الفصل 35: الإنجراف في طوكيو V
بعد النزول من الحافلة، مشيا لمدة خمسة عشر دقيقة، وبعد عبور التقاطع، وصلا أخيرًا إلى الوجهة.
نظر تشانغ هينغ إلى المتجر الصغير المسمى كوراهارا للمأكولات البحرية وسأل، “هل يعيش والدك هنا؟”
“نعم. الرائحة ليست جيدة بالداخل… لذا يمكنك انتظاري بالخارج.” كلما اقتربا أكثر، بدت أميكو أكثر اضطرابًا، لكنها كانت شديدة المراعاة.
“بما أنني هنا بالفعل، فقد أذهب معك أيضًا.” من ناحية أخرى، لم يكن تشانغ هينغ مترددًا.
مر كلاهما بحوامل لافتات قابلة للطي وثلاجة قديمة مهجورة أثناء دخولهما إلى متجر مستلزمات المأكولات البحرية. هاجمت رائحة كريهة نفاذة أنفيهما على الفور عندما استنشقا رائحة الأسماك والقريدس – جميع أنواع المأكولات البحرية – في كل مكان. ولكن لم يكن هناك أحد في المتجر – باستثناء ثعبان بحر كان يكافح داخل صندوق من البوليسترين.
“أبي! أبي!” نادت أميكو، لكن لم يرد أحد. “هل كان من الممكن حقا أن يكون قد ذهب للمستشفى؟” تمتمت الفتاة وصعدت الدرج بتردد بينما ظل تشانغ هينغ يتبعها عن كثب.
لم يتم إصلاح السلالم الخشبية لفترة طويلة، مما ترك الشقوق والرقائق في كل مكان. في كل مرة خطيا فيها خطوة، أن الدرج و صر تحت الضغط الذي هدد بالتخلي عن الحمولة التي بالكاد يستطيع تحملها.
إذا اعتقد تشانغ هينغ أن الطابق الأرضي كان ممتلئا بالكامل، فلم تكن هناك أي مساحة للمشي في الطابق الأول. تواجد هناك غسيل متسخ، زجاجات بيرة، و حتى مجلات إباحية منتشرة في كل مكان. يمكن رؤية هناك رجل غير حليق نصف عارٍ ملقى على الأرض، يشخر.
‘يا لي من مغفلة! لقد صدقت نفس الأكاذيب مرارًا وتكرارًا!’ أمسكت أميكو جبهتها في راحة يدها.
‘بطريقة ما، هذه أيضًا أخبار جيدة، أليس كذلك؟ إنها أفضل من الاستلقاء على سرير المستشفى.’
‘هذا أسوأ من ذلك، أسوأ بكثير! لماذا يوجد الرجال الذين يكذبون على بناتهم في هذا العالم؟’ سحبت أميكو الرجل بكلتا يديها و حاولت وضعه على الحصيرة على الجانب.
عندما رأى أن أميكو تبدو وكأنها تكافح، عرض تشانغ هينغ المساعدة. “مهلا، اسمحي لي أن أساعد.”
بينما كانا يسحبان الرجل، سقط شيء من جيبه. التقطته أميكو لفحصه. لقد كانت محفظة بنية اللون. لقد صُدمت وبدت وكأنها ضائعة في أفكارها عندما جلس الرجل فجأة منتصباً على الحصيرة! اندفع نحو أميكو، صارخا عليها بشراسة!
بشكل عاجل، استخدم تشانغ هينغ غريزيا الحركة الدفاعية التي علمه إياها بيل وألقى بالرجل على الأرض برمية من فوق الكتف. سقط الرجل على الأرض بصوت عالٍ وقوي؛ تدحرجت عيناه إلى مؤخرة رأسه و هو يسقط على الأرض فاقدًا للوعي.
عندها فقط تفاعلت أميكو وصرخت، “لا! هل هو ميت؟!” قفزت الفتاة إلى الوراء في حالة صدمة.
“آسف، لا! ولكن سوف يمر بعض الوقت قبل أن يستيقظ. ما الذي صرخ عليك بشأنه؟”
“أعيدي لي محفظتي…” تمتمت أميكو.
“سأعود وأواصل تعلم اللغة اليابانية.” أجاب تشانغ هينغ بخجل.
بعد ذلك، حمل كلاهما الرجل المخمور والفاقد للوعي إلى الحصيرة.
رأى تشانغ هينغ أن أميكو لا تزال متمسكة بالمحفظة البالية وسأل، “لماذا؟ هل هناك الكثير من المال بالداخل؟”
هزت أميكو رأسها. “لا، إن هذه المحفظة هدية عيد ميلاد من أمي منذ اثني عشر عامًا. لا أستطيع أن أصدق أنه لا يزال يحملها.” فتحت المحفظة ووجدت صورة قديمة صفراء من خلال الفيلم شبه الشفاف على الغطاء الأيمن. لقد كانت صورة عائلية.
أشارت أميكو إلى الطفلة البالغة من العمر عامًا واحدًا وقالت، “ربما تكون هذه أنا، وهذه أمي وأبي في الخلف. قالت أمي أنه لم يكن مقامرًا في ذلك الوقت. كنا جميعا سعداء للغاية!”
سقطت أنظار تشانغ هينغ على سيارة النيسان الملفتة للنظر خلف الرجل. “لم تخبريني أبدًا أن والدك كان يعمل في تعديل السيارات.”
“تعديل السيارات؟ لا لا. كيف يعقل ذلك؟ لا تراه على ما هو عليه الآن. لقد كان قدوة عظيمة عندما كنت أصغر سنا. عندما تم افتتاح متجر مستلزمات المأكولات البحرية لأول مرة، لم تكن الأعمال جيدة جدًا. لم تستطع التنافس مع المنافسين المحليين. لزيادة دخل المتجر، بدأ في تعلم اللغة الإنجليزية، استكشف عملاء في الخارج، متصلا بهم واحدًا تلو الآخر، وأحيانًا صار يظهر على عتبة بابهم! في ذروة نشاط المتجر، أصبح يبيع المأكولات البحرية إلى لندن، لوس أنجلوس، و حتى البيرو! لن يكون مثل هذا الرجل الجاد متورطًا في البوسوزوكو على الإطلاق… وكما أتذكر، لم يقد سيارة أبدًا. لقد تم دائمًا تسليم البضائع بواسطة أيادي مأجورة.” استذكرت أميكو ثم ألقت نظرة أخرى على الصورة. “يجب أن تكون هذه السيارة مملوكة لشخص آخر. من المحتمل أنه أوقفها هناك عندما تم التقاط الصورة.”
“أوه، لذا هذا هو الحال…” لم يطرح تشانغ هينغ أي أسئلة أخرى لكنه قال، “أنا مهتم جدًا بالسيارات. ربما تكون هذه السيارة أثر قديم الآن، هاه. هل يمكنني التقاط صورة لهذا؟”
“بالتأكيد، ولكن أبعدني عن الصورة. لقد كنت طفلة قبيحة.” قامت أميكو بحجب وجهها البالغ من العمر عامًا واحدًا بإصبعها بينما كان تشانغ هينغ يلتقط صورة.
بعد ذلك، قامت بغسل فنجانين من الشاي و غلي بعض الماء باستخدام الغلاية الكهربائية على الطاولة. فتشت في الخزانة ووجدت علبة من أوراق الشاي الأسود.
أحضرتها أميكو إلى أنفها واستنشقتها. “هذا… ربما يكون شاي أولونغ.”
تحدث الثنائي أثناء الاستمتاع بالشاي. لكن المحادثة بقيت في الغالب تتحدث عن طفولتها. بعد حوالي نصف ساعة، فتح الرجل الأشعت عينيه وفرك كتفيه النابضتين. عندما رأى تشانغ هينغ، اتسعت عيناه بحذر.
شرحت أميكو علاقتهما بسرعة.
عندها فقط استرخى الرجل الأشعت قليلا. سرعان ما تحول العداء إلى تجاهل، ثم تحدث الأب و ابنته باللغة اليابانية الأصلية.
أخيرًا، أخرجت أميكو 15000 ين من حقيبتها ووضعتها على الطاولة، لكن الرجل لم يبدو سعيدًا جدًا. أصبح خطابه مشبوبا بالعاطفة، ونهض من الحصيرة بغضب.
وقف تشانغ هينغ بشكل وقائي أمام أميكو، و جبهته مجعدة! صارت نتائج تمرينه واضحة جدًا في الآونة الأخيرة. على الرغم من أنه لم يكن عضليًا للغاية، إلا أنه لم تكن هناك أوقية من اللحم الزائد تتدلى من جسده. علاوة على ذلك، بعد تلك الرمية التي أعطاها تشانغ هينغ للرجل، تخفف سلوك الرجل قليلاً عند رؤيته.
نهضت أميكو من على الأرض، بادية متوترة و حواف عينيها حمراء. “دعنا نذهب!”
طوال طريق العودة بالترام، حدقت أميكو من النافذة فقط. ظل تشانغ هينغ حريصا على عدم مقاطعتها. بعد فترة، أخرج علبة علكة ذات نكهات مختلطة وقال بلغة يابانية ركيكة، “لا تأكلي. سوف آكل الفراولة.”
“إنها ‘إذا لم تأكلي واحدة، فسوف آكل كل العلكة بنكهة الفراولة،” صححت أميكو وهي تأخذ واحدة. اختفت التجاعيد الموجودة في حواجبها ببطء، و حولت إلى لغة الماندرين. “أنا آسفة تشانغ-سان، لأنه كان عليك رؤية كل تلك الأشياء التعيسة.”
“مُطْلَقاً! لقد كنت تساعديني دائمًا؛ السماح لي بمساعدتك من حين لآخر يجعلني أشعر أنني بحالة جيدة جدًا! لذا. ماذا حدث؟ هل انتهى الأمر بعلاقة جيدة بينكما؟”
“لا. سيعود موظف والدي إلى مسقط رأسه هذا الشهر. لم يتمكن من إيجاد من يساعده في تسليم البضاعة. المتجر لن يبقى مستمرا لفترة أطول. إنه دائمًا يجد كل أنواع الأعذار، على أي حال! لم أستطع أن أزعج نفسي بالتمييز بين الحقيقة والأكاذيب، لذلك أعطيته كل مصروفي لهذا الشهر. ينبغي أن يكون ذلك كافيا لإبقاء الأمور سلمية في الوقت الراهن.” قالت أميكو بلا حول ولا قوة.
******
