النهاية المثالية: الفصل 56

حديث صادق

الفصل 56: حديث صادق

 

ظل رايان صامتًا للحظة طويلة دون أن ينطق بكلمة واحدة.

 

كان قد وضع قناعه جانبًا على طرف الطاولة، قرب لوح الشطرنج، وواصل التحديق في كوب القهوة المتصاعد منه البخار. كان بوسعه أن يغرق في عتمة ذلك الشراب المرّ، المنعش رغم قسوته.

 

أي شيء ليخفف التوتر الخانق في الغرفة.

 

“فنجانك غير مسموم.” قالت ليفيا، قبل أن تسعل بخفة. كانت ترتدي كنزة سوداء عالية الرقبة، أنيقة لكن غير رسمية. “لو أردت موتك، لكنتَ الآن في عداد الأموات.”

 

“السم لن ينفع على أي حال.” اكتفى رايان بهزة كتف، ثم التقط بعض قطع البسكويت وغمّسها في القهوة. “لكن لا يزال هناك قاتلان محترفان يقفان خارج الباب، ويطلق الناس على هذا المكان اسم موتيل الأراضي الميتة. الآن بعد أن فكرتُ بالأمر… الاسم فعلاً يوحي بمدينة ملاهٍ مرعبة!”

 

“الأمر كله لأجل سلامتي.” قالت ليفيا وهي تضم يديها حول فنجان القهوة، تستشعر دفء السائل بين أصابعها. “يبدو أن نسختي السابقة قد لقيت حتفها بشكل مفاجئ، حسب ما استطعت معرفته.”

 

“لم أكن أنا.” احتج رايان بسرعة.

 

“وكيف لي أن أتيقن من ذلك؟” سألت، وقد ظهر العبوس على وجهها.

“أعرف أنك كذبت على نسختي القديمة بشأن قدرتك. قلتَ لها إنك تستطيع القفز بين أكوان متوازية، بينما الحقيقة أنك تستطيع العودة بالزمن.”

 

“كان ذلك صحيحًا من الناحية المجازية.” قال رايان بجمود وهو يقضم قطعة البسكويت. كانت حلوة الطعم، لكنها لم تكن مميزة.

 

“وهذا يعني ببساطة أنك كذبت.” ردت ليفيا بهدوئها المعتاد، دون أن يطرف لها جفن. “كنت سأحضر كريبتو معي لو استطعت، لكنه تعرّض لحادث متعلق بالهوكي. أفترض أنك المسؤول عن ذلك؟”

 

“لقد حذرته!” احتج رايان. “حذرت لويجي أكثر من مرة: إذا استمر في إفساد حلقاتي، فلن تسير الأمور بيننا على ما يرام!”

 

كان الموصّل يحرص دائمًا على استهداف كاشف الحقيقة في كل حلقة زمنية، حتى في الحلقات التي لم ينضم فيها إلى الأوغُستي. بالنسبة له، كان الأمر أشبه بدفاع استباقي عن النفس، لا أكثر.

 

“وهذا يؤكد مخاوفي.” قالت ليفيا بوجه عابس وهي تحدق في عينيه. “أنت لا تريد أن يُكشف سرك، ومستعد للجوء إلى العنف لإخفائه إذا لزم الأمر.”

 

“تتكلمين عن نفسك، يا صاحبة القوتين.”

 

ارتبكت ليفيا للحظة. “أنا… لا أفهم ما تعنيه.”

 

“بالطبع.” رد رايان بسخرية، وقد راوده بالفعل أن يترك الطاولة مهما كانت العواقب. “اسمعي، هل يمكنك أن تخبريني ما الذي تريدينه بالضبط؟ وإلا سأغادر حالًا.”

 

“إن حاولت مغادرة هذه الغرفة الآن، فلن يكون أمامي خيار سوى مطاردتك.” أعلنت ليفيا بنظرة حادة لا تلين. “قوتك كبيرة جدًا بحيث لا يمكن تجاهلها، ولا أستطيع أن أضمن أنك لن تصبح خطرًا على عائلتي في المستقبل.”

 

حدّق الموصل فيها بغضب، لكنها لم تتراجع قيد أنملة.

 

“رايان، السبب الوحيد الذي لم يدفعني بعد لإبلاغ والدي بشكوكي، هو أن نسختي السابقة كانت تبدو تقدّرك.” حذرته بنبرة جادة. “بل إنني أوقفت فولكان عندما أرادت مطاردتك. لا تهدر هذه الفرصة.”

 

حاول رايان أن يجد طريقة للتعامل مع هذا الوضع؛ فهي لا تتذكر الحلقات الزمنية، لكن يبدو أنها قادرة على نقل المعلومات من حلقة إلى أخرى، ما يجعلها خطيرة بدرجة لا توصف.

 

هل كان بوسعه أن يلغي ميزتها عبر تعطيل قدرتها؟ لطالما خطر له أن يحاول إقناع كانسل بالانقلاب على مشغّلها، لكن الأمر بدا بعيد المنال وصعب التنفيذ. فإن كانت ابنة أوغستس قادرة حقًا على التفاعل مع أكوان موازية تتجاوز نطاق قدرته، فحتى الموت لن يكون حلًا دائمًا؛ ستعود لمطاردته في الحلقة التالية، دون أن ننسى كل الاحتياطات التي ربما وضعتها مسبقًا.

 

قد لا يكون هذا هو السيناريو الأسوأ على الإطلاق، لكنه يقترب من ذلك كثيرًا.

 

“سأعيد سؤالي إذًا.” قال رايان، محاولًا ألا يبدو محبطًا رغم أن الوضع كله كان يثير فيه قلقًا عميقًا. “ماذا تريدين؟”

 

أخذت ليفيا نفسًا عميقًا، محاولة استجماع شجاعتها. “أريد الحقيقة.”

 

“الحقيقة؟” كرر رايان الكلمة، وكأن عبء سنوات لا تُحصى أثقل كاهله فجأة. “الحقيقة جلبت لي الكثير من الألم… أظن أنني تخليت عنها في النهاية. هناك من لم يصدقني قط. وهناك من صدقني… وفقد صوابه. وهناك من ذهب إلى حد محاولة تدميري فقط لأنه لم يرغب في النسيان. وهناك…”

 

انتقلت أفكار الموصّل إلى ياسمين.

 

“هناك من صدقني وحاول مساعدتي. ومع ذلك… كنت أموت مرارًا، وهم ينسون. مرارًا وتكرارًا… في كل مرة.” تنهد رايان تنهيدة ثقيلة. “هؤلاء هم الأصعب… لأنني لا أعتاد فراقهم أبدًا.”

 

فضحت نظرات ليفيا لمحة تعاطف، لكنها سرعان ما استعادت برودها المعتاد. قالت،”أعتقد أنني بدأت أفهم. لا أستطيع أن أقول إنني أستوعب تمامًا ما مررت به، لكنني أظن أنني أدرك وجهة نظرك.”

 

“لا، لا يمكنك ذلك. وكوني ممتنة لذلك.” تناول رايان فنجان قهوته.

“أنت لم تخبري والدك… لكن هل أخبرتِ أي شخص آخر؟”

 

“ولماذا تسأل؟” تغيرت نبرتها فجأة إلى الدفاع. “هل تريد إسكاتي؟”

 

“لا.” أجاب رايان بصراحة، وهو يدرك أنه حتى لو أراد ذلك لما استطاع. “لكن أكثر من نصف ‘الأولمبيين’ عندكم مجرمون قتلة. لا أريد لأي منهم أن يعرف سر قوتي الحقيقية.”

 

“إذا لم تكن تنوي التحرك ضدهم، فلا ينبغي أن تخشى شيئًا.”

 

“حقًا؟” رد رايان ببرود. “والدك يطارد بنفسه كل من يشك ولو قليلاً بأنه يشكل تهديدًا له. ماذا تظنين أن مؤخرة البرق سيفعل إذا عرف أنني أستطيع السفر عبر الزمن؟”

 

“أنا…” يبدو أن حجته أصابت الهدف. “قد أتمكن من إقناعه بالعدول عن ذلك.”

 

“لا أصدقك.” أجاب رايان بجفاف. “ودعينا لا نتحدث عن مخدر السعادة.”

 

“هذا لا علاقة له بحديثنا.” اعترضت ليفيا، وقد بدا التوتر واضحًا في جسدها. “لا تحاول تغيير الموضوع.”

 

“بل له كل العلاقة بالموضوع.” أصر رايان، وهو يرتشف قهوته. “المخدر يسبب العقم للبشر العاديين الذين لا يملكون قوى. كنت أظن في السابق أن الجينومات محصنون من هذا الأثر الجانبي البشع بفضل أيضهم المحسّن، لكنني لم أعد أعتقد ذلك الآن. نارسينا قادرة على خلق الحياة كيفما تشاء، فلا يمكن أن تجهل الأمر، وهي طيبة القلب بما يكفي لتصلح هذا الخلل لو أرادت. لذا… ليست مشكلة عرضية، بل جزء مقصود من التصميم.”

 

ارتجفت أصابع ليفيا حول فنجانها، وانكمشت ملامح وجهها.

 

“لماذا قد يسعى كارتل ما لجعل معظم زبائنه عقيمين؟ لم يكن الأمر منطقيًا بالنسبة لي… حتى رأيت والدك وطاقمه. أمثال مارس ينظرون إلى البشر العاديين بازدراء، كما لو كانوا قطيع ماشية.” أطلق رايان ضحكة ساخرة. “والدك يريد إبادة العاديين. مخدر السعادة ليس منتجًا… إنه سلاح.”

 

“أتظن أنني أردت ذلك؟!”

 

انفجرت ليفيا فجأة، فانكمش رايان في مقعده وقد اخترق الغضب قناعها البارد.

 

“أتظن أنني لم أحاول تغيير ذلك بالفعل؟!” هذه المرة كانت هي من هاجمته، وقد طفا غضب مكبوت إلى السطح. “تظن أنني لم أحاول إغلاق ذلك المختبر اللعين ألف مرة؟! تظن أنني أريد للناس أن يرتبط اسم عائلتي بمخدر يقتل الآلاف كل عام؟ تظن أنني أريد هذا؟!”

 

لم يقل رايان شيئًا، مذهولًا، بينما وضعت ليفيا يديها على وجهها.

 

لقد… بدت وكأنها تقاوم البكاء.

 

“والدي لن يتزحزح قيد أنملة.” قالت بصوت ضعيف. “يستمع لي في كل شيء تقريبًا، إلا المخدر… إنه مشروعه المفضل. إرثه. نارسينا… تلك الفتاة قادرة على جعل العالم مكانًا أفضل حقًا. إنها معجزة. لكن والدي… والدي لا يريد إنقاذ أحد. يفضّل أن يكون ملكًا على مقبرة.”

 

لم تعد ليفيا تبدو كابنة أوغستس المهيبة الواثقة. سقط القناع، ولم يرَ رايان تحت ذلك سوى شابة أرهقتها الضغوط والتوقعات التي لم تطلبها يومًا.

 

في تلك اللحظة، بدت هشة للغاية حتى أن غضب رايان تلاشى تمامًا.

“ليفيا، لستِ مضطرة لفعل هذا إن لم تريدي.” قال ذلك وهو يأخذ يدها بين يديه؛ كانت أصابعها باردة بشكل مفاجئ. “حتى لو كانوا عائلتك… يحق لك أن ترحلي.”

 

“لا أستطيع.” ردت، وهي تدفع يده بعيدًا وتمسح دموعها. “لو تركتُ الأمر، سيتولى شخص أسوأ قيادة المنظمة.”

 

احتاجت ليفيا بضع ثوانٍ لتستعيد رباطة جأشها، وأخذت نفسًا عميقًا ثم أخرجته، بينما كان رايان يراقب بصمت.

 

“أنا فقط… أريد حماية عائلتي يا رايان.” قالت بصوت خفيض. “مهما كانوا، يظلون عائلتي في النهاية. أبي… أبي هو ما هو عليه، لكنه يظل أبي آخر المطاف. أفهمتني؟”

 

هذه الكلمات جعلت رايان ينتفض في مكانه، فقد أعادته مباشرة إلى أكثر أيام طفولته ظلمة.

 

“لا أريد لهم أن يموتوا.” قالت ليفيا وهي تزفر بحزن. “هذا كل ما أطلبه. أريد حمايتهم. من ديناميس، من الميتا… ومنك أنت أيضًا، إن لزم الأمر.”

 

“لن تستطيعي أن تجنّبيهم عواقب أفعالهم.” كان تهديد الكرنفال يخيّم بالفعل على إمبراطورية أوغستس.

 

“أعلم ذلك، لكن عليّ أن أحاول حمايتهم على أي حال. إذا…” تعثرت كلماتها، وتقلص حاجباها من شدة الإحباط المكبوت. “أريد فقط أن أعرف أنك لن تهددهم. أنك لست عازمًا على قتلنا. إن استطعت أن تضمن ذلك… فسأحتفظ بأسرارك وأتركك وشأنك. هذا كل شيء.”

 

فتح رايان فمه ليجيب، ثم أغلقه من جديد، قبل أن يقرر أخيرًا أن يطمئنها: “لا أريد قتلكِ أو قتل عائلتكِ يا ليفيا.”

 

والآن، حين فكّر الموصّل بالأمر… أليس هذا ما كان يتمناه دومًا؟ أن يكون هناك من يتذكره حقًا؟ كانت غريزته الأولى دائمًا الارتياب، لكن ليفيا لم تكن سوى عون له في الحلقة السابقة. صحيح أن الأب البرقي كان وغدًا من الطراز الرفيع، لكن ابنته… بدت لطيفة، إن جاز التعبير.

 

“المشكلة أنني…” تردد رايان باحثًا عن الكلمات المناسبة. “كنت دائمًا أتمنى أن يحدث شيء كهذا، أن يظهر شخص مثلك ويتذكرني فعلًا. لكن الآن، بعدما تحقق ذلك أخيرًا، لا أدري كيف أتعامل معه. الأمر…”

 

“جديد؟” اقترحت ليفيا وهي تزفر بتعب.

 

“نعم.” أومأ موافقًا. “وجِدته ليس بالمعنى المضحك. اعتدتُ أن أتحكم في كل شيء داخل الحلقة، أما الآن… أنتِ تهددين بسلب كل التقدم الذي حققته.”

 

“أفهمك.” ردت ليفيا بابتسامة متكلفة. “أشعر بنفس الشيء تجاهك. لم ألتقِ يومًا بشخص محصّن ضد قوتي. إنه… أمر مخيف ومربك قليلًا. لا أعرف ما الذي ينبغي أن أتوقعه.”

 

كان كل منهما يخشى الآخر.

 

ها هو مأزق القنفذ[1] يضرب من جديد!

 

وفي النهاية، وبعد دقيقة طويلة من التفكير، اتخذ رايان قراره. كانت خطوة محفوفة بالمخاطر، لكنه كان قد وضع كل رهاناته على الطاولة منذ زمن بعيد؛ لم يبقَ أمامه سوى أن ينتظر الجولة الأخيرة.

 

“حسنًا، إذا أردتِ معرفة الحقيقة الكاملة عن قدرتي، فسأخبرك بها.”

قرر أن يكون صادقًا معها كما كان مع لين وياسمين. “لكن الثقة طريق ذو اتجاهين.”

 

تأملت عرضه للحظات، وقد ارتسمت على وجهها ملامح تفكير عميق.

“وماذا تريد في المقابل؟”

 

“أريد الحقيقة أيضًا.”

 

“وكيف لي أن أضمن أنك لن تستغل أي معلومة أعطيك إياها، ثم تستخدمها ضدي في محاولتك القادمة؟”

 

“وما الضمان الذي لديّ أنا أنكِ لن ترسلي جيش الجينومات الخاص بكِ لمطاردتي؟” اكتفى رايان بهزة كتف. “المسألة ببساطة: إن لم يكن أحدنا مستعدًا للمخاطرة، فهناك نتيجة واحدة فقط تنتظرنا في النهاية. و…”

 

نظر إلى هذه المرأة، التي ذكّرته كثيرًا بشخص آخر…

 

“وأنا لا أريد أن أصل إلى تلك النهاية.”

 

لم تقل ابنة أوغستس شيئًا، بل ظلّت تفكر مليًا وهي تحتسي قهوتها. وفي النهاية، اتخذت قرارها.

 

“حسنًا.” أعلنت ليفيا، وهي تضع فنجانها على الطاولة. “أوافق على شروطك.”

 

“أول سؤال إذًا…” قال رايان، وهو يلقي نظرة على الجدران. “لماذا اخترتِ هذا الموتيل بالذات؟”

 

أطلقت ضحكة خفيفة، وكأنها تزيح بعض التوتر من الجو.

“هذا أول ما تريد معرفته؟”

 

“المكان دافئ، لكني لا أحب لون الجدران. عليكِ أن تجربي البنفسجي، فهو يليق بكل شيء.”

 

“كنت أنا وفيليكس نستعمل هذا المكان كـ’مخبأ’ لنا، نوعًا ما.” اعترفت ليفيا، وهي تلقي نظرة على رقعة الشطرنج. “كان ملاذًا خاصًا نلجأ إليه كلما أردنا الهرب من عائلتينا. المكان هادئ، والقلة التي تعرفه تحفظ السر. وبما أنك انضممت إلى إل ميليوري، ظننت أنه سيكون أرضًا محايدة مناسبة.”

 

سخر رايان قائلًا: “سأوبخ القط الصغير على ذوقه الرديء إذًا.”

 

“كيف حاله؟” سألت بصوت خافت، وكأنها تخشى الجواب. “فيليكس؟”

 

“ألا يفترض أن تعرفي بحكم قوتكِ؟” قال رايان، قبل أن يجيب بصدق: “إنه بخير… رغم خيبة أمله. إل ميليوري لم يكن كما تخيله، لكنه سيتعافى. لا أظن أنه سيعود مع ذلك.”

 

“لا، لن يعود.” وافقت ليفيا وهي تزفر بحسرة. “والداه يظنان أنه سيعود إلى صوابه ويلتحق بالعائلة من جديد، لكنني أعرف الحقيقة. كان دومًا عنيدًا أكثر مما ينبغي.”

 

بعد لحظة صمت قصيرة، قرر رايان أن يواجه السر المكشوف. “كيف تذكرتِ كل شيء؟”

 

“أنت أولًا يا رايان.” قالت وهي تنظر في عينيه بثبات. “أنت أولًا.”

 

“هل تريدين النسخة المختصرة أم المطوّلة؟”

 

“المطوّلة.” أجابت بحزم.

 

راودت رايان رغبة قوية في الكذب عليها رغم كل شيء، لكنه عدل عن ذلك في النهاية. غريبٌ حقًا، لكن الموصّل كان يفي بوعوده، حتى لو كان الوحيد الذي يتذكرها.

 

لذا أخبرها بالحقيقة كاملة، دون أن يخفي شيئًا.

 

استمعت ليفيا إلى شروحه بوجه يصعب قراءته، حتى بلغ نهاية قصته.

كان رايان مستعدًا ليقدّم أي شيء مقابل أن يعرف ما يدور في ذهنها، لكن براعتها في إخفاء مشاعرها لم تكن تقل عن قدرته هو.

 

“أفهم…” هذا كل ما قالته حين أنهى قصته.

 

“إن كنتِ تنوين قتلي، فالفرصة أمامك الآن.” قال رايان. “أو على الأقل، يمكنكِ المحاولة.”

 

“أنا…”

 

توقفت ليفيا عن الكلام، وكان الموصّل واثقًا من أنها فكرت بدورها في الكذب عليه.

 

“أنت محق يا رايان. لدي قوتان، لا واحدة فقط.”

 

لكنها في النهاية كانت امرأة شريفة.

 

“شربتِ إكسيرين.” قال رايان. “تمامًا كوالدك.”

 

“بل كنت أنا السّبّاقة إلى ذلك.” اعترفت ليفيا. “شربت إكسيرًا أزرق، منحني القدرة على رؤية الخطوط الزمنية المتوازية. وبفضل تلك القوة، أدركت أن والدي وأنا نستطيعان امتلاك قوتين معًا دون أي آثار جانبية سلبية، في الأكوان البديلة.”

 

“طفرة جينية؟” سأل رايان، فأومأت الأميرة تأكيدًا. “وماذا عن عمك وعمتك؟”

 

“لم يرثا الجينات اللازمة. في جميع الوقائع التي شربا فيها إكسيرًا ثانيًا، فقدا عقلهما دومًا. وحتى في حالتي، لو شربت إكسيرًا ثالثًا لتحولتُ إلى وحش.”

 

سعلت ليفيا قليلًا ورتبت خصلات شعرها، كأنها معلمة تستعد لإلقاء محاضرة. “على أي حال، قدرتي تتيح لي أن أرى وأسمع من خلال حواس نسخي البديلة في العوالم الأخرى. لكن بعدد محدود.”

 

“ما مدى هذا التحديد؟” سأل رايان وهو يسرق قطعة بسكويت ثانية.

 

“ستة.” أجابت الأميرة بعينين نصف مغمضتين. “لو أردت تشبيهًا: أستطيع أن أراقب حتى ست شاشات بلازما في وقت واحد. أستطيع تغيير القنوات، لكن لا أستطيع إطفاءها. قوتي نشطة دائمًا.”

 

“وهكذا أدركتِ أنني أستطيع العودة بالزمن من خلال حديثك مع هذه النسخ البديلة؟”

 

“نعم… ولا.” اعترفت ليفيا. “الأمر أنني لا أدرك تلك النسخ الأخرى مباشرة. أستخدم ما يشبه نقطة ارتكاز. من الصعب أن أشرح ذلك، لكنني أرى نفسي دائمًا في مكانين: المكان الذي أنا فيه الآن… ومكان أزرق أستطيع فيه اختيار القنوات. لدي ست شاشات، لكنني أراقبها من داخل غرفة.”

 

التقط رايان الفكرة فورًا. “وهل يمكنكِ التفاعل مع تلك ‘الغرفة الزرقاء’؟”

 

“نعم، أستطيع تسجيل الأصوات والملاحظات هناك، كأنه أرشيف.” أومأت برأسها مبتسمة، وقد أسعدها أنه فهم المقصود. “في الواقع، لاحظت أحيانًا وجود ملاحظات لا أذكر أنني كتبتها. افترضت أن نُسَخي البديلة لها حق الوصول إلى هذا المكان أيضًا، وتسجّل فيه المعلومات… إلى أن التقيت بك.”

 

“كنتِ تدونين ملاحظات عني.” خمّن رايان. “ملاحظات مؤرخة، عن لقائكِ بفتى مشاكس لم تستطع قوتكِ إدراكه.”

 

“لن أصفك بالمشاكس الوسيم.” مازحته الأميرة. الآن وقد صار كل شيء على الطاولة بينهما، بدأت حدة التوتر تخف تدريجيًا. “لكن نعم… لو كانت إحدى نُسَخي هي من سجّلت تلك الملاحظة، فالمفترض ألا تتمكن من إدراكك أصلاً. حتى طريقة لقائنا كانت مختلفة، وأحسست حينها أنك تعرفني مسبقًا.”

 

“لكن… كيف عرفتِ أنني أتنقل عبر الزمن؟”

 

“أنا لا أفهم شيئًا في ألعاب الفيديو.” اعترفت ابنة أوغستس بابتسامة خجولة. “لذا بحثت عن معنى اسمك. ربطت التفاصيل معًا… واكتشفت الأمر بسرعة.”

 

رمش رايان في وجه ليفيا، محاولًا أن يتيقن إن كانت جادة. لا يعقل…

“اكتشفتِ الأمر وأنتِ حتى لستِ من هواة الألعاب؟ لا أجد كلمات تصف مدى خيبة أملي.”

 

“أنا مندهشة أنك غامرت باسم كهذا.” ردت عليه. “أم أنه كان رسالة أخرى في زجاجة ألقيتها للبحر؟”

 

ربما… تجاهل رايان السؤال، وركّز بدلًا من ذلك على آلية قوة ليفيا.

 

“عناصر القوى جعلتني أعتقد أن كل جينوم حقيقي يستمد قدرته من بُعد أعلى، يُجسّد جوهر لون قوته.” كلما فكر رايان في هذه النظرية، ازداد إيمانه بها. “هناك بُعد للطاقة يخص الأحمر. ومفترق طرق للزمان والمكان يخص البنفسجي…”

 

“وعالم كامل للأفكار والمعلومات يخص الأزرق؟” خمنت ليفيا، محاولة مواكبة منطقه.

 

“أظن أنك تشبهينني.” شرح رايان. “جزء منكِ، ربما حضور نفسي أو قوة ذهنية، يوجد في ذلك العالم الأزرق. وهذا يمنحك القدرة على تسجيل المعلومات خارج حدود الزمان والمكان، وعلى رؤية العوالم البديلة.”

 

“لكن ليس وعيي ذاته.” أدركت ليفيا فجأة. “لهذا لا تنتقل ذكرياتي حين تعيد كتابة كوننا. وأتساءل… لماذا لم ألحظ مرور الزمن في تلك العوالم البديلة؟ كان يفترض أن يستمر بعضها لسنوات، طالما أنك لا تتدخل فيها.”

 

“لأنني لا أعتقد أنكِ ترين أكوانًا متوازية حقيقية، أو على الأقل ليس بالمعنى الذي تتصورينه.” رد رايان. “أظن أن قوتكِ تخلق تلك العوالم وتحافظ عليها بنفسها.”

 

تأملت ليفيا الأمر قليلًا قبل أن تستوعب نظريته. “أنت تعتقد أنها ليست أكوانًا حقيقية موجودة فعليًا، بل محاكيات متقنة؟”

 

“احتمالات تنهار بمجرد أن تتوقفي عن مراقبتها. لا تبدأ بالوجود إلا عندما تستخدمين قوتك.”

 

“همم، لم أنظر للأمور بهذه الطريقة من قبل.” اعترفت الأميرة. “لكن هذا يفسر سبب عدم ظهورك في أي من تلك العوالم. أنت المتحكم، أنت من يقرر إن كان الواقع الحالي وجميع تفرعاته ستوجد أم لا. قوتك تتفوق على قوتي.”

 

“كلتاهما؟” مازحها رايان.

 

“بوسعنا التأكد.” ردّت بابتسامة واثقة، وقد أثار فيها روح التحدي. “أعني… إن كنت ترغب بذلك.”

 

قبِل رايان التحدي، ورفع يده محركًا أصابعه باتجاه نفسه:

“هيّا، أرِني ما عندكِ يا أميرة.”

 

وفجأة، شعر بشيء في مؤخرة—

□■□■□

 

بدت اللحظة وكأن الزمن قفز فجأة إلى الأمام، وحين استعاد رايان وعيه، كان البيدق الأبيض والحصان الأسود قد تغيّرت أماكنهما على رقعة الشطرنج. أما ليفيا، فقد بدت شديدة الحيرة.

 

“أهذا كل ما لديكِ، يا بنفسجية؟” سخر رايان منها.

 

“هذا غريب جدًا…” اعترفت ليفيا بعبوس. “هل يمكنك أن تجرب إيقاف الزمن عليّ، يا رايان؟ أود التأكد من أمر ما.”

 

فعل ذلك، فتجمدت ليفيا كما تجمد كل شيء من حولها. على عكس والدها، لم تستطع أن تتحرك في الزمن الموقوف.

 

“أظن أنني شعرت بك وأنت تفعل القدرة…” قالت ليفيا عندما عاد الزمن إلى التدفق، ثم لاحظت قطعة بسكويت في يدها. “لكن من الواضح أنني لست منيعة ضدها.”

 

“حسنًا، والدك منيع لها.” اكتفى رايان بهز كتفيه. “واحد منكما يكفي.”

 

“حقًا؟” رمشت ليفيا عدة مرات بدهشة. “هذا… هذا يفسر بعض الأمور.”

 

رفع الموصّل حاجبه باستغراب: “وكيف ذلك؟”

 

“أحيانًا، كان أبي يتلعثم أو يتوقف في منتصف الجملة، ثم يعيد ما قاله من جديد.” شرحت ليفيا. “عمي ظن أن السبب هو تقدمه في السن، لكن لم يجرؤ أحد على مواجهته بهذا الأمر. هو شديد الحساسية تجاه فكرة الشيخوخة، وأظن أنه لم يرد أن يقلقنا.”

 

“لا بد أن الأمر كان مزعجًا للغاية بالنسبة له.” قال رايان بابتسامة ساخرة، وهو يتخيل المشهد في ذهنه.

 

“أعتقد أنه سيكون ممزقًا بين محاولة تجنيدك بسبب قوتك، أو قتلك لمجرد أنك مصدر إزعاج.” ضحكت ليفيا، ثم أعادت قطعة البسكويت إلى الطبق مع البقية. خمن رايان أنها حريصة على وزنها. “إذا اكتشف أمرك يومًا، على الأقل.”

 

توعد رايان نفسه بأن يمازح مؤخرة البرق يومًا ما بمقلب زمني.

“دعيني أخمّن، أنتِ حذفتِ الزمن وتجاوزتِ تلك اللحظة، أليس كذلك؟”

 

“هل هذه إشارة إلى شيء ما؟” سألت ليفيا، ونظرة رايان الحادة جعلتها تشعر بعدم الارتياح. “لماذا تحدق بي وكأنني مثيرة للشفقة؟”

 

آه، كم هو مؤلم أن تكون مثقفًا محاطًا بالجهل… سيضطر لتثقيف هذه المرأة يومًا ما.

 

“إحساسي الزمني المعزَّز أخبرني أن الزمن تقدم بضع ثوانٍ للأمام، وأنا شبه متأكد أننا لعبنا جولة شطرنج.” قال رايان وهو يلقي نظرة على الرقعة. “أنتِ تخلقين شذوذًا زمنيًا تتسارع فيه الأحداث، وبما أنني لم أختبر انقطاعًا كهذا من قبل، أفترض أن تأثيره يقتصر على مساحة صغيرة فقط.”

 

“تخمين ممتاز.” أقرت ليفيا. “نعم، أنا أخلق شذوذًا زمنيًا موضعيًا حيث يتصرف الزمن بشكل غريب. الأحداث تسير كما يفترض أن تسير لو لم أستخدم قوتي، لكن الجميع باستثنائي يدخلون في حالة شرود ويتصرفون وكأنهم يتبعون نصًا مكتوبًا. في تلك الفقاعة الزمنية، أكون الوحيدة القادرة على تعديل أفعالي والتأثير في الأشياء، ما يجعلني منيعة… وعندما يعود الزمن إلى طبيعته، أكون الوحيدة التي تحتفظ بذكريات ما حدث.”

 

وضعت ليفيا ذراعيها أمام صدرها: “أو على الأقل… هذا ما يحدث مع الجميع الآخرين.”

 

“لكن ليس معي.” قال رايان بابتسامة ساخرة. “أسلوب القتال الزمني لدي أقوى من أسلوبك!”

 

“أستطيع رؤية نتائج أفعالك، لكنني لا أستطيع التفاعل معها.” اعترفت ليفيا بعبوس وقد جرح كبرياءها. “حين حرّكت البيدق الأبيض إلى الأمام، تحرك الحصان الأسود من تلقاء نفسه… كأنك شبح قادر على التأثير في العالم المادي، لكنه منيع ضد أي رد فعل. ربما لأن جزءًا منك موجود في هذا العالم البنفسجي.”

 

لو كانت قواهما تتفاعلان بهذه الغرابة، فلم يكن رايان ليجرؤ على دعوة أسيد رين إلى هذه الطاولة. “إذًا، في ذلك الشذوذ الزمني، أكون ماذا؟ غير ملموس؟ منيَعًا؟” أجابت ليفيا بإيماءة، فتذكر الموصّل جزيرة إيسكيا. “أعتقد أنكِ أنقذتِ حياتي بهذه الطريقة مرة من قبل.”

 

لا بد أن ليفيا حاولت ‘تخطي’ الزمن لتنجو من ضربة باهاموت، لكن على الأرجح أن قوتها نفدت قبل أن تجد ملاذًا آمنًا. أما رايان فكان حينها داخل الكبسولة الغاطسة، ويبدو أن تداخل قواهما الغريب تسبب في ابتعاد الجهاز تلقائيًا. أو هكذا، على الأقل، كان تخمينه الأقرب للواقع. لا يزال بحاجة للكثير من التجربة والخطأ ليكتشف كيف تتداخل قواهما بالضبط.

 

تحولت ملامح الأميرة من الفضول إلى شيء من الضيق، وهي تحدق في فنجان قهوتها. “رايان، لماذا انضممت للأوغُستي سابقًا، والآن تعمل مع أعدائهم؟ أي لعبة تلعبها بالضبط؟”

 

“قصة طويلة، لكنني وافقت على تدمير مصنع مخدر السعادة لصالح جهة أخرى.” أجاب رايان. “وإلا كانوا سيتصرفون بأنفسهم، وسيقتلون الكثير من الأبرياء.”

 

قهقهت بسخرية. “فهمت.”

 

“يبدو أنكِ لستِ ضد الأمر.” قطب رايان حاجبيه، إذ أيقظ حدسه شيئًا في داخله. “في الحلقة الماضية، أصررتِ أن أذهب إلى جزيرة إيسكيا وأنتِ تتفقدين الدفاعات… رغم أنه لم يكن هناك سبب وجيه. أردتِ مني تخريب مزرعة المخدرات تلك.”

 

“لا بد أنني كنت أشك في أمرك حينها.” ردت ليفيا وهي تشيح بنظرها بعيدًا. “ومن الذي طلب منك فعل ذلك؟ ديناميس؟”

 

“لا.”

 

نظرت إليه مباشرة: “إذًا من؟”

 

تردد رايان قليلاً. كان يتذكر كيف تعاملت مع شراود في المرة السابقة، وكان يشعر أن عداوتها مع الكرنفال شخصية جدًا. لو عرفت، سيطارد الأوغُستي شراود حتى الموت، وهو لا يريد أن يفقد حليفه الشفاف. “لا يمكنني إخبارك.”

 

شعر فورًا بتصاعد التوتر في الغرفة من جديد. “فهمت.” قالت ليفيا بنبرة باردة كالصقيع. “حسنًا، كيف متُّ في المرة السابقة إذًا؟”

 

“أحقًا تريدين معرفة ذلك؟” سألها رايان، فأومأت برأسها بحدة. “عصابة الميتا قتلتك بسلاح ليزري مداري.”

 

رمشت الأميرة لوهلة وهي تحاول استيعاب الجواب، ثم قطبت جبينها: “أنت تكذب.”

 

“ليتني كذلك.” رد رايان، وقد عكّر ذلك الحدث مزاجه بالكامل. “أنا أحاول أن أمنع تكرار تلك الكارثة.”

 

“هذا مستحيل… كان يفترض أن أكتشف الأمر مسبقًا.” اعترضت ليفيا.

 

“كنتِ تواصلين رؤية نفسك تموتين في العوالم البديلة.”

 

“إذًا، لا بد أن هناك احتمالين اثنين فقط.” قالت وهي تعقد ذراعيها. “إما أن لدى عصابة الميتا وسيلة لإبطال قوتي، أو أنهم قرروا استهدافي أولًا في كل كون بديل رصدته. وإلا لكان من المفترض أن تنجو بعض نسخي الأخرى.”

 

كانت عصابة الميتا تملك بالفعل حق الوصول إلى مخبأ ميكرون والتكنولوجيا الموجودة فيه، لكن رايان رأى أن الاحتمال الثاني هو الأرجح. فهو يعرف آدم السمين جيدًا؛ لا بد أنه قرر استهداف أي متنبئ قادر على فضح خططه لتدمير روما الجديدة قبل أي شخص آخر.

 

وللأسف، لم يؤدِّ ذلك إلا إلى مزيد من الأسئلة من جانب ليفيا بدلًا من تقليلها. “وكيف تمكنوا أساسًا من الحصول على ليزر مداري؟”

 

تردد رايان، موزنًا بين إبلاغها عن مستودع ميكرون أو إبقاء الأمر سرًا، ثم أدرك أن المجازفة كبيرة جدًا. كان أوغستس قد دمّر ذلك المستودع انتقامًا في الحلقة السابقة، لكن الآن؟ وهو في ذروة قوته؟ من المرجح أن ذلك الحاكم المزيف سيقرر الاستيلاء على المخبأ لنفسه. “لا يمكنني إخبارك.”

 

“لا يمكنك أن تخبرني؟” رمقت ليفيا الموصّل بنظرة حادة. “تفضل أن تترك آدم الغول يحصل على سلاح دمار شامل بدلًا من أن تخبرني؟”

 

“اسمعي، ليس الأمر أنني لا أثق بكِ…” اعترض رايان، “لكن في النهاية ستضطرين لإبلاغ والدكِ، و—”

 

“والدي ليس مثاليًا، لكنه لا يلتهم الأطفال على العشاء.”

 

“هذا هو معيارك للحد الأدنى من الإنسانية؟” رد رايان بانفعال. “أنتِ تعلمين أنه قتل والدي نارسينا الحقيقيين ليستعملها رهينة ضد ليو هارغريفز، أليس كذلك؟”

 

“والداها كانا من النهابين، ونالا ما يستحقان.” جادلت ليفيا، وهي تطبق فكيها بغضب. “وانتبه لما تقوله… هارغريفز هو من قتل أمي.”

 

أوه؟ هذا يفسّر بعض الأمور إذًا. سجّل رايان تلك المعلومة في ذهنه ليواجه السيد الزجاجي بها لاحقًا.

 

“كل ما أقوله أنكِ ينبغي أن تبحثي في الأمر بنفسك، فمصدر المعلومة بدا موثوقًا جدًا.” رغم كل عيوبه، أصبح رايان يثق في شراود خلال الحلقات الأخيرة؛ كانت رغبته في فعل الخير صادقة، وإن كانت متطرفة أحيانًا. “قال إن والدة نارسينا كانت تريد أن تساعد العالم، وإنها كانت تملك القوة لفعل ذلك.”

 

“ومن أخبرك بذلك؟” سألت ليفيا، وازداد عبوسها عمقًا. “لن تخبرني أيضًا؟ أنا متأكدة أنه نفس التنظيم الذي طلب منك تدمير جزيرة إيسكيا.”

 

عقد رايان ذراعيه، مصرًا على موقفه: “لا يمكنني إخبارك.”

 

“لماذا؟” رفعت يديها في حيرة واستغراب. “لماذا يا رايان؟ تقول إنك لا تريد الإضرار بعائلتي، ومع ذلك تتعاون مع أناس يريدون ذلك فعلًا… فلماذا يجب أن أثق بك؟”

 

“لأنني أستطيع إصلاح كل شيء.”

 

“وماذا لو كنت مخطئًا؟” هزّت ليفيا رأسها بيأس. “ماذا لو فجّرت جزيرة إيسكيا وكانت نارسينا لا تزال هناك، وبقي الأمر بلا عودة؟ ماذا لو نجحت عصابة الميتا في قتلك للأبد؟ تتحدث عن الثقة، لكنك لا تخبرني سوى نصف الحقيقة!”

 

“حسنًا، وماذا لو سألتُك عن سر مناعة مؤخرة البرق؟” رد رايان وقد علا صوته بينهما. “هل ستخبرينني؟”

 

“ولماذا تحتاج لمعرفة ذلك أصلاً، إذا لم تكن تنوي مهاجمته؟” ردت بغضب. “لن أقف مكتوفة الأيدي بينما يخطط سايكو لقتلي وربما قتل آخرين أيضًا يا رايان! فلماذا ينبغي لي أن أثق بك وأنت مصمم على إبقائي في الظلام؟”

 

“لأنني لا أريد أن يموت أحد!” زمجر رايان، مشيرًا بإصبعه نحو الأميرة وقد بلغ منه الإنهاك مبلغًا. “لا أريدك أن تموتي أيضًا!”

 

هذه المرة، أسكتهـا كلامه تمامًا.

 

“هل تعلمين كيف هو أن تكوني مكاني؟” سأل رايان، والغضب المكبوت منذ عقود بدأ يغلي في صوته. “أن تملكي القدرة على إنقاذ الجميع، مع العلم أن كل مرة أحفظ فيها الزمن، تصبح الأحداث نهائية؟ أن يكون موت أي شخص تركته بلا حماية خطئي أنا وحدي؟ هل تدركين كم سيكون سهلاً لو قلت ببساطة: ‘ليذهبوا جميعًا إلى الجحيم، لم أعد أهتم’ وأغلق الباب على كل شيء؟”

 

بعد هذا الانفجار العاطفي، خيم بينهما صمت ثقيل ومتوتر. لقد وصلا إلى طريق مسدود.

 

“أظن أنه عليك أن ترحل الآن.” قالت ليفيا، وهي تحتضن ذراعيها كمن يحتمي من برد داخلي. “لقد تأخر الوقت… وسيبدأ الناس بطرح الأسئلة.”

 

نعم، لقد انتهى الحديث بينهما. على الأقل، في الوقت الحالي.

 

دون أي كلمة أخرى، التقط الموصّل قناعه وتوجه نحو الباب.

 

“رايان.”

 

تجمد في مكانه، ويده لا تزال على مقبض الباب.

 

“لا يهمني بقية أفراد المنظمة، لكن لو مات أبي أو عمي أو عمتي بسبب ألاعيبك، فسأدمرك.” حذرته ليفيا بصوت ينضح بالتهديد. “وينطبق نفس الأمر على فيليكس، وفورتونا، ونارسينا.”

 

“حسنًا، لدي أنا أيضًا قائمتي.” رد رايان بنبرة لا تقل برودة. “لين سابينـو، أيتام الميتم الذين ترعاهم، فريقي الحالي، ماتياس مارتيل، جيمي، كي-جونغ، لانكا، نارسينا، ياسمين، وقطي. لو استهدف أي منكم أحدًا منهم، أقسم أنكِ لن تريني قادمًا.”

 

تنهدت ليفيا. “الأمر لم ينتهِ بعد… سأتواصل معك مجددًا.”

 

“كما تشائين.” أجاب المسافر عبر الزمن، وهو يفتح الباب ويغادر. “كما تشائين…”

□■□■□

 

عندما دقت الساعة منتصف الليل، قاد رايان سيارة البليموث فيوري إلى الميناء.

 

“ها نحن ذا.” قال المسافر عبر الزمن، وهو يلتفت إلى شريكته. “متأكدة أنكِ لا ترغبين في القدوم معي؟ أعلم أنكِ تكرهين ديناميس، لكنهم وعدوني بشقة فاخرة بإطلالة لا تضاهى على المدينة.”

 

لا جواب. لم تنطق لين بكلمة واحدة منذ مغادرتهما الموتيل. ربما نفدت أدويتها، وأرهقها عالم السطح من جديد.

 

أو ربما كانت تتوقع ظهور كانسل أو أفراد القتلة السبعة من قلب الظلام لمهاجمتهم. لكن حتى الآن، لم ترسل ليفيا أحدًا خلفهم.

 

“أعرف أنكِ تظنين أن عليكِ تناول جرعة زائدة من مضادات الاكتئاب حتى تُجدي نفعًا يا قصيرة، لكن أرجوكِ… التزمي بالعلاج.” توسل رايان.

“هذا لمصلحتك أنتِ.”

 

“ريـري…” نظرت لين في عينيه، ولم تحاول حتى إخفاء قلقها.

“لماذا أخبرتها بكل ذلك؟ لا يمكنك التراجع الآن.”

 

لماذا؟

 

كان بإمكان رايان أن يقول إنه لم يكن أمامه خيار آخر؛ وأنه مع قوة ليفيا، من الأفضل أن يكون صريحًا ويحاول بناء علاقة جيدة بدلًا من اللجوء للمواجهة المباشرة. كان بإمكانه أيضًا أن يدّعي أنه يريد تغيير الأمور، حتى لو كان ذلك يعني المخاطرة.

 

لكن كل ذلك كان سيكون مجرد كذبة.

 

في الحقيقة، كانت دوافعه أعمق بكثير من ذلك.

 

مختل لا يُقهَر يدفع ابنته إلى وضع لا تريده، ليحوّلها إلى هدف لمجرد أنهم لا يستطيعون إيذاءه بشكل مباشر؟

 

كيف يمكن للين أن تسأله عن السبب؟

 

“لأنني رأيت ذلك من قبل.” قال رايان، وهو يحدّق في مياه البحر الأبيض المتوسط. “ولم ينتهِ الأمر بشكل جيد في المرة الأولى…”

 

☆☆☆☆☆

 

ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.

 

[1] مأزق القنفذ هو مفارقة فلسفية تُعبّر عن الصراع الداخلي بين الرغبة في التقرب للحصول على الراحة أو الدعم، والخوف من الألم الناتج عن الاقتراب الزائد. المثال التقليدي يصف قنفذين يحاولان الاقتراب من بعضهما للتدفئة، لكن كلما اقتربا أكثر، أصاب كل منهما الآخر بالأذى بسبب الإبر الحادة. المفارقة تبرز التحدي بين الحاجة إلى القرب و الخشية من الأذى، وتظهر في العلاقات الإنسانية أو النفسية بشكل عام.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset