النهاية المثالية: الفصل 19

المسار الصحيح

الفصل 19: المسار الصحيح

 

يا له من يوم مشرق. بينما كان رايان يقود سيارته نحو مقبرة السفن ومستودع شراود، شعر بسعادة غامرة تجاه نفسه. كان لديه حدس راسخ بأن الأمور ستسير على ما يرام هذه المرة.

 

“أشعر وكأنك تميمة حظي، يا صديقي،” قال رايان لغول. “مثل قدم الأرنب، أو البرسيم ذو الأربع ورقات. كان يجب أن أحتفظ بك منذ زمن.”

 

جمجمة السايكو المبتورة، المعلّقة بحبل على المرآة الخلفية، حدّقت فيه بنظرة حادة.

 

المفاجأة أن رايان أنفق مالًا أقل لإقناع الأمن الخاص بأن يتركوا السايكو له، بدلًا من الزج به في السجن. على ما يبدو، إطعام سجين كل يوم يكلّف أكثر من تجاهل منتقم.

 

كما في كل الحلقات الزمنية السابقة، زارته وايفرن، وإن بدا حماسها أقل هذه المرة، لسببٍ غريب… ومريب. أصرّت أيضا على أن يسلّم غول ليبقى في مكان آمن، بدعوى بناء الثقة — وحرصًا على ‘سلامته’ الشخصية. ثم جاءت فولكان بعرضها المعتاد لتجنيده، لتدفعه رسميًا نحو مسار الأوغستي.

 

حتى الآن… كل شيء يسير كما ينبغي.

 

توقف رايان أمام المستودع، أمسك بغول باستخدام القفاز المعدّل، ثم ترجّل من السيارة. “سأقتلك…” زمجر غول. “سأقتلك، أقسم أنني سأ—”

 

لكنه لم يُكمل جملته، إذ شرع رايان يتلاعب بالجمجمة بين يديه وهو يصفر بمرح. ألقى نظرة عبر نافذة المستودع، فلم يرَ خوادم ولا ذلك القاتل الودود من الحي. لولا ثقته المطلقة في قدرته، لظنّ أن ما حدث في الحلقة السابقة لم يكن سوى حُمّى وهذيان.

 

بدلًا من اقتحام المكان هذه المرة، طرق رايان الباب، وجمجمة غول المُدوخة تحت ذراعه.

 

“مرحبًا! أتسمح لي بالدخول؟ لدي مشكلة في نافذة السيارة!” صرخ رايان. “شراودي يصلح؟ شراودي يستبدل؟”

 

انتظر دقيقة كاملة قبل أن يُفتح الباب أخيرًا، كاشفًا عن رجلٍ زجاجيّ وخوادم تقبع خلفه. “كيف عرفت؟” سأل عضو الكرنفال وهو يحدّق حوله، وكأنه يبحث عن كاميرا خفية.

 

“أوه، أنا وحدي، يا صديقي الكرنفالي!” قال رايان، قبل أن يلوّح بالجمجمة. “باستثناء غول العجيب هنا، فهو جزء من العرض. تمامًا كدريسدن وبوب، أو لوريل وهاردي[1].”

 

“ادخل.” دخل رايان إلى الداخل، وأغلق شراود الباب خلفهما.

 

بقي الجينوم ظاهرًا للعيان هذه المرة، لعلّه ظنّ أن الموصّل يجهل تلك الخدعة. جلس على كرسيّه، وشاشات حواسيبه المتعدّدة تعرض خريطة لروما الجديدة، وقد وُضعت عليها علامات تشير إلى عدة مواقع، بدا أن معظمها واجهات لأعمال الأوغستي، كالباكوتو ومقرّ رينيسكو. وعلى مقربة من لوحة المفاتيح، انتظر كوب شاي من زهر البابونج.

 

“كويك سيف، كيف عرفت؟” سأله شراود مجددًا، متجاوزًا المجاملات ودخل في صلب الموضوع.

 

“لا تطلب من الساحر أن يكشف أسراره،” ردّ رايان، وهو يُلقي نظرة نحو الكوب. “مثل هذا الشاي.”

 

هزّ رأس غول أمام فنجان الشاي حتى نفثت الجمجمة نفحة ضباب أبيض. تحول السائل إلى بارد، وطفَت مكعّبات ثلج على سطحه.

 

“شاي مثلّج.”

 

“عبقري حقيقي،” علّق شراود بسخرية ثقيلة، من دون أن يمدّ يده إلى الشراب.

 

“كما أنه يعمل مع الثلاجات، وصديق للبيئة.”

 

“سأغتصبك، أيها المعتوه!” زمجر غول. “سأقتلك، ثم أغتصب جثتك وهي لا تزال دافئة!”

 

“أنت تستحق العذاب، أيها الوغد،” ردّ المتحكّم بالزجاج ببرود تام، خاليًا من أي تعاطف مع معاناة السايكو. “لقد قتلتَ ما لا يقل عن سبعة عشر شخصًا، حسب ملفاتي.”

 

“فقط سبعة عشر؟” ضحك السايكو بتفاخر. “لقد قتلت المئات! مئات!”

 

وكان يبدو فخورًا فعلًا بذلك. قد تظن أن غول أذكى من أن يتباهى بعدد ضحاياه وهو في وضعه الحالي… لكن لا، لا أمل.

 

راقب شراود السايكو بنظرة ازدراء باردة، ثم التفت إلى رايان. “ماذا تريدني أن أفعل به؟”

 

“ماذا عساي أن أريد؟ التحقيق معه، طبعًا!” قال رايان، وهو يداعب مؤخرة جمجمة غول. “أليس كذلك، أيها الهيكل العظمي؟ ستخبرنا بكل شيء عن ذلك المخبأ الكبير الذي يلهث وراءه رئيسك الشرير، أليس كذلك؟”

 

“مخبأ؟” سأل شراود باهتمام فوري.

 

“تبا لك، كويك سيف! تبا لك!”

 

“اصمت، أيها العبد،” ردّ رايان وهو يصفعه.

 

“ص… صفعتني!” احتجّت الجمجمة المتكلّمة. “لقد صفعتـ—”

 

ثم صفعه رايان مجددًا، فحدّق فيه السايكو بغضبٍ ممزوج بالإهانة. “كل ما تقدر على فعله بي، يستطيع آدم أن يفعل أسوأ منه.”

 

“أوه، حقًا؟” قال شراود متقبّلًا التحدي، ثم فصل شظية زجاجية عن درعه وشكّلها على هيئة إبرة رفيعة. راحت الإبرة تطفو أمام جمجمة السايكو مباشرة، مُتخذة موقعها بمحاذاة عينه اليسرى. “إن لم تخبرني بكل شيء، ستبدأ هذه الإبرة طريقها نحو عينك… ثم إلى الدماغ. ببطء. وبألم. وبعدها، سأنتقل إلى الأخرى.”

 

“لقد نجوت من قطع الرأس، أيها الداعر،” ردّ غول بلا أدنى انبهار. راح يحدّق في الإبرة وهي تقترب شيئًا فشيئًا، دون أن يرمش.

 

تنهد رايان، ووضع يده على كتف شراود.

 

“ماذا؟” سأل المتحكّم بالزجاج، وقد أوقف الإبرة عند قرنيّة العين. “أتظن أنه لا يستحق ذلك؟”

 

“أعلم أنك تريد أن تتقمّص دور جاك باور[2]، لكن هكذا لا تُعذَّب السايكو،” قال رايان وهو يفتّش في معطفه الطويل، واضعًا جمجمة الأوندد على طرف المكتب.

 

تحوّلت نظرات غول من واثقة إلى مأسورة، حين أخرج الموصّل قارورة خضراء أشبه بزجاجة عطر. كان شعار ديناميس مطبوعًا عليها، وإلى جانبه اسم المزيج.

 

“إكسير هرقل المقلَّد، من صناعة ديناميس،” قال رايان مروّجًا للمنتج، وهو يلوّح به أمام غول. حاولت الجمجمة انتزاعه بأسنانها، لكنها – وبديهياً – لم تستطع ذلك من دون ساقين. “أعجبك؟ اشتريته هذا الصباح. يمنحك قوة وقدرة تحمّل خارقة، وسمعتُ أنه يشبه شرب نشوة سائلة.”

 

“أعطني إياه!” زمجر غول، وقد استبدّت به نوبة الإدمان. “أعطني إياه، بحق الجحيم!”

 

“آه آه، للأسف يُمنع على المصابين بالشلل الرباعي،” سخر رايان منه. “يبدو أنني سأضطر إلى سكبه في المرحاض.”

 

“أيها الوحش!” بدا الرعب حقيقيًّا في صوت السايكو. “لن تجرؤ… هل تعرف كم يكلّف؟”

 

“كم يكلّف؟” انفجر الموصّل ضاحكًا ضحكة مجنونة جعلت الدم يتجمّد في عروق غول، مما زاد من هستيرية الضحك. أما رجل الزجاج فظلّ يراقب المشهد بصمت مشوب بالقلق. “الحياة ليست مالًا! الحياة متعة!”

 

“عليك أن توقفه!” زمجر غول وهو يخاطب شراود. “أنت، أيها الرجل الزجاجي! عليك أن توقفه! إنه مجنون! مجنون بما يكفي ليفعلها حقًا!”

 

“لا أظن أنني أستطيع كبحه ما لم تُعطني بعض المعلومات،” ردّ شراود وهو يسحب إبرته، منتقلًا إلى وضعية الشرطي الطيب. “أنا بالكاد أسيطر عليه كما هو.”

 

فتح رايان الزجاجة، وترك لغول فرصة استنشاق عطرها الحلو، ثم أمالها جانبًا. انسكب شيء من السائل على الأرض، فزمجر الأوندد برعبٍ حقيقي.

 

“توقف! توقف!” انهار غول بسرعة. “هناك مكان تحت ساحة الخردة! مكان حقيقي!”

 

“مكان؟” علّق شراود بلا أي انبهار، فيما رايان يواصل سكب الإكسير ببطء. “هذا لا يكفي!”

 

“مخبأ، تحت برج القمامة!” صرخ غول، وعيناه اليائستان معلّقتان على الإكسير. “مليء بالروبوتات وأبراج الليزر! يطلقون النار على الجينومات بمجرد رؤيتهم! جئنا إلى روما الجديدة من أجل هذا!”

 

توقف رايان هذه المرة عن سكب الإكسير المقلَّد، وقد احتفظ بنصف الزجاجة. أطلق غول زفرة ارتياح عميقة، وكان ذلك غريبًا… باعتبار أنه بلا رئتين.

 

“ما الذي يوجد داخل الملجأ؟” سأل شراود بنبرة تنذر بالخطر.

 

“آدم لم يخبرنا،” أجاب غول بنبرة بدا فيها الصدق. “أخبر قلة فقط. لا يريد أن يتسرّب الخبر.”

 

“فترتمون بأنفسكم على موقع محصّن دون أن تعرفوا ما بداخله؟” علّق شراود بجفاف، رغم أن اهتمامه بدا يتزايد مع كل كلمة. “اعذرني إن وجدت ذلك مريبًا.”

 

“آدم يعرف الأفضل،” أجاب غول. “هو دائمًا كذلك. وهو مهووس بذلك المكان. يقول إنه… كيف يقولها… نعم! المستقبل! المستقبل! الدفاعات الآلية ترصد الجينومات، وقد خسرنا بعض الرجال بسببها، فقرّر آدم إرسال العاديين بدلًا منهم! حتى الكلاب!”

 

“سؤال آخر إذًا،” قال رايان. “ماذا عن مخزون الإكسير الشهيّ الذي أنتم، أيها السايكو، منتشون به؟”

 

“لا أعرف، حسنًا!” زمجر غول، فيما كان شراود يُنصت له كصقر يترصّد حمامة. “سايشوك يتولى الأمر لصالح آدم. يوزّعون الإكسير المقلَّد بانتظام، طالما أننا نلتزم بالقواعد. وإن عصينا أو حاولنا التطفّل… يُقطع عنّا التموين.”

 

“توليد مخزون من الإكسير الأصلي سيكون ضربًا من المستحيل، بالنظر إلى ندرته،” تمتم شراود وهو يعقد ذراعيه. “هل مصدرها ديناميس؟ إن كانت مقلَّدة، فهذا ما سأفترضه على الأرجح.”

 

“أأصمّ أنت؟ قلت لك بالفعل إنني لا أعرف! ولا يهمّني من أين يأتي ذلك الرحيق اللذيذ، طالما أنه يتدفّق!”

 

استدار رايان نحو رجل الزجاج، فخورا بنفسه. “أرأيت؟”

 

“هذا مقلق، لا أنكر ذلك،” اعترف شراود. “سأتحقّق من الأمر. هل يمكنني الاحتفاظ بغول لاستجوابٍ إضافي؟”

 

“طبعًا، بقيّة الجثة محفوظة بالتبريد في صندوق سيارتي.” ضحك رايان على نُكتته، وضاعف ضحكته حين رمقه غول بنظرة موت. “لكن يسرّني أن تبقيني على اطلاع بتقدّمك. لقد وعدت أحدهم بأن أُخرج الميتا من مدينة الصدأ، وسأفي بوعدي.”

 

أمال شراود رأسه إلى الجانب، لكنه لم يطلب أي تفاصيل. أما غول، فزاد اضطرابه أكثر. “أعطني إياه الآن! لقد أخبرتك بكل شيء!”

 

نظر رايان إلى الجمجمة، مباشرة في عينيه الصغيرتين الظريفتين. “لا أذرع… لا إكسير.”

 

أطلق الأوندد زمجرة امتزج فيها الألم بالغضب، فشعر الموصّل بدفء لذيذ في قلبه… نوع من الشماتة الملتوية. “الآمال كالبيض في وجبة الإفطار،” قال رايان لشراود وهو يضع الإكسير المقلَّد في الجهة الأخرى من المكتب، بعيدًا عن متناول غول، “لا يمكن أن تبدأ يومك دون أن تسحقها.”

 

بدلًا من الرد، فصل رجل الزجاج جزءًا من درعه الزجاجي، وأعاد تشكيله إلى وعاء ليحبس داخله جمجمة غول. “لماذا تمنحني هذه المعلومات؟ ماذا تريد في المقابل؟”

 

وضع رايان يديه خلف ظهره وانحنى نحو شراود، حتى باتت رؤوسهما على بُعد إنشات قليلة من بعضها. “أين لين؟”

 

لم يُجب رجل الزجاج على السؤال فورًا. بدا وكأن دماغه قد تجمّد في مكانه، عاجزًا عن استيعاب كلمات رايان. “هذا غير منطقي،” قال شراود أخيرًا، وهو يهزّ رأسه. “السؤال برمّته… الموقف كلّه… لا منطق فيه.”

 

“ماذا تعني، يا سيد سان غوبان؟ أظن أن الأمر واضح بما يكفي.”

 

“بل هو واضح، لكن لا ينبغي لك أن…” بدا وكأنه بلغ لحظة اكتشاف. “هل قدرتك… توقف الزمن فعلًا؟”

 

لم يقل رايان شيئًا.

 

“لطالما تساءلتُ لماذا تُطلق على نفسك اسم كويك سيف،” قال شراود. “تبدو محظوظًا على نحو خارق، وكأنك تعلم دائمًا كيف ستسير الأمور. وكأن العالم نفسه ينحني لنزواتك. أنت بلا شك مجنون، ومع ذلك، تنجح دائمًا في الإفلات من الفوضى التي تخلّفها خلفك. عرفت مكاني رغم أنني لم أترك أي أثر، وعرفت أن معلومات السايكو ستهمّني، وأن لديّ ما تبحث عنه. لا يمكن أن يكون كل هذا مصادفة… إذًا فهي ليست كذلك.”

 

“أوه؟” نظر رايان إلى شراود بفضول. “تابع، أرجوك.”

 

“أنت لا توقف الزمن فعلًا،” جادل شراود. “بل أعتقد أنك تطلّ على احتمالات متعدّدة لوقائع موازية، ثم تختار منها ما يخدمك، وتُعيد كتابة الواقع الحالي وفقًا له. إنها تقنية متقدّمة للتحكّم بالواقع. والانتقال يبدو للآخرين وكأنه تجميد للزمن، لا أكثر.”

 

أصغى رايان لهذيانه بصبرٍ كبير. وكان عليه أن يعترف بأن النظرية معقولة، لا سيّما حين يتعلّق الأمر بجينومات البنفسجي. إلّا أن شراود ارتكب خطأً حين ظنّ أن رايان يملك قدرة واحدة مرئية، بدلًا من فهم أن القدرة الواحدة قد تكون لها وجوه متعددة. قرر الموصّل أن يتحلّى بمزيد من الحذر في الحلقات القادمة، حتى لا يتوصّل رجل الزجاج يومًا إلى الطبيعة الحقيقية لقدراته.

 

“فهل كنت على حق؟” سأل المنتقِم.

 

“من يدري،” أجاب الموصّل وهو يكتفي بهزّ كتفيه. “لكن إن كنت محقًا، فعليك حتمًا أن تُصغي إلى كلماتي الحكيمة. أيضًا، راهن على تي-ريكس الليلة، و… ‘البرتقالة في بيت الدجاج.'”

 

“البرتقالة في بيت الدجاج؟” ردّ شراود بحيرة.

 

“إن تذكّرت هذه الكلمات، فأنت في أمان.”

 

أربكت هذه العبارة الجينوم بشدّة، مما زاد متعة رايان. وبينما كان شراود يغوص في التفكير، استدار نحو لوحة مفاتيحه وبدأ يطبع. ظهرت على الشاشة خريطة للغرب والبحر التيراني، فوضع إصبعه على نقطة في منطقة بحرية تقع تقريبًا في منتصف المسافة بين روما الجديدة، وسردينيا، وصقلية.

 

“إنها هناك.”

 

“حوض فافيلوف؟” تمتم رايان، وقد خفق قلبه فجأة.

 

“أعمق نقطة في حوض البحر التيراني،” أكّد الجينوم الزجاجي. “أندر دايفر — كما تُطلق على نفسها الآن — تملك قاعدة تحت البحر في تلك المنطقة، على عمق ثلاثة كيلومترات تحت السطح.”

 

شهق رايان وهو يربط الخيوط معًا. “يوتوبيا[3] شيوعية تحت البحر.”

 

“أتظنّها كريملين(قلعة/حصن) جديد؟” سأل شراود، مستديرًا نحوه بدهشة حقيقية.

 

“إنها ماركسية-لينينية،” أجاب رايان، مبتهجًا حتى النشوة. لقد بلغ غايته أخيرًا. “كيف أصل إليها؟”

 

“لا أعرف،” أجاب رجل الزجاج، مما خيّب أمل الموصّل. “حتى مع معدّات الغوص، فالمكان يعجّ بأسماك متحوّلة وأخطار أخرى. لم أُحقق فيه كثيرًا، فباستثناء تزويد غواصاتهم وإصلاحها، فهي لا تتدخل في منظمة الأوغستي.”

 

“واو، لقد أخبرتني بكل شيء فعلًا.”

 

تجمّد شراود في مكانه. “نعم، وماذا في ذلك؟”

 

ولو علم رايان أن الأمر سيكون بهذه السهولة — دون الحاجة لمهاجمة استوديو أفلام أو حضور ندوة مملة — لكان فعل ذلك منذ زمن بعيد! “آمل ألا تكون تخطّط لشيء مؤذٍ بتلك المعلومات،” قال الموصّل وهو يغيّر الموضوع، “لأنه إن كنت تنوي إيذاءها… فسنكون أمام مشكلة.”

 

“هدفي الوحيد هو الأوغستي والميتا،” ردّ شراود. “وأظن أنك تعرف هذه الجزئية سلفًا. لو كنت أستهدف كل مقاول خاص في المدينة، لانمحت نصف روما الجديدة من الوجود. ثم إنها تموّل ميتمًا في مدينة الصدأ. ترسل لهم الطعام والمال كل أسبوع. لن أهاجم شخصًا يحاول إصلاح حياته.”

 

تجمّد رايان في مكانه، إذ بدأت بعض الخيوط تتشابك في ذهنه. “عصابة الميتا تنوي مهاجمة ذلك المكان قريبًا.”

 

توتر شراود على الفور. “لماذا؟”

 

“سمعت الهيكل العظمي يتكلّم،” قال رايان، “يحتاجون إلى عاديين لدخول المخبأ. على ما يبدو، هناك أماكن ضيّقة لا يستطيع الكبار الزحف فيها.”

 

“إذًا يمكنك التطلّع إلى خطوط زمنية بديلة،” قال شراود، معتقدًا أن هذا يؤكد نظريته، وقد قبض على يديه بشدّة. “أنت بمثابة متنبّئ زائف، وتساعدني لأن هذا هو السيناريو الأمثل بالنسبة لك.”

 

“لا تُصبك الغطرسة، يا زجاج الواجهة.”

 

“سأتولى أمر الميتم بنفسي،” قالها بحزم لا يقبل التراجع. “أما بخصوص الوصول إلى صديقتك، فلا أستطيع تقديم الكثير. الشخص الوحيد الذي لا يزال على تواصل معها هو فولكان، بما أن بينهما تبادلًا تقنيًا مستمرًّا. يمكنني التحري في الأمر إن رغبت.”

 

“لا أظن أن ذلك سيكون ضروريًّا، لكن أشكرك،” قال رايان، وقد حان أخيرًا وقت الحقيقة. “أنظر، لقد تلقيت عرضين، من وايفرن وفولكان، للانضمام إلى منظّمتيهما.”

 

“تابع.”

 

“أريدك أن تتوقّف عن حملة الاغتيالات المتفجّرة التي تستهدف الأوغستي.”

 

“ولِمَ أفعل ذلك؟” سأل شراود، وقد تحوّلت نبرته من ودٍّ حذر إلى برودة قاتلة.

 

“لأنني إن تسلّلت إلى الأوغستي نيابة عنك، لا أريد أن أطير في الهواء عن طريق الخطأ.”

 

ظلّ المنتقِم صامتًا لبضع ثوانٍ وهو يستوعب كلمات رايان، ثم انفجر ضاحكًا. “أتدري أن لديهم كاشف حقيقة؟”

 

“لويجي شأني أنا،” ردّ رايان، ما أثار دهشة خفيفة لدى المنتقِم لكونه يعرف الاسم. “ما تريده هو شلّ منظمة الأوغستي، أليس كذلك؟”

 

“ليس شلّها،” أجاب شراود. “بل تدميرها تمامًا.”

 

“ويمكن تحقيق ذلك دون قتل أحد،” جادل رايان. “معظم عائداتهم تأتي من مخدر السعادة.”

 

“ليس كلّها،” ردّ شراود. “لهم يد في كل شيء؛ الدعارة، القمار، تهريب السلاح، الكحول… لكن المخدر هو حجر الأساس في تجارتهم ومصدر دخلهم الأكبر، نعم. يشكّل نصف عائداتهم.”

 

“وصحّح لي إن كنت مخطئًا… كل المخدر يأتي من مختبرهم العملاق في الجزيرة، أليس كذلك؟”

 

“نعم،” أكّد شراود. “لا أعرف السبب، لكنهم لا يستطيعون تصنيع المخدّر إلا هناك. ربما يحتاجون إلى جينوم محدد، أو إلى ظروف بيئية خاصة. لم أتمكن من التسلل إلى الداخل، ولا حتى الاقتراب. الحراسة مشددة للغاية.”

 

“حسنًا، هذا هو المطلوب إذًا!” قال رايان، واضعًا يديه على خصره في وضعية سوبرمان. “سأدمّر ذلك المختبر من أجلك، وأقضي على تجارتهم!”

 

لكن رجل الزجاج ظلّ متشككًا. “لنفترض أنك نجحت، وهو أمر… قد يكون ممكنًا، فماذا تريد مني؟ أن أتجاهل عصابة إجرامية تقتل الناس يوميًّا، في هذه الأثناء؟”

 

“لا تهاجم الأوغستي، وخصوصًا زانباتو، تشيتر، أو سفير.” أما لويجي، فرغم أنه قد يكون جديرًا بالإدراج، إلا أن رايان لم يكن يطيقه، وكاشف الحقيقة قد يسبب مشاكل لاحقًا. “وبالطبع، لا تلاحقني أنا.”

 

“ضرب مصدر البليس لن يكون كافيًا لتدمير المنظمة،” ردّ شراود. “سيُضعفهم، بلا شك، لكن ما نريده هو القضاء على إمبراطورية أوغستس نهائيًّا.”

 

“صحيح، لكن إن بدأ قاتل باستهدافهم، فالأوغستي سيكونون في حالة استنفار، وسيرفعون الحراسة حول المختبر،” أشار رايان. “أما إن لم يتلقّوا أي إنذار مُسبق، وانشغلوا بالكامل بالميتا…”

 

ترك الموصّل الجملة معلّقة، فيما ضمّ شراود يديه معًا ليتأمّل العرض. صراحةً، لم يكن لديه ما يخسره من هذه الصفقة، بل كل شيء ليكسبه. الأوغستي وعصابة الميتا سيتكفّلان بقتل بعضهما دون أن يعرّض نفسه لخطر الانكشاف، وسيكون لديه عميل داخل مجموعة أوغستس يزوّده بالمعلومات. وبفضل وصوله الخاص إلى خوادم ديناميس، سيتمكّن المنتقِم من التسلل سرًّا إلى كل منظمة في المدينة، ويُصلح رقعة الشطرنج بالكامل.

 

“ثلاثة أسابيع،” قال المنتقِم. “لديك ثلاثة أسابيع لتدمير ذلك المختبر. بعد ذلك، سيخرج الأمر من يدي، ولا أستطيع أن أعدك بشيء.”

 

“وفي يد مَن سيكون الأمر حينها؟”

 

لزم شراود الصمت، صمت شاهد قبر. ربما كان يحاول قياس حدود قدرات رايان، أو لعلّه لم يثق به بعد.

 

حسنًا، على الأرجح سيكون رايان قد التقى بـ لين بحلول ذلك الحين، ولن يكون الأمر مشكلته بعد الآن. لم يكن يهمّه إن تقاتل أوغستس والكرنفال معًا، طالما أنه أتمّ نهايته المثالية. وربما يُعيد حلقة زمنية أخرى، فقط ليتفادى قول أي شيء قد يُورّطه أمام رجل الزجاج.

 

“لا تكلّف نفسك بالعودة إلى هنا، سأتواصل معك بنفسي،” قال شراود.

“سأُبقيك على اطلاع فيما يخص تحقيق الميتا، وأنت تُبادلني بالمثل بشأن الأوغستي. وإن أخبرت أحدًا بوجودي، فسأعلم بذلك، وسينتهي الاتفاق.”

 

“اتفقنا.” مدّ رايان يده، فصافحه شراود. “ولا تأخذ الأمر على محمل شخصي حين أقول إنني آمل ألّا نلتقي مجددًا.”

 

“نحن نعلم جيدًا أن هذا لن يحدث.” صرفه المتحكّم بالزجاج بصمت، عائدًا إلى شاشاته وملفاته دون أن ينبس بكلمة.

 

استدار رايان، واتجه نحو الباب، ثم فتحه.

 

“كويك سيف؟” ناداه شراود من خلفه.

 

توقّف رايان عند العتبة.

 

“أتمنّى لك التوفيق… في كل شيء. ما تفعله خير لهذا العالم. لا تنسَ ذلك.”

 

لوّح رايان بيده دون أن يلتفت، وأغلق الباب خلفه. ألقى نظرة نحو البحر الممتد خلف مقبرة السفن، حيث كانت لين تنتظره.

 

أخيرًا… المسار المثالي بات واضحًا.

 

☆☆☆☆☆

 

[1] إشارة “دريسدن وبوب” هي إلى هاري دريسدن، محقق خارق يعمل مع بوب، وهو روح خادمة تساعده في حل القضايا الغامضة. أما “لوريل وهاردي” فهما ثنائي كوميدي شهير، حيث يتعاونان معًا في مواقف فكاهية رغم اختلاف شخصياتهما، مما يعكس فكرة الشراكة المتكاملة بين شخصين.

 

[2] جاك باور هو الشخصية الرئيسية في السلسلة الشهيرة “24”، حيث يتنقل بين الأزمات الإرهابية في إطار زمني ضيق. يتميز بالقوة العقلية والبدنية، وقدرته على اتخاذ قرارات حاسمة في اللحظات الحرجة، مما جعله أيقونة في عالم الأكشن والإثارة على التلفزيون.

 

[3] يوتيوبيا. المدينة الفاضلة: هي من أشهر المواضيع الفلسفية التي أثارها أفلاطون في فلسفته، وهي مدينة خيالية يحلم بأن يسكنها أُناس طيبون يعيشون فيها في سلام ووئام لا يعرفون فيها الغل ولا الحسد.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset