الفصل 72: أرض الدمى القماشية
لبرهة، لم يجرؤ أيٌّ من السايكو على الحركة.
اكتفوا جميعًا بالتحديق في ذلك المشهد السريالي أمامهم: دمية أرنب قماشية ظريفة تقف عند باب الغرفة مباشرة، تحيط بها الدماء والجثث من كل جانب. لم يكن رايان قد أخبر لين الكثير عن هذا المسخ المدنس، ولهذا لم يتوقع هؤلاء الحمقى أنهم سيوقظونه يومًا. لقد انكسر الختم، وانطلقت الجحيم من عقالها.
لاحظت الدمية القماشية زجاجة الإكسير الأسود في يد آدم البدين، وحدّقت فيها بفضول.
لا تفعل ذلك.
ثم لمحت الدمية رايان بنظرة مرحة.
لا تفعل ذلك!
ثم… وقع الأسوأ.
انتبهت الدمية إلى وجود سارة الصغيرة المقيّدة على الطاولة، فارتفعت أذناها باهتمام، ونطقت بكلمات ملعونة: “تم رصد طفل!”
وما إن أدرك سايشوك أخيرًا حجم الخطر، حتى أطلق مجسّاته السلكية نحو الدمية القماشية، بينما هاجمها غول بوابل من شظايا الجليد. فقفزت اللعبة الممسوسة في الهواء برشاقة لا طبيعية، واحمرّت عيناها فجأة. انطلقت منها أشعة ليزرية أصابت سايشوك مباشرة وأبخرت دماغه، بينما راحت الدمية ترتدّ على الجدران لتتفادى الهجمات الأخرى.
وإدراكًا منه لخطر مقتل رايان وسط هذا الجنون، استدار هانيفات ليكتر نحو أسيره رافعًا زجاجة الإكسير الأسود. “لا مفرّ!” زمجر بغضب، مصممًا على تلويث المسافر عبر الزمن بأي ثمن.
وفي خيانة مفاجئة لكنها كانت حتمية، أطلقت سارين دفعة من الهواء المضغوط على زعيمها. أطاحت الضربة بآدم إلى الحائط، وحطمت الزجاجة، فنثر السائل الأسود على جسده. أطلق آكل البشر الوحشي صرخة ألم مرعبة، بينما بدأ الإكسير الأسود يلتهم جلده المعزز ويفتك به بالكامل.
سمّها عدالة الكارما.
“سارين، أيتها الخائنة!” رفع غول يديه محاولًا تجميد الجميع في الغرفة، غافلًا عن أن ذلك سيقتل رايان ويعيد الحلقة من جديد. لكن قبل أن يتمكن العظمي من فعل أي شيء، ارتدت الدمية القماشية على صدره كقذيفة مدفع. تعثر متحكم الجليد بساق آدم وسقط فوق حضنه، فهجم السائل الأسود عليه فورًا. وبسرعة تحول المشهد إلى طائرين يائسين يحاولان النجاة من بقعة نفط، دون جدوى.
“فلنعانق بعضنا!” تركت الدمية القماشية كل شيء وقفزت فوق الطاولة لتعانق سارة بحب شديد. كتم تكميم الطفلة صرخاتها التي اختلط فيها الرعب بالحيرة. “سنكون معًا، إلى الأبد… دائما وأبدا!”
“ما هذا بحق خالق الجحيم؟” تمتمت سارين بدهشة وهي تحدق في المشهد، قبل أن تستعيد أولوياتها سريعًا. بدأت باستخدام اهتزازات ضعيفة لكن دقيقة، لتفك قيود رايان واحدة تلو الأخرى.
“آه!” شهق رايان ملتقطًا أنفاسه بعد أن لفظ التفاحة من فمه. “لقد كان هذا وشيكا.”
“لم ينتهِ الأمر بعد.” حذّرت سارين، بينما كان الإكسير الأسود ينهي التهامه لضحاياه الاثنين. ومع ذلك، لم ينهَر إلى العدم كما حدث في الحلقة السابقة. وفهم رايان بسرعة السبب—غول لا يستطيع أن يموت، لكن الإكسير الأسود يلتهم مضيفيه.
مفارقة.
وبطريقة ما، أتاح هذا الوضع للإكسير الأسود أن يستقر على هيئة كتلة هلامية ضخمة، وحشية، تشبه الشوغوث[1] الزيتي. كانت عيون ضحاياه وأفواههم تطفو على سطح الكتلة، والشفاه تتحرك لتشكل كلمات: “أنت…” خرج الصوت الغريب لا يشبه أيًا من ‘مضيفيه’. “أنت… أنت افتح البوابة… أعدني… أعدني إلى الأسود…”
رفعت سارين يديها لتطلق دفعة هوائية نحو المخلوق، لكن رايان أوقفها واقفًا بين الكتلة اللزجة وبينها. كانت لديه فكرة.
ابحث عن النجوم في عتمة السماء…
“ما رأيك في اتفاق؟” قال رايان للشوغوث. “تساعدني، وأساعدك.”
إذا كان ذلك الكائن يملك وعيًا ويحتاج للمساعدة، فربما يفهم أيضًا مبدأ المعاملة بالمثل.
ارتجّت الكتلة اللزجة وتلوّت، لكنها، ولدهشة فتاة البدلة الواقية، لم تهاجم. بل لم تحاول حتى ابتلاع رايان، ربما لأنها بحاجة إليه حيًّا وقادرًا على الحركة. “مساعدة… كيف؟” سأل المخلوق بصوت حائر.
نظر رايان إلى الممر خارج الغرفة، فلاحظ حركة في الطرف الآخر. لا بد أن سايشوك استدعى عبيده. “مساعدتي على النجاة من هذا الموقف ستكون بداية جيدة، أليس كذلك؟”
“مهلاً، ألستَ بصدد قتل نفسك؟” سألت سارين، وقد بدا عليها شيء من الدهشة.
“ليس بعد.” أجاب رايان. كانت هذه الحلقة الزمنية محكومة بالفشل منذ بدايتها، لكنها منحت أيضًا فرصة فريدة. “أنا لا أمانع الانتحار بمساعدة الآخرين… لكن باعتدال فقط.”
“حسنًا…” زحف الشوغوث خارج الغرفة، فانقض عبيد سايشوك عليه فورًا بوابل من الرصاص. اخترقت الطلقات جسد الكائن الغريب دون أن تلحق به أي ضرر، وسرعان ما ابتلعهم جميعًا كما فعل مع السايكو من قبل.
“يا رجل، لقد روّضتَ وحشًا هلاميًا عملاقًا!” تمتمت سارين بدهشة.
“شوغوث،” صحح رايان وهو يلقي نظرة على الكائن الشيطاني الآخر في الغرفة.
بوب!
تصحيح: هناك أرنبان ملعونان الآن. بينما واصل الأرنب الأصلي معانقة سارة من عنقها، أخرج الأرنب المستنسخ شفرة صغيرة وقطع قيود الطفلة. أزالت سارة الكمامة فورًا وأخذت شهيقًا عميقًا، تمامًا كما فعل رايان قبلها.
“هل أنتِ بخير يا سارة؟” سألها الموصّل، بينما كانت الطفلة تتراجع للخلف مذعورة حتى سقطت عن الطاولة.
“من أنت؟” صاحت بذعر. “أين نحن؟ كيف تعرف اسمي؟”
وقبل أن يتمكن رايان من الرد، أعاد الأرنب القماشي الثاني سكينه إلى مكانه، ثم تشبث بيد سارة بدلًا من ذلك. “لنلعب معًا!” قال بلهفة، وكأنه يستعطف طفلته الجديدة التي ارتبط بها، والتي لم تكن تدري كيف تتصرف.
“لاحقًا…” قال رايان للمخلوق، ثم حاول أن يطمئن سارة: “أنا صديق الماما.”
“ماما؟ كانت تتصرف بغرابة… وهؤلاء الأشخاص… أخذوا الجميع.”
“نعم، آدم كان يريد أن يرميهم في وجه دفاعات القاعدة.” قالت سارين، قبل أن تحدق في الأرنبان بفضول. “هل يتضاعفان أم ماذا؟ تعالا إلى هنا، يا كثيفي الفرو.”
حدق الأرنبان في سارين بأعين حمراء متوهجة.
“مهلًا، مهلًا، توقفا!” توسل رايان وهو يحمي فتاة البدلة الواقية بجسده، دون أن يتخلى الأرنبان عن نظراتهما الدموية. “هي أيضًا في الثالثة عشرة من عمرها… على الأقل في عقلها! دعونا ننقذ بقية الأطفال أولًا، ثم نفكر بالعنف بعد ذلك.”
هدأ الأرنبان القماشيان، وهتفا معًا بصوت واحد: “هيا نذهب إلى ديزني لاند!”
“لن نذهب إلى ديزني لاند،” قال رايان وهو يفرقع أصابعه. “نحن هناك بالفعل.”
“لم أعد أفهم ما الذي يجري أصلًا،” اعترفت سارين.
“هذه حكاية حياتي.” ألقى الموصّل نظرة على الممر خارج الغرفة، والذي نظّفه الشوغوث من كل أثر للحياة. جميع العبيد، بل وحتى ضحايا الدمية القماشية السابقين، ابتلعهم الهلام بالكامل. “شكرًا على المساعدة بالمناسبة. أكاد أندم لأنني ضربتك في الحلقات السابقة.”
“لم أساعدك مجانًا، أيها الأحمق،” ردّت بخشونة. “هل لديك علاج؟ هل تستطيع أن تجعلني إنسانة من جديد؟”
“ليس بحوزتي علاج الآن،” اعترف رايان. “لكنني أظن أن لدي الموارد لصنع واحد.”
“إذًا تمامًا مثل آدم.” عقدت ذراعيها بخيبة أمل، دون أن تبدو متفاجئة. “دائمًا نفس الهراء.”
“باستثناء أنه مختل عقلي آكل لحوم بشر، وأنا مجرد مسافر عبر الزمن نباتي ودود. من المفترض أن أبدو أكثر موثوقية منه. من أيضًا يعرف بشأن قوتي؟”
“أوه، ربما أسيد رين؟ كانت تريد أن تطعنك فور أن رأتك، لذا أبقاها آدم في الخارج.”
كان الحوت حريصًا على كتمان السر لنفسه كي يتجنب أي تسريب أو تمرد، وهذا كان يصب في مصلحة رايان تمامًا. فإذا تخلّص من سايشوك، فلن يعرف أحد آخر في عصابة الميتا الحقيقة.
“وما الخطة الآن، يا كويك سيف؟” سألت سارين، بينما كان الأرنبان القماشيان يمسكان سارة من كل يد ويحاولان اقتيادها نحو المجزرة، غير أن الطفلة كانت ما تزال خائفة جدًا من أن تتبعهما. “إن لم تكن ستقتل نفسك.”
“أولًا ننقذ الأطفال والقصيرة، ثم نستولي على المكان.”
تجمدت سارين للحظة. “تقصد… المخبأ؟”
“نعم، المخبأ.” مع اختفاء آدم، ووجود معظم أعضاء الميتا خارج القاعدة، وحلفائه الحاليين بالداخل، امتلك رايان فرصة لا تتكرر إلا مرة كل عدة أعمار. وبما أن الدمية القماشية دخلت بالفعل مرحلة الاستنساخ، فقد فسدت الحلقة تمامًا ولا أمل في إصلاحها، لكن الموصّل سيحظى الآن بفرصة لدراسة تقنيات ميكرون عن قرب. “سأحتاج إلى سلاح، وبعض المخدرات… أي شيء يمكنه التأثير على الدماغ بسرعة.”
“مثل أي مخدّر على الإطلاق؟” علّقت سارين بجفاف، لكنها وافقت في النهاية. “أظن أن سايشوك يحتفظ بكمية من مخدر السعادة في المستوصف. مونغريل لا يستطيع النوم دون تلك المادة. أما بقية الأشقياء، فيفترض أنهم هناك أيضًا.”
“حسنًا، لنذهب ونأخذ بعض دواء العيون إذًا.” إذا كان سايشوك يتكوّن في معظمه من أنسجة دماغية، فمن المفترض أن تُشلّه المخدرات بنفس طريقة سم إنريكي. “سارة، ابقي مع الدميتين حتى يعود عمك رايان ومعه والدتك. لا تتركيهما، لكن لا تستمعي لأي شيء تقولانه أيضًا. إنهما تأثير سيء جدًا.”
“هيا نلعب في الخارج!” ردّت الدميتان بحماس، متشوقتين لنشر الفوضى.
عضّت سارة شفتها السفلى بقلق، تمامًا كما تفعل لين. يا للروعة!
“ستتركني وحدي؟”
“أنتِ في أمان، صدقيني. المشكلة عند الآخرين، ليس عندك.” قال رايان وهو يخرج من الغرفة إلى الرواق، وسارين تلحق به كظلّه. “سنمهد الطريق.”
بعد مسافة قصيرة سيرًا، دخل الاثنان إلى قاعة تحت الأرض تحوي سبعة خزانات ضخمة مملوءة بسوائل ملوّنة، يمثّل كل منها نوعًا مختلفًا من الإكسير. كانت حيوانات متحوّلة تطفو داخل ثلاثة منها، موصولة بآلات غريبة، وعدّ رايان بابين فولاذيين مزدوجين على كل جانب من القاعة.
عرف الموصّل أن هذه الغرفة هي نفسها التي قُتل فيها أثناء قتاله مع هانيفات ليكتر في إحدى الحلقات السابقة، رغم أن أحد الأبواب الفولاذية كان مغلقًا حينها. يبدو أن عصابة الميتا فتحت المنطقة التالية أثناء نومه، لكن ذلك لم ينفعهم بشيء؛ إذ كان رايان يسمع صرخات وإطلاق نار يتردد من الغرفة المجاورة، حيث كان عبيد سايشوك المكلّفون باستكشاف المخبأ يواجهون الشوغوث.
غطّت قطع الأندرويد أرضية الغرفة، هنا وهناك بعض الأدوات المتناثرة. وبما أن معظمها كان ملطخًا بالدماء، افترض رايان أنها بقايا ضحايا الدمية القماشية بعد أن شقت طريقها نحو الزنزانة. لا بد أن العبيد كانوا يفككون الروبوتات قبل أن تُباغتهم الكارثة.
“المستوصف في الاتجاه الآخر،” قالت سارين، بينما كان رايان يفتش بين الأدوات المتناثرة على الأرض بحثًا عن سلاح. وفي النهاية، اختار مطرقة ملطخة بالدماء، أنيقة في بساطتها.
“ألستِ منزعجة من أمر غول؟” سألها رايان وهما يغادران القاعة الرئيسية متجهين إلى الممر التالي. “كنت أظن أنكما على علاقة أو شيء من هذا القبيل.”
“ماذا؟ لا، أنا أكره ذلك الأحمق، فقط آدم كان دائمًا يضعنا معًا لأن قدراتنا تتكامل بشكل جيد.” فكرت فتاة البدلة الواقية فجأة في مغزى سؤاله. “كم مرة تقاتلنا من قبل؟”
“لو بحثت عن كلمة ‘مهزوم أبدي’ في القاموس، لظهرت صورتك.”
أشارت إليه بحركة وقحة ردًا على سخريته. لم تكن أبدًا ذلك الرفيق الظريف في القصص.
“كنت أعلم أن هذه الوظيفة ستكون كارثية، ومع ذلك وقّعت العقد.” هزّت الآنسة تشيرنوبل رأسها بضيق. “ما قلته عن آدم…”
“لقد فجّر روما الجديدة باستخدام الليزر المداري الخاص بميكرون. وكنتِ تقاتلين إلى جانبه حتى النهاية.” ولهذا ظل رايان حذرًا من وجودها. ما زال يذكر بوضوح كيف عزفت مع أتباع آدم لحنًا بعد أن أحرقوا المدينة.
بدت كلماته وكأنها أرعبتها فعلًا. “يبدو أنني فقدت كل أمل في وجود علاج إذًا، لكن… يا إلهي، أن يحرق أحدهم المدينة بأكملها—”
توقفت فجأة عن الكلام، إذ ظهر أمامهما على الطرف الآخر من الممر فرانك المجنون بجسده الضخم. كان العملاق ينحني قليلًا ليسير داخل الممر الضيّق، فيما ظل ظل سايشوك المليء بالمجسات يزحف خلفه. أسرع رايان بإخفاء المطرقة خلف ظهره، بينما بدأ يخطط للخروج من هذا الموقف.
“فرانك، أمسِك به!” أمر سايشوك وهو يشير إلى رايان بإحدى مجساته، دون أن يكترث بسارين. “أريده حيًّا!”
“حاضر، سيد نائب الرئيس.”
خطا العملاق المصاب بالفصام خطوة إلى الأمام، لكن رايان سارع إلى استغلال الموقف. “العميل فرانك!” قال وهو يشير بإصبعه نحو سايشوك، فيما يظل يخفي المطرقة باليد الأخرى. “اعتقل هذا الخائن الفيت كونغ[2]! لقد قتل الرئيس آدم!”
تسببت كلمات رايان في إرباك العملاق، بينما بقي سايشوك وسارين صامتين من شدة الحيرة.
“رايان رومانو، من وكالة الاستخبارات المركزية!” واصل كويك سيف تمثيل دوره بكل جدية. “هذا الرجل متعاطف مع الشيوعيين وقتل رئيس الولايات المتحدة! بل هو من قتل كينيدي أيضًا! الرصاصة انحرفت، أيها العميل فرانك! لقد جعلها تنحرف في الجو!”
“لن تخدعني!” قال فرانك وقد استعاد رباطة جأشه. كان يعاني من الهلاوس، لكنه لم يكن غبيًا تمامًا. “أعرف أننا أحضرناك إلى غوانتانامو[3] لجلسة إغراق بالماء، وستعود إليها مجددًا! أنت الجاسوس الشيوعي هنا!”
“لقد لفّق لي التهمة!” واصل رايان اتهام سايشوك باحتراف ممثل متمرس. “هو من ورطني ليخرسني! وعندما أقنعت الرئيس بالحقيقة أثناء الاستجواب، قتله! قتل الرئيس يا فرانك!”
“هذا هراء!” قال سايشوك، لكنه لم يجرؤ على مهاجمة رايان مباشرة. ربما علمته ذكريات لين أنه لا ينبغي له الاشتباك مع الموصّل دون دعم إضافي. “فرانك، إنه يحاول التفريق بيننا. لا تستمع إليه وتابع المهمة.”
“العميل رومانو يقول الحقيقة، يا فرانك.” تدخلت سارين أخيرًا بعدما فهمت خدعة رايان. وأشارت بإصبعها نحو سايشوك الذي لم يتوقع خيانتها. “أقسم بذلك، سايشوك هو من قتل آدم. رأيت ذلك بعيني.”
“سارين، عندما ننتهي، سأبعثرك في الريح،” هدّدها سايشوك، “ولن تتمكني من استعادة جسدك أبدًا.”
“هذه اتهامات خطيرة أيتها العميلة سارين،” أعلن فرانك، وقد بدأت أكاذيب سارين تزعزع ثقته. “هل لديك أي دليل؟”
“أنا لدي!” قال رايان، ثم جمّد الزمن.
وحين عاد الزمن إلى مجراه، كان سايساي يمسك بمطرقة ملطخة بالدماء في أحد مجساته.
“انظر إلى مجسّاته!” صرخ رايان، ولاحظ كل من سايشوك وفرانك المطرقة. “يحمل أداة الجريمة في مجساته القذرة! دم الرئيس لا يزال عليها! كان يحاول مباغتتك بها!”
“مطرقة،” قالت سارين وهي تهز رأسها. لم تكن تمثّل ببراعة، لكن تمثيلها أتى بنتيجة. “سلاح شيوعي[4]… لا يستطيع هؤلاء الحمقى السيطرة على أنفسهم.”
“فرانك، أنت محصّن ضد المعادن!” احتج سايشوك وهو يسارع إلى رمي المطرقة بعيدًا. ظل العملاق الواهم يتلفت بين رئيسه ورايان في حيرة. “لا يمكنني إيذاؤك حتى لو أردت ذلك! هو من أوقف الزمن وأوقعني في الفخ!”
لكن لسوء حظ سايشوك، تسببت كلماته الأخيرة في إرباك فرانك أكثر فأكثر. وكما حذرت سارين، يبدو أن قيادة عصابة الميتا كانت تُخفي حقيقة قوة الموصّل عن أفرادها.
واستغلت فتاة البدلة الواقية الفرصة على الفور. “هل تسمعه يا فرانك؟” قالت بسخرية. “إيقاف الزمن؟ يا لها من حيلة طفولية. الآن بعدما ضُبط متلبسًا، سيختلق أي كذبة لينقذ نفسه!”
“الرئيس مات بين ذراعيّ، أيها العميل فرانك،” واصل رايان استثارة أوهام المجنون، مقلدًا بحركة درامية احتضان شخص يحتضر. “وبأنفاسه الأخيرة أوصاني بأن أجدك! قال لي: ‘ابحث عن العميل فرانك… من قاتل النازيين في ألامو، والفيتناميين في الأدغال… بطلنا الأعظم… وحده…'”
وانهمرت دموع التماسيح من عيني رايان.
“‘وحده قادر على إنقاذ الديمقراطية!'”
ترددت كلمات رايان الباكية في أرجاء الممر كاستغاثة يائسة.
نظر فرانك المجنون إلى الموصّل وسارين، ثم إلى سايشوك، ثم عاد بنظره إليهما، وأخيرًا إلى المسؤول عنه. “سيدي نائب الرئيس،” قال أخيرًا، “أقسم أننا سنزيل هذا الالتباس عبر الإجراءات القانونية الواجبة.”
“لا، أيها الأحمق!” صرخ سايشوك، وقد بلغ به الغضب ذروته من جنون العملاق. “إنه يهذي! أنت لست حتى أمريكيًا—”
لكن سايشوك نسي في غضبه أمرًا تعلّمه رايان منذ زمن بعيد: السبب الرئيسي في صعوبة التعامل مع السايكو.
كي تدير مصحًّا مليئًا بالمجانين… عليك أن تتحدث بلغتهم.
“لقد صوتُّ لك!” صرخ فرانك فجأة، ولكم سايشوك بقوة هائلة حتى انفجر رأسه وتطايرت أشلاء دماغه في كل مكان. ارتطمت قبضته بجدار الممر بعنف هزّ أرجاء المخبأ بأكمله. “لقد صوتُّ لك، وخنتَ مشاعري!”
وكما أكّد تقرير ديناميس النفسي عنه… فرانك لا يحتمل من يخالف أوهامه.
“طالما أنا حي، فلن تسقط هذه الأمة العظيمة في براثن الشيوعية!” استدار فرانك وسار نحو الطرف الآخر من الممر. خمّن رايان أنه ينوي أخذ المصعد إلى الطوابق العليا ليطارد جسد سايشوك الجديد. “الموت أهون من الشيوعية!”
خطوات العملاق الغاضب جعلت الأرض تهتز خلفه، تاركًا سارين ورايان يقفان مذعورين في الخلف. “آمل أن يكون الأمر قد استحق العناء، أيها الأحمق،” قالت له وهي تلقي نظرة على بقايا سايشوك الدموية، “لأن آدم وحده كان قادرًا على السيطرة على فرانك حين يغضب. لا أحد منا يستطيع قتله.”
“وهذا بالضبط ما أتمناه.” كما توقعت ديناميس: من دون آدم البدين ليوحّدهم، ستنهار عصابة الميتا من الداخل مع دفعة بسيطة في الاتجاه المناسب. والآن بعد أن أصبح الطريق إلى المستوصف مفتوحًا، عرف رايان تمامًا من أين سيبدأ.
بعد مسافة قصيرة، وصل الاثنان إلى الغرفة البيضاء المقصودة، تفصلها عن الممر نافذة زجاجية؛ نفس المكان الذي اكتشف فيه الموصّل سرّ خلود سايشوك المرعب. كان أطفال الميتم محتجزين في أقفاص كالفئران أو مقيّدين إلى طاولات عمليات، وبجوارهم صناديق مليئة بزجاجات إكسير مقلدة.
“مرحبًا يا أطفال!” لوّح الموصّل لهم بيده مبتسمًا ابتسامة مشرقة. “جئنا لنحرركم ونأخذكم إلى المكان السحري عند والدتكم!”
“هل ست****؟” سألت جوليا، إحدى الأطفال، رايان من داخل القفص.
“ماذا؟ لا!” احتج رايان مصعوقًا. “بالطبع لا، لا يمكن أن أفعل ذلك أبدًا! لماذا تسألين هذا السؤال؟”
“أنت ترتدي فقط سروالًا داخليًا…” ردّت الصغيرة، ولا تزال غير مقتنعة.
“أيتها المرأة،” سأل رايان سارين بينما بدأت تبحث بين الأغراض، “أين بذلتي الخارقة؟”
“أظن أن سايشوك ألقى ملابسك في المحرقة.”
تحوّلت نظرة رايان إلى نظرة قاتلة. “إذًا هؤلاء الحمقى اختاروا طريق الموت.”
“هذا سيفيدك.” رمت سارين إليه مسدس ليزر من صنع ديناميس وجهاز استنشاق مخدر السعادة. “سلاحك ومخدراتك.”
“ممتاز.” قال رايان وهو يفحص بسرعة مؤشر طاقة المسدس. ليس جيدا، لكنه كاف. “هل لديك أي تأنيب ضمير وأنت تذبحين رفاقك القدامى؟”
“أبدًا.” أجابت دون تردد.
ممتاز. ثم، وكأن هذا اليوم لم يكن مجنونًا بما فيه الكفاية، لمح رايان ستة أشكال مكسوة بالفرو تقفز إلى الممر خارج المستوصف. راحت المخلوقات الشيطانية تحدق عبر النافذة الزجاجية في الأطفال، وقد استبد بها الانبهار.
“تم رصد أطفال! تفعيل وضع اللطافة!”
وهكذا بدأت أول حلقة ميتا في حياة رايان.
بالفوضى والجنون.
☆☆☆☆☆
ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.
[1] الشوغوث كائن خيالي ابتكره الكاتب إتش. بي. لافكرافت، يُوصف بكونه كتلة هائلة لزجة ومتموجة من المادة السوداء، تُغطيها عيون متوهجة تظهر وتختفي. صُمّمت هذه الكائنات في الأصل كعبيد بلا عقل، لكنها تطورت لتكتسب ذكاءً خاصًا وتثور على صانعيها. يمثل الشوغوث أحد أكثر تجسيدات الرعب الكوني في أدب لافكرافت، حيث يثير شكله اللا عقلاني ووجوده الشاذ الجنون المطلق في نفوس من يراه.
[2] فيت كونغ هو الاسم الشائع لـ جبهة التحرير الوطني في فيتنام الجنوبية، وهي منظمة عسكرية وسياسية نشطت خلال حرب فيتنام (أواخر الخمسينيات – 1975). كانت تهدف إلى الإطاحة بالحكومة المدعومة من الولايات المتحدة وتوحيد فيتنام تحت حكم شيوعي. اشتهرت بحرب العصابات ضد القوات الأمريكية وقوات جنوب فيتنام.
[3] غوانتانامو هو اسم سجن عسكري أمريكي يقع داخل قاعدة بحرية أمريكية في كوبا. أُسس بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 لاحتجاز المشتبه بهم في قضايا الإرهاب. يُعرف المعتقل بجدله الواسع حول حقوق الإنسان، حيث واجه انتقادات بشأن الاحتجاز غير المحدد المدة ومزاعم سوء المعاملة.
[4] المطرقة والمنجل هو أحد أشهر الرموز الشيوعية، حيث ترمز المطرقة إلى العمال الصناعيين (البروليتاريا)، بينما يرمز المنجل إلى العمال الزراعيين (الفلاحين). يمثل الرمز معًا وحدة وتضامن الطبقتين العاملتين في الفكر الشيوعي. استخدم هذا الرمز كشعار رئيسي للاتحاد السوفيتي ولا يزال مرتبطًا بالحركات الشيوعية عالميًا.
