النهاية المثالية: الفصل 83

البحث والتطوير

الفصل 83: البحث والتطوير

 

مضت حلقتان زمنيتان منذ آخر لقاء مباشر جمع رايان بـفولكان. مشهد آليّتها وهي تهبط من السماء بعث في قلبه مزيجًا من الحنين والشوق.

 

وقف رايان أمام مدخل المخبأ فيما حطّت فولكان مركبتها فوق كومة من الخردة. خرجت من بذلتها المعدنية، واعتلتها كفاتحة صغيرة الحجم، ثم ابتسمت بمكر. “أعجبني ما فعلته بالمكان،” قالت بعدما ألقت نظرة سريعة على ساحة الخردة.

 

كانت آلية ميكرون تحرس المدخل، تحيط بها حوامات مشتعلة جميعها تحمل شعار ديناميس. ومع ذلك، لم يعرها رايان اهتمامًا يُذكر؛ إذ لم تكن عيناه تتطلّعان إلا إلى تلك المرأة الجريئة، التي سبق وأنقذته من هانيفات ليكتر عند هذا الموضع بالذات. لقد خفق قلبه لها يومها، وما زال يخفق حتى الآن.

 

“ما بالك؟” سألت فولكان بلهجة يغلّفها المرح. “هل وقعتَ في غرامي من النظرة الأولى؟”

 

《حتى لو اختفيت…” كانت قد قالتها، أشبه بتوسّل. “عِدني ألّا تنساني.》

 

وكان الوجع هو نفسه… تمامًا كما في اليوم الأول.

 

“شيء من هذا القبيل،” كذبَ الموصِّل، ثم أدّى انحناءةً ساخرة ليخفي نظرة الحزن في عينيه. “مرحبًا بكِ في مسكني المتواضع، آنسة شريف. ألم تواجهكِ أيُّ مشكلةٍ في تجاوز الطوق؟”

 

“أنا مَن صمّم الأسلحةَ المضادّة للطيران لدى ديناميس.” قالتها فولكان وهي تهز كتفيها، ثم هبطت من آليّتها لتنضمّ إليه. “إنها بطيئةٌ جدًّا عليّ. وكذلك دفاعاتكم، بالمناسبة.”

 

“جرّبيني!” استدار رأس فولكان بحدّةٍ نحو آليّة العقرب الخاصة بميكرون، إذ انطلق منها صوتٌ مرح: “أسرعُ محمّص في الغرب!”

 

تفحّصت فولكان الآلي بعينين تملؤهما الدهشة من جديد. “ظننت أن ميكرون يحرص على ألّا تتمرّد الذكاءات الاصطناعية المستعبدة لديه أو تردّ عليه؟”

 

“لقد حمّلنا له مصفوفة شخصية جديدة، تليق بهذه الآلة العظيمة”، أوضح رايان وهو يربّت على أحد قوائم الآلي. “واحدة مثالية للوظيفة.”

 

“أنا مُحمّص خبز، مهمتي أن أحرق الأشياء”، ردّ الآلي. “طموحاتي أحادية للغاية.”

 

كان هذا أفضل نوع من الأتباع… ذاك الذي يعشق القذارة التي يقوم بها.

 

ومع تولّي لاند مهمة التصدّي لأي متسللين على الأرض عبر الهزّات، وقيام توستي بقصف أي طائرة تحلّق، انتهت محاولات الأمن الخاص العشوائية لمداهمة مدينة الصدأ إلى فشل ذريع. وفي النهاية، قرّروا ببساطة فرض حصار على الحيّ. طوّقته الدبابات والجنود، مانعين أي أحد من الدخول أو الخروج، وأغلقت البوارج الحربية الميناء؛ نظريًا، لم يكن شيء أقل من ناقل آني ليتيح لعصابة الميتا الفرار.

 

يا للأسف أنّ ديناميس لم تكن على علم بالمدخل المائي للمخبأ. فقد حرص رايان على حذف تلك المعلومة من المخططات التي أرسلها إلى نورا، تحسّبًا لاحتمال أن تصل بين الخيوط. هكذا ستكرّس ديناميس كل مواردها لحصار مدينة الصدأ، تاركة مقرّها الرئيسي عرضة لهجوم مباغت.

 

كان الخوف من قنابل رايان النووية كفيلًا بمنع الشركة العملاقة من الإقدام على أي تحرّك متهوّر، لكن ذلك لن يدوم طويلًا. عاجلًا أم آجلًا، سيجدون طريقة لتحييد ترسانته، لكن حينها سيكون الأوان قد فات.

 

“ومع ذلك، أنا متفاجئ أنك ظهرت فعلًا.” اعترف رايان وهو يدعو فولكان إلى داخل المخبأ. “الارتباط بنا لن يكون أمرًا جيّدًا لسمعتك.”

 

“الاتفاق اتفاق.” ردّت العبقرية بابتسامة ماكرة. “ثم إن الرجل الذي أهان تلك الحقيرة وايفرن أمام المدينة بأكملها… رجل يروق لي.”

 

《إن لم أنجُ، فاذهب إلى لورا… فهي مثالية إلى حدّ اللعنة!》

 

ولم يتسنَّ لهما دفن الأحقاد إلا بعد أن طُويت صفحة روما الجديدة بدمارها.

 

“ربما أستطيع أن أجعل الصفقةَ أحلى؟” قال رايان، رافعًا قبعته ومُخرجًا منها قنبلةً ذرية.

 

رفعت فولكان حاجبًا للموصِّل، لكنها تقبّلت الهدية برشاقة. وكان الوجهُ المتهلِّل الذي ترتسمه كلما ناولها هذه القنبلة يبهج رايان. “أتحاولُ رشوتي؟”

 

“نعم.” أجاب الرئيس وهو واثقٌ أنها ستُعجبها. “وهل تنجح؟”

 

“لا أدري”، ضحكت وهي تقلّب الكرةَ المعدنية الجميلة بين يديها. “قنابلي أكبر من قنابلك.”

 

“لم تري ترسانتي كاملةً بعد”، لم يستطع رايان مقاومة الرد. “أُلمِّعها كلَّ يوم.”

 

ابتسمت فولكان بمكرٍ خافت. “لا أصدّق إلا ما أراه.”

 

تبا.

 

كان رايان واثقًا أنه لو لعب بأوراق سحره قليلًا، ستقع فولكان في غرامه مجددًا. بينهما كيمياء طبيعية مرحة، وحبّ مشترك للقنابل الضخمة والتلميحات الموحية. أن يحتضنها ويقبّلها الآن سيشبه عودة الزوج إلى بيته بعد رحلة طويلة؛ شعور طبيعي تمامًا، وصائب تمامًا.

 

《لا تستبدلني بياسمين أخرى.》

 

ومع ذلك، كان رايان قد قطع وعدًا لياسمين، ياسمينته، وسيلتزم برغبتها. حتى وإن لم يكن أحد ليلومه إن نكث ذلك الوعد… فإنه يكنّ لحبيبته القديمة ما يكفي من الاحترام ليحفظ طلبها الأخير.

 

لو أنه فقط أتمّ آلة نقل الدماغ قبل… قبل تلك الحلقة الملعونة.

 

《تأكّد من ألّا يتكرّر هذا الكابوس، مفهوم؟ اقتل ذلك الوغد البدين.》

 

على الأقل، أوفى بهذا الوعد.

 

قاد رايان حبيبته السابقة عبر الممرات المطلة على حظائر المخبأ. توقّفت فولكان عند النوافذ الزجاجية المرمَّمة، تتأمل الغواصة والتقنيات المكدَّسة هناك. صفّرت بإعجاب: “قاعدة كاملة لميكرون… تحت أقدامنا مباشرة.” كان رايان يصطحبها في جولة تعريفية بالمرفق. “لقد اصطدتَ الصيد الثمين حقًا.”

 

ابتسم وهو يروّج لمزايا مقرّ عملها الجديد: “لدينا حتى مُكرِّر للمادة. كل ما عليكِ هو إدخال التصميم والمادة اللازمة… وبوم! سلاح فوري!”

 

“وأي سلاح تريدني أن أصنعه بالضبط؟” سألت وهي تضع يدها على خصرها. “لأنني أشك أنك اتصلت بي لصنع دمية دب.”

 

“أنتِ تقلّلين من شأنها. تلك الدمى تخدعك بإحساس زائف بالأمان، ثم تعانقك حتى تستسلمي.”

 

“أهذه خطتك للاستيلاء على المدينة؟ استبدال القنابل النووية بدمى الدببة؟”

 

كان على رايان أن يُبقيها على مسافة وهو يعمل، وإلا فلن يقاوم. فكلما تحدّثت فولكان، ازداد انجذابه إلى ذكائها الحاد. “حسنًا، إن أردتِ أن تعرفي… لقد اكتشفنا كيف عزّز ميكرون قوى أتباعه.”

 

كان ألكيمو قد تمكّن أخيرًا من اختراق معظم جدران الحماية المتبقية في الحاسوب المركزي، مما منح الفريق وصولًا إلى الملفات الرئيسية لميكرون. وقد استحوذ ذلك فورًا على اهتمام فولكان الكامل. “تابع،” طلبت منه.

 

“سأشاركك البيانات، لكن باختصار… ميكرون وجد طريقة لتسريع تدفّق الطاقة التي يشعّها أي جينوم، باستخدام غرسات ميكانيكية-حيوية. النظرية الأساسية هي نفسها التي تعتمدينها في بذلاتك المدرعة.”

 

وكما هو الحال مع منتجات ديناميس المقلَّدة، كانت نسخ ميكرون عبارة عن كائنات اصطناعية تحاكي خصائص الإكسير الحقيقي. ورغم أنها لم تكن واعية مثل داركلينغ أو الإكسير الأصلي، فإنها كانت قادرة على تعديل الجينات استنادًا إلى البيانات المستخلصة من جينومات حقيقية.

 

لكن ذلك العبقري المجنون ذهب أبعد من عائلة مانادا؛ فبرغم افتقار نسخه إلى الاتصال الفطري بأبعاد الألوان، فإنها استطاعت — مع دعم ميكانيكي كافٍ — إنشاء بوابات مجهرية إليها. ومن خلال توجيه تدفق الطاقة المتولّدة، واستخدام البيانات المستخرجة من جينوم قائم، كان بوسع آلات ميكرون أن تحاكي — بشكل بدائي — قوة النموذج الأصلي.

 

كانت الآلية ذات التحريك الذهني التي قاتلها رايان في المخبأ مجرد مثال واحد. في أواخر حياته، كان ميكرون قد بدأ يُجري تجارب على وحوشٍ حربيةٍ حيوية-ميكانيكية قادرة على إحداث دمارٍ هائل. كانت إكسيراته الاصطناعية تحتاج إلى دعمٍ تقني أعقد بكثير لتعمل مقارنةً بالأصلية… لكنها كانت تعمل.

 

اقشعرّ بدن رايان وهو يتخيّل ما كان بوسع ميكرون أن يبلغه لو عاش بضع سنواتٍ أخرى؛ لو أتقن إكسيراته وزوّد روبوتاته بقوى خارقة، لأصبح لا يُوقَف.

 

ومع ذلك، ظلّت تلك النسخ المقلّدة باهتةً أمام الإكسير الحقيقي وأقلّ كفاءةً بكثير. لذلك مضت ذكاءات ميكرون الاصطناعية أبعد من ذلك—وهذا ما قاد إلى داركلينغ.

 

“أنت تريد مني أن أصمّم لك بذلة مدرّعة خارقة،” خمّنت فولكان بابتسامة تفيض حماسة، “شيئًا يضخّم قوّتك إلى أقصى حد.”

 

“نعم، مع بونشو[1] كشمير فوقها.” فبدمج البيانات من المصدرين مع تكنولوجيا المخبأ المتقدمة، كان رايان واثقًا أن مشاغبته المفضّلة ستبدع تحفة فنية. كما سيُدمج التصميم تقنية الإشارة الخاصة بلين، على أمل أن تتيح للموصل إرسال عدة أشخاص إلى الماضي.

 

لكن ذلك سيتطلّب مساعدة لين، وصديقته المقرّبة ما زالت ترفض مغادرة غرفتها.

 

“جاهزة؟” سأل رايان، حين وصلا إلى منطقة الترفيه. كانت سارين، أسيد رين، البعوضي، وعدد من الآخرين متحلّقين أمام جهاز تلفاز موضوع على منضدة البار، يتابعون نشرة الأخبار.

 

“كما كنت يوم وُلدت.”

 

“إمّا أن تفعل، أو لا تفعل. لا يوجد شيء اسمه المحاولة.”

 

كانت تلك آخر كلمات لياسمين، وتلخّص شخصيتها تمامًا؛ فهي دومًا تمنح كل ما لديها.

 

“هيه، أيها الزعيم!” نادته سارين. “سيتحدثون عنّا!”

 

“أخيرًا!” تهلّل رايان، وهو يقترب مع فولكان نحو شاشة التلفاز. كان هيكتور مانادا، بطبيعة الحال، قد أنكر كل شيء وحاول شنّ حملة صامتة، فارضًا حظرًا إعلاميًا للتستّر على ما كشفه رايان. لكن الضرر كان قد وقع بالفعل، والناس أخذوا يتحدثون.

 

بدا أنّ ديناميس قد قررت أخيرًا مواجهة المشكلة التي لا يمكن تجاهلها، عبر مؤتمر صحفي. كان فريق إل ميليوري بأكمله مصطفًّا عند مدخل برج الأوبتيماتس، يرافقهم إنريكي ‘بلاك ثورن’ مانادا وفريق من مختصي العلاقات العامة. وكما هو متوقع، ارتدت ووردروب أزياء أنيقة كعادتها، عمودًا من أعمدة الذوق وسط كوارث الموضة من حولها. كانت خدوش فيليكس قد التأمت، لكنه لم يُكلّف نفسه عناء إخفاء امتعاضه. أمّا وايفرن، فبدا وجهها خاليًا تمامًا من الحياة، بلا أي تعبير.

 

رمق رايان شريط الأخبار أسفل الشاشة، وكل سطر فيه أسوأ من سابقه: ‘انفجارات غامضة مستمرة، وأطفال ما زالوا مفقودين بعد هجوم على حضانة؛ الأمن الخاص يرفض التعليـ—’

 

كانت الدمى القماشية تواصل إثارة الحوادث في أنحاء المدينة. بلغت التوترات ذروتها، وموارد ديناميس مستنزفة، والناس يطالبون بإجابات.

 

ضحكت فولكان بخفة، فيما دعا بلاك ثورن وايفرن للصعود إلى المنصّة ومواجهة جيش من الصحفيين. “أشبه بكلب منها بتنين.”

 

“هي ليست فاسدة،” قال رايان، “بل ساذجة فحسب.”

 

قطّبت فولكان حاجبيها وهي ترمقه. “ومن الذي حشـا رأسك بهذه الترهات؟”

 

ياسمين.

 

وهذا لم يزد الأمر إلا إبرازًا لمدى تغيّرها كشخص في النهاية. ياسمين كانت مستعدة للتخلي عن ضغينتها، لكن فولكان لم تكن لتتجاوز الأمر بمفردها… ليس من دون مساعدة.

 

أصغى رايان في صمت بينما كانت وايفرن تخاطب الحشد وكل روما الجديدة. وكما هو متوقع، أدانت ما سمّته ‘التهديد الإرهابي’ لعصابة الميتا، ووعدت بردٍّ لن تقدر على تنفيذه، وأكدت أن كل شيء تحت السيطرة، بلا بلا بلا….

 

“كثيرون منكم تساءلوا إن كانت الصور التي عرضها ما يُسمّى بالسيد الرئيس حقيقية،” قالت وايفرن بملامح جامدة ومهنية صارمة، “أو إن كانت اتهاماته بشأن مخاطر الإكسير المقلّد تستند إلى أساس.”

 

عقد الموصل أنفاسه استعدادًا لتلقّي الصدمة.

 

“إنها كذلك.”

 

دوّى وقع شهقات الدهشة بين الحضور، وامتدّت الصدمة إلى صفوف فريق إل ميليوري، فيما رمق مساعدو العلاقات العامة وايفرن وكأنها فقدت صوابها. من الواضح أنّ اندفاعها ذاك لم يكن على الإطلاق جزءًا من النص المعدّ سلفًا. حتى فولكان فغرت فمها من الدهشة، مذهولة من جرأة حليفتها السابقة على تحدّي أرباب عملها.

 

أما إنريكي مانادا فظلّ جامدًا كتمثال، ولم يبدُ منه أي تحرّك لقطع اعترافات البطلة الخارقة. لعلّه كان يرغب منذ زمن طويل في قول مثل هذه الأمور، لكنه لم يمتلك الشجاعة لذلك قط.

 

ردّ فعل فيليكس، على النقيض، لم يكن متحفظًا البتّة. فالقط الصغير اكتفى بمغادرة المؤتمر الصحفي… ومغادرة ديناميس معه.

 

“لقد تحقّقت بنفسي،” تابعت وايفرن، ووجهها يتلوى بالغضب والمرارة. “ولا أستطيع أن أبقى صامتة إزاء هذا الأمر، ولا أن أظلّ مع منظمة قادرة على فعل شيء بهذا القدر من البشاعة. وبناءً عليه… أعلن استقالتي الدائمة من منصبي كقائدة لفريق إل ميليوري، وإن كنت سأواصل التعاون معهم في مواجهة جماعة الميـتـ—”

 

قاطعها انفجار من الأسئلة المتزاحمة من أفواه الصحفيين، يقابله اتساع ابتسامة فولكان.

 

أما رايان، فأكثر تواضعًا، اكتفى بضمّ يديه معًا.

 

“كلّ شيء يجري وفق الـكيكاكو[2].”

□■□■□

 

بعد أن أحكم ألكيمو سيطرته الكاملة على المخبأ، أوكل إلى الروبوتات مهام الصيانة، وكلفها بإصلاح المكان. ولم يكن مختبر أبحاث الجينومات، حيث قاتل رايان آلية ميكرون العنكبوتية، استثناءً من ذلك. صحيح أن الآلات لم تسدّ بعد الفجوة في السقف التي أحدثها داركلينغ، لكنها نظّفت الأرضية وأصلحت الأحواض المكسورة.

 

وحين دخل رايان الغرفة، وجد ليفيا جالسة على كرسي آلي شبيه بذلك الذي استخدمه آدم لتقييده. كانت أميرة الأوغُسْتي قد نزعت خوذتها، وتقبض على أسنانها في توتر بينما يجمع ذراع آلي بضع قطرات دم من ذراعها اليسرى. أما براينديد، فقد كان متصلًا بنظام حاسوبي ضخم مرتبط بالكرسي، يراقب البيانات المعروضة على الشاشة.

 

“أأنتِ بخير، يا أميرة؟” سأل رايان بقلق على حال ليفيا. فقد كان يعرف من خبرته أن ألكيمو لا يتورع عن معاملة مرضاه بخشونة.

 

“آمل ألّا أندم على هذا،” قالت وهي تغطي ذراعها العارية بكمّها ما إن انتهت الآلة من عملها. “فهذه المعلومات قد تُلحق ضررًا بالغًا إن وقعت في الأيدي الخطأ.”

 

كان رايان يرى وجاهة ما تقول. فأوغستس صار أمير حرب إيطاليا بفضل امتلاكه قوتين خارقتين بلا أي آثار جانبية. وأي علاج لمتلازمة السايكو قد يتيح لغيره أن يفعل الشيء نفسه، مما قد يشعل سباق تسلّح. “حتى أنتِ لا بد أنك تتساءلين عن وضعكِ المميّز”، أشار إليها الموصل.

 

“قليلًا”، اعترفت بابتسامة. “كان أبي يقول إننا مختارون من قِبَل القدر، لكن… لطالما كنت متشككة.”

 

“ها قد بدأنا…” قال ألكيمو وهو يتأمل النتائج التي ظهرت على الشاشة. “يا له من أمر مثير للاهتمام.”

 

“انتهيتَ من مصّ دماء الفتيات الصغيرات؟” سأل رايان وهو يمد ذراعه لليفيا. فقابلته العرّافة بابتسامة آسرة، متقبّلة مساعدته برشاقة أرستقراطية، ولم تفلت ذراعه حتى بعد أن نهضت من مقعدها. “الناس سيتكلمون.”

 

“وكأنني أبالي بما يقوله اللحم[3]! والآن كفّ عن النباح، وانظر. سنصنع التاريخ اليوم.”

 

امتثل الموصل وليفيا، ونظرا إلى الشاشة. ظهر مسح حيوي لامرأة، يُظهر الهيكل العظمي والأعضاء الرئيسية؛ وبقع برتقالية وبنفسجية تتوهّج في أنحاء الجسد، كزيت وماء يتدافعان ضد بعضهما.

 

“هذه نتائج هيلين؟” سأل رايان، إذ كانت أسيد رين أولى الخاضعين للتجربة.

 

“بالفعل,” أكّد ألكيمو. “كل إكسير من إكسيرَيها أعاد كتابة نحو خمسين بالمئة من حمضها النووي، وهما في حالة صراع دائم. أحيانًا يؤثر الإكسير البرتقالي في واحد وخمسين بالمئة من جسدها، وأحيانًا في تسعة وأربعين… النسب تتغير يوميًا، فتخلق طفرات وأورامًا ومشكلات صحية أخرى.”

 

حمّل العبقري صورة ثانية، افترض رايان أنها تمثّل المؤشّرات الحيوية لليفيا. كانت أميرة الأوغُستي شبه مكسوّة باللون الأزرق بالكامل، مع بقعة بنفسجية صغيرة قرب الأذنين والدماغ. وعلى خلاف الفحص السابق، لم تتحرك المناطق الملوّنة مطلقًا.

 

“أما صديقتنا هنا، فقصتها مختلفة تمامًا،” واصل العبقري شرحه. “أغلب شيفرتها الوراثية تأثّرت بالإكسير الأزرق، إلى حدّ قد تبدو فيه جينومًا أحادي اللون من النظرة الأولى.”

 

“لقد تناولت الإكسير الأزرق أولًا،” قالت ليفيا.

 

أومأ ألكيمو، ثم أشار بأحد أصابعه التي على شكل محقن نحو البقعة البنفسجية. “غير أن نحو اثنين فاصل خمسة بالمئة من حمضها النووي أعيدت كتابته بالإكسير البنفسجي الثاني. كلا المادتين مستقر بشكل مدهش، ولا تطغى إحداهما على معلومات الأخرى.”

 

إذن، كان تنبؤ تيرانو صحيحًا، على الأقل جزئيًا. قوى ليفيا تتعايش دون أن تتعارض أو تندمج. “سؤال المليون دولار هو: لماذا حدث هذا أصلًا؟” قال رايان. “ولماذا بنسبة اثنين فاصل خمسة بالمئة فقط؟”

 

“ألا ترى الواضح أمامك؟” سأل ألكيمو بثقة متعجرفة، سعيدًا لأنه توصّل إلى الحل الذي استعصى على الموصل لقرون.

 

“لا، لكني واثق أنك ستنيرني، أيها الحارس العظيم للمعرفة.”

 

لم يُعر براينديد سخرية رايان أي اهتمام، وقد أسكره شعوره بالتفوق كمعلم. “الإكسير الأصلي صُمم ليرتبط بالبشر… بالـ هومو سابينس. حتى الآن، فشلت كل المحاولات لجعل الإكسير يرتبط بالحيوانات؛ حتى مع الشمبانزي، الذي يتشارك معنا ما يقارب تسعةً وتسعين بالمئة من جيناتنا.”

 

“حتى ميكرون لم ينجح إلا بابتكار حل التفافي،” تمتم رايان، “باستخدام التكنولوجيا لمحاكاة قدرات الجينوم الحقيقي.”

 

“لكن ماذا لو… ماذا لو كانوا على الطريق الصحيح؟” تمتم براينديد مفكرًا، “لكنهم لم يقتربوا بما يكفي؟”

 

أجهد رايان عقله للحظة محاولًا فهم مقصده، قبل أن تتضح له الإجابة فجأة. “النياندرتال؟”

 

“نياندرتال؟” سألت ليفيا بارتباك.

 

“النوع الحالي من الهومو سابينس تزاوج مع النياندرتال قبل انقراضهم،” شرح رايان، “وقد ورثت الشعوب الأوراسية نحو اثنين بالمئة من جيناتهم. كان النياندرتال أقرب أقربائنا.”

 

اتسعت عينا ليفيا بدهشة حقيقية. “كفاية لِتُربك الإكسير؟”

 

“أعتقد ذلك،” أومأ ألكيمو. “نظريتي أن الإكسير لديك يظن بالخطأ أنه ارتبط بفردين مختلفين، لا بشخص واحد. وهذا ما جعله… يتقاسم جسدك، لغياب تعبير أفضل.”

 

قطبت أميرة الأوغُسْتي جبينها بريبة، وقد تبيّن لها الخلل مباشرة. “لكن إن كانت نظريتك صحيحة، فكان ينبغي أن يكون أصحاب القوتين أكثر شيوعًا. كما قلت، هذا يشمل كامل السكان الأوراسيين… ملايين البشر.”

 

“على الأرجح يلزمك نسبة محددة جدًا أو مزيج خاص من جينات النياندرتال لخداع الإكسير،” دافع ألكيمو عن نظريته، وإن بدا أقل يقينًا، ولم ينجح في إقناع ليفيا. “أو ربما يكون السبب متلازمة مثل الكيميرية، حيث يملك الكائن الحي خلايا من أكثر من نمط جيني واحد. لم يُسجَّل منها سوى بضع مئات من الحالات.”

 

“إن كانت نادرة إلى هذا الحد، فلماذا أشترك أنا وأبي فيها؟ هل هي موروثة؟” سألت ليفيا، فأسكتت العبقري الذي راح يبحث عن جواب. “على الأرجح لا… من ردّ فعلك.”

 

أمعن رايان التفكير في الأمر، محاولًا إيجاد تفسير منطقي وجمع قطع الأحجية معًا. سرعان ما اتجهت أفكاره نحو داركلينغ، وتلك الأحاديث التي دارت بينه وبين الإكسير العاقل.

 

“لقد تم تعليمهم”، تمتم.

 

“عذرًا؟” سألت ليفيا.

 

“أخبرني أحدهم أن الإكسير تعلّموا الارتباط بالبشر، على الأرجح على يد الخيميائي.” إن كان ما رواه داركلينغ صحيحًا، فقد انتُزع من بُعده الأصلي بواسطة ذكاء ميكرون الاصطناعي، لكنه رفض الانصياع بعد ذلك. “وهذا يوحي بأن عملية الارتباط ليست طبيعية بالنسبة لهم.”

 

“بالنسبة لهم؟” ازداد ارتباك السيّدة الأولى لحظة بعد لحظة. “عذرًا… هل تقصد أن الإكسير أذكياء؟”

 

“نعم، لكن ليس مثلنا.” حتى داركلينغ، الذي فهم البشر بما يكفي ليحادثهم، كان يجد واقعهم مثيرًا للجنون. “إنهم كائنات غريبة لا تستخدم حتى الحمض النووي؛ غرباء أُعطوا دورة مكثفة في لغتنا. يعرفون الكلمات… لكنهم يجهلون اللحن.”

 

“إذًا…” عقدت ليفيا حاجبيها. “تقصد أن فهم الإكسير لنا… سطحي؟ مجرد معرفة سطحية بكيفية تكويننا؟”

 

“لا أملك دليلًا قاطعًا، لكن الفرضية معقولة.” كان عليه أن يؤكد الأمر مع داركلينغ. فحسب ما رواه له حيوانه الأليف شوغوث، صُمّم الإكسير لربط الكائنات الأدنى بـالكيانات الأسمى، تمهيدًا لارتقائها يومًا ما. لكن—كما أظهرت تجربة الموصل نفسه—لم يكن التواصل مثاليًا؛ فالفجوة الذهنية شاسعة للغاية. “وبسبب شيء ما في شيفرتك الجينية، سواء كان بقايا من الحمض النووي النياندرتالي، أو خصيصة فريدة، أو أي عامل آخر… اعتقد إكسيرك أنه ارتبط بشخصين مختلفين يشتركان في جسد واحد.”

 

“لكنها معادلة هشة،” خمّنت. “إذا تناولتُ آخر، فسيدرك الإكسيران الأصليان خطأهما ويبدآن بالصراع.”

 

“وقوة مونغريل تمنحه قدرة محدودة على التحكم في سلوك الإكسير،” أضاف رايان وهو يلقي نظرة نحو آلكيمو. “إذا تمكّنا من استنساخ قدرته ودمجها مع العلاج الجيني…”

 

“فقد نصنع مصلًا يُجبر الإكسيرين الأصليين على إعادة التوافق، ويُحاكي الظروف التي أدّت إلى توازن عيّنتنا الفريد،” أجابه آلكيمو بإيماءة. عبست ليفيا عند سماع كلمة عيّنة، لكنها آثرت الصمت. “أو، كخيار آخر، نزيل الإكسير الزائد ونحوّل الهدف إلى جينوم طبيعي بلون واحد.”

 

“لكن لصنع شيء معقّد إلى هذه الدرجة…” أعادت ليفيا قراءة مؤشّراتها الحيوية، قبل أن تلتفت إلى آلكيمو. “كم سيستغرق منك ابتكار علاج كهذا؟”

 

أطلق براينديد ما يمكن اعتباره تنهيدة. “قد يحتاج ذكاء ميكرون الإصطناعي أشهر لتقليد قوة مونغريل، فضلًا عن تصميم علاج يعتمد عليها. هذه الآلات قوية، لكن الموضوع بالغ التعقيد. كما أن مجال عبقريّتي لا يتقاطع مع هذه الدراسة إطلاقًا.”

 

“سنحتاج إلى الدكتور تيرانو”، تمتم رايان لنفسه. بصفته العبقري الوحيد المتخصص في العلاج الجيني، فبوسعه على الأرجح ابتكار علاج للسايكو إذا وُفِّرت له البيانات والموارد اللازمة.

 

انتفضت ليفيا، بينما أطلق آلكيمو ضحكة ازدراء. “صانع الديناصورات لدى ديناميس؟” سأل العبقري. “أتظن أنه سيساعدك؟”

 

“ليس إلا إذا أقنعته بأن خطتي الشريرة تتضمن تحويل الجميع إلى ديناصورات.”

 

“اختطفه إذن. لقد تصاعدت أفعالك حتى بلغت الإرهاب، فما الذي سيضرّك بجريمة إضافية؟”

 

“نادراً ما يغادر مقر ديناميس، ولا يفعل ذلك إلا بحراسة مشددة”، قالت ليفيا. “وإذا حدث له أي مكروه، فسوف تُجنّ ديناميس تمامًا. إنه حجر الأساس في كامل عملية الإكسير المقلَّد لديهم، لذا سيبذلون كل ما بوسعهم لاستعادته.”

 

“وماذا لو مات؟” سأل رايان بعبوس. “لماذا لم يحاول والدك اغتياله؟”

 

“لأن فول آوت سيتدخل حينها”، أجابت ليفيا بنبرة تنذر بالخطر، وكأنها رأت الأمر في رؤيا. “وأظن أنك تستطيع أن تتخيل النهاية.”

 

أجل… كان يستطيع.

 

هل كان سيردّ بنفس الطريقة لو فقد الركيزة الأخرى لإنتاج الإكسير المقلَّد؟ كان رايان ينوي مهاجمة المختبر ستة وستين فور أن تُنهي فولكان بذلتها المدرّعة، وبعد أن يفتح لداركلينغ بوابة إلى موطنه. لم يكن بوسعه الانتظار طويلًا حتى يأتي شخص مثل فول آوت أو هارغريفز ويجد طريقًا لاقتحام المخبأ.

 

“وهل سيساعد الدكتور تيرانو على صنع علاج أصلًا؟” سألت ليفيا. “لقد حوّل سايكو إلى مشروب. هذا لا يدل على خُلُق رفيع.”

 

ما زال رايان يتذكر كيف حاول ذلك الزاحف شق بطن الباندا ليرى كيف تعمل قدرته… من دون أي تخدير. “هو لا يهتم إلا بأبحاثه، والديناصورات،” قال الموصّل، “أما سلامة المختبر فلا تعنيه.”

 

للأسف، شكّ رايان في قدرته على إقناع الدكتور تيرانو بالتعاون خلال هذه الحلقة الزمنية. كان بحاجة إلى مزيد من المعلومات عن الرجل. ومع ذلك، فابتكار العلاج سيستلزم وجود مونغريل، وليفيا، والمخبأ، وبيانات إضافية… وهي موارد لم يحصل عليها الموصّل إلا بفضل ظروف محددة جدًا يستحيل تكرارها في المرة القادمة.

 

“ليفيـا، عزيزتي، هل لديكِ خطط الليلة؟”

 

أومأت ببطء، وإن كان على مضض. “أبي طلب لقاءً، على الأرجح لمناقشة كيفية التعامل معك. سيتعيّن عليّ العودة إليه قريبًا.”

 

استطاع رايان أن يقرأ ما بين السطور. كان عليهم التحدث مع لين، والاستعداد للمستقبل. كان عليهم مناقشة كيفية إنهاء هذه الحلقة المحكوم عليها بالفشل، وما الذي سيفعلونه بعدها.

 

استدارت أميرة الأوغُسْتي نحو باب الغرفة. “يمكنك الدخول،” قالت. “ليس بالضرورة أن ينتهي الأمر بعنف.”

 

انفتح الباب المعدني، وتوقّف شخص ما عن التنصّت خلفه.

 

“حظ أوفر في المرة القادمة، ها؟” قالت سارين وهي تشير بقفازها نحو رايان، وأصابعها ترتجف بالقوة. “هذا لن ينفع معي.”

 

☆☆☆☆☆

 

ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.

 

[1] البونشو هو قطعة ملابس فضفاضة تشبه العباءة أو الشال، تُرتدى فوق الملابس العادية. يتميز بتصميمه البسيط الذي لا يحتوي على أكمام، بل فتحة في المنتصف تسمح بمرور الرأس، لينسدل القماش على الأكتاف ويغطي الجزء العلوي من الجسم.

 

[2] كيكاكو: كلمة يابانية تعني “خطة”. تُعد هذه العبارة إشارة إلى جملة شهيرة في أنمي مذكرة الموت، حيث يقولها البطل “لايت ياغامي” بعد نجاح إحدى خططه المعقدة والمخادعة.

 

[3] هل شرحت معنى اللحم من قبل؟ اللحم: نعت للأشخاص بدون قدرة خارقة.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset