النهاية المثالية: الفصل 9

رجال العائلة

الفصل 9: رجال العائلة

 

“كان اليوم الثامن من مايو عام 2020 للمرة السادسة، وقد تعرض غول مجددًا لحادث سيارة.”

 

ما إن ترجّل رايان من سيارته البليموث فيوري بعد أن صدم بها الأوندد المجنون المفضل لديه، حتى منح نفسه لحظة لتأمل شريكته الجميلة. السيارة التي أعاد بناءها بنفسه، قطعةً قطعة، من هيكل مهجور عثر عليه بين أنقاض فلورنسا؛ وعلى مرّ السنين، حوّلها إلى أعجوبة تكنولوجية قد تثير حسد أبرع العباقرة. سنواتٌ طويلة قضاها على مقعد السائق، شقّ خلالها الطرق، ونجا من انفجارات لا تُعدّ، ومرّ فوق عدد لا بأس به من العجائز! آه… ما أجمل الذكريات.

 

بالمجمل، كانت سيارة بليموث هي الثابت الوحيد في حياة رايان، أغلى ما يملكه بعد لين. الشريكة التي لم يجد لها مثيلًا بين البشر، إذ لا أحد منهم يتذكره مع كل إعادة من البداية.

 

“أقسم، لن أسمح لأحد أن يؤذيك مجددًا”، همس رايان لسيارته وهو يمرّر يده على غطائها كما لو كان يداعب قطة. “السايكو الشرير رحل.”

 

“هل كنتَ تكلّم سيارتك؟” سأل رينيسكو من خلف طاولة البار.

 

“لستُ أنا من يحكم عليك بناءً على من ترافقه الآن!” رد رايان وهو يفتح صندوق السيارة الخلفي. مرة أخرى، قرر أن يبدأ هذه الحلقة الزمنية بشيء جديد وممتع. طريقة للانتقام من عصابة الميتا مجددًا… لثأر سيارته.

 

“أعلم أن هذا قد يبدو مبتذلًا،” قال رايان لغول وهو يرفع كابلات كهربائية، محاولًا تقليد لهجة ألمانية قدر الإمكان، “لكن لدينا طرقًا لجعلك تتكلم!”

 

بعد أن سلّم غول المصعوق إلى الأمن الخاص، وأنهى عملية التوصيل، ثم دفع التعويضات والرشاوي، جلس الموصّل يفكّر في خطوته التالية.

 

بنِيّة العودة إلى مسار الأوغستي—من دون أن يُفسده هذه المرة—عاد رايان إلى أول فندق حجز فيه وسط المدينة بدلًا من الحي الجنوبي. هناك، التقى بوايفرن، حذّرها من هروب غول، وتسلم منها بطاقة عملها.

 

هذه المرة، تواصل معه فولكان كالمعتاد.

 

ذهب إلى باكوتو، التقى بـزانباتو، وتسلّم مهمته. في اليوم التالي، وقبل أن يغادر الفندق، خبّأ كاميرا صغيرة مزوّدة بجهاز تحكم عن بعد داخل الغرفة. كان رايان قد حجز مكانًا آخر مسبقًا لتجنّب محاولة الاغتيال، لكنه أراد أيضًا أن يرى لمحة من القاتل.

 

هذه المرة، ظهرت سارين بمفردها عند التسليم. يبدو أن غول لا يزال محتجزًا، وأن أفراد الميتا لم يتمكنوا من توفير أي دعم إضافي. كان رايان يتمنى لو استطاع القول إنها كانت معركة شرسة، صراعًا من أجل البقاء، وأن سارين كانت خصمًا جديرًا بالاحترام.

 

بدلًا من ذلك، استغرقت المعركة عشر ثوانٍ فقط.

 

في الزمن المتوقف، وجه لها لكمة في وجهها مستخدمًا القفاز المعدل؛ انبعث الغاز من قناع السايكو، وارتطمت بناقلة النفط العملاقة كما في المرة السابقة. كانت قادرة على إلحاق الكثير من الضرر، لكنها لم تكن تتحمّل أيًّا منه.

 

لم يتسببوا حتى في تدمير الميناء القديم هذه المرة!

 

“أنا أشعر بالملل،” تذمّر كويك سيف، بينما كان أعضاء الأوغستي ينهون تحميل الصناديق في الكرات الغاطسة. لم يظهر أفراد الأمن الخاص حتى!

 

“جيّد،” ردّ زانباتو بهدوء. “هذا يعني أن الأمور تسير بسلاسة. أنا أفضل الكفاءة المملّة كل يوم على الحماسة الفوضوية.”

 

“هذا ما قالته هي،” رد رايان وهو يخرج هاتفًا خلويًا من جيبه. كان سامسونغ قديمًا من زمن ما قبل الحرب، عدّله بنفسه ليواكب أداء الأجهزة الحديثة. وبفضله، كان يستطيع مراقبة غرفته عن بُعد من خلال الكاميرا التي خبّأها هناك.

 

لم تُسجّل الكاميرا شيئًا غير اعتيادي. لكن وفقًا للمستشعرات الحرارية، فقد اقترب شخص من النافذة، تطلّع إلى الداخل، ثم غادر. وبما أن الغرفة تقع في الطابق العاشر… فلا شك أنه جينوم.

 

الآن بعد أن فكّر بالأمر، تذكّر أنه لمح بطلًا طائرًا خلال معركته الأولى مع غول وسارين. تُراه الشخص نفسه؟

 

“هل يعرف أحد هنا رجلًا أو امرأة تطير وتختفي؟” تساءل رايان ساخرًا، “أسأل لصديق، طبعًا.”

 

“كل من يملك مئة ألف في حسابه يمكنه شراء إكسير التخفي من ديناميس،” قال لويجي وهو يغلق الكرات الغاطسة بعد أن وضع فيها آخر الصناديق. ثم ضغط على هاتفه، فغاصت المركبات تحت سطح الماء حاملةً إمداداتها إلى وجهةٍ أخرى. “أما الطيران…”

 

“الوحيدون الذين يملكون القدرة على الطيران في المدينة، ممن أعرفهم، هم: وايفرن، غايست، فولكان، ديفيلري، ووردروب، البعوضي، وسارين،” قال زانباتو. “ومن بينهم، الوحيد القادر على الاختفاء هو غايست.”

 

“هل يتجسس على الناس ليلًا من نوافذهم؟” تساءل رايان. ما حيّره أن الزائر الغامض لم يدخل الغرفة، ولم يترك قنبلة وراءه في هذه الحلقة الزمنية. تُراه رصد الكاميرا من بعيد وقرر أن يتفاداها؟

 

“كلا، هو مرتبط بمكان واحد خارج المدينة ولا يستطيع مغادرته إطلاقًا،” أجاب المنفّذ الأوغستي. “إنه من الصُفُر، وقد تفعّلت قواه بعد موته، فارتبط بقبره.”

 

آه، نعم، الإكسير الأصفر. ذاك الذي يمنح قوى ‘مفهومية’، من الإسقاط النجمي إلى سوء الحظ. كان رايان يحبّه، خاصة لأنه لا يمكنك أن تتوقّع شيئًا منه. فحتى بمعايير الجينومات، كانت قدراته خارجة عن المألوف، مصحوبة بقيود غريبة الأطوار.

 

“ولمَ السؤال؟” سأل لويجي بشك، بينما شعر رايان بقوة كاشف الحقيقة تفعل فعلها.

 

“شخص كهذا فجّر غرفتي قبل أيام،” ردّ رايان، وهذا صحيح من الناحية التقنية. فالقوة أجبرته على قول الحقيقة، لكنه كان لا يزال يملك هامشًا للتلاعب بالصياغة. “وكأن هذا شيء جديد!”

 

“أنت بالتأكيد تصنع الأعداء بسرعة،” علّق لويجي بعبوس. “كيف تشعر حيال ذلك؟”

 

همّ رايان بإلقاء نكتة، لكن قوة غريبة تسلّلت إلى ذهنه وأملت عليه كلمات مختلفة. “لا شيء على وجه الخصوص،” اعترف. “لكنها تساعد في ملء الفراغ.”

 

نظر إليه الحاضرون من الأوغُسْتي باستغراب. “الفراغ؟” كرر لويجي، في حيرة.

 

“أعتقد أنني أشعر بالفراغ، بالوحدة، والضياع من الداخل.” هز رايان كتفيه، وقد بدا وكأن ذهنه يعمل على الطيار الآلي. “كأن عقلي بئر لا قاع له، أحاول ملأه بالدوبامين والإندورفين. كلما ازداد حجم المصاعب، زادت النشوة، وكنت أكثر سعادة. في الحقيقة، الملل هو حالتي الطبيعية.”

 

تبع ذلك صمت ثقيل.

 

“لكن مهلاً، على الأقل أبدو رائعًا من الخارج!” أضاف كويك سيف في محاولة لتخفيف الأجواء، ثم التفت إلى لويجي، غير قادر على قول غير الحقيقة: “هل يمكنك إزالة مرشح الهراء ذاك؟ إنه مزعج، ويجعلني أرغب في قتلك.”

 

“عليّ أن أتأكد من أمر ما،” قال لويجي دون أي تعاطف. “هل أنت مخبر، أو عميل مزدوج؟”

 

“لا، أنا في صف نفسي فقط، ولا أنتمي لأي قضية!” رد رايان، لكن الكلمات لم تتوقف عند هذا الحد؛ إذ تغيّر صوته من نبرة مرحة إلى أخرى غير مبالية. “لأكون صريحًا، يا رفاق، أنا أستغلكم فقط لأعثر على صديقتي القديمة لين، لأني أشعر بالوحدة ولا أحس بأي قرب تجاه أي شخص آخر.”

 

“لديك مشاكل حقيقية،” قال أحد الجنود. “ينبغي أن ترى مختصًا نفسيًا.”

 

“فعلت، لكنني كسرتُه أولًا!” ومع ذلك، بدأ هذا الحوار يبعث على الملل، وقد نفد صبر رايان. لم يكن يرغب في الخوض في عقده العاطفية، خصوصًا مع غرباء لن يتذكّروا شيئًا عمّا قيل بعد وقتٍ قصير.

 

“الآن، يا لويجي…” قال الموصّل وقد توتّر فجأة، مثل وشقٍ انتقل من اللعب إلى الهجوم. “ثمة مكان واحد فقط لا أريد لأحد أن يدخله… وهو عقلي. وإن واصلت الحفر، فستجد سكيني في ظهرك، ولن ينقذك أحد.”

 

ها قد نلتَ الحقيقة، كما أردت. لحسن الحظ، بدا أن المتطفّل العقلي قد أخذ التهديد على محمل الجد. “آسف على التنقيب،” اعتذر لويجي، بينما أحسّ رايان أن التأثير قد زال. “كان عليّ أن أتأكد من أنك لا تحاول خداعنا.”

 

اكتفى الموصّل بالتحديق في وجهه، دون أن ينطق بكلمة أو يُظهر أيّ مشاعر، مما أشعر كاشف الحقيقة بالانزعاج. تبًّا… كم يكره قارئي الأفكار وأقاربهم! لا يحترمون خصوصية أحد!

 

“أعتقد أن الوقت قد حان لنفترق ويمضي كلٌّ في سبيله،” قال رايان وهو يلتفت إلى زانباتو، متشوّقًا لقضاء بعض الوقت بمفرده يرتّب فيه أفكاره. “أوصلك هذه المرّة؟”

 

“لا،” أجابه زانباتو. “تغيّر المخطط. ستأتي معي إلى بيتي.”

 

بيته؟ “ألن يجب أن تأخذني إلى عشاء أولًا؟” سخر رايان.

 

“بالتأكيد، هذا هو المخطط،” أجابه زانباتو، مما أثار دهشة الموصّل. “هل تحبّ البيتزا؟ أعدّها كما لا يفعل أحد.”

 

مهلًا… أكان جادًا؟ “لكن فندقي —”

 

“أنت ستقضي الليلة في بيتي،” أصرّ زانباتو، بنبرة تشبه توبيخ الأخ الأكبر لشقيقه الصغير. “ما تحتاجه فعلًا هو بيئة ودودة دافئة.”

 

“لكن… عليّ أن ألاحق عدوي اللدود السري!”

 

“سوف ينتظر.”

 

“استسلم يا رجل،” قال لويجي لرايان، والابتسامة تعلو وجهه. “زان مثل الكريما… حلوة وتلتصق بك إذا اقتربتَ منها أكثر من اللازم.”

 

“أهي كريما فانيليا؟” سأل رايان ببراءة مصطنعة. “أنا أعشق الفانيليا.”

 

“عليك أن تجرّب الشوكولاتة،” اقترح زانباتو. “تفيد في حالات الاكتئاب.”

 

ما تلا ذلك كان واحدًا من أغرب المواقف في حياة رايان: أن يُقاد لحفل عشاء تحت تهديد السلاح… كانت تلك سابقة بالفعل.

 

حسنًا، ليس تهديدًا حرفيًا، بل مجازيًا. إذ اكتفى زانباتو بأن دخل سيارة رايان البليموث، ورفض الخروج منها حتى وافق الموصّل على مرافقته إلى بيته. ذروة العدوانية السلبية، بكل ما للكلمة من معنى.

 

في النهاية، وبعد أن تراجع القاتل الغامض مؤقتًا، لم يستطع رايان رفض وجبة مجانية.

 

كان زانباتو يعيش في بيت عصري شمال جبل أوغستس. منطقة ذات طابع راقٍ بلا شك، أعلى مستوى بكثير من الحي المغربي الصغير المجاور؛ بيوتٌ كبيرة، حديثة الطراز، مشيّدة على تلال شاهقة تُشرف من علٍ على الأحياء الفقيرة في الأسفل. لم تبدُ الطبقية الاجتماعية بهذا الوضوح من قبل.

 

كان بيت مضيفه منزلًا عصريًا من طابقين، يطلّ على منظر خلاب لروما الجديدة، ويضمّ مسبحًا لا نهائيًا مشيّدًا بمحاذاة حافة التل. ألوانه مزيج من البني الدافئ والأبيض، تمنحه طابعًا يجمع بين البساطة والأناقة. من الواضح أن العمل مع المافيا يدرّ دخلًا جيدًا.

 

فتح المرأب تلقائيًا، فأوقف رايان سيارته بين سيارة من نوع لكزوس ES ودراجة نارية من نوع هارلي ديفيدسون سبورستر معدّلة بشدّة. واغتنم زانباتو الفرصة لخلع درعه الآلي، دون أن يُبدي أدنى تردد في كشف وجهه أمام رايان. وكان على الموصّل أن يعترف: هذا الياباني المقلَّد وسيم فعلًا — بفكٍّ مثالي، وعضلات بارزة، ولحية خفيفة لم تُحلَق منذ ثلاثة أيام. قدّره رايان في منتصف الثلاثينيات تقريبًا.

 

“جيمي كاتر.” صافحه زانباتو. “لكن لا أقنعة في الداخل.”

 

“أتريد معرفة هويتي السرية؟” رد رايان بنبرة درامية. “أحذّرك، كثيرون فقدوا صوابهم لمجرد سماع اسمي الحقيقي.”

 

“رايان رومانو،” ضحك جيمي، بينما عقد الموصّل ذراعيه وقد سُرقت لحظة تألقه، “وللإنصاف، هذا كل ما أعرفه تقريبًا. رؤسائي لم يجدوا عنك الكثير.”

 

“حقًا؟” تذمّر رايان وهو يخلع قناعه وقبعته ومعطفه الطويل، ليرميها جميعًا في المقعد الخلفي للسيارة. “لكني لا أُنسى!”

 

“ليس هناك الكثير قبل أن تبدأ بالتجوّل بزيّك وتفجّر الأشياء،” أوضح جيمي وهو يفتح باب المرأب ويُشير إلى زميله الجينوم ليدخل بيته. قاد الباب إلى غرفة معيشة واسعة تكفي — على الأرجح — لشقة من غرفتين، تضم مطبخًا، وأريكةً أمام شاشة بلازما ضخمة، وسلالم تؤدي إلى الطابق العلوي. نوافذ بانورامية ضخمة أطلّت على مشهد بديع للمدينة في الأسفل، أما الديكور فامتلأ بالفن الآسيوي: كاتانا معلّقة على الجدار، علم كوري على الشرفة، وتمثال بوذا بجانب التلفاز…

 

كان هناك شخصان بالفعل داخل المنزل: امرأة سمراء اللون تحتسي علبة صودا قرب الشرفة، وفتاة آسيوية تقطع الطماطم خلف طاولة المطبخ.

 

لكن رايان لم يُعِرْهما اهتمامًا يُذكَر، إذ كان بصره مشدودًا إلى شيء آخر تمامًا.

 

وتحديدًا… الجرذ الضخم الجالس على طاولة المطبخ، يتأمل رايان بنظرات فضولية. لوّح له الموصّل بيده، فرفع المخلوق قوائمه الأمامية الصغيرة كأنه يرد التحية. آآخ…!

 

“مرحبًا، عزيزتي.” طبع جيمي قبلة على جبهة الفتاة التي في المطبخ، بينما وضعت سكينها والعشاء جانبًا. على الأرجح كانت حبيبته. “أحضرتُ ضيفًا جديدًا.”

 

“هيون كي-جونغ.” أومأت لرايان بتحية مهذّبة، وابتسمت له ابتسامة ودودة. كانت نحيلة كما كان حبيبها مفتول العضلات، تحتفظ بشعرها الأسود قصيرًا، ترتدي ملابس محتشمة، وتضع نظارات أنيقة خفيفة لا تثير الانتباه. رايان كان ليعتبرها جذابة… لولا آثار الهزال والندوب الظاهرة على بشرتها؛ فقد أدرك على الفور أنها مدمنة تتعافى.

 

“وازا[1]؟” رد رايان.

 

“وازا؟” كرّرتها كي-جونغ بنفس النبرة تمامًا.

 

شهق رايان وقد تملّكه الإدراك… لقد التقى أخيرًا بشخص يفهمه.

 

“وااازااا!” صرخ كلاهما في الوقت نفسه.

 

فزع الجرذ قليلًا وأمال رأسه إلى الجانب، بينما رمقتهما المرأة ذات الشعر البني الداكن بنظرة من يظنّ أنه أمام مجنونين تمامًا… في حين اكتفى جيمي بالتحديق بحيرة.

 

“إنها… إشارة شديدة الخصوصية،” طمأنته كي-جونغ بابتسامة. “لا يفهمها إلا من يعرف النكتة من الداخل.”

 

“الانضمام إلى هذه الأخوية هو ذروة التحضّر،” قال رايان وهو يقدّم نفسه بأدب لتلك السيّدة الرقيقة. “رايان ‘كويك سيف’ رومانو. أنا خالد… لكن لا تخبري أحدًا.”

 

“أنت تقول هذا لكل الناس،” علّق جيمي وهو يلفّ ذراعيه بمحبة حول حبيبته.

 

“لأن لا أحد يتذكّر!” قال رايان وهو يلقي نظرة حوله، ليكتشف أن جرذ المطبخ قد استدعى عائلته بأكملها. ثلاثة من أقاربه يشاهدون وثائقيًا على التلفاز، وآخر نائم في الشرفة، وواحد قفز إلى كتف كي-جونغ مثل بيكاتشو. لكنهم بدوا أنيقين على نحو غير عادي، أقرب إلى حيوانات أليفة مدلّلة منهم إلى آفات مزعجة.

 

“أنا أتحكّم بهم،” قالت كي-جونغ لرايان وهي تداعب الجرذ من خلف أذنيه، “إلى حدٍّ ما. أربط نفسي بهم ذهنيًا، وهذا يعزّز ذكاءهم.”

 

“أزرق أم أخضر؟” سأل رايان.

 

“أخضر،” أجابت، ما يعني أن قدرتها تؤثّر على الأحياء، لا مجرد تواصل ذهني مع القوارض. “اسمي تشيتَر.”

 

كانت تظنّ على الأرجح أن رايان سيتعرّف على الاسم… لكنه لم يفعل.

 

وأخيرًا، بعد أن ضاقت على الأرجح بالضجّة، أو ربما بدافع الفضول، قرّرت فتاة الشرفة الانضمام إلى المطبخ والتفاعل مع الآخرين. مع أن “كارثة موسيقية” كان ليكون اسمًا أنسب لها. لم يسبق لرايان أن قابل أحدًا يمتلك عددًا أكبر من الوشوم على ذراعيه وكتفيه؛ حتى أن هناك رمز طائر تحت عينها اليمنى، رغم صعوبة ملاحظته بسبب نظارتها المتّسخة. كانت ترتدي كأنها فتاة درّاجات: قميص أبيض بلا أكمام، سروال أزرق، حذاء أسود، وقلادة على شكل صليب تتدلّى من عنقها. أما شعرها الأسود، فقد صفّفته في جدائل طويلة تصل كتفيها، وعلى عكس كي-جونغ، كانت واضحة البنية، رياضية، وتمارس التمارين بانتظام.

 

“من هذا يا زان؟” سألت مباشرة، وقد رمقت رايان بنظرة فاحصة. “متشرّد جديد عثرتَ عليه في الطريق؟”

 

“لانكا!” نهرها جيمي معاتبًا.

 

“أفضل مصطلح المتشرد القاتل[2]،” رد رايان وقد جُرح كبرياؤه. “لا أملك منزلًا، لكنني أحب سرقتها.”

 

“أوه، حقًا؟” لم تبدُ متأثرة، واستبدلت علبة الصودا بسيجارة. عرضت على الجميع واحدة، حتى رايان، لكن لم يأخذها أحد. “لا تبدو من النوع القاتل.”

 

“زيي في المرآب،” قال رايان بجفاف، فضحكت المرأة بسخرية.

 

“لقد هزم سارين بسرعة لم أتمكّن حتى من رؤيتها،” قال جيمي، فانتشى رايان فخرًا. “لا تتمادي، لانكا.”

 

“آه، حارس جديد؟” قالت وهي تعبث بسجارتها. “كان ذلك في وقته. لا يمكنني القيادة قرب مدينة الصدأ دون أن ينصب لي أولئك السايكو كمينًا، ونصف عوامّنا لم يعودوا يرغبون في بيع السعادة هناك.”

 

“هل يمكننا تأجيل الحديث عن العمل لليلةٍ أخرى؟” سألت كي-جونغ وهي تصفق بيديها لجذب انتباه الجميع. فتجمّعت الجرذان في صفّ على طاولة المطبخ، وكأنها تنتظر وصول شحنة جبن. “هل يمكنكم إعداد طاولة القمار بينما نُحضّر البيتزا؟”

 

“هل تحب البوكر؟” سأل جيمي. “رسم الدخول مئة.”

 

“لا أحب البوكر، لكنني أحب الفوز،” قال رايان مازحًا، فابتسم معظم الحاضرين ردًا على نكتته… باستثناء لانكا، التي أخذت كلامه على محمل التحدي. “هل أنتم فريق؟ أم أن هذه لمّة لعصابة كوزا نوسترا[3]؟”

 

“نعم، جميعنا رجال ونساء أوغُستي، ونعمل معًا،” قال جيمي، متحفّظًا من تعليق رايان عن كوزا نوسترا، “ونتشارك هذا البيت لأسباب عملية أيضًا. وبما أن هناك بعض الغرف المتاحة، أردت دعوتك للإقامة لبضعة أيام حتى ننهي ما بيننا من عمل. لن يكلفك شيئًا، وسيناسبك أكثر من فندق.”

 

“زان يملك هذا المكان، ولا يستطيع مقاومة دعوة الغرباء المحتاجين،” قالت لانكا، “مثل ذاك المتشرّد.”

 

“لن تنسي لي تلك الحادثة أبدًا، أليس كذلك؟” تنهد جيمي، فيما قهقهت حبيبته. “لم يستغرق الأمر سوى أسبوعين حتى وجد عملاً.”

 

“أقدّر عرضكم للتجسس علي، لكنني أفضل الاحتفاظ بخصوصيتي،” رد رايان.

 

“إنه عرض ودّي، بلا خبايا أو شروط خفية،” أصرّ جيمي، وبما زاد من حيرة الموصّل، أن نبرته بدت صادقة حقًا. غريب الأطوار هذا الرجل. “مع ذلك، أظن أنك ستكسب الكثير بانضمامك إلى عائلتنا الكبيرة… على الصعيدين الشخصي والمهني.”

 

“أنا فقط أبحث عن لين،” رد رايان بلا اهتمام. “شعرها أسود، عيناها زرقاوان، أندر دايفر؟”

 

“أندر دايفر؟” هذه المرة بدا الاسم مألوفًا لجيمي. “سمعت بهذا الاسم من قبل.”

 

“حادثة محطة الطاقة في وقت سابق من هذا العام،” قالت كي-جونغ. “كان هو المسؤول عنها.”

 

“بل هي،” صحّح رايان، مما أثار دهشة مضيفيه.

 

“آه نعم، تذكّرت.” أومأ جيمي برأسه. “الأمن الخاص قبض عليها، وكان فولكان يريد إخراجها لضمّها إلى صفوفه. لكن لست متأكدًا إن كانت وحدة التسليح قد مضت في الأمر فعلًا.”

 

“ألا تعمل لصالح فولكان؟” سأل رايان في حيرة.

 

“زعيمنا يُدعى ميركوري،” قالت كي-جونغ لرايان. “قسمه يتولّى الإشراف على القمار واللوجستيات، إلى جانب بعض أعمال الحماية، بينما تتولّى مجموعة فولكان تجارة الأسلحة. رؤساؤنا يتعاونون أحيانًا، لكن غالبًا ما يعمل كل فريق على طريقته.”

 

يا للعجب، لقد بدوا أقرب إلى بيروقراطية ملتوية[4] منهم إلى منظمة إجرامية. “مهلًا، ولماذا أرسلتني فولكان إليكم بدلًا من أن تضمّني بنفسها؟”

 

“أنا أحد المكلّفين الرئيسيين بالتجنيد في صفوف الأوغُستي،” أوضح جيمي. “الزعماء يثقون بي لتقييم المجنّدين الجدد في المرحلة الأولى.”

 

“إن كنت هنا بدلًا من مكبّ نفايات، فهذا يعني أنك اجتزت الاختبار،” قالت لانكا وهي تطفئ سيجارتها وتُشعل أخرى.

 

“سأعرّفك على فولكان غدًا، حتى لو لم تكن راغبًا في الانضمام،” وعد جيمي رايان. “ينبغي أن يحلّ هذا مشكلتك بسلاسة. وحتى ذلك الحين… مرحبًا بك لتعيش معنا. فـ… ما رأيك؟”

 

فكّر رايان في العرض. وللأمانة، فإن وجود هذا العدد من الجينومات في مكان واحد كفيل بردع القاتل الغامض عن إزعاجه مجددًا، وباستثناء لانكا، بدا الجميع لطيفين رغم خلفياتهم الإجرامية. قد يكون الأمر ممتعًا.

 

ومع ذلك، كان رايان متحفظًا تجاه الانضمام إلى أي مجموعة، إذ أنه يموت كثيرًا، ودائمًا ما ينساه الجميع بعد ذلك. أن تتعرّف على الناس ليعاملونك لاحقًا كغريب… ذاك كان مؤلمًا بحق؛ وحدها صداقته مع لين تعود إلى ما قبل اكتسابه لقوّة التحكّم بالزمن.

 

هممم… الموصّل كان بوسعه دائمًا أن يفرّ حين يشعر بأنه تعلّق أكثر من اللازم.

 

“أصوّت لأربع أجبان،” قال رايان، فتلقّى الآخرون ذلك على أنه موافقة.

 

“حسنًا، القواعد الأساسية: ممنوع مخدر السعادة تحت هذا السقف، لا قطط ولا مبيدات، لا كوكايين بعد العاشرة،” قال جيمي وهو يشعّ بهالة أبوية لا تخطئها العين. “كل واحد ينظّف وساخه، العبث بالمعدّات يتم في المرأب، وأي حفلة لازم تنبّهنا عليها قبل بيوم—”

 

أنصت رايان بصمت، وكأنه سيلتزم بالقواعد التزامًا مقدسًا.

 

من الواضح أن جيمي لا يعرفه جيدًا بعد.

 

☆☆☆☆☆

 

[1] وازا: صرخة شهيرة ساخرة مأخوذة من إعلان أمريكي شهير في أواخر التسعينات، اشتهرت بعد استخدامها في فيلم كوميدي معروف، وغالبًا ما تُستخدم كمزحة أو تحية غبية بين الأصدقاء بشكل مبالغ فيه وساخر. لا تحمل معنى حرفيًا، بل تُستخدم للضحك أو التهريج.

 

[2] المتشرد القاتل: هو لاعب لا يهتم بالحبكة، أو التفاعل الاجتماعي، أو القصة، بل يقتل كل من يقابله من شخصيات غير لاعبة (NPCs) فقط للحصول على الغنائم أو التسلية، دون أي مبرر داخل اللعبة.

 

[3] كوزا نوسترا: هي تسمية للمافيا الصقلية، وهي منظمة إجرامية سرية نشأت في صقلية بإيطاليا. تشتهر هذه العصابة بنشاطاتها غير القانونية مثل الابتزاز، والتهريب، والقتل، وغسل الأموال، وتعتبر من أشهر العصابات الإجرامية في التاريخ الحديث، كما ظهرت بشكل بارز في العديد من الأفلام والروايات العالمية. تعبير “كوزا نوسترا” يعني باللاتينية “أمرنا الخاص” أو “شأننا الخاص”، ويعكس طبيعة العصابة السرية التي تحكم أفرادها بنظام صارم وقوانين غير مكتوبة.

 

[4] بيروقراطية ملتوية تشير إلى نظام إداري رسمي معقد ومتشابك، لكنه مترافق مع ممارسات غير نزيهة مثل الفساد، والمحسوبية، والتلاعب بالقوانين والإجراءات. في مثل هذه الأنظمة، تُستخدم التعقيدات الإدارية ليس فقط لتنظيم العمل، بل أيضًا لإعاقة الإنجاز أو تحقيق مصالح شخصية على حساب المصلحة العامة.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset