النهاية المثالية: الفصل 99

كيف تعرفت على إبنتك

الفصل 99: كيف تعرفت على إبنتك

 

كان الثامن من مايو للمرة السابعة عشرة، وقد مات رايان رومانو سعيدًا.

 

أو كان يمكن أن يموت كذلك… لولا أنه استيقظ في سرير ضخم، بين ذراعي ليفيا. كان قد تغلّب على غول مجددًا في منامه، قبل أن يفيق سريعًا من هذا الكابوس. وكابوسٌ كان بحق. فالموصّل عادة لا يبالي بالموت والبدء من جديد، حتى في أحلامه… لكن الآن بات يبالي.

 

لم يرد أن تنساه.

 

كانت ليفيا تحتضنه حتى تلك اللحظة، ذراعاها ملتفّتان حول عنقه، صدرها ملتصق بصدره، وساقها مسترخية فوق فخذه. خصلات شعرها الفضية انسدلت تغطي وجهها الوادع. جسدها دافئ، وزفراتها يتخللها شخير خفيف وجده رايان ظريفًا. وإن كان قد يضطر إلى النوم بسدادات أذن من الآن فصاعدًا.

 

لقد عاش رايان رومانو مع عدد لا يُحصى من الأشخاص عبر عمره الطويل، وكان يؤمن أن العلاقة الحميمية تكشف الكثير عن شخصية المرء. كانت لين مترددة، مرتبكة، وهشّة؛ دول فضولية، لعوبة؛ أما ياسمين فكانت جامحة، مفعمة بالطاقة، وتستهويها أدوارًا غريبة.

 

لكن ليفيا؟

 

لقد كان الأمر… صحيحًا. مناسبًا تمامًا. كمفتاح يُدرَج في قفل لا يقبل سواه. لم تكن تملك خبرة شريكها، لكنها كانت رقيقة، منتبهة، ومراعية. وكانت تضحك، أحيانًا في أكثر اللحظات غير المناسبة. لم يعرف رايان كيف يفسّر ذلك، لكن ضحكتها كانت تبعث الطمأنينة في قلبه.

 

للحظة، نسي الموصّل أمر السايكو، وأمر بلدستريم، وحقيقة أنه شارك فراش ابنة مؤخرة البرق تحت سقف بيت أبيها. لم يعد يهمه سوى المرأة الجميلة بجانبه. للحظة خاطفة، صارت ليفيا عالمه كله.

 

أراد أن يوقظها، أن يواجهها ويقبض على يديها وهو يقبّلها. أراد أن يضمّها ويذوب فيها. لكن العرّافة كانت تغطّ في نوم عميق وهادئ، فلم يطاوعه قلبه أن يقطع سكينتها. بدت في حلمها أكثر سعادة مما رآها يومًا.

 

غير أن الجوع أخذ يقرص معدته. كان قد لمح مطبخًا في طريقه إلى غرفة ليفيا، ففكّر أن ينهض ليعدّ الإفطار. كان واثقًا أن ابنة أوغستس ستسعد بأن تستيقظ على رائحة المعجّنات.

 

لكن ليفيا لم تدعه يغادر، حتى في نومها. حين حاول أن ينسلّ من الفراش، اشتدّت قبضتها عليه. اضطر إلى إيقاف الزمن ليتحرّر، ووضع وسادة مكانه، لكن ملامح العرّافة عقدت عن غير وعي حين عادت عقارب اللحظة إلى الحركة.

 

نظر إليها رايان، وهو يحاول أن يجد الكلمة المناسبة لما أحسّه. استغرقه الأمر وقتًا… ثم وجدها.

 

محبوبا.

 

لقد أحسّ رايان أنه محبوب. ليفيا أرادته بجانبها إلى حد أنها لم تتركه يرحل حتى في أحلامها. قبلًا، كان المسافر عبر الزمن ليفرّ مذعورًا من هذا الشعور؛ خوفًا من أن يموت، فيفقد لتلك اللحظة معناها. خوفًا من الألم الذي سيسحقه، لو أن ليفيا نسيته.

 

أما الآن؟

 

الآن، كان رايان يتوق إلى أن يعود إليها. بذل كل ما يملك من إرادة ــ ومعدة تصرخ جوعًا ــ كي لا ينزلق عائدًا إلى الفراش.

 

كانت أغطية السرير، بل الغرفة بأكملها، تفوح برائحة ليلة الأمس، ففتح رايان النوافذ ليدخل هواء الصباح العليل. غير أن شمس الصباح أعمته أولًا، وأحرقت جلده كأنه مصّاص دماء، قبل أن يستعيد عافيته سريعًا. فأصحاب الشعر الأحمر وحدهم عليهم أن يخافوا الشمس… إذ لا روح لهم.

 

فكّر رايان أن يرتدي ثيابه، لكنها كانت… ملوّثة. فاختار بدلًا من ذلك أن يفتّش الغرفة عاريًا، ليعثر على رداء أبيض مطرّز برسوم قطط. تساءل المسافر عبر الزمن إن كان ملكًا لفيليكس في يوم ما، قبل أن يرتديه مع شبشب مريح.

 

وقبل أن يتوجّه نحو الباب، توقّف قليلًا يتأمل اللوحات المعلّقة في غرفة النوم. بعضها يصوّر ليفيا طفلة بين رجل وامرأة عرفهما فورًا: والداها. كان أوغستس في الواقع لا يظهر إلا بوجه متجهّم، لكن نسخته المرسومة كانت تبتسم بدفء؛ مما جعله أقل شبهًا بوحش متعطّش للدماء، وأكثر إنسانًا من لحم ودم. والأهم من ذلك، أنه لم يكن قد تحوّل بعد إلى تمثال عاجي، بل كان شعره أبيض وعيناه زرقاوين مثل ابنته. أما زوجته، فكانت نسخة طبق الأصل عن ليفيا، لكن أكبر سنًّا وأعرض قامة.

 

ولوحات أخرى رسمت مدنًا مثل نيويورك، وفيها برج وحيد بدل برجي مركز التجارة العالمي. ولوحة لباريس تُحلّق في سمائها مناطيد، إلى جانب آلات تعمل بالبخار. بدا أن ليفيا اعتادت أن ترسم أكوانًا بديلة في أوقات فراغها. أو لعلها كانت تحلم بواقع أسعد من واقعها.

 

على أية حال، انسَلّ رايان من غرفة النوم في صمت، وسرعان ما وجد طريقه إلى المطبخ. وعلى عكس الطابع العتيق الصارم الذي ساد بقية الفيلا، فقد صُمِّم هذا المكان بمزيج بين القديم والجديد؛ ثلاجات وأفران عالية التقنية تواجه طاولة رخامية بطول خمسة أمتار، وإلى جوارها تماثيل عاجية لحكام رومانيين: فينوس ومارس متشابكا الأيدي، جوبيتر متوَّجًا بالنصر، ديانا وأبولو يصطادان جنبًا إلى جنب. وكيف يقاوم المرء إعداد الفطور في صحبة كهذه؟

 

فتّش الموصّل الغرفة، فعثر على صينية فضية، وضعها فوق الرخام، وبدأ بتحضير الإفطار. كانت ليفيا نحيلة إلى حد رآه غير صحي، لذا أعدّ لها بيضًا مقليًا، لحم مقدّد، قهوة، وكرواسون فرنسي.

 

وغدًا… سيصنع لها فطائر.

 

رفع رايان عينيه نحو التماثيل وهو يجهّز الطعام. ربما كان ذلك من أثر قلّة النوم، لكن… بدا له تمثال جوبيتر مألوفًا على نحو مريب.

 

مألوفًا جدًا.

 

رمش بعينيه، وسكّين في يد ورغيف محمّص مدهون بالزبدة في الأخرى. كان تمثال جوبيتر نسخة مطابقة لأوغستس، واقفًا يحدّق نحو الطاولة.

 

أسقط الموصّل ما بيده وابتعد جانبًا، لكن عينَي التمثال لم تتحركا. والواقع أن مؤخرة البرق كان دومًا يغشى وجهه ببرقٍ مهيب ليرهب الآخرين… أما التمثال، فلا.

 

فهل كان زيوس المافياوي متغطرسًا إلى درجة يملأ فيها بيته بتماثيل تحمل صورته؟ أم أن هناك سرًّا آخر؟

 

كان على رايان أن يأخذ الصينية ويعود بها إلى ليفيا، لكن فضوله المريض لم يطاوعه. تقدّم المسافر عبر الزمن ووقف أمام التمثال، يلوّح بيده أمام عينيه.

 

ولا ردّة فعل.

 

“انظر إلى الخارج، إنه هارغريفز هارب!” أشار رايان نحو نافذة المطبخ، وإلى ضوء الشمس خلفها. “سريعًا، إنه يهرب!”

 

لم يتحرّك التمثال. لا نفس، لا رمشة، لا شيء على الإطلاق. تبا… لقد كان زيوس الرخيص متغطرسًا بما يكفي ليصنع تماثيل عن نفسه ويضعها حتى في مطبخه.

 

وخز رايان أنف البناء العاجي بإصبعه، وقرّر أن ينهي المهزلة.

 

عندها… استيقظ أوغستس.

 

ارتفعت عينان عاجيتان لتنظرا إلى رايان، ترمشان مرّتين أو ثلاثًا. ذكّر المشهد الموصّل المذعور بجَدٍّ مصاب بالزهايمر، يتعرّف فجأة إلى وجه ابنه. تُراه كان مؤخرة البرق ينام بعينين مفتوحتين مثل التمساح؟ أم أن ورمه دماغي قد فجّره بنوبة عصبية؟

 

“ها، كيف الحال؟!” سأل رايان محاولًا تخفيف الجو. كان من الأفضل أن يترك انطباعًا حسنًا، فمؤخرة البرق لن يتقبّل فكرة أن أحدًا يواعد ابنته بسهولة.

 

“من أنت؟” سأل أوغستس، وهو يضيّق عينيه. لم يكن في صوته خوف ولا دهشة، وهو ما وجده رايان مرعبًا بحق. فالطاغية واثق من قوته إلى حد أن القبض على متسلّل في عقر داره لم يزحزحه قيد أنملة.

 

“أنا باتمان،” أجاب رايان محاولًا أن يبدو هادئًا. لكن شعورًا ثقيلًا بالرهبة كان يخيّم على الغرفة، ولم يستطع طرده.

 

“من؟” رمق مؤخرة البرق رداء الاستحمام الذي يرتديه، فاشتعلت عيناه ببرق قرمزي ما إن تعرّف على القطعة. “هذا يخصّ ابنتي.”

 

وبأثر رجعي، أدرك رايان أن النوم مع ابنة مؤخرة البرق تحت سقف بيته لم يكن أذكى قراراته على الإطلاق.

 

“تعرف ماذا، لا تأبه بي، سأغاد—” حاول رايان أن يتراجع خطوة إلى الوراء، لكن أوغستس أمسك بكتفه بيمناه بسرعة. لقد اقتحم مؤخرة البرق مساحته الشخصية… كما غزت ألمانيا بولندا.

 

“لن تذهب إلى أي مكان،” قال مؤخرة البرق، ونبرته غدت أكثر تهديدًا. “لص.”

 

لص ماذا؟ رداء استحمام؟! لكان رايان ليتشرف باللقب لو كان الحديث عن بدلة كشمير، لكنه لم يكن ليخوض حربًا من أجل قطن. “كلا، أنا غني.” والأغنياء لا يسرقون، تلك حقيقة معروفة. “أنا صديق مقرّب لابنتك، وقد دعتني إلى مبيت عندها.”

 

“أكاذيب،” رد أوغستس، وقبضته على كتف رايان تشتد. لم يكن الألم قد بدأ بعد، لكن الموصّل أحس أن زعيم المافيا القاتل قد يمزّقه نصفين عند أول استفزاز. “ابنتي كانت لتخبرني. هي تعرف القوانين. لا أعلم كيف تجاوزت الحراس، لكنك كنتَ أحمق إذ جئت إلى هنا.”

 

“لقد كان الوقت متأخرًا، يمكنك أن تتحقّق من الكاميرات أو تسأل ليفيــ—”

 

“لن تقترب من دمي،” قاطعه أوغستس. “الآن، قل الحقيقة قبل أن أمزّق أطرافك.”

 

تبا، ذلك البارانويدي المعتوه لن يستمع! نظر رايان في عينيه المجنونتين، وأدرك أن لا شيء قد يقوله سيغيّر حكمه. نظرة واحدة كانت كافية ليصدر مؤخرة البرق عليه حكم الإعدام.

 

كان بوسعه أن يحاول الركض عائدًا إلى ليفيا لتوضيح الأمر، لكن زيوس المافياوي قادر أن يتحرّك داخل الزمن المتجمد ويصعقه بالبرق؛ وإن مات الموصّل الآن، فإن ليفيا ستنسى تلك الليلة. ستنساه.

 

اضطرّ الموصّل أن يماطل، ويصلّي أن تستيقظ ابنة مؤخرة البرق.

 

“لن أكرّر نفسي مرة أخرى،” قال أوغستس متحدّيًا الأقدار. “من أين وجدتَ—”

 

جمّد رايان الزمن، ولم يتحرّك. وبالنسبة للعالم، فقد توقف هو أيضًا مثل كل شيء آخر.

 

“—هذه الثياب؟” رمش أوغستس، وألقى نظرة حوله، ثم أطلق صوتًا لا يبعد كثيرًا عن الزفرة. انتظر بضع ثوانٍ حتى ينتهي الأثر، وعلى وجهه ملامح الاستسلام والتقبّل.

 

“عذرًا، سيدي؟” سأل رايان حين عاد الزمن إلى الجريان، متصنّعًا الحيرة. لحسن حظه، كان وجهه جامدا لا يشي بشيء. “ماذا قلت؟”

 

“قلتُ إن—” توقّف الزمن مجددًا، ومرة أخرى تظاهر رايان بالعجز. أطلق أوغستس زئيرًا من الغضب والإحباط، مما أثار في نفس الموصّل سرورًا غامرًا. زمّ زعيم المافيا فكه بقوة، وحتى بعد أن عاد تدفّق الزمن ظلّت عضلاته متشنجة.

 

“آسف، سيدي،” اعتذر رايان، مستمتعًا برؤية انزعاج الرجل العاجي. بعد أن شاهد هذا النذل الأناني وهو يحاول قتل ليو هارغريفز بينما كان العالم ينهار من حولهم، بدا الانتقام الصغير هذا لذيذًا. ولزيادة الطين بلة، رمق الموصّل الأب البرقي وكأنه شيخ خرف. “هل تحتاج إلى دواء، يا سيدي؟”

 

انتظر أوغستس قليلًا، نصف متوقّع أن يتوقف الزمن من جديد. وأخيرًا، حين اعتقد أنه آمن، فتح فمه ليكمل: “قلتُ—”

 

تجمّد الزمن مرة ثالثة.

 

لكن بدلًا من الزفر أو الهيجان، ضيّق أوغستس عينيه نحو رايان، وعلى وجهه تعبير متفحّص، متفكّر.

 

“أرى الإلكترونات تتحرّك في دماغك. أنت لا تتأثر بهذا… هذا الشذوذ الزمني. بل أنت مصدره.” تبا، مؤخرة البرق كان وحشيًا لكنه لم يكن غبيًا. “أوقف هذا فورًا.”

 

لم يخرج رايان عن دوره، حتى بعدما عادت عقارب الزمن للدوران. انتظر أوغستس بضع ثوانٍ أخرى، ملامحه عصيّة على الفهم، قبل أن يفتح فمه من جديد.

 

“كما قلتَ—”

 

وتجمّد الزمن مجددًا!

 

انتقلت يد أوغستس من كتف رايان إلى عنقه، لترفعه عاليًا عن الأرض.

 

“أتجرؤ أن تسخر مني؟!” زمجر زيوس المافيا غاضبًا. راح الموصّل يركل ويضرب ذراع الرجل الذي لا يُقهَر في الزمن المتجمّد، لكن الأخير لم يُعر ذلك أدنى انتباه. وعلى عكس ما حدث حين ضربه رايان في الحلقة السابقة، لم يُبدِ أوغستس أي صدمة من فكرة أن أحدًا قادر على إيذائه. ضربات المسافر عبر الزمن لم تستطع أن تؤذيه.

 

تبا، كما خمّن، كان رايان بحاجة إلى درع ساتورن ليُطلق قوّته السوداء. لم يكن بوسعه أن يُلحق ضررًا بمؤخرة البرق من دونه!

 

“أتريد أن تضربني؟ جنون.” سخر أوغستس ما إن عاد الزمن إلى مساره. “هذه فرصتك الأخيرة. من أين جئت بهذه الثياب؟”

 

“من خزانة ابنتك!” تفلّت الجواب من فم الموصّل.

 

لاحظ مؤخرة البرق اللمعان في عيني رايان، وشعره المبعثر. التقطت عيناه العاجيتان أيضًا مائدة الفطور لشخصين، وقد أُعدّت بكل ودّ… وعندها فقط فهم الحقيقة.

 

لكن بطريرك الأوغستي لم يشأ أن يعترف بذلك. شدّ أصابعه حول عنق الموصّل، يعصر أنفاسه خارج صدره. “ماذا فعلت؟” زمجر، رافعًا رايان أعلى فأعلى حتى اصطدم رأسه بالسقف. “ماذا فعلت بابنتي؟”

 

أراد رايان أن يرميه بجواب ساخر، لكن قبضة أوغستس كانت تضغط حلقه بقوة تمنعه من النطق. أدرك مؤخرة البرق في النهاية أن الاستجواب لن يُجدي هكذا، فخفّف قبضته قليلًا، ليتيح للمسافر عبر الزمن أن يتنفس… ثم غرس نظره في عيني أسيره.

 

“هل نمتَ مع ابنتي؟” سأل أوغستس، وغضبه البارد كان أضعاف ما تحمله زمجراته من تهديد.

 

وإذ علم رايان أن لا شيء يقوله سينقذه، أجاب بأول ما خطر بباله:

 

“نعم، أبي، نعم!”

 

سحقه أوغستس بعنف فوق الطاولة الرخامية.

 

أي بشري عادي كان سيتحوّل إلى عجينة من قوة الاصطدام، وقد تشقق الرخام من هول الصدمة. كادت الصينية الفضية أن تهوي أرضًا، وانكسر أحد فناجين القهوة. لمعت النجوم في عينَي رايان للحظة وهو يهوى أرضًا على صدره. أطلق مؤخرة البرق قبضته، بينما ضحيته تلهث لالتقاط أنفاسها.

 

“ستموت متوسلًا،” قال أوغستس بغضب جليدي، شامخًا فوق الموصّل كطيف الموت نفسه. جسده بأسره يتقد ببرق قرمزي متفجّر، والأفران والأجهزة الكهربائية في الغرفة تتعطّل واحدًا تلو الآخر. “كما يموت يهودي على صليب.”

 

“وكان ذلك…” تمتم رايان بين سعلات متحدية. “من دون واقٍ.”

 

أذاق مؤخرة البرق رايان صعقة على طريقة بالباتين[1]، إذ قذفه بتيار كهربائي. لم تكن شحنة عالية بما يكفي لتقتله… لكنها أوجعته. أوجعته كالجحيم. صاعقة ضربت صدره، جلده يحترق، ورداء الحمّام الأبيض يتصاعد منه الدخان.

 

ارتجف جسد الموصّل كله، أعصابه تتلوّى تحت وطأة البرق. أحس وكأن جسده قد اشتعل نارًا، ورئتاه تذوبان في صدره.

 

“أبي!”

 

صرخة ليفيا شقّت المطبخ، لكن أوغستس واصل صعق رايان، وفي عينيه نية القتل. بل زاد الجهد الكهربائي أكثر، حتى بينما—

□■□■□

 

قفز الزمن إلى الأمام، وحين استؤنف، كانت ذراعاها قد التقطتاه فورًا.

 

ظلّ الألم يحفر صدره، والحروق تغطي جلده، لكن التيار لم يعد يجري في أعصابه. كان قد تزحزح حتى بلغ تمثال مينيرفا، وليفيا راكعة بجواره تحميه. كانت ترتدي رداء حمام أسود، بلا شبشب؛ لا بد أنها اندفعت إلى المطبخ في اللحظة التي استيقظت فيها.

 

أطفأ مؤخرة البرق الهالة الكهربائية التي تحيط برأسه، وإن كان الغضب ما زال يتملّكه. حدّق أوغستس بصرامة في ليفيا. “أتراكِ استخدمتِ قوّتك عليّ، يا ابنتي؟”

 

“كنتَ تصعق حبيبي!” همست غاضبة في وجهه.

 

ورغم أن مؤخرة البرق لم يتأثر بضربة رايان، فإن كلمات ابنته جعلته يجزع بدهشة. وإن كانت تراوده ذرة شك بعد، فقد بدّدها ثوبها الفاضح والطريقة الحميمية التي ضمّت بها رايان إليها. كان الموصّل يسمع خفقات قلب ليفيا المتسارعة تحت القطن.

 

“أأعطيتِ نفسك طواعيةً لهذا…” رمق أوغستس رايان بنظرة اشمئزاز. “لهذا الوغد؟”

 

“رايان ليس شيئًا من هذا القبيل،” ردّت ليفيا بوجه متجهّم. “إنه رجل طيب، نبيل.”

 

“فاتح… موناكو…” تمتم رايان، وعضلاته ما تزال تكافح لتتحرك. يبدو أن البرق القرمزي قد أربك جهازه العصبي، فأطرافه تخون أوامره الذهنية.

 

لكن أوغستس تجاهل الموصّل تمامًا، رافضًا حتى أن يعترف بوجوده. انشغل بدلًا من ذلك بتمحيص ابنته بنظرة متسلّطة. غير أن ليفيا لم تتراجع، وألصقت عينيها بعيني أبيها.

 

“منذ متى؟” سألها مؤخرة البرق.

 

قطّبت ليفيا حاجبيها، تعضّ شفتها السفلى. “أكثر قليلًا من أسبوع.”

 

أسبوع كامل؟ تساءل رايان، قبل أن يدرك أنها تحسب الحلقة السابقة أيضًا. فقد يُعتَبَر هجومهم على استوديو ستار موعدهما الأول…

 

“هل الأمر يتعلّق بفيليكس؟” سأل أوغستس بغضب. “انتقامًا لأنه هجرك؟”

 

“لا،” ردّت ليفيا بحدّة. “اخترتُ رايان من أجله هو.”

 

“لقد اخترتِ خطأ.” اشتعلت عينا مؤخرة البرق بومضة برق. “انظري إلى هذا المهرّج. لقد رأيتُ أمثاله آلاف المرات. كل ما يريده هو جمالك، مالك، قوّتك. إنه طفيلي.”

 

“تقول ذلك عن الجميع، أبي.”

 

“لأنه الحقيقة. أتظنين أنه كان سيهتم بك لو لم تكوني ابنتي؟”

 

“أنت لا تعرفه، أبي،” أجابت ليفيا، نظراتها تزداد صرامة. “وإن كنتَ تظن أني لم أقم ببحثي، فأنت لا تعرفني حقًا أيضًا.”

 

كاد رايان يفتح فمه، لكنه تروّى هذه المرة ولزم الصمت. خطوة خاطئة واحدة، وقد يفتك به مؤخرة البرق قبل أن تملك ليفيا فرصة للتدخل. الخزي والألم… يمكنه أن يحتملهما. لكن أن تنساه هي؟ ذلك سيكون أوجع بما لا يقاس من البرق.

 

التوى وجه أوغستس بتجهّم غاضب. “تنحّي يا ليفيا.”

 

ترددت لحظة، لكنها ثبتت في مكانها. “لا، أبي.”

 

“تنحّي، يا ابنتي.”

 

“لا،” كررت، وكانت الكلمة عذبة الأثر في الأذن. “لن أدعك تقتله كما فعلتَ بوالدَي نارسينا.”

 

اتسعت عينا أوغستس دهشة، وتشنج فكّه. “من أخبرك بهذا؟ فيليكس؟”

 

“وهل يهم؟”

 

“فيليكس،” تمتم الأب وقد وصل إلى استنتاجه. “سيدفع ثمن هذا الافتراء بلسانه.”

 

“لن تلمس لسانه، ولا أي جزء من فيليكس،” أعلنت ليفيا، قابضة على يد رايان. “ولن تؤذي حبيبي الحالي. أنا امرأة راشدة، أواعد من أشاء.”

 

“أنا أبوك،” ارتفع صوت أوغستس، “وعليك أن تطيعيني.”

 

“إن لمستَهم… سأرحل.”

 

أخرست هذه الكلمات مؤخرة البرق، وجعلته يرمش مرارًا. بدا وكأنه سيترنّح. سقطت عنه هالة اللامساس، وللحظة خاطفة، أبصر رايان خلف قناع الطاغية ذي القبضة الحديدية… رجلاً مسنًّا، وحيدًا، بارانويديًا.

 

“سأرحل،” قالت ليفيا، تكافح كي لا تنفجر بالبكاء. “سأغادر، ولن أعود. دع باخوس ومارس يرثان إمبراطوريتك العفنة الملطّخة بالقذارة، فلا شأن لي بها.”

 

“ليفيا.” خفتت نبرة أوغستس قليلًا، ولأول مرة سمع رايان في صوت ذلك الطاغية شيئًا غير الغضب والقسوة. “أنت وريثتي، وابنتي. لكنك ما زلتِ شابة، ساذجة. التجربة لا تأتي إلا مع العمر، ومن واجبي كأب أن أحميك من تهديدات لا ترينها. أمك…”

 

“أستطيع أن أحمي نفسي،” ردّت ليفيا بحزم. “حتى منك.”

 

اشتدّت قبضتا أوغستس إلى حد أنّ بشريًا عاديًا كان ليدمي من قوتهما. تُرى، هل كان هذا الطاغية ذو القوى الخارقة قادرًا على إلغاء قوته؟ هل بوسعه أن يؤذي نفسه؟

 

“لم أستطع أن أحمي أمك، لكنني سأحميك. فيليكس خائن بلا حياء، وهذا الحقير…” رمق الأب البرقي الموصّل بنظرة الكراهية نفسها التي كان يحتفظ بها عادةً لليو هارغريفز. “هذا الرجل يقلبك ضدّي، ضد أبيك.”

 

“لا يا أبي،” جادلت ليفيا بحزم. “أنت من يفعل ذلك بنفسه.”

 

تحوّل أوغستس إلى تمثال عاجي، ساكنًا كالصخر.

 

“أبي، أرجوك. أنا أريده.” سحبت ليفيا أنفاسًا عميقة. “إنه يعاملني بلطف… ويجعلني أبتسم.”

 

امتد صمت أوغستس لثوانٍ طويلة، موجعة. كان الهواء يثقل بشحنة كهربائية كامنة، كأن عاصفة رعدية على وشك الانفجار. الميكروويف تعطّل بالتماس. “أنت،” حدّق زيوس المافيا برايان. “ما اسمك؟”

 

كان الموصّل قد استعاد أنفاسه بما يكفي لينطق جملًا كاملة. “رايان ‘كويك سيف’ رومانو. أنا خالِد، لكن لا تخبــ—”

 

“إن أهنْتَ ابنتي،” قاطعه أوغستس، صوته يجلجل كالرعد، “سأقتلك.”

 

“نعم، يا الأب البرقي.”

 

ضيّق أوغستس عينَيه بخطورة. لم يرق له اللقب أبدًا. “إن كسرتَ قلبها، سأقتلك.”

 

“نعم، يا الأب البرقي،” كرر رايان، مبادلاً الرجل نظراته الوحشية. فقد أدرك الآن أن الخضوع سيُعدّ ضعفًا، لكن التحدي الصريح لن يُغتفر. كان عليه أن يفرض وجوده… من دون إفراط في قلة الاحترام.

 

“إن تركتها، سأقتلك.”

 

“نعم، يا الأب البرقي.”

 

“شكرًا لك، أبي،” همست ليفيا بارتياح، وهي تمسك بيد رايان.

 

عصف أوغستس خارج الغرفة، غاضبًا ببرود. لم يرمق رايان بنظرة، وبذل كل جهده لتجاهله. لكم جدارًا في طريقه، فاخترق الحجر بقبضته كما لو كان ورقًا.

 

سعل رايان. “هكذا بالضبط تقريبًا تخيّلت لقائي بأهلك.”

 

“أأصِبت بالجنون؟!” همست ليفيا غاضبة بعد أن غادر والدها. “أما كان بوسعك أن تنتظر حتى أستيقظ قبل أن تتجوّل؟ كان قد يقتلك!”

 

“أردتُ أن أُعدّ لك الفطور،” أجاب رايان مشيرًا إلى الصينية الفضية. كانت فناجين القهوة قد تحطّمت، لكن المعجّنات نجت.

 

تحوّل غضب ليفيا في الحال إلى احمرار على وجنتيها، ومنحته ابتسامة شاحبة ممزوجة بالحنان. “سنذهب إلى فينوس ونارسينا،” قالت. “ستعالجان جراحك في لمح البصر.”

 

“لا بأس. يمكن أن ينتظر قليلًا.”

 

“رايان، لقد صُعقت بالبرق.”

 

“ليست المرة الأولى. هل لديكِ مرهم؟” قطّبت ليفيا حاجبيها عند سؤاله، لكنها أومأت. “جيّد. سأضعه، بينما تعودين أنتِ إلى السرير.”

 

“وماذا بعد؟”

 

“ثم أحضر لك الفطور كما يجب هذه المرة.”

 

“أنت أحمق نبيل،” ضحكت ليفيا، قبل أن تساعده على النهوض مجددًا. “وكيف تخيّلت الأمر؟ أن أعرّفك على والدي؟”

 

“مع والدك موجّهًا بندقية صيد إلى ظهري… وباخوس يبارك الزواج.”

 

قهقهت. “لا تعوّل على ذلك. باخوس يعبد إلهًا أغرب من الكنيسة الكاثوليكية.” مرّت أصابعها الشاحبة فوق جرحه. كان الجلد يتألم، لكن قلبه يستكين. “سنذهب إلى فينوس بعد الفطور على أي حال. لقد قلتُ لك من قبل، رايان، لم يعد عليك أن تعاني بعد الآن.”

 

طوّق رايان خصرها بيديه، فيما ارتفعت يداها لتلتفّا حول عنقه. “والفطور القادم؟ ماذا سيكون؟”

 

ابتسمت ليفيا، وطبعت قبلة سريعة على خده من دون كلمة.

 

فراولة إذن.

 

☆☆☆☆☆

 

ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.

 

 

[1] بالباتين هو شخصية خيالية والشرير الرئيسي في سلسلة أفلام حرب النجوم، يشتهر بصعقات البرق. يُعرف أيضًا باسمه السيثي، دارث سيديوس.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset