النهاية المثالية: الفصل 55

الماضي المستقبلي

الفصل 55: الماضي المستقبلي

 

وكان كل شيء قد بدأ على ما يرام!

 

فما إن أطاح رايان بفك سايشوك حتى كشف شراود عن وجوده، وأطلق شظايا الزجاج في كل اتجاه. تحوّل الموقف بسرعة إلى فوضى عارمة، بينما راحت الحيوانات في الملجأ تعوي معًا في صوت واحد.

 

بادرت القصيرة إلى إطلاق بندقيتها المائية على سايشوك، فكوّنت المياه فقاعة قطرها ثلاثة أمتار حول ذلك السايكو الشرير، الذي بدأ يصارع داخل سجنه السائل بلا جدوى. في تلك الأثناء، كان راكشاسا قد استدعى اثني عشر غريملينًا، بينما حاول القط الذري الاشتباك مع مونغريل وجهًا لوجه، لكنه طار بعيدًا بفعل دفعة من الهواء المضغوط. أما ووردروب، فقد تحوّل زيها فجأة إلى نسخة كوسبلاي من تشي جيفارا[1]. بالنسبة للباندا…

 

ما إن اندلع القتال حتى انقضّ البعوضي عليه فورًا، واضعًا نصب عينيه الدب الضخم كفريسة سهلة سيتلذذ بمصّ دمها. لكنه نسي أن تلميذ رايان يزن سبعمئة كيلوغرام، وهو أضخم حتى من الدب القطبي، ولا يقل قوة عنه.

 

هكذا أمسك الباندا بإبرة البعوضي في الهواء، ثم استدار بجسده ودفع السايكو المذهول ليصطدم بإحدى الحافلتين السوداوين. ارتطم الرجل الحشري بها بقوة كافية لتشغيل جرس الإنذار، لكن الباندا كان قد لحق به قبل أن يتمكن من استعادة توازنه.

 

“ضربة الدب!” زأر الباندا وهو ينقض على البعوضي، موجّهًا له لكمة جعلت أبواب الحافلة المعدنية تنبعج تحت وطأتها؛ ثم شرع يدكّ البعوضي بقوته الحيوانية العاتية.

 

لقد كان…

 

كان بارعًا حقًا!

 

الباندا كان بارعًا!

 

كان مضحكًا بلا شك، لكنه كان بارعًا!

 

لكن لسوء الحظ، لم يكن لدى رايان متسع لمراقبة تلك المعركة الحيوانية. إذ اندفع الرجل السحلية من بين أفراد الميتا نحو بقعة خالية، ثم هوى بشيء على الأرض، فكشف الغبار المتطاير عن موقع شراود المتخفي. خمّن رايان أن الرجل السحلية استطاع أن يكتشف وجود الجينوم الزجاجي عبر الصوت أو الرائحة. حاول المنتقم الكرنفالي الرد بوابل من الشظايا، لكنها لم تستطع اختراق حراشف ذلك الميتا الصلبة.

 

أوقف رايان الزمن واندفع لإنقاذ شراود، موجّهًا لكمة إلى الرجل السحلية مستخدمًا القفاز المعدل أثناء توقف الزمن. وعندما عادت عقارب الساعة للدوران، أطاحت الضربة بالمخلوق الزاحف جانبًا، مما أتاح لشراود فرصة الطيران والابتعاد عن الخطر. انتقل الجينوم الزجاجي بعدها لدعم القط الذري بوابل من الشظايا، قبل أن يتمكن مونغريل من إحراقه بقوة التحكّم بالنار.

 

“استعمل الحصى!” صرخ رايان في وجه القط الذري، الذي كان لا يزال يحاول الاشتباك مع مونغريل وجهًا لوجه. “استعمل الحصى!”

 

“فكرة ممتازة!” التقط فيليكس الفكرة بسرعة، وألقى حجرًا صغيرًا نحو مونغريل؛ لتقذفه الضربة كقذيفة في جدار الميتم. استغلت لين حالة العجز المؤقت تلك، فحبسته في فقاعة أخرى، بينما راح السايكو الهائج يلهث بحثًا عن الهواء.

 

لكن للأسف، اتضح أن فقاعة لين لم تكن قوية بما يكفي لتقيّد سايشوك تمامًا. وحين أدرك أن الأمر ميؤوس منه، نجح سارق العقول الشرير في رفع مجسه نحو رأسه وتحطيم جمجمته بنفسه. تسرّب مخه الرمادي إلى داخل الماء، بينما ترك السايكو رفاقه يلاقون مصيرهم وحدهم.

 

“تبا، ليس مجددًا!” شكا رايان، بينما كان يضرب السايكو الزاحف بالقفاز المعدل حتى أفقده وعيه. في تلك الأثناء، بدأ شراود يمزق الغريملينات بشظايا الزجاج، بينما كان القط الذري يقذفهم بحجارة متفجرة؛ لكن راكشاسا واصل استدعاء المزيد. وبحلول تلك اللحظة، كان المئات من هذه الكائنات الصغيرة يهددون بغزو الملجأ.

 

على الأقل… إلى أن لاحظوا وجود رايان فجأة فتوقفوا تمامًا.

 

“هاه؟” تساءل الموصّل بدهشة، إذ بدا أن تلك الكائنات الصغيرة أصابها الذعر. رفع أحد الغريملينات أصبعين خلف رأسه، مقلّدًا أذني أرنب، ثم أشار مباشرة نحو رايان.

 

في تلك اللحظة، تحوّل قلق المخلوقات إلى رعب حقيقي وجنوني.

 

“انتظروا، أنتم تتذكرونني؟!” سأل رايان، فما كان من الغريملينات إلا أن بدأت بالفرار فور اقترابه منها. كان واضحًا أنها تعرفه، حتى مع زيه الجديد.

 

لحظة… بالطبع! لا بد أن راكشاسا استدعى تلك الكائنات من كون آخر، وقوة الجينوم تؤثر فقط في هذا الكون! “عودوا، الأرانب ودودة!” توسل رايان.

 

اندفعت الغريملينات هاربة بجنون نحو مدينة الصدأ، وسط صدمة راكشاسا وذهوله. “هيه! عودوا إلى هنا!” صاح الرجل النمر، حتى بينما كانت ووردروب تهجم عليه. “عودوا أيها الجبناء!”

 

اندفعت ووردروب—بزي تشي جيفارا—لتطيح بالنمر أرضًا على طريقة رامبو، وبدأت تبرحه ضربًا بلا رحمة. ربما كان زيها يمنحها مهارات قتالية خارقة أو قوة إضافية، لكنها تمكنت بسرعة من تثبيت المستدعي في قبضة خانقة. حاول المتوحش تمزيق لحمها بمخالبه، لكن شراود سمّره أرضًا بغرز مسامير زجاجية في راحتيه.

 

“تراجَعي!” حذّرت قصيرة، وهي ترفع بندقيتها. أفرجت ووردروب عن قبضة الخنق وتدحرجت مبتعدة، في اللحظة نفسها التي وجد فيها راكشاسا نفسه محبوسًا داخل فقاعة خاصة به.

 

“لك الحق في التزام الصمت!” قال الباندا، وهو يضغط وجه البعوضي الدامي فوق غطاء الحافلة، ممسكًا معصمه في قفل محكم. “مجرم!”

 

أشفق رايان على البعوضي؛ أن يُهزَم على يد ذلك الدب لا بد أنه كان مؤلمًا—جسديًا ونفسيًا. وبعد ثوانٍ قليلة، كان كل من الرجل الحشري والسايكو الزاحف قد انضمّا إلى رفاقهما في سجن الفقاعات.

 

“لقد أمسكت بواحد يا سيفو!” هتف الباندا، ووجهه الدبّي يفيض بالسعادة. “أمسكت بواحد! لقد فزنا!”

 

“لا…” قالت لين، وكانت الوحيدة التي خيّم الإحباط على وجهها. “سايشوك… لقد هرب.”

 

“لا أظن أن هذا يُسمّى هروبًا،” علق القط الذري، مشيرًا إلى الجثة الطافية داخل سجن القصيرة المائي.

 

“في الواقع… هل يمكنهم البقاء على قيد الحياة داخل هذه الفقاعات؟” سألت ووردروب، فقد كان كل من مونغريل وراكشاسا قد فقدا الوعي بالفعل داخل سجنهما، بينما كان البعوضي الجريح يلهث طلبًا للهواء.

“إنهم وحوش، صحيح… لكن قتلهم بهذا الشكل… يجعلني أشعر بعدم ارتياح.”

 

“سيبقون أحياء.” أومأت لين برأسها. “الماء الخاص يزودهم بما يكفي من الأكسجين للبقاء عبر تماس الجلد المباشر… لكنه ليس كافيًا ليظلوا في وعيهم. أجسادهم تدخل في حالة سُبات مؤقت للمحافظة على الوظائف الحيوية.”

 

في المحصّلة، كانت ‘المعركة’ انتصارًا ساحقًا، لكن—وللأسف—كانت القصيرة محقة. لم يمسكوا سوى بالأتباع الصغار، فيما نجا سايشوك ليخوض المعركة من جديد. وهذا يعني أن الميتا ليس بوسعهم فقط الاحتفاظ بأتباعهم المستعبَدين، بل سيتمكنون أيضًا من تشغيل آلي ميكرون.

 

وبينما كان أبطال ديناميس يحتفلون بانتصارهم، بقي وجه لين يحمل مرارة الهزيمة. “كان يجب أن أضغط أكثر…” تمتمت، تلقي اللوم على نفسها بسبب هروب سايشوك. “لو زدت نسبة الأكسجين، لكان… لكان فقد وعيه بسرعة أكبر.”

 

“قصيرة، لا عليكِ.” واساها رايان بلطف. “سنمسك بذلك الأخطبوط في النهاية.”

 

“أنت مدين لنا بتفسير.” قال القط الذري موجّهًا حديثه لرايان بنبرة تأنيب. “من كان ذلك الرجل غير المرئي؟”

 

“ذلك الرجل؟” استدار رايان، ليكتشف أن شراود قد اختفى. لا بد أنه عاد إلى التخفي وغادر المكان قبل أن يتمكن الآخرون من طرح أسئلة محرجة. “ذلك الوغد المراوغ… كم أكره هذه الحركة!”

 

“ولم فعلت ذلك؟” واصل القط الذري الاستفهام، بنبرة مريبة. “ذلك الكلام عن هيكتور؟ أقصد، هو نفسه هيكتور، صحيح؟”

 

“ألم تسمع؟” انفجرت لين في وجهه، وغلب غضبها على قلقها الاجتماعي. “مشغّلكم هو من يمول عصابة الميتا.”

 

“أوووه، مؤامرة؟” قال الباندا بحماس ظاهر. “الباندا مستعد لسماع كل التفاصيل!”

 

“سمعت هذا الكلام، لكنه غير ممكن.” اعترضت ووردروب وقد اختفت غرابتها لتحل محلها نظرة متشككة. حتى زيها تحوّل من أيقونة أمريكا الجنوبية إلى زي عادي. “لماذا يفعل ذلك أصلاً؟ لماذا يساعد وحوشًا مثل هؤلاء السايكو؟ الأمر غير منطقي.”

 

“عليكم فقط الاستماع لتسجيل سايساي.” قال رايان، وهو يفتح بدلته ليكشف عن جهاز التنصت في الداخل. “رئيسنا بنفسه استأجره ليهاجم الأوغُستي.”

 

وليدعم كلامه، شغّل رايان جهاز التسجيل. توهج الغضب في عيني القط الذري، أما الباندا فجلس على مؤخرته بصمت كامل، بينما قصيرة…

 

حين سمعت سايشوك يتحدث عن الأطفال، بدا وجهها قاتمًا على نحو غير مسبوق. طوال السنوات التي عرف فيها رايان لين، لم يسبق له أن رآها بذلك القدر من الغضب.

 

“لكن الأمر غير منطقي!” اعترضت ووردروب، وقد ركزت على الجانب التسويقي للأمور. “لو انكشف هذا الأمر، ستكون كارثة لصورة الشركة. قد يكون هناك شخص ينتحل شخصية مانادا لتشويه سمعته، أو ربما الميتا يكذبون للإساءة إليه. أعني، هذا بالضبط ما سيقوله قسم العلاقات العامة.”

 

“ومن غيره يمكنه تسليم صناديق الإكسير المقلّد لعصابة الميتا؟” رد فيليكس بضيق، وقبضتاه مشدودتان. “كنت أعلم أنهم أفاعٍ، ومع ذلك تركتهم ينهشونني.”

 

“لكن… أممم، إذا كان هذا صحيحًا…” قال الباندا مترددًا وهو ينحنح، وقد بدت عليه علامات الخوف. “يعني… نعرف أكثر مما ينبغي؟ هكذا يحدث في الأفلام، أليس كذلك؟ عندما يعرف الأبطال أكثر مما ينبغي، الكل يموت في النهاية!”

 

“لن يموت أحد!” احتجت ووردروب، واضعة يديها على خصرها. “سنتبع الإجراءات بحذافيرها ونأخذ هذا التسجيل إلى المدير.”

 

“وماذا لو كان المدير نفسه متورطًا في المؤامرة؟”

 

“كنت تعرف أن هذا سيحدث عندما جلبتنا إلى هنا.” اتهم القط الذري رايان. “هذه كانت خطتك من البداية. ومن كان ذلك الرجل غير المرئي؟”

 

“إنه صديق.” أجاب رايان بهدوء. “خجول جدًا، وليس شفافًا كما يبدو… لكنه شخص جيد، ومن أولئك المنتقمين[2].”

 

“هل لهذا السبب تم تجنيد الباندا؟” سأل الباندا رايان بعينين اتسعتا بالأمل. “لم تستطع الوثوق بأي أحد غيري؟”

 

في الواقع…

 

من الناحية التقنية، كان هذا صحيحًا بشكل أو بآخر. كان رايان متأكدًا تمامًا أن الباندا لا علاقة له بأي مؤامرة في هذا العالم—فلا توجد منظمة سرية عاقلة يمكن أن توظفه أصلًا! “بالضبط، أيها التلميذ الصغير.” أجاب وهو يرفع إصبعه نحو قلب الحيوان. “اخترتك لهذا السبب.”

 

“ك… كبدي؟”

 

“لا، بل لقلبك النقي!” صفعه رايان بخفة على مؤخرة رأسه. “ما زال أمامك الكثير لتتعلمه!”

 

“حسنًا، حسنًا… هذا أكبر بكثير من مستوى راتبي!” ردّت ووردروب بعد أن أخذت نفسًا عميقًا، وهي ترمق عصابة الميتا بنظرة قلق. “أولًا، ما العمل مع هؤلاء؟ كم ستصمد هذه الفقاعات؟”

 

“ساعات.” أجابت لين باقتضاب.

 

“ممتاز، هذا وقت كافٍ وأكثر لنقلهم إلى برج أوبتيماتس.” قالت ووردروب وهي تهز رأسها بثقة. “الجميع يحبّ الاعتقالات الرسمية وفق القانون!”

 

“ماذا، ألم تسمعيه؟” قال فيليكس القط بنبرة مشحونة بالغضب. كان قد ترك عائلته لينضم إلى ديناميس من أجل فعل الخير، وها هي الشركة تخذله. “سيعودون إلى الشارع خلال ساعات إذا سلّمناهم بهذه الطريقة!”

 

“وماذا بعد؟ هل نقتلهم؟” ردّت ووردروب بانفعال. “لا يمكننا فعل ذلك، نحن لسنا منتقمين! نحن نمثّل شيئًا أكبر… هناك إجراءات قانونية يجب اتباعها.”

 

“تفضلين التمسك بالعقد حتى لو كان ذلك يعني إطلاق سراحهم؟ هؤلاء حاولوا اختطاف أطفال لتحويلهم إلى جنود!”

 

“مهلًا، مهلًا، الجميع يهدأ!” قال رايان، قبل أن يتفاقم الجدال أكثر. “اسمعوا، لدي اقتراح. نتصل بمديرنا العزيز، يرسل لنا تعزيزات لاعتقال هؤلاء، ونسلمه التسجيل. ولهذا السبب سجلته أصلًا.”

 

“أوافق على ذلك.” أومأت ووردروب. “أنا واثقة أن إنريكي سيوضح كل شيء.”

 

عقد القط الذري ذراعيه وحدّق في رايان بريبة. “أنتما متورطان. أنت وبلاك ثورن.”

 

“آسف أيها القطّ الصغير، هذا سرّ.”

 

“أنتما متورطان، تحاولان فضح هيكتور.” توقف لحظة. “حسنًا.”

 

“وبالطبع، كل ما سمعتموه اليوم…” قال رايان وهو يرمق الجميع بنظرة جادة، واضعًا إصبعه على موضع الفم في قناعه كإشارة للصمت. “شـــــش…”

 

“الباندا سيكون صامتًا كالقبر!” وعد تلميذه بحماس، ثم نهض واقفًا مجددًا. “هل يمكنني تنفيذ الاعتقال أمام الكاميرات؟ أخرج المجرمين من السيارة وأدخلهم البرج بنفسي؟”

 

“صحيح، سيكون هذا أول اعتقال لك!” ردّت ووردروب بابتسامة مشرقة. “سترى، أول اعتقال لا يُنسى أبدًا. ومع زيك الجديد، أنا واثقة أنك ستتصدّر قوائم الشعبية!”

 

“وبالمناسبة… لماذا زي تشي جيفارا تحديدًا؟” سأل رايان، فقد ظل هذا السؤال يزعجه طوال الوقت.

 

“لأن قسم العلاقات العامة لا يسمح لي بارتدائه أبدًا، ولا زي فيدل كاسترو[3] أيضًا.” اعترفت ووردروب، وقد ارتسم شيء من الإحراج على وجهها. “يقولون إنه زي ثوري أكثر من اللازم، رغم أنني أستطيع النجاة من أي شيء عندما أرتدي بزته!”

 

رفعت لين رأسها فجأة، وقد اشتغلت راداراتها الشيوعية. “هل أنتِ ماركسية؟”

 

“أمم… أعتقد أنني أميل أكثر للديمقراطية الاجتماعية.” أقرت ووردروب، لتظهر خيبة الأمل على وجه لين. لكن مصممة الأزياء أسرعت لتواسيها: “لكنني أتعاطف! أتعاطف فعلًا!”

 

سمع رايان صوت تنبيه على هاتفه، فأدرك أن أحدهم أرسل له رسالة. “عليّ أن أذهب.”

 

“ماذا؟ لكنك ستفوت جلسة التصوير!” اعترضت ووردروب بحدة وهي ترمقه بنظرة غاضبة. “كويك سيف، سيكون من المثالي أن نُعرّف العالم على زيك الجديد!”

 

“آسف، قصيرة وأنا بحاجة لإعادة الأطفال إلى منازلهم.” قال رايان، بينما عقدت لين حاجبيها بتوجس. صحيح أن موت سايشوك المؤقت لم يستدعِ ردًا فوريًا من آدم الضخم، لكن الأرجح أن الميتا سيهاجمون الميتم مجددًا بقوى أكبر ما لم يتم إخلاؤه. “وبعد ذلك… لدي موعد.”

 

كان المتصل المجهول قد أرسل له دعوة.

□■□■□

 

في ذلك المساء، قاد رايان سيارة البليموث فيوري إلى جنوب روما الجديدة، وكانت لين تجلس إلى جواره. شقّا طريقهما متجاوزَين الشارع الرئيسي حتى وصلا إلى مكان لا يمكن وصفه إلا بأنه حيّ فقير.

 

حسنًا، ربما كان يبالغ بعض الشيء. المكان كان متسخًا بشكل فظيع؛ الأرض مغطاة بأدوات تعاطي المخدرات المستعملة، وواقيات ذكرية مرمية، وحتى فوارغ رصاص… ومع ذلك، لم يكن الوضع سيئًا كمدينة الصدأ. لم يرَ رايان أي كلاب شاردة تبحث في صناديق القمامة، وكان الناس يتحركون في الشوارع بلا ذلك الشعور الدائم بالذعر الذي يميز الأحياء الشمالية. كان الحي أشبه بمكب نفايات… لكن بدا أن هناك من يحافظ على قدر من النظام فيه.

 

أوقف رايان سيارة البليموث فيوري في موقف سيارات موتيل بدا منفّرًا للغاية، طلاء جدرانه يتقشر وإضاءة لوحته النيون تومض بضعف. لاحظ الموصّل بقايا مسبح قريب، جفّت مياهه منذ زمن بعيد. كانت هناك غرفة واحدة فقط مضاءة، في الطابق الأول.

 

كانت كانسل تحرس الباب. على الأقل، كان هذا يؤكد شكوكه.

 

“هنا المكان.” قال رايان وهو يراجع العنوان الذي أرسله المتصل المجهول.

 

“أنا… أنا أعرف هذا المكان.” تمتمت لين بقلق وهي تعقد حاجبيها. “يسمونه موتيل الأراضي الميتة.”

 

“أجل، يبدو ميتًا فعلًا من مظهره.”

 

“ريـري…” قالت، تحدق فيه بقلق متزايد. “سمّوه بهذا الاسم لأن… لأن الكثير من الناس يختفون هنا.”

 

لم يدهشه الأمر؛ فالمكان قريب من جبل أوغستس، ومعزول بما يكفي ليبقى خارج نطاق تدخل الأمن الخاص. ما أدهشه حقًا هو إصرار قصيرة على مرافقته بعد أن أجلت الأطفال إلى مخبئها تحت الماء—وقد أشعره ذلك بالامتنان والدفء. “لو كانوا يريدون قتلي، لما أرسلوا لي دعوة أصلاً.” قالها بنبرة مطمئنة.

 

“هل… هل أنت متأكد أنك تريد فعل هذا؟”

 

رمق رايان كانسل بنظرة ثابتة. “هذه هي الطريقة الوحيدة للتأكد.” ثم ابتسم لشريكته. “ومع وجودكِ إلى جانبي، لا داعي لأي خوف.”

 

“لا… لا تمزح بهذا الموضوع، أرجوك.”

 

“أعلم، لكن علي أن أعترف…” ابتسم من خلف قناعه، “من الجيد حقًا أن يكون هناك من يحميني.”

 

“نعم… أشعر بذلك أيضًا.” حولت نظرها بعيدًا عنه. “فقط… كن حذرًا، أرجوك.”

 

“أعدكِ.”

 

وبعد هذه الكلمات العاطفية، غادر رايان السيارة وصعد الدرج نحو الطابق الأول من الموتيل متجهًا إلى كانسل.

 

“مرحبًا يا غريتا.” لوّح لها بيده مبتسمًا. “هل مورتيمر هنا بالجوار؟”

 

“أوه، مرحبًا!” ردّت عليه وهي تلوّح بذات الود الطفولي المعتاد. “إنه يختبئ في أحد الأركان.”

 

“يهوذا…” جاء صوت مورتيمر، ولم يعرف رايان إن كان يخرج من الجدران أم الأرض. “يهوذا!”

 

“لكن هل سبق أن التقينا؟” سألت كانسل رايان بنبرة ودودة كما في كل مرة. لم يرَ الموصّل تعبير وجهها يتغير قط مهما تعددت الحلقات. “أنا دائمًا أتذكر الأقنعة والوجوه.”

 

“حسنًا، لم تحاولي قتلي حتى الآن.” قال رايان مازحًا.

 

“أوه، هذا جيد! كنت سأشعر بالسوء لو فاتتني هذه الفرصة!”

 

“لكن إن كنتِ هنا لتقتلينني، هل يمكن أن نختار مكانًا أكثر لياقة من موتيل؟” أشار شمالًا وأضاف: “أعتقد أن هناك مراحيض عمومية على بُعد شارعين من هنا.”

 

“لا تقلق، نحن هنا للحماية.” طمأنته غريتا، مشيرة إلى الباب. “هناك شخص يرغب في مقابلتك.”

 

كما توقع تمامًا. ومع نظرة أخيرة إلى لين القلقة التي كانت تنتظره، فتح رايان باب الغرفة ودخل.

 

ولدهشته، بدا الداخل أكثر دفئًا واتساعًا مما يوحي به المظهر الخارجي. كانت غرفة عادية جدًا في الحقيقة: سرير ضخم، وبعض وسائل الراحة الأخرى—لكن رايان لم يستطع إلا أن يسخر في نفسه من لون الجدران الأزرق. كان أحدهم قد أعد طاولة للطعام، عليها أكواب قهوة، ولوح شطرنج، وحتى بعض البسكويت.

 

أما مضيفه، فكان يجلس في الجهة المقابلة ينتظره.

 

“شكرًا لقدومك، كويك سيف.” قالت ليفيا أوغُستي وهو يغلق الباب خلفه. “أم ينبغي أن أناديك رايان؟”

 

قطب رايان حاجبيه وقد بدت عليه الحيرة. “ألستِ متأكدة؟”

 

“ليس تمامًا.” اعترفت أميرة المافيا بهدوء. “لكنها ليست المرة الأولى التي نلتقي فيها، أليس كذلك؟ كيف كنت أناديك… قبل أن تعيد عقارب الزمن إلى الوراء؟”

 

كانت تعرف.

 

تبًا… إنها تعرف، وكانسل لا تبعد عنه سوى أمتار قليلة. “كنتِ تنادينني رايان.” أجاب وهو يحاول إخفاء خوفه. “كنا مجرد معارف عابرين.”

 

“كما توقعت.” ردت ليفيا، وقد ارتسمت على وجهها ملامح التفكير العميق. “‘البرتقالة في بيت الدجاج’… ظللت حائرة حول معنى هذه العبارة، لكنني أفهم الآن. كانت رسالة في زجاجة—إشارة استغاثة أُلقيت في البحر على أمل أن تصل إلى الشخص المناسب.”

 

سكبت أميرة الأوغُستي كوبًا من القهوة لرايان، ودعته للجلوس.

 

“ها هي زجاجتك وصلتني.” قالت ليفيا مبتسمة. “فلنفتحها سويًا.”

 

☆☆☆☆☆

 

ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.

 

[1] المنتقم: الشخص الذي يأخذ العدالة بيده ويقوم بعمل شيء للانتقام أو معاقبة المجرمين خارج إطار القانون.

 

[2] تشي جيفارا كان ثوريًا ومقاتلًا اشتراكيًا، يُعرف بنضاله في الثورة الكوبية ورؤيته لضرورة الثورة المسلحة.

 

[3] فيدل كاسترو كان قائدًا سياسيًا، ورئيسًا لكوبا، يُعرف بتحويلها إلى دولة اشتراكية وحكمه الطويل.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset