النهاية المثالية: الفصل 82

غزو الشركات

الفصل 82: غزو الشركات

 

قيل دومًا إن العرض يجب أن يستمر، مهما حدث.

 

“وهكذا، حاول غورينيتش الصغير أن يمسك بالأميرة الجامحة،” تابع رايان مسرحيته، محرّكًا مجسّم تنين ذي ثلاثة رؤوس من الصلصال خلف أميرة وردية. بعدما نفدت منه كل مقاطع الفيديو التي يمكن أن يذل بها ديناميس، اضطر الموصّل للارتجال. “لكنها كانت تركض أسرع من ساقيه الصغيرتين، ونسي غورينيتش المسكين أنه يستطيع الطيران!”

 

لم تلقَ مسرحيته الشكسبيرية أي اهتمام من أحد، باستثناء فرانك الذي أسَرَهُ هذا الحبك الدرامي الثوري. أما الباقون فقد انشغلوا عن العرض تمامًا، مركزين أنظارهم على القنبلة الذرية الغير نشطة فوق مكتب الأخبار.

 

كان عليك أن تقتني كلبًا، يا زعيم،” قالت سارين وهي تحدّق بغضب في يوجين-هنري. أدرك القط أنه ارتكب خطأً فادحًا، فحاول أن يبدو لطيفًا كي يفلت من العقاب. لكن لسوء حظه، فتاة البدلة الواقية لا تملك قلبًا يمكن استمالته. “الآن أفهم لماذا كان الصينيون يأكلونهم.”

 

“بحقكِ، لقد عطّلت العد التنازلي بنفسي،” قال رايان، رغم أنه اضطر لتجميد الزمن حتى يفعل ذلك. ترك مسرحيته جانبًا وراح يداعب أذني قطه ليطمئنه. “أنت آسف لأنك أخفتهم، أليس كذلك؟ لم تكن تريد أن تقتلهم جميعًا… كان ذلك حادثًا عابرًا فقط…”

 

تنحنحت تي بصوت مصطنع—فهي، كونها أندرويد، لا تحتاج للتنفس أصلًا. “رايان، أعتقد—”

 

“السيد الرئيس،” صحّحها رايان. “أنتِ صديقتي يا دول، لكننا الآن على الهواء مباشرة.”

 

“سيادة الرئيس، مع أنني أحب الحيوانات، إلا أنني أعتقد أنك تدلل قطك أكثر من اللازم.”

 

“جيدٌ جدًا…” أجاب رايان بصوت عميق مظلم، قبل أن يلاحظ ليفيا تقترب منه بتوتر ظاهر. “نعم؟”

 

اقتربت مساعدته الجديدة وهمست في أذنه: “أرى وايفرن تهاجم البعوضي، وفريقًا من إل ميليوري يحاصر المبنى مع قوات الأمن الخاصة.”

 

“هل الباندا بينهم؟” سأل رايان بقلق مفاجئ.

 

“من؟” سألت ليفيا، ويبدو أنها لم تسبق أن دوّنت شيئًا عن ذلك الرجل الدب فائق القوة.

 

“الباندا، المختار،” شرح رايان بصوت مرتفع يكفي ليسمعه الرهائن وكل من يشاهد التلفاز. “الجينوم الوحيد الذي تفوق قوته قوتي. مبارزتنا المصيرية هذه تنبأت بها العرّافات منذ زمن بعيد.”

 

قهقهت ليفيا بخفة خلف خوذتها. “لا، لا أظن ذلك،” همست، قبل أن يتحول صوتها إلى الجدية فجأة. “لكن… فيليكس بينهم، وبعض نُسَخي البديلة تلقى حتفها بشظايا زجاج تخترق العنق.”

 

آه، إذًا الكرنفال ينوي استهدافهم هذه المرة حقًا. كان الموصّل قد تعلّم ما يكفي عن ديناميس ليتمكن من توقع تحركاتهم، لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة مع هارغريفز. تُرى، هل تحالف الكرنفال مع الأخوين مانادا كما حدث في الحلقة السابقة؟ أم أنهم ما زالوا يعملون لحسابهم الخاص حتى الآن؟

 

همس رايان ردًا بصوت منخفض لا يسمعه أحد سواها: “سنتأكد أن فيليكس لن يصيبه مكروه.” ثم رفع صوته متصنعًا الحماسة: “بقوتنا معًا، أيتها الملكة القرمزية، سنحكم روما الجديدة بأسرها!”

 

“ابدأ أولًا بحكم قطك الغبي، ثم نتحدث عن حكم المدينة لاحقًا،” عقبت سارين بلا أي انبهار.

 

“على كل حال، سنعود إلى المنزل الآن.”

 

“وماذا عن الرهائن؟” سألت تي، وفي صوتها لمحة أمل. “هل نأخذهم معنا؟”

 

هز رايان كتفيه بلا مبالاة. “اكتشفت أنه من غير المجدي فعلًا أن نحتجز عشرة أشخاص كرهائن، بينما لدينا قنبلة ذرية نهدد بها المدينة بأكملها.”

 

“وأظن أيضًا أنه لا يوجد متسع في الشاحنة،” أشارت ليفيا إلى الواضح.

 

“آه…” قالت دول وهي تخفض سلاحها، لتسمح للرهائن بالتنفس أخيرًا. “كنت بدأت أتعلق بهم.”

 

لم يمضِ على معرفة تي بهم سوى نصف ساعة، وها هي قد أصيبت بمتلازمة ليما[1]؟ كانت لطيفة أكثر مما ينبغي لهذا النوع من الأعمال.

 

خرجت المجموعة من مستودع استوديوهات ستار بعد دقيقة؛ كانت سارين تحمل القنبلة الذرية، بينما تولّى فرانك حمل دمى الصلصال. أما رايان، فتقدّمهم جميعًا، يحمل يوجين-هنري بين ذراعيه كأنه شرير عبقري في نزهة هادئة.

 

ما إن تجاوزوا أبواب المستودع حتى اجتاحتهم موجة صادمة كادت توقعهم أرضًا. رفع الموصّل رأسه ليرى البعوضي يصارع وايفرن وقد تحولت بالكامل إلى تنين في السماء. تذكر رايان أنهما خاضا معركة مماثلة في إحدى الحلقات السابقة، وانتهت بسحق السيدة التنين للسايكو كما يُسحق الذباب.

 

أما الآن، وبعدما شبع البعوضي حتى التخمة، فقد صار ندًّا حقيقيًا لها. وجه بيف كيك الطائر لكمة قوية لوايفرن جعلت النوافذ المحيطة تتشقق من شدتها؛ تطايرت التنين للخلف بفعل الضربة، لكنها سرعان ما استردت توازنها في الجو. ردت بهجوم نفَسها الناري، لكن البعوضي أفلت من طريق اللهب بسرعة مذهلة.

 

وبينما كان العملاقان يتصارعان في السماء، استعدت المجموعة للعودة إلى شاحنتهم، ليكتشفوا أنها أصبحت محاصرة بعشرة من أفراد الأمن الخاص يرتدون بزات مكافحة الشغب السوداء. وُجهت عدة بنادق ليزر نحو رايان ورفاقه، وكان أحد الجنود الأذكياء يصوب سلاحه مباشرة إلى بين فخذي الرئيس. ومع ذلك، لم يجرؤ أحدهم على إطلاق النار.

 

وكما حذرت ليفيا، كان مع الحراس أيضًا بعض الجينومات: القط الذري الصغير، الذي لم يحمل بعد أسلحة يمكن رميها؛ وريلود، ذلك التقليد الرخيص، لكنه امتلك على الأقل سيفًا ضوئيًا؛ وأخيرًا، بطل رايان المفضل في هذا العالم.

 

“مرحبًا، ووردروب!” حيّا الموصّل خصمته المستقبلية بحرارة. “أخيرًا نلتقي وجهًا لوجه!”

 

“مرحبًا بك أيضًا، كويك سيف!” لوّحت ووردروب بيدها للمجموعة، وقد كانت هذه المرة متنكرة في زي مفاوض رهائن من مكتب التحقيقات الفيدرالي، تحمل بيدها مكبر صوت. “أعجبتني كثيرًا مسرحيتك بتقنية إيقاف الحركة!”

 

“ووردروب، رجاءً لا تشجعي ذلك المجنون،” قال القط الصغير رافعًا يديه، وقد بدا كقط على وشك الانقضاض على فئران، متحمسًا أخيرًا ليطلق ساقيه للريح. توترت ليفيا عند رؤية حبيبها السابق، لكنها تحلت بالحكمة والتزمت الصمت.

 

“آسفة، آسفة!” اعتذرت ووردروب، ثم رفعت مكبر الصوت: “رجاءً سلّموا أنفسكم، أنتم محاصرون!”

 

“وأنتم بلا فرصة أمامنا!” ردت سارين وهي ترفع القنبلة الذرية عاليًا، بينما كانت معركة وايفرن والبعوضي ترسل موجات صادمة جديدة. “ابتعدوا فورًا!”

 

رفع بعض أفراد الأمن الخاص بنادقهم باتجاه الآنسة تشيرنوبل، لكن لم يجرؤ أحد على الضغط على الزناد.

 

“أنا الآن السيد الرئيس،” قال رايان وهو يداعب أذني قطه. وقف فرانك خلف سيده بفخر، بينما وجهت دول قاذفة الصواريخ نحو ريلود. “ينبغي أن تعرفي ذلك أكثر من أي أحد آخر، ووردروب… فأنتِ من صنعتني.”

 

“أنا صنعتك؟” سألت ووردروب بعبوس، قبل أن تتأمل زي رايان عن كثب. شحب وجهها فجأة حين أدركت انسجام الألوان المثالي في إطلالته؛ وقار ربطة العنق، نعومة القفازات، ووحشية قبعة البويلر. “كنتَ أنت… أنت من طلب مني هذا الزي!”

 

“ووردروب، تعرفين هذا الرجل؟” سأل ريلود وهو يقبض بقوة على سلاحه.

 

“لقد صممتُ زيه بنفسي!” شحبت ووردروب من هول الحقيقة. “لكنني لم أكن أعلم أن أحدًا سيستخدمه للشر!”

 

“هناك جماجم على الجوارب!” زمجر فيليكس مشيرًا بإصبعه إلى حذاء رايان. “ماذا كنتِ تتوقعين؟”

 

“أجل، ووردروب،” قال رايان بصوت عميق كالهاوية السوداء. “حين صنعتِ هذه البدلة الكشميرية، زرعتِ بذرة عدوك اللدود. ظلام رهيب وُلِد من نوركِ المتألق.”

 

“عدوّي اللدود…؟” تكسّرت ملامح ووردروب تحت وطأة الانفعال، وقد تحققت أمنيتها أخيرًا بالحصول على خصم شرير لامع يليق بها. “لدي عدو سري؟”

 

“أجل، لديكِ عدو.” مد رايان يد نحوها، بينما يحمل يوجين-هنري باليد الأخرى. “انضمي إليّ يا ووردروب. كوني عدوتي اللدودة، كل يوم من أيام الأسبوع. معًا لن يقف شيء في وجه علامتنا. سنبني إمبراطورية تدر مليارات اليورو، أعظم من سلسلة أفلام حرب النجوم نفسها! سنغرق السوق بالبضائع، وسنهيمن على شباك التذاكر! وحدي أنا أستطيع أن أحقق لكِ الشهرة التي تحلمين بها!”

 

“نعم، نعم! يا سيادة الرئيس، أقبل عرضك!” استسلمت ووردروب لإغراء خصومة طويلة الأمد وحصرية. “سنظل نتقاتل إلى الأبد!”

 

“رائع! ما رأيك أن نحدد أول مبارزة لنا غدًا؟ هل يناسبك الغد؟” تقدّم رايان بضع خطوات للأمام دون أن ينتظر إجابة. “جدولي مزدحم جدًا هذه الأيام؛ أسلحة يوم القيامة لن تصنع نفسها.”

 

وقف ريلود في طريق الرئيس رافعًا سلاحه. “لن تذهب إلى أي مكان، أيها المجنون.”

 

“هل تظن فعلًا أنك قادر على إيقافنا، أم أنني أتخيل ذلك فقط؟” قال رايان متقمصًا شخصية الشرير الحقيقي، بينما كانت سارين تلوّح بالقنبلة الذرية في تهديد واضح. “لا تضطرني لأن أفرض هيبتي بالقوة.”

 

“احذر، ريلود، يمكنه إيقاف الزمن لمدة غير معروفة،” حذّر القط الذري زميله البطل. “وعلى الأرجح هو عبقري من نوع ما أيضًا بسبب القنبلة، لكننا لا نعرف تخصصه بعد.”

 

“عبقري؟” رمش رايان بدهشة خلف قناعه. “انتظر، تظنون أنني سايكو أمتلك قوتين؟”

 

قهقه القط الصغير ساخرًا: “يا رجل، أنت تحتجز مدينة كاملة بقنبلة نووية وعصابة من المسوخ. إما أنك سايكو بسبب إمتلاك قوتين، أو أنك… سايكو فحسب.”

 

“سمعتك في اختلال العقل باتت مفهومة الآن،” أضاف ريلود.

 

تقدّم فرانك خطوة للأمام، غير مكترث لبنادق الليزر المصوبة نحوه. “سيادة الرئيس، هل تريدني أن أُخلّي المكان؟”

 

“هم سيفعلون ذلك بأنفسهم، أو سأضغط على الزر—” توقفت سارين فجأة، إذ اختفت القنبلة الذرية من يدها بشكل مفاجئ. “هاه؟”

 

“أمسكتُ بها!” هتفت ووردروب منتشية، وقد غيّرت زيها بسرعة البرق. تحولت ملابسها إلى زي نبيل فرنسي، مع نظارة أحادية العدسة ورداء طويل وقبعة عالية، ومنها استخرجت القنبلة الذرية.

 

أرسين لوبين[2]؟

 

احتج رايان فورًا: “هناك من سيُخنق بسبب هـ—”

 

لكن ريلود انقضّ عليه بسيفه الليزري مرفوعًا في الهواء. غير أن فرانك كان أسرع منه؛ أمسك بساقه في منتصف القفزة بيد واحدة، وهَوَى به ككتلة لحمٍ هامدة فوق الأرض بقوة هائلة حتى سُمع صوت العظام تتحطم. انفجر جسد الجينوم البنفسجي كدمية بالية، ثم استعاد هيئته في لحظات، فقط ليجد نفسه مضطرًا إلى بتر ساقه قبل أن يتمكن فرانك من قتله مرة أخرى.

 

“أيها الأتباع، تخلصوا من هؤلاء المزعجين دون أن يمس أحدكم الشاحنة!” أمر رايان، فيما بدأ عناصر الأمن الخاص بإطلاق النار. جمّد الموصّل الزمن ليتفادى وابل الطلقات، بينما احتمت ليفيا وسارين خلف فرانك. لم تتمكن أشعة الليزر من اختراق جسد دول المعدني المعزّز، لكنها أحرقت أجزاء من الجلد الصناعي الذي يغطيه. “لكن اتركوا لي القط الصغير!”

 

“ليس لديّ أي علاقة بالقطط!” زمجر فيليكس، محاولًا أن يلمس رايان بيده العارية. تنحّى الرئيس برشاقة لتفادي الضربة، ثم الثانية. كانت يدا القط الذري تتحركان بجنون نحو صدر الموصل، لكن رايان كان يملك عامل الوقت… والخبرة.

 

كانت دول وسارين قد اشتبكتا مع قوات الأمن الخاص في تبادلٍ لإطلاق النار، تردّان على الليزر بالصواريخ والموجات الصادمة. نفس الحارس الأحمق الذي هدّد سلاح رايان المطلق أصاب كتف سارين، فأجبرها ذلك على تغطية موضع الإصابة بيدها حتى لا يتسرب الغاز منها.

 

في هذه الأثناء، تمركزت ليفيا خلف فرانك الذي كان يحاول الإمساك بريلود، مستغلة العملاق الحديدي كدرع ضد أشعة الليزر المنطلقة من الأمن الخاص. كانت تبدو وكأنها تبحث عن شخص لا تراه. أما ووردروب فقد تراجعت، بحكمة، محاولةً إبعاد القنبلة النووية عن ساحة القتال، فيما قامت وايفرن في الأعلى بتحطيم البعوضي على سطح المستودع.

 

“أوه، للحظة ظننت أنني قد أضطر لاستخدام يديّ،” سخر رايان من فيليكس، “لكن يبدو أن ساقيّ تكفيان.”

 

“سأريك ما تفعل اليدان!” اندفع القط الذري الصغير نحو خصمه بكل ما أوتي من حماس، لكن الموصل اكتفى بالمراوغة ثم عرقلَه. ارتطم البطل اليافع برأسه في الأرض، في مشهد أثار غضبه… وإحراجه.

 

“لا جدوى من المقاومة،” قال رايان وهو يطل مهدِّدًا فوق رفيقه السابق. ورغم أنه لم يكن ينوي إيذاء صديقه، فإن شخصًا آخر كان له رأي مختلف.

 

انفجرت جميع النوافذ في المنطقة دفعة واحدة، بما فيها نوافذ الشاحنة الخفيفة.

 

تناثرت شظايا الزجاج نحو رايان، وشعر بقشعريرة خفيفة تسري في عموده الف—

□■□■□

 

وقف رايان واضعًا قبعته على صدره.

 

خمد إطلاق النار للحظة، إذ حاول الجميع استيعاب ما جرى.

 

كانت ليفيا قد فعّلت قدرتها، وتجاوزت الزمن إلى الأمام. وقفت أميرة الأوغُستي قرب الشاحنة، فيما كان شراود الملطّخ بالدماء ممددًا على الأرض بوضوح، وحاوية المركبة تبدو متضررة قليلًا. لقد وجهت ليفيا لكمة إلى المنتقم الخفي مستخدمة القفاز المعدل، فارتطم بالحاوية وفقد تركيزه.

 

أما الآخرون، فقد كانت دول ترقع جرح سارين، وكلاهما يحتمي خلف فرانك. العملاق أخيرًا أمسك بريلود، وبدا على وشك أن يسحق ظهره على ركبته. أما القط الذري الصغير فكان يجهد في محاولة إبعاد يوجين-هنري عن وجهه، بينما القط يخدش وجنتيه بغضب. وعلى الأرجح، كان رايان قد رمى حيوانه الأليف على البطل في اللحظة التي تم تجاوزها، لكنه لم يكن متأكدًا تمامًا.

 

تبا، أكان هذا هو الشعور الذي ينتاب الآخرين عند قتال كويك سيف؟ ذلك الإحساس الفارغ بفوات كل الأحداث الحقيقية؟ لا عجب أن أعداء الموصل يكرهونه.

 

“كويك سيف.”

 

رفع رايان عينيه، ليشاهد وايفرن وهي تحلّق فوق رأسه. كانت الأم التنين قد استعادت هيئتها البشرية، فيما كان البعوضي يفرغ ببطء عائدًا إلى حجمه الأصلي، عالقًا في جدار المستودع الأمامي.

 

“استسلم”، حذرت وايفرن، ووجهها مشدود بالغضب، “لن أتردد في استخدام القوة القاتلة.”

 

“أتدرين ما هو أفضل من قنبلة ذرية واحدة، أيتها الأم التنين؟”

 

غمس رايان يده داخل قبعته المستديرة، وأخرج بسرعة كرةً معدنية صغيرة قبل أن تتمكن وايفرن من الانقضاض عليه.

 

“قنبلة أخرى!”

 

تجمّدت وايفرن في الهواء، فيما وجّه جميع عناصر الأمن الخاص القريبين أسلحتهم نحو رايان. “ووردروب، اسرقي القنـ—”

 

“إن كنتِ ترغبين أن أستعرض مهارتي في التلاعب،” نفّذ رايان خدعة بصرية أخرج فيها قنبلة ثالثة من سترته، بحيث بدا وكأنه ضاعف الكرة، “فلديّ ثالثة!”

 

الشكر لمِكرون على جهازه المستنسِخ للمادة! لقد جعل تصنيع الأسلحة النووية في غاية السهولة.

 

بل أسهل مما ينبغي.

 

وكما توقّع رايان، فعلى الرغم من أن ووردروب غيّرت زيّها فورًا إلى هيئة أرسين لوبين، فإنها لم تحاول سرقة القنبلتين من أمام أنفه؛ لقدراتها حدود. ومع ذلك، حاول أحد عناصر الأمن الخاص إطلاق النار على ذراع الموصل ليجبره على إسقاط إحدى قنابله النووية.

 

جمّد رايان الزمن ببساطة، ليظهر بعد لحظة على بُعد أقدام قليلة. “لا، لا، لا”، قال وهو يمرّر أصابعه على أزرار أسلحته. “تحاولين أي حركة، أوقف الزمن، ونلعب دور الدكتور سترينجلوف[3].”

 

قطبت وايفرن حاجبيها، لكنها لم تتحرك. “لن تجرؤ.”

 

“لقد تركت قطّي يفعلها حرفيًا على الهواء مباشرة”، أشار رايان، وإبهاميه ما زالا يمران على الأزرار. “أتراهنين؟”

 

لمدة دقيقة متوترة ومثقلة بالقلق، لم يجرؤ أحد على الحراك. باستثناء يوجين-هنري، الذي أنهى خدش وجه القط الذري ليعود مسرعًا إلى سيده. كانت جميع الأنظار مسمّرة على رايان، تخشى أن ينفّذ تهديده.

 

اشتدّ انقباض فكّ وايفرن حتى ظنّ الموصل أنها قد تحطم أسنانها بنفسها، ثم رفعت يدها إلى أذنها. على الأرجح أن العباقرة في مقر ديناميس أكّدوا عبر سماعة الأذن أن القنابل حقيقية، فلم تجرؤ الأم التنين على المجازفة بكشف خدعة رايان.

 

“كما توقعت.” تمتم رايان وهو يفرك نصره في وجوه خصومه بشيء من التبجّح. “ترون هذا؟ هنا يكمن الفرق بيننا. أحدنا هو الولايات المتحدة اللعينة، والآخر… أفغانستان.”

 

“سيادة الرئيس، ألم نوقّع معاهدات لمنع انتشار الأسلحة النووية؟” سأل فرانك، وهو لا يزال يمسك بـ ريلود عاجزًا بين يديه. حاول الجينوم البنفسجي طعن العملاق الحديدي بسيفه الليزري، لكن الضرر كان ضئيلًا أو معدومًا.

 

“بلى، لكن لا أحد يحترمها.” رد رايان، قبل أن يلمح رجاله. “سيّداتي وسادتي، جهّزوا أنفسكم… سنعود إلى الديار. فرانك، أحضر البعوضي.”

 

على الفور، قذف فرانك ريلود فوق كتفه، فقوّته الهائلة أرسلت الجينوم البنفسجي المسكين محلّقًا فوق المستودع، ثم أسرع لمساعدة البعوضي الجريح على النزول إلى الأرض.

 

“آه…” تمتم البعوضي متأوهًا بينما كان فرانك يساعده على المشي، والدم ينزف بغزارة من جروحه. كان الرجل-الحشرة قد استعاد حجمه الأصلي. “اللعنة، ضربتها موجعة… الألم يوجع بحق…”

 

“لن تفلتوا بهذا الفعل.” تمتمت وايفرن، والغضب يغلي في صوتها. كانت ووردروب قد تحولت إلى ممرضة لإسعاف الجرحى، بينما حدّق القط الذري بعصابة الميتا وعلامات الخدوش تغطي وجهه. أمّا ليفيا المتخفية ففعلت ما بوسعها لتتفادى النظر إليه، ربما خجلًا.

 

“على العكس تمامًا، أظن أنني سأفلت بالفعل… ومع المال أيضًا.” قال رايان وهو يفتح باب الشاحنة لليفيا. أميرة الأوغُستي أمسكت بـ يوجين-هنري وصعدت إلى الداخل، ولحقتها سارين. “مع أني آمل أن رئيسك لن يفلت من تهمة حشر متطفّل أجساد في منتج مبالغ في ثمنه.”

 

“أتظن أنني سأصدّق هذا كله؟” حاولت الأم التنين أن تبدو واثقة، لكن رايان التقط الشك يتسلّل إلى نبرتها. “أتظن أنني أستطيع تصديق أيّ من هذا؟”

 

“دول، عزيزتي…” قال رايان وهو يخاطب تي، التي كانت تساعد البعوضي الجريح وفرانك على الصعود إلى حاوية الشاحنة. “قدّمي لصديقتنا التنين البرهان.”

 

“الدم؟” فتحت تي مقصورة مخفية داخل ذراعها، مما أثار ذهول الجميع، ثم رمت بحقنة صغيرة نحو وايفرن. “إليكِ!”

 

التقطت البطلة الوعاء بيد واحدة، وقطّبت حاجبيها وهي ترى كمية صغيرة من الدم في داخله. “ما هذا؟”

 

“بضع قطرات من دم أندر دايفر.” رغم أن ديناميس كانت قد أخذت عينات وفحصًا جينيًا، إلا أن رايان شكّ في أن الشركة شاركت هذه المعلومات مع بطلتها اللامعة. ما كانت وايفرن لتوقّع عقدًا مع تلك الشركة العملاقة لو علمت بسرّها القذر. “ضعيه على أي إكسير مقلَّد، وستكتشفين الحقيقة بنفسك. لكن أنصحك بطلب مساعدة ديفيلري؛ إذا لامسكِ هذا الشيء… فأنتِ في عداد الأموات.”

 

لم تقل وايفرن شيئًا، حتى بينما كان رايان يستعد للصعود إلى الشاحنة آخرهم. ألقى الموصل نظرة أخيرة على شراود الجريح وهو يمرّ بجانبه. “مفاجئ أنكم قررتم قتالنا،” قال وهو يخاطب متحكّم الزجاج. “أعني، لقد بذلتم جهدًا كبيرًا لمطاردة كل نسخ بلَدستريم. كنت أظنكم ستلاحقون ديناميس أولًا.”

 

“لقد… فشلنا.”

 

عبس الموصل خلف قناعه. “همم؟”

 

“لم… نوقفها…” تمتم شراود بصوت مبحوح، يلهث لالتقاط أنفاسه. على الأرجح أن ضربة ليفيا قد أضرّت بإحدى رئتَيه. “لقد… أجلناها فحسب…”

 

“أجّلتم ماذا؟ عودة بلَدستريم؟” سأل رايان وهو يقطب جبينه، لكن متحكّم الزجاج لم يكن في حالة تسمح له بالإجابة. تساءل الموصل للحظة إن كان ينبغي أن يعيدوا المنتقم إلى المخبأ ليتلقى العلاج، لكن ذلك لن يجلب لهم سوى هجوم فوري من ليو. ستتكفّل ديناميس بأمره، ولو لمجرّد أنه حاول مساعدتهم.

 

بعد ثوانٍ قليلة، كان رايان جالسًا داخل الشاحنة بينما كانت دول تقودها مبتعدة، يطلّ من النوافذ المحطّمة. لم يجرؤ أحد على اعتراض طريقهم وهم يغادرون استديوهات ستار.

 

“إذًا؟” سأل رايان فرقته. “من يشتهي الفرنسي؟”

 

زفرت ليفيا متنفسة الصعداء، تاركة توترها خلفها. “كان ذلك مذهلًا!” قالت بحماس يفيض من صوتها. “لم أستطع التنبؤ بما سيحدث في أي لحظة! هل الأمر هكذا دائمًا معك؟”

 

“للأسف.” تأوهت سارين وهي تغطي الجرح الملفوف داخل بذلتها الواقية.

 

“أحيانًا… يكون هناك حريق.” أضافت تي.

 

“يجب أن نفعل ذلك أكثر.” أسندت ليفيا رأسها إلى المقعد، ويوجين-هنري نائم في حجرها. كان رايان يتفهّم ردّ فعلها؛ فهي، مثله، كانت قد نسيت كم تحب المفاجآت. “مذهل.”

 

حين وصلوا إلى نقطة التفتيش الأمنية لدخول مدينة الصدأ، توقفت دول فجأة وأطلقت صرخة رعب.

 

“ما الذي يحدث؟” تيبّس رايان على الفور ونظر عبر النافذة، ليواجه مشهدًا يفوق الكوابيس.

 

كانت نقطة التفتيش التابعة للأمن الخاص قد غرقـت في صمت ميت… حرفيًا. فقد عُلِّق عشرون حارسًا من ديناميس فوق قوس مفتوح يؤدي إلى مدينة الصدأ، الحبال مصنوعة من أحشائهم نفسها. وعلى الأرض أسفلهم، كُتب الرقم 885 بالدم في عرض دموي مروّع.

 

“يا إلهي…” وضعت ليفيا يديها على خوذتها وهي ترى هذا المشهد المروّع، محاولةً غريزيًا أن تغطي فمها من شدّة الصدمة. أما يوجين-هنري فاكتفى بالتحديق في الجثث بازدراء متكاسل. “كيف… كيف لم أرَ…”

 

“لم يكن بوسعكِ أن تري.” قال رايان، وقد بدأ الخوف يتسرّب إلى وعيه وهو يدرك من الذي ارتكب هذه الفعلة الشنيعة.

 

“هو؟”

 

“السبب في أن هذه الحلقة محكوم عليها بالفشل منذ الآن.” أجاب الموصل، مشيرًا بإصبعه إلى الحروف المكتوبة على صدر كل جثة، والتي شكّلت معًا جملة مشؤومة واحدة:

 

عيد ميلاد سعيد!

 

نظر رايان إلى المرآة الخلفية، فرأى أذنين مدببتين ترتفعان ببطء خلفه.

 

☆☆☆☆☆

 

ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.

 

[1] متلازمة ليما هي حالة نفسية تحدث عندما يتعاطف الخاطف مع ضحاياه (الرهائن)، وقد يطلق سراحهم أو يعاملهم بلطف. متلازمة ليما عكس متلازمة ستوكهولم، حيث في الأخيرة، يتعاطف الضحايا مع خاطفيهم.

 

[2] أرسين لوبين هو شخصية خيالية فرنسية شهيرة، يُعرف بلقب “اللص النبيل”.

 

[3] “دكتور سترينجلوف” هو فيلم كوميدي سوداء للمخرج ستانلي كوبريك، يسخر ببراعة من جنون الحرب الباردة وسباق التسلح النووي. تدور أحداثه حول جنرال مجنون يأمر بشن هجوم نووي، مما يكشف عن سخافة الأنظمة العسكرية والسياسية. الفيلم تحذير خالد من خطر الكوارث التي قد تسببها الأخطاء البشرية.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset