الفصل 22: إختبارات الإقناع
وهكذا صدر حكم فولكان المقدّس على كفّار ديناميس، وانتهى فيلم وايفرن بالجرذان والطاعون… تمامًا كما حدث في الحلقة السابقة من مسار الأوغُسْتِي.
شعر رايان بشيء من الأسى لأنه اضطرّ لتخريب الظهور السينمائي الأول لآتوم كات، خاصة بعد أن توطّدت صداقتهما مؤخرًا. لكنّ رفيقه الظريف لم يكن يحبّ تلك المشاريع التجارية أصلًا، لذا… لا ضرر ولا ضرار. سيتصالحان لاحقًا.
حين عاد رجال العائلة إلى المنزل في سيارته الفاخرة، كاد الموصّل يتوقّع أن يفجّر شرواد المكان مجددًا. فرايان لم يتقدّم في أحداث هذه الحلقة أبعد من هذه النقطة من قبل، لذا لم يكن يعرف ما الذي سيحدث بعدها. لكن كي-جونغ لم تكن منفعلة في المقعد الخلفي من سيارة بليموث فيوري، ما يعني على الأرجح أن جرذانها الحارسة بخير.
في قرارة نفسه، تمنى الموصّل لو أنّ كارثة غير متوقعة تقع… فقط ليكسر الملل.
حين لمح رايان درع فولكان الضخم مركونًا في الحديقة إلى جانب لامبورغيني سوداء، وفتيات ينتظرن عند الباب الأمامي، أدرك أن دعاءه قد استجيب له.
فبدلًا من استدعائهم إلى وكرها، قرّرت بلوتو أن تزور موظّفيها بنفسها.
وبالإضافة إلى حارستها الشخصية وفولكان، كانت نائبة الزعيم تستمتع أيضًا برفقة شابة لم يرها رايان من قبل؛ فتاة شقراء قصيرة القامة، بعينين زرقاوين فاتحتين، وابتسامة دائمة، تجدل شعرها في ضفيرتين.
كانت ترتدي سُترة وسروالًا أبيضين، وقد خمّن رايان، من ملامح وجهها، أنها تنحدر على الأرجح من أصول سلافية.
“لقد أحضرت اثنين من القتلة السبعة،” تمتمت تشيتر بقلق، وعيناها لا تفارقان المشهد.
“هل أنت مستعد لهذا؟” سأل جيمي رايان، بينما كان الموصّل يركن السيارة.
“حسنًا، يبدو وكأن عليّ اجتياز اختبار حواري شاق، أو خوض معركة زعيم صعب،” ردّ رايان. “لكن هذا يعني أنني اقتربت من النهاية.”
“لن تتغلب على هذا الزعيم، أقولها لك من الآن،” قالت لانكا من المقعد الخلفي، بينما كان الجميع يترجّلون من السيارة.
اقتربت المجموعة من حاشية بلوتو، وتشنّج الجميع ما إن وقعت أعين نائبة الزعيم عليهم. حتى رايان لزم الصمت في البداية، في الغالب لأنه كان يعلم أن لقاؤه المنتظر مع لين بات قاب قوسين أو أدنى.
“سيّدتي،” قال جيمي بعد أن تنحنح، “لم أكن أتوقّع رؤيتكِ هنا.”
“هذا هو الغرض من التفتيش المفاجئ،” ردّت بلوتو ببرود، وقد استقرّ نظرها على رايان. “أمرنا يخصّه وحده، زانباتو. فريقك يمكنه أن يفعل ما يشاء.”
“إن لم يكن لديك مانع، أودّ البقاء،” ردّ رجل العائلة بهدوء. “ولو كمجرد دعم معنوي للمجند الجديد.”
“سأبقى أنا أيضًا،” قالت لانكا.
“أوه، كنت أعلم أنك تهتمين لأمري،” سخر رايان منها.
“لو قتلتك، أيها الثرثار، سأضطر للتعامل مع جثّتك،” ردّت وهي تحدّجه بنظرة باردة. “وأنا أفضل تقليل حجم العمل.”
“أعتقد أنني سأبقى أنا أيضًا،” قالت كي-جونغ، رغم أن وجهها لم يُخفِ تردّدها. تسلّق فأر صغير كتفها، مثل بيكاتشو. “تجاهلوني فقط.”
اكتفت بلوتو بهز كتفيها، ثم شرعت على الفور في إطلاق الأوامر: “سبارو، فتّشيه. فولكان، تحقّقي من أي تقنية عبقري قد تكون بحوزته. كانسل… أنتِ تعرفين المطلوب.”
“بدأت بالفعل،” ردّت الشقراء بلكنة بلغارية، قبل أن تبتسم لرايان بحيوية.
“مرحبًا! أنا كانسل، لكن يمكنك مناداتي غريتا! تشرفت بمعرفتك، رايان!”
“أوه، أهلًا غريتا.” لوّح لها الموصّل بيده، وقد فاجأته طيبتها.
“أنا خالد… لكن لا تخبري أحدًا.”
بدأت الحارسة الشخصية لبلوتو، والمعروفة باسم ‘سبارو(عصفورة)’، بتفتيش رايان فورًا بيديها الكبيرتين، تتحسّس جسده في كلّ اتجاه. نزعت قناعه، وقبعته، وسترة معطفه… ثم بدأت تبحث في أماكن كان من الأفضل أن تظلّ مجهولة.
“تعلمين، يا آنسة، لو أردتِ إلقاء نظرة على ملابسي الداخلية،” قال الموصّل بينما كانت تتحقّق من… منطقة حسّاسة، “كان بإمكانكِ فقط أن تطلبي. أنا شاب، متاح، وسهل الإقناع.”
“قد آخذك على كلمتك،” ردّت سبارو بابتسامة متسلّية. وبمرور الوقت، بدأ كومة من الأسلحة تتكوّم بجوار رايان، بينما كانت فولكان تفحصها واحدة تلو الأخرى بخفة خبير، كما لو كانت مقبّلات على مائدة فاخرة… إلى أن بلغت الطبق الرئيسي.
“كيف تمكنت من حشر كلّ هذا العدد من الليزرات في مساحة صغيرة كهذه؟” سألت فولكان وهي تفحص الأرنب المحشو بعينين مذهولتين. “حتى درعي لا يحتوي على هذا العدد.”
“واحدًا تلو الآخر،” ردّ رايان بلا مبالاة.
“ما هذا؟” سألت بلوتو وقد بدا عليها الفضول. “لعبة أطفال؟”
“لطيفة جدًا، في الواقع،” قالت كي-جونغ.
“لعبة تملك ما يكفي من القوة النارية لمحو مدينة صغيرة،” تمتمت فولكان، وقد ازداد افتتانها بظلمة هذه اللعبة البريئة. “هل يمكنني—”
“لا،” قاطعها الموصّل بنبرة قاطعة.
“لكن—”
“قلت لا!” أكّد رايان بحزم. “لن أعيرها لك!”
قنابل نووية؟ لا بأس. لكن شيئًا بهذا القدر من الخطورة؟ مستحيل. هذا لا يمكن أن ينتهي إلا بمأساة.
نظرت فولكان إليه بخيبة أمل… عميقة، عميقة فعلًا، لكنها لم تُلحّ في الطلب. “فتّاك بدرجة استثنائية،” قالت لبلوتو وهي تعيد الأرنب المحشو إلى كومة الأسلحة، “لكنه لا يسبّب تغيّرًا في الذاكرة. لا شيء من أسلحته يملك هذه القدرة.”
“ولا قوّته تفعل،” قالت كانسل. “أو على الأقل لا أظنّ ذلك. هو بنفسجي خالص، لا شك في ذلك.”
“أوه، وأنتِ من البيض؟” سأل رايان، فأومأت الفتاة برأسها.
“من أقواهم،” قالت بلوتو بابتسامة موجّهة لرايان. “كانسل قادرة على تعطيل قوى أي شخص ضمن نطاق معيّن… باستثناء شقيقي، بالطبع.”
“هاه، هذا مضحك.”
زمّت كانسل شفتيها فورًا. “ولِم لا تختبر الأمر بنفسك، هاه؟”
التحدي قُبل.
حاول رايان على الفور إيقاف الزمن… ولم يحدث شيء. لا صدى داخلي، لا تجمّد في العالم من حوله تحت وطأة عقله، ولا حتى إحساس بالحكّة. لا شيء على الإطلاق. قدرتُه رفضت أن تعمل.
جرّب مرة أخرى، لكن المشكلة استمرّت. ويبدو أن ملامحه خانته، إذ ارتسمت على شفتي غريتا ابتسامة نصر… واثقة، وملأى بالزهو.
حسنًا، هذا ليس جيدًا.
بل ليس جيدًا على الإطلاق! نقطة الحفظ الخاصة به لا ينبغي أن تتأثّر،
لكن إن كانت كانسل قادرة على إبطال التفعيل التلقائي… فهذا يعني أنه إن مات قريبًا منها، فقد يموت إلى الأبد.
“آنسة بلوتو، هل أخبرتك من قبل أنني أراك أنيقة وجميلة على نحوٍ استثنائي؟” قال رايان. عندما تشكّ… امدحهم!
“لا جدوى من ذلك، لكن شكرًا،” ردّت بلوتو بمجاملة زائفة، قبل أن تلتفت إلى كانسل. “ما زال لا شيء؟”
“لو كانت هناك أيّ تلاعبات في الذاكرة، لكنتُ قد أزلتُ تأثيرها،” أجابت الفتاة. “سواء كان أزرق، أخضر، أصفر… أو حتى بنفسجي.”
لم تقل بلوتو شيئًا. بدلًا من ذلك، بحثت في طيّة من فستانها وأخرجت سيجارة؛ أسرعت سبارو بتقديم الولاعة، وأشعلت النار فيها في اللحظة التي وضعت فيها سيدتها تلك العصا السرطانية بين شفتيها.
“أنا أتحكّم بالموت،” قالت بلوتو لرايان، فتجمّدت مجموعة جيمي في أماكنهم عند سماع كلماتها. “بمفهومه المجرّد… نهاية الحياة. لا يمكنني عدّ الأعمار، لكنني أشعر بثقل السنين التي يحملها كل شخص. وإن لم أكن مخطئة، كويك سيف، فأنت أقدم إنسان قابلته في حياتي. أقدم بكثير مما ينبغي. والآن بعد أن نظرت إليك جيدًا، أقدّر عمرك بـ…”
ثم نفثت سحابة من الدخان في وجه رايان.
“شيءٌ ما في خانة الثلاثة أرقام… أقرب إلى الأربعة منها إلى الاثنين.”
يا إلهي، هل مرّ كلّ هذا الوقت؟ رايان توقّف عن العدّ بعد القرن الأول.
“ثلاث أرقام؟” عقدت كي-جونغ حاجبيها. “هذا لا يُعقل.”
“يبدو صغيرًا بعض الشيء على شيخ هرم،” قالت لانكا وهي تهزّ كتفيها بلا مبالاة. “هل أنت متأكدة، يا رئيسة؟ لا أقصد التشكيك، فقط—”
“بل تشكّكين،” قاطعتها بلوتو بحدّة أشبه بالسكين. لم ترفع صوتها، لكنها أسكتت الجميع في لحظة. “قوتي لا تُخطئ أبدًا. إذًا، كويك سيف… هل تودّ أن تشرح لي هذا؟”
من طريقة طرحها للسؤال، أدرك رايان أن بلوتو ستقرّر ما إذا كانت ستُبقي عليه حيًّا… أو تقتله، بناءً على ما سيقوله.
لا خيار إذًا.
“كنت أعلم أن هذا اليوم سيأتي.”
وجّه الجميع أنظارهم نحو الموصّل، الذي اعتدل في وقفته محاولًا تقمّص دور المجرم المعترف بذنبه.
“حسنًا، أعترف،” قال وهو يزفر تنهيدة طويلة… طويلة جدًا.
“لقد كذبت. كذبت عليكم جميعًا… بشأن قدرتي.”
“كنتُ أشكّ في ذلك،” قالت فولكان، وقد راحت تُصغي الآن بانتباه مبهور.
“لا أستطيع تصوّر كيف يمكن لأحدهم إيقاف الزمن والاستمرار في الحركة. من المفترض أن تتطوّر في عالم خالٍ من الضوء، حيث يتحوّل كلّ شيء إلى مقذوف قاتل.”
“إذًا، كذبت بشأن طبيعة قدرتك لتُبقي ورقة رابحة في جعبتك؟” سألت بلوتو وهي تعبث بسيجارتها. “تصرف منطقي، لا سيّما مع الغرباء. أُحيّي حرصك.”
“أعتقد أنك لستَ غبيًا كما تبدو،” مازحت لانكا، فغمزها جيمي بمرفقه.
“وكيف تعمل قدرتك في الواقع؟” سألت بلوتو.
“عندما أُجمّد الزمن، فأنا في الحقيقة أقفز إلى كونٍ موازٍ، عادةً لتفادي الموت،” كذب رايان بوقاحة تامة. “كون بديل قريب جدًا من عالمي الأصلي. أتداخل مع ‘النسخة الأخرى’ من نفسي هناك، ونتّحد معًا.”
كان يتوقّع أن يُقابل ادعاؤه بالتكذيب، لكن للمفاجأة… لم ينبس أحد ببنت شفة.
“هذا مذهل!” كادت غريتا أن تذوب من الانبهار. “هل هذا يعني أنه يمكنك أن تصبح امرأة؟! أعني، أن تندمج مع نسخة بديلة منك تكون فتاة؟! كيف يعمل ذلك بالضبط؟”
“قضيتُ ثلاثة أشهر ذات مرّة وأنا صيني،” كذب رايان بوقاحة، فالكذبة كلما كبرت… كانت أفضل. “وصرتُ أمريكيًّا مرّتين!”
“انتظر… هكذا خدعتنا في لعب الورق!” صرخت لانكا وقد ركّزت فورًا على التفصيلة المهمّة فعلًا. “يا وغد! كنت تقفز بين الأكوان كلّما ساءت أوراقك!”
“هممم، هذا مثير للاهتمام،” قال جيمي وهو يعقد ذراعيه. “هذا يفسّر بعض تعليقاتك في الكازينو.”
“ويفسّر جهاز الراديو الزمني أيضًا،” أضافت كي-جونغ.
“الراديو الزمني؟” عقدت فولكان حاجبيها. “راديو يستمع عبر الزمن؟”
“عبر ماضٍ متعدد،” صحّح رايان.
“لا يمكنك أن تملك أكثر من ماضٍ واحد،” تمتمت لانكا في الخلف، بضيق.
“راديو يمكنه التوصّل إلى خطوط زمنية بديلة؟” كلما راقبت فولكان تقنياته أكثر، بدا عليها الافتتان المتزايد. “كيف يعمل؟”
“الأمر معقّد جدًا، لكن—”
“أنا عبقرية،” قاطعته فولكان بحدة. “كيف يعمل؟”
“تأثير الرصد، يا صديقتي المتعجرفة،” ردّ رايان وهو يرفع كتفيه بلا اكتراث، غير راغب في الخوض بالتفاصيل. “الحالة المرصودة تتغيّر تبعًا لطريقة الرصد.”
“يعمل مع الأحداث الماضية؟” اتّسعت عينا فولكان، وهي تحاول استيعاب النظرية الكامنة خلفه.
في تلك الأثناء، ظلّ وجه بلوتو عصيًا على القراءة.
وأخيرًا، نطقت بكلمة واحدة فقط: “حسنًا.”
“واو، لقد استقبلتم الأمر بشكل أفضل بكثير مما توقّعت،” اعترف رايان.
“عادةً ما يظنّ الناس أنني أمزح حين أقول شيئًا كهذا.”
“ابنة أختي، مينيرفا، تستطيع التفاعل مع الأكوان الموازية، رغم أنها زرقاء. أتساءل كيف ستتداخل قدرتاكما… قد يكون ذلك مثيرًا للاهتمام…” راحت نائبة الزعيم تتفحّص الموصّل بنظرة جديدة كليًّا، كأنها تحاول حلّ لغزٍ معقّد. “إذًا، العدد غير الطبيعي من السنوات الذي أشعر به… سببه أنك تندمج مع نُسخك الأخرى، فتتراكم كُتلتك الماورائية؟”
“هل يمكن أنكِ وسمتِ نسخة بديلة منه،” قالت سبارو، “وأن قوّتكِ تبعته عبر قفزاته؟”
“محتمل،” اعترفت بلوتو. “مع ذلك، مجرّد كوني وسمتُه أصلًا… يُعدّ علامة إنذار.”
“أنتِ تضعين وسمًا على كل جينومي تقابلينه،” قالت فولكان بوقاحة مألوفة. “وهذا… فِعل سوقي بصراحة.”
تجاهلت بلوتو التعليق، وأمعنت النظر في رايان، الذي ردّ عليها بابتسامة هادئة. ثم التفتت إلى أتباعها وأمرت: “فتّشوا سيارته بحثًا عن أي أجهزة. ما زلتُ غير مقتنعة تمامًا.”
فحصت سبارو سيارة البليموث فيوري بنفس الدقّة التي فتّشت بها جسد رايان، بحثت تحت المقاعد، وفي الصندوق الخلفي، وحتى في الحجرات السرّية. كان من الواضح أنها تملك خبرة واسعة في هذا النوع من الأمور. أما فولكان، فكانت منهمكة في تفحّص الراديو الزمني، تقلّب القنوات واحدة تلو الأخرى.
ما إن فتحت سبارو غطاء محرّك السيارة وألقت نظرة في الداخل، حتى تحوّل وجهها من ملل روتيني… إلى حيرة، ثم إلى ذهول. “يا إلهي…”
“ما الذي—” همّت كي-جونغ بإلقاء نظرة، ثم أطلقت صرخة رعب حادّة.
وقد أفزعت صرختها الجرذ على كتفها إلى درجة أنه سقط أرضًا. سارع جيمي إلى جانبها، يضمّها بذراعيه، ثم عبس وهو يحدّق في داخل المحرك.
وبالطبع، تجمّع الجميع ليُلقي نظرة، وسط حيرة رايان المتزايدة. ما الذي أثار كل هذا الذعر؟ حتى بلوتو التي لا تهتزّ بسهولة، رفعت حاجبًا، ولانكا — التي لا يعجزها الكلام عادة — بدت عاجزة عن النطق. “ما هذا الهراء…”
“رايان.”
نظر إليه جيمي وكأنما فقد صوابه.
“لماذا يوجد دماغ داخل سيارتك؟”
ألقى رايان نظرة تحت غطاء المحرّك… وفهم ما يقصدونه.
أسفل المحرّك وبالقرب من مضخّة الحرارة، كانت هناك فتحة سرّية كشفت عنها سبارو؛ في داخلها، دماغ طويل مغمور في سائل أخضر داخل قارورة زجاجية، والحبل الشوكي متّصل بأسلاك عديدة.
“أوه…” قال رايان وهو يحكّ شعره. “نسيت أمره تمامًا.”
“سأعيد السؤال،” جاء صوت جيمي ببرودة قاتلة، في حين اختبأت كي-جونغ خلفه. “لماذا تحتفظ بدماغ داخل سيارتك؟”
“أنا لا أحتفظ به، إنه موصول بالسيارة. أعني… كيف ظننتم أن القيادة الذاتية تعمل؟ أو الراديو الزمني؟ هل صدّقتم أنه ‘سحر’ أو ‘ذكاء اصطناعي’؟”
حقًا؟ جيمي لم يمانع احتفاظ رايان بقنبلة نووية، لكنه استنكر وجود دماغ في السيارة؟! أين المنطق في ذلك؟
“هذا… هذا معطوب تمامًا،” تمتمت لانكا لنفسها. “اختطفتَ شخصًا غريبًا بالكامل وانتزعتَ دماغه، فقط لأنك لم تستطع الحصول على رخصة قيادة؟”
“آه، فهمت الاتجاه الآن.” رفع رايان يديه مستسلمًا. “تظنّين أنني كنت أختطف المشرّدين من الشوارع بمساعدة مساعد أحدب مخيف؟ وأن اسمه كان… إيغور[1]؟”
من الملفت للنظر أن بلوتو وفولكان بدتا أكثر فضولًا من كونهما منزعجتين من الاحتمال المطروح. أما غريتا، فواصلت الابتسام بانبهار؛كان يُفترض أن يبدو ذلك لطيفًا… لكنه الآن بدا مزعجًا بحق.
“ليس دماغًا بشريًّا،” علّقت فولكان. “الشكل لا يطابق. يشبه دماغ شيطان البحر نوعًا ما، لكن… لا، لا أستطيع تحديده. بعض الأجزاء تبدو صناعية بوضوح.”
“صنعته بنفسي،” أجاب رايان. “صناعي بالكامل.”
“اشرح هذا،” قالت بلوتو بصوت حاد. “الآن.”
“عملتُ مع عدد من العباقرة في الماضي، وغالبًا ما كانوا يدفعون لي بتقنيات بدلًا من المال. مثل القنبلة النووية، مثلًا.” نالت جملته تلك عددًا لا بأس به من النظرات الغاضبة — باستثناء فولكان، التي بدا اهتمامها يتزايد لحظة بعد أخرى. تابع رايان رغم الأجواء المشحونة: “لم أكن أملك القدرة الحاسوبية اللازمة لتشغيل الراديو الزمني، وكنتُ أريد لسيارتي أن تقود نفسها. فقدّم لي أحد الزبائن حلًّا يضرب عصفورين بحجر واحد.”
“بزرع دماغ في سيارتك؟” سألت لانكا بوجه خالٍ من التعابير.
“أحد تخصّصاته كان في الحواسيب العضوية،” ردّ رايان. “كان لديه مئات الأدمغة في قوارير… يزرعها كما يُزرع الحشيش.”
“لكنها ليست كائنًا واعيًا، أليس كذلك؟” سألت كي-جونغ بقلق، وهي تحدّق في المادة الدماغية. “مجرد حاسوب؟”
“بالطبع ليست واعية!” احتج رايان. “أتظنّين أنني كنتُ لأفعل نصف ما أفعله بسيارتي لو كان بداخلها شخص حقيقي؟ هل تظنّينني همجيًّا؟”
لم يُجب أحد. جيمي بقي مكتوف الذراعين. “لا أعلم كيف يفترض بي أن أشعر حيال هذا.”
“ولا أنا،” أقرّت صديقته.
أما بلوتو، التي ظلّت حتى الآن لا تهتزّ لشيء، رمت سيجارتها فوق العشب، ثم التفتت إلى فولكان وسألتها بهدوء: “ما رأيك؟”
“من الواضح أن أكثر من عبقري عمل على هذه السيارة،” قالت مصممة الأسلحة وهي تحدّق في المحرّك، “وأظنّني أرى معجّل جسيمات مصغّرًا متّصلًا بالدماغ.” ثم أغلقت الغطاء وأردفت: “سيستغرق الأمر بضعة أيّام لمراجعة كل شيء، لكنني أشكّ في أن أحد أجهزته يُستخدم للتلاعب بالذاكرة.”
“فهمتُ،” قالت بلوتو، ثم التفتت نحو رايان. “كويك سيف.”
“نـعـــم؟”
“أنت تحت المراقبة حاليًّا. لستُ مقتنعة تمامًا بعد، لكنني سأمنحك فُسحة من الشك. فقط لا تجبرني على العودة.”
ثم نظرت إلى فولكان. “ياسمين، صار ملكك. افعلي به ما تشائين. لكن إن أخطأ… فسأحمّلك المسؤولية.”
بدت خيبة أمل على وجه جيمي في الخلفية؛ لعلّه كان يأمل أن تُلحق رايان بقسم قائده الأعلى. لكنه كان أذكى من أن يعارض تلك المرأة الفتّاكة.
من دون وداع ولا حتى كلمة، اعتبرت بلوتو الأمر منتهيًا، وسارت باتجاه سيارتها. “أراكم قريبًا!” لوّحت غريتا للجميع بابتسامة عريضة، بينما لحقتها سبارو نحو اللامبورغيني.
لقد تمّ تجنّب الأزمة!
لم تمضِ دقائق على رحيلهم حتى حاولت فولكان شراء رايان على الفور. “حسنًا، ثلاثة آلاف!” أعلنت فجأة، عاجزة عن مقاومة مشاعرها الجديدة تجاه الموصّل. “مقابل أن تعمل مساعدًا لي في المختبر… وأن تسمح لي بفحص الأرنب.”
“هل تستحق الدمية اهتماما أكثر من سيارة تُقاد بدماغ؟” همست كي-جونغ في أذن جيمي، فرفع كتفيه بلا مبالاة؛ منذ زمنٍ وهو قد كفّ عن محاولة فهم ما يحدث.
“ثلاثة آلاف في الشهر؟” ابتسم رايان بمكر إزاء هذا العرض اللطيف.
“يا للعجب، كم أنتِ بخيلة—”
“في اليوم،” صحّحت فولكان له، ببرود. “نصفها نقدًا، والنصف الآخر تحويل بنكي.”
رفع رايان حاجبًا باهتمام، بينما كانت لانكا هي من كادت تُصاب بسكتة دماغية في الحال. “في اليوم؟ لهذا؟! إنه يغشّ في لعب الورق!”
لكن فولكان تجاهلت تمامًا اعتراضات الأتباع، وتابعت بنبرة عرض لا يُرد:
“سأصنع لك درعك الخاص، وكل ما تشتهيه نفسك. مخدرات، نساء بما يكفي لتحطيم ما تبقّى منك، مختبر خاص بك؟ وأيضًا… فتاتك.”
“ادهن المفاصل، ينفتح الباب،” ردّ رايان بلا مبالاة. “مهمتي الرئيسية أولًا، ثم نرى ما يمكن فعله في المهام الجانبية.”
“حسنًا، منصف،” قالت فولكان وهي تتجه نحو درعها.
“هيا بنا.”
“إلى القمــــــر؟”
“إلى صديقتك،” ردّت فولكان ببرود، وكأنه قال شيئًا غبيًّا. “هناك مقعد ثانٍ في قمرة القيادة، فاصعد.”
أخيرًا.
سيرى لين، بعد كل هذا الانتظار.
☆☆☆☆☆
سبارو= عصفورة
كانسل= إلغاء
[1] إيغور هو اسم أصبح مرتبطًا في الثقافة الشعبية بالمساعد المشوه للعالم المجنون، مستوحى من شخصية تظهر في العديد من الأفلام والكتب حول “فرانكشتاين” والعلماء المهووسين. غالبًا ما يُصور إيغور كمساعد غريب الأطوار وموالي بصفة مفرطة.
