كنتِ تتجنّبينني؟”

 

لم تجب على الفور، لا بصوتها على الأقل؛ لكن جسدها قال ما لم تنطق به. يداها المرتجفتان، والتوتر الذي غلّف حضورها أمامه…

 

“أنتِ…” لم يصدق ما بدأ يتضح له. “أأنتِ خائفة مني؟”

 

“لا،” ردّت. “فقط… وجودك…”

 

“أنتِ مصابة باضطراب ما بعد الصدمة،” قال رايان وقد تعرّف إلى الأعراض، عينيه تلمحان كومة الأدوية. فجأة، بدأ كل شيء يأخذ مكانه في الصورة. “أنا أذكّرك بالأيام السيئة. أذكّرك بـ بلَدستريم. أنا… أنا جرحٌ مفتوح.”

 

“ريـري، قوّتك…” هزّت لين رأسها بأسى، “لقد عبثت بعقلك. أراه بوضوح. أنت لست… لست متّزنًا. تصرفاتك… ليست تصرفات شخصٍ سليم العقل.”

 

“لين، أنا لست مجنونًا،” اعترض رايان. “أنا فقط… أفهم النكتة[3].”

 

“أنت لا تفهم شيئًا،” اتّهمته. “لم تفهم يومًا.”

 

“أنا—”

 

“أنت قتلتَه.”

 

تردّدت كلماتها في أرجاء المسكن تحت البحر، وساد صمتٌ ثقيل… صمت لم يكن سوى صدى لما لا يُقال.

 

“أنت من قاد الكرنفال إلينا،” اتهمته لين. “لم تكن من ضغط على الزناد… لكنك أنت من جلب السلاح.”

 

“أجل، فعلتُ ذلك،” أقرّ رايان. كان يملك أبديّةً ليتأمّل فيها ذلك القرار. “وكان لا بدّ من فعله. ندمي الوحيد… أنه فرّقنا لسنوات.”

 

صمتٌ آخر. لم تكن لين بارعة يومًا في التعبير عن مشاعرها، لكن السنوات التي مرّت لم تفعل سوى أنها زادت من تدهور مهاراتها الاجتماعية. تساءل رايان عمّا إن كان هناك أحد… تتحدّث إليه أصلًا.

 

“لين،” نطق الموصل. “والدك… لم يكن ليشفى يومًا، وفي النهاية، كان سيقتلك. لقد كاد يفعل. قضيت سنواتٍ أدرس طبيعة الجينومات، محاولًا إيجاد حلٍّ لحالة الـسايكو؛ لأرى إن كان بإمكاني إصلاح ما حدث. لكن لا علاج لها. أو على الأقل، ليس بوسائلي المحدودة.”

 

حتى رايان، بكل سلطته على الزمن والسببية، لم يجرؤ يومًا على تناول قارورتَي إكسير. فالقوى لم تكن مجرّد تعديل جيني، بل تعمل على مستوى يتجاوز ذلك بكثير. إكسيرٌ ثانٍ قد يجعل قدرته الأصلية تتحوّل، أو يولّد نقطة حفظ جديدة… أو يتركه مجنونًا إلى الأبد. ولو تحوّل رايان إلى سايكو مثل بلَدستريم وهو يحمل نقطة حفظ… فلن يتمكّن أحد من إيقافه. وسيكون كابوسًا لا نهاية له—له، ولعدد لا يُحصى من الأبرياء.

 

“أعرف،” اعترفت لين. “أعرف… لكنه كان والدي، رغم كل شيء. وما كان لك أن تتّخذ ذلك القرار.”

 

وضع رايان يديه خلف ظهره، يتأمّلها بصمت لوهلة. ثم نزع قبعته وقناعه، ليُريها وجهه الحقيقي… ذلك الحزن القابع تحت ابتسامته.

 

“أعتذر،” قالها بصدقٍ كامل. “آسف لأنني جرحتك.”

 

نظرت لين في عينيه، ثم صرفت بصرها، عاجزة عن تحمّل نظرته.

 

وقد آلَمه ذلك… أكثر من خناجر أسيد رين.

 

هكذا… كان شاهدًا على نهاية مهمّته الرئيسية. ولم تكن نهايةً سعيدة.

 

“لماذا صنعتِ هذا المكان؟” سأل رايان، ملقيًا نظرة على المسكن من حوله. ربما… كان هناك تفصيل لم ينتبه له، شيء يمكنه أن يتشبث به لإنقاذ صداقتهما.

 

“في البداية… لنفسي،” أجابت. “ثم للآخرين.”

 

“الأيتام في الأعلى،” خمّن رايان. “هذا هو الغرض من المكان، أليس كذلك؟”

 

“نعم،” ردّت وهي تحدّق في الأضواء البعيدة من خلال النافذة الدائرية.

“أريد أن أحضرهم إلى هنا عندما ينتهي كل شيء. أمنحهم مكانًا ينتمون إليه… يبدأون فيه من جديد. أصلح الأمور.”

 

“لين، لا يمكنكِ أن تهربي من العالم، حتى لو كان قاسيًا وعبثيًا،” قال رايان. “وإلّا… ستفقدين جزءًا من نفسك أيضًا. انظري إلى حالك، أنتِ… أنتِ بائسة يا لين. لا يمكن أن تكوني سعيدة وأنتِ تعيشين هكذا.”

 

“ريـري، لا شيء ينتظرهم هناك في الأعلى، ولا ينتظرني أنا أيضًا،” جادلَت لين. “فقط عنف، وسايكو، وأوغادٌ أقوياء يركلون الضعفاء دون رحمة. ظننت أن القنابل قد طهّرت الساحة، محَت كل شيء وبدأنا من جديد… لكن بعد أكثر من عقدٍ من الزمن… لا شيء تغيّر. نفس الجحيم، بل أسوأ.”

 

“إذا كان هذا ما تشعرين به، فلنُصلحه معًا،” قال رايان. “يمكنني المساعدة. لدي كل الوقت في هذا الكون لأعيد الأمور إلى نصابها. بوسعي أن أجعل كل شيء أفضل.”

 

“أنا أصلحه بالفعل… أقوم بذلك الآن،” ردّت بصوت مضطرب. “أبني مكانًا جديدًا، أفضل. مكانًا يكون فيه الجميع سواسية.”

 

“لا، أنتِ تهربين من مشاكلك، تمامًا كما فعلتُ أنا،” اعترض رايان. “الأدوية تُخدّر الألم، لكنها لا تزيله. ومهما كرّرتِ العملية نفسها، فالنتيجة لن تتغير. ولا هذا المكان سينقذك. إنه غارق. أنتِ تغرقين حرفيًّا يا لين.”

 

مدّ يده نحوها.

 

“دعيني أساعدك،” ترجّاها الموصل. “أتذكرين حين كنتِ تحلمين باكتشاف العالم؟ يمكننا أن نحقّق ذلك. نسافر معًا، وننظر أبعد من الأفق. ما زال هناك الكثير لنفعله، الكثير لنتعلّمه. ولقد رأيتُ أشياء… لا يمكنك حتى تخيّلها. وسأريكِ إيّاها. يمكننا أن نبدأ من جديد.”

 

نظرت لين إلى أصابعه، ولثوانٍ طويلةٍ موجعة، بدت وكأنها على وشك أن تمسك بها. لو أنها فعلت… لانتهت أيام الوحدة أخيرًا.

 

لكنها لم تفعل. قيّدها الخوف… خوفها من نفسها.

 

محطّمًا من هذا المشهد، أدرك رايان أن الأمر لن ينجح. كانت متألّمة أكثر من أن تخاطر. صداقتهما كانت جرحًا قديمًا تخشى أن يتقيّح من جديد… ويغرقها أعمق مما هي عليه.

 

هو…

 

هو فقط كان يزيد الطين بلّة.

 

“العالم عبثي،” صرّح رايان. “لكنه ليس بلا أمل.”

 

قطّبت جبينها، مشوشة، لا تفهم قصده.

 

“واجهتُ الموقف ذاته أكثر من عشرة آلاف مرة، وفي كل مرّة… اتّخذت خيارًا مختلفًا،” شرح رايان. “ولو كان كل شيء ميؤوسًا منه، لما تغيّر أي شيء. فردٌ واحد لا يستطيع أن يصنع فرقًا، أليس كذلك؟ هكذا يقول أتباع الحتمية. لكن دعيني أخبرك بشيء: الحتميّون مجرد جبناء بكّاؤون. كل خيار اتخذتُه قاد إلى نتيجة مختلفة. أحيانًا كانت التغييرات طفيفة؛ وأحيانًا أخرى… قلبت كل شيء. أحيانًا قتلتُ أناسًا، وأحيانًا أنقذتُهم.”

 

“لكن… لا أفهم،” تمتمت. “إلى أين تريد أن تصل؟”

 

“أن قراراتي، في النهاية، غيّرت الأمور،” قال رايان. “حتى لو كنتُ الوحيد الذي يراها. لا يهم إن كان التغيير كبيرًا أو صغيرًا… المهم أنه وُجد. نعم، أحيانًا تحدث أشياء سيئة بلا سبب… وأحيانًا، تحدث أشياء جميلة بنفس الطريقة. العدالة ليست مضمونة، لكنها ممكنة. لا أحد يسيطر على شيء، لكن هذا لا يعني أن أفعالك بلا أثر. لذا أرجوكِ، يا لين… لا تقولي أبدًا إن لا أمل. إن كان السفر عبر الزمن قد علّمني شيئًا… فهو أن كل شيء قابل للتغيير، وأن النهاية المثالية… دائمًا في المتناول.”

 

“السفر… السفر عبر الزمن؟”

 

لكن رايان لم يُثقل عليها بمشاكله. بدلًا من ذلك، أعاد وضع قناع كويك سيف وقبعته، ثم اتجه نحو باب الفتحة. لم تحاول إيقافه… وإن بدا عليها التردّد.

 

“مهما ساءت الأمور، يا لين، لن أتخلّى عن سعيي وراء السعادة،” قال، ملتفتًا نحو صديقته القديمة. “وأتمنى أن لا تفعلي أنتِ أيضًا.”

 

غادر رايان، خطواته الصامتة تتردّد أصداؤها في الأعماق.

 

☆☆☆☆☆

 

[1] السلطعون الجامايكي تُشير إلى سيباستيان من فيلم ديزني الحورية الصغيرة.

 

[2] خرشوفكا هو نوع من المباني السكنية التي ظهرت في الاتحاد السوفيتي في فترة حكم نيكيتا خروشوف، وُصِفت بأنها مبانٍ منخفضة التكلفة ذات تصميم بسيط، تهدف إلى تلبية احتياجات الإسكان في المدن.

 

[3] عبارة “أنا أفهم النكتة” تعبر عن طريقة رايان في التعامل مع الألم والصدمات عبر السخرية أو التقليل من شأنها، وهو ما قد يشير إلى دفاع نفسي أو قلق داخلي. بالمقابل، لين ترى أن هذا السلوك يعكس تدهورًا عقليًا أو عدم استقرار نفسي.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset