النهاية المثالية: الفصل 42

تقدم محرز

الفصل 42: تقدم محرز

 

كانت حفلات الجينومات دائمًا ما تُضفي جوًّا من المرح… لكن تبعاتها كانت كابوسًا.

 

حين عاد رايان إلى منزل جيمي، وجده في حالة يُرثى لها. الأرض غارقة بزجاجات الجعة، وعلب البيتزا، والنفايات، وأشياء يُفضّل أن تُنسى. شخصٌ ما أغرق الأريكة بسائلٍ مريب، وعلى الرغم من أنّ الدماغ منسق الأغاني نجا من هذه القيامة المصغّرة، إلا أنّ أحد الحضور رسم وجهًا مبتسمًا على سطح الحوض الزجاجي. وحتى مع إيقاف الزمن مرارًا، ظل تنظيف الفوضى مهمة شاقّة.

 

وكان رايان لا يزال يعمل عليها حين حلّ المساء.

 

“أسرع أيها العبد!” جلست لانكا، السيدة القاسية التي نصّبت نفسها مشرفة عليه، على كرسي وهي تراقبه ينظف الأريكة بالممسحة. أما جرذان كي-جونغ، فكانت تراقب المشهد كأنها تشاهد عرضًا كوميديًّا. “أريد أن أرى هذه الأريكة تلمع بما يكفي لأجلس عليها بأناقتي.”

 

“هل تريدين مني أن أنظّف مؤخرتك الملكيّة أيضًا بينما أنا في هذا المزاج الخدمي، يا جلالة الملكة؟” قال رايان بجفاف.

 

“لا، شكرًا، لقد أديتُ دوري بالفعل،” ردّت وهي تلوّح بيدها. “أنت من اختفى عن المدينة طوال الصباح.”

 

“أنتِ فقط غاضبة لأنني كنتُ المدعوّ إلى طاولة الكبار،” سخر منها رايان، قبل أن يرنّ هاتفه الخلوي في جيبه. توقّف عن عمله القذر لحظة، وأخرج الهاتف ليتفقد رسالة وصلت من ياسمين.

 

[ياسمين الحب: كيف تودّ أن يكون شكل درعك؟]

 

شرع رايان في كتابة ردّه:

 

[مروض الدمية المحشوة: هل سبق أن لعبتِ فول أوت؟

 

ياسمين الحب: أي جزء تقصد؟ الأول؟ الثاني؟ تاكتيكس؟ أم فان بورين؟

 

مروض الدمية المحشوة: لم تذكري بروذرهود أوف ستيل.

 

ياسمين الحب: تلك اللعبة لم توجد قط، وسأقتل من يدّعي عكس ذلك.

 

مروض الدمية المحشوة: إجابة موفّقة. فول أوت 2، أمريكا في سبيل الإنكلايف.

 

ياسمين الحب: توقّعت ذلك. ستبدو رائعًا وأنت تفتك بالمسوخ.

 

مروض الدمية المحشوة: أنا وأنتِ، ومدفعي البلازمي الكبير…

 

ياسمين الحب: أبقه مشحونا. قد أصقله بنفسي إن أحسنتَ التصرّف.]

 

“تراسل حبيبتك أثناء العمل، يا ثرثار؟” علّقت لانكا وهي تنظر من فوق كتفه، ثم اتّسعت ابتسامتها حين رأت اسم المرسلة. “انتظـر، انتظـر… هذا رقم فولكان!”

 

“أغارت الغيورة؟” قالها رايان وهو يعيد الهاتف إلى جيبه.

 

“أنا سعيدة لأنك لم تنتحر بمحاولة التقرب من ليفيا، لكن فولكان؟ كل الاحترام. ستطلق النار عليك يومًا ما بلا شك، لكن شجاعتك ستُخلَّد.”

 

في الواقع، كانت قد أطلقت النار عليه بالفعل. “اضطررتُ للعمل عنّا نحن الاثنين، بما أنك عاجزة عن مواعدة أي أحد.”

 

ابتسمت لانكا وهي تحتسي الجعة. “من أين تظنّ أن تلك السوائل جاءت؟”

 

نظر رايان إلى الأريكة، ثم إلى الممسحة، ثم إلى لانكا التي اتّسعت ابتسامتها أكثر. “تعلمين؟ أظنّني سدّدتُ دَيني للمجتمع،” قال وهو يرمي بالممسحة في وجه رفيقة السكن. “نظّفي فوضاك بنفسك.”

 

“هيه، أيها الكسول، عُد إلى هنا!” صاحت لانكا، وهي تحاول نزع الممسحة اللزجة عن وجهها.

 

لكن رايان تجاهلها وتوجّه نحو جهاز الستيريو ليفصل دماغه الموضوع في الجرّة. أما جرذان كي-جونغ، فقد انسحبت نحو المطبخ، ثم عادت إلى الأريكة وهي تجرّ منشفة بأفواهها، عازمة على تنظيفها بنفسها. كانت سيّدتها لا تزال متحصّنة في غرفتها مع حبيبها، لكن من المحتمل أن تخرج من مخبئهما قريبًا.

 

لم يُصدّق جيمي في البداية أنه قد نال ترقية… حتى اتّصلت به ليفيا شخصيًّا لتؤكّد الأمر. وبعد لحظة صمت ثقيل، انسحب السيّاف إلى غرفته مع كي-جونغ ‘لمناقشة’ الموضوع… لكنّهما بقيا هناك بمفردهما ثلاث ساعات حتى الآن. وكان رايان شبه متيقّن أن النقاش لم يكن محور ذلك الاحتفال الخاص.

 

وحين عاد جيمي وكي-جونغ إلى غرفة المعيشة، كانت الجرذان قد نظّفت الأريكة بما يكفي لتتمدد عليها لانكا بكسل. وكان الحبيبان يجلسان متلاصقين تقريبًا، فيما كانت تشيتر قد تعافت تمامًا من انهيارها الليلي. بل بدت سعيدة إلى حدٍّ جعل رايان يظنّ أنها قد تصعد إلى السماء في لحظتها.

 

“حدث شيء كبير،” قال الموصّل وهو يفصل مكبّرات الصوت عن الدماغ الموضوع في الجرّة. “أشعر بذلك.”

 

“ما الأمر؟” سألت لانكا، حاجبها مرفوع. “غير أنّكما غيّرتما اسمكما إلى السيّد والسيدة ميركوري؟”

 

تبادلت كي-جونغ نظرة سريعة مع رفيقها، فأومأ لها ببطء. “جيمي تقدّم لي أخيرًا،” قالتها وهي تكاد تقفز من الفرح.

 

رمشت لانكا بدهشة. “مستحيل!”

 

“مبارك!” قال رايان وهو يرفع إبهامه، فيما صفّقت الجرذان بأياديها الصغيرة. “عليكما إخبار الجميع!”

 

“وقبلتِ العرض؟” سألت لانكا كي-جونغ بسؤال غبي.

 

“طبعًا قلتُ نعم!” ضحكت كي-جونغ. “وأريدك أن تكوني وصيفتي، يا لانكا.”

 

“أنا؟” للمرّة الأولى منذ أن عرفها رايان، بدت هذه النّهّابة السابقة عاجزة عن الكلام ومُربَكة. “لكنّي لا أعرف شيئًا عن حفلات الزفاف!”

 

“ستكونين رائعة،” ردّت كي-جونغ بابتسامة دافئة، وإن خفت بريقها قليلًا. “كان فيليكس ليكون إشبين جيمي… لكني لا أظنّ أنه سيحضر.”

 

“سأطلب من ميركوري أن يكون إشبيني،” أعلن جيمي. “أنا مدين له بحياتي كلّها. لولاه، لبقيت مجرد يتيم بائس يبيع الخردة. أمّا الآن… فسأبذل قصارى جهدي لأُكرم اسمه.”

 

“يبدو أنني سأضطر لمناداتك بالرئيس من الآن فصاعدًا،” قالت لانكا بابتسامة عريضة. “وإن كان أحدٌ يستحق هذا المنصب، فهو أنت، جيمي.”

 

“ما زلتُ لا أصدّق أن هذا يحدث حقًا،” قال زانباتو، متأرجحًا بين الفرح والفخر والتوتّر. كان يبدو ظريفًا جدًا حين تنتابه هذه الثقة المهتزّة. “أنا، مجرد جرذ شارع، أرتقي إلى رتبة أولمبيّ؟ وأصبح كابوريجيمي[1]؟”

 

“إنها متلازمة المحتال،” قال رايان للسيّاف. “إنها مثل التعقّل تمامًا؛ تظاهر بها حتى تصبح حقيقية.”

 

“أظنّك على حق،” ردّ جيمي، رغم أنه من الواضح أنّ أمامه طريقًا طويلًا ليقطعه. “لكنّ الأمر ضخم للغاية… بعيدًا عن المسؤوليات والجلوس على طاولة الأولمبيين، ستكون لديّ كل موارد القسم تحت تصرّفي. ملايين، بل مليارات من الأموال.”

 

“هل ما زلت تنوي استثمارها في مباريات كرة القدم؟” سألت لانكا.

 

“لم نشهد بطولة وطنية منذ حروب الجينومات،” قال جيمي بنبرةٍ تفيض حماسةً. “تحتكر ديناميس الرياضة ببطولتها ديناكاب، لكنّ الأحياء الفقيرة تعجّ بالمواهب التي لا يمنحها أحدٌ فرصة سوى نحن. أنا واثق أن أحدهم سيكون مارادونا الجديد.”

 

“ربما عليك التبرّع للأعمال الخيرية، أو إنشاء مراكز لعلاج الإدمان، أو مستشفيات…” قالت كي-جونغ، ثم التفتت إلى رايان، “ربما تعيد بناء ذلك الميتم الذي دمّرته عصابة الميتا.”

 

“بل ربما عليك أن تبدأ بمدينة الصدأ كلّها،” هزّ رايان كتفيه، “إنها المكان الأكثر بؤسًا ممّا رأيتُ في حياتي، بما في ذلك الأراضي القاحلة المشعّة.”

 

ولدهشته، بدا أن جيمي قد أخذ اقتراحه على محمل الجدّ فعلًا. “ليست فكرة سيئة على الإطلاق،” اعترف بذلك وهو ينظر إلى كي-جونغ. “ما رأيكِ؟”

 

“أنت من يجب أن يعرف،” ردّت قبل أن ترمق رايان بنظرة سريعة. “لقد التقيت بالأولمبيين. هل تعتقد أنهم سيعارضون ذلك؟”

 

أخذ رايان السؤال على محمل الجدّ وبدأ يفكّر.

 

في نهاية المطاف، لم يكن “مؤخرة البرق” يبدو مهتمًّا بالمال أصلًا. كلّ ما كان يريده هو القوّة والهيبة. طالما أنّ جيمي يلتزم بالأوامر ولا يتدخّل في شؤون الأقسام الأخرى، فالأغلب أنّ أوغستس لن يُبالي مطلقًا إن استخدم الأموال لبناء ملاجئ للأيتام أو التبرّع للأعمال الخيرية. أما نبتون وليفيا، فكانا أكثر اهتمامًا بتوسيع إمبراطورية العائلة، وربّما يُباركان المبادرة فقط لأنها تحسّن الصورة العامة. أمّا مارس وفينوس… فلم يتمكّن رايان من سبر أغوارهما تمامًا.

 

لكن باخوس…

 

“أظنّ أنهم سيكونون منفتحين على الفكرة،” قال رايان أخيرًا، وإن أضاف تحفّظًا: “ما دام الأمر لا يتعارض مع تجارة مخدر السعادة.”

 

وهنا ظهر جوهر المشكلة. تغير مزاج الثنائي فورًا، وتبادلا نظرة صامتة. لكن كي-جونغ لم تستسلم. “لو تمكنت من الحديث مع ليفيا بهذا الشأن…”

 

“موا(أنا)؟” ردّ رايان مستغربًا قليلًا.

 

“يبدو أنها تكنّ لك احترامًا كبيرًا، مما سمعته،” قال جيمي. الأخبار تنتقل بسرعة. “لكن كن حذرًا معها. إنها قرة عين والدها، وأوغستس لا يتسامح أبدًا مع من يسيء إليها.”

 

“لا تقلق، فولكان سبقَتها إليه،” قالت لانكا ضاحكة عندما رمقها رايان بنظرة حادّة.

 

“لقد وشيتِ بي!” ثم نظر إلى الجرذان في الغرفة. “آسف. بعضٌ من أعزّ أصدقائي قوارض صغيرة.”

 

“كان لديّ شعور أن شيئًا ما سيحدث بينكما،” ابتسمت كي-جونغ بود. “كان التوتّر بينكما واضحًا للعيان.”

 

“أنا سعيد حقًا لأنك وجدتَ من يشاركك حياتك،” قال جيمي وهو يضع يده على كتف رايان بمودّة. “لا أعلم إن كانت العلاقة ستدوم، لكنّي آمل أن تتمكّن من إسعادك.”

 

“سأغادر قبل أن تُصيبني بالسكّري من فرط الحنان،” ردّ الموصّل وهو يحمل دماغه الموضوع في الجرّة متجهًا إلى المرآب. وحين غادر الغرفة الرئيسية، كان الثلاثي منشغلين بمناقشة موعد الزفاف وترتيباته.

 

لحسن الحظ، كان المرآب مغلقًا أثناء الحفلة، فنجت سيارة رايان من عبث الضيوف. ولو أنّ لانكا استخدمت المقعد الخلفي لفعلتها اللزجة المقزّزة، لربّما بدأ المسافر عبر الزمن حلقة انتحارية من شدّة الغضب.

 

بعد ثلاثين دقيقة، كان الموصّل قد أعاد توصيل الدماغ إلى مكانه. فتح باب السيارة وجلس خلف المقود، ثم شغّل الراديو الزمني.

 

بدلًا من الأغاني الطريفة من أكوانٍ بديلة، خرج صوتٌ خافت من الراديو.

 

“مرحبًا، ريـري.”

 

تجمّد رايان في مكانه، وتحقّق من أنّ باب المرآب مغلق، ثم رفع مستوى الصوت. “لين؟ أأنتِ؟”

 

“ن-نعم، أنا. هل أُزعجك؟”

 

“لا، لا، الأمر على ما يرام، كان عليّ فقط أن أتأكّد.” اضطرّ للسؤال، إذ لم يكن من عادتها أن تبادر بالاتصال. “لم نتحدّث منذ أيّام.”

 

“نعم، أمم…” توقّفت، غير متأكدة مما ينبغي قوله. كان الإحراج محسوسًا، يكاد يُلمس.

 

قرر رايان أن يُنقذها من مزيد من التخبّط. “كيف حال الأطفال؟”

 

“ما زالوا يتأقلمون مع المكان، لكنهم يحبّونه. نحن… لعبنا بعض الألعاب. ألعاب الطاولة.” توقّفت لحظة، تحاول انتقاء كلماتها. “سارة قالت إنك ستحبّهم.”

 

“هل هذه دعوة؟”

 

“أنا… ربما.”

 

حسنًا، كان ذلك تطوّرًا كبيرًا. ربما لم تتحطّم صداقتهما تمامًا كما ظن، أو لعل وجود الأطفال ساعد لين على التعافي من عزلتها التي فرضتها على نفسها.

 

“فولكان تواصلت معي بخصوص عصابة الميتا،” قالت لين وهي تغيّر الموضوع، “أظنّ أنّ عليك أن تعرف. لقد تتبّعتُ غواصتهم إلى نفقٍ مخفي، يقود إلى ما تحت المدينة.”

 

“نحو الملجأ،” قال رايان وهو يضع يديه على المقود. “هل أخبرتِ فولكان؟”

 

“لا، ظننتُ أن من الأفضل أن أخبرك أولًا. ريـري، هل صحيح ما سمعته في الأخبار؟ أنك هاجمتَ ديناميس برفقة فولكان؟”

 

“لأستعير واحدة من بذلاتهم،” أجاب رايان، وهو يضع يديه على أكمام الكشمير الدافئة الناعمة. “كان موعدًا… نوعًا ما.”

 

لم تردّ لين. تحوّل الخط إلى تشويش، وظل رايان يتساءل إن كانت مصدومة، حزينة، أم فقط فقدت الإشارة. “قصيرة؟”

 

“أنا… أنا سعيدة من أجلك. إنها أفضل من الأخريات.” صمتٌ آخر. “أنت تستحق أن تجد السعادة.”

 

كسر شيءٌ في نبرة صوتها قلب رايان. “قصيرة؟”

 

“هل تعرف؟”

 

“لا، لم أخبرها.” رمق النافذة بنظرة، ثم الجدران الباردة للمرآب. “النهاية دائمًا واحدة.”

 

رغم أنه استمتع فعلًا بصحبة ياسمين، إلا أنّ رايان لم يكن ليتردّد في الوقوف ضدّ الأوغستي إن تطلّب الأمر لتحقيق نهايته المثالية. ورغم أنّ فولكان لم تبدُ مخلصة لأوغستس، إلا أنّ طبعها الناريّ كان كافيًا لأن تحاول قتله في حلقة سابقة. وبالرغم من نيّاته الحسنة، قد ينتهي بهما المطاف في جانبين متقابلين.

 

ثم إنّ معظم علاقاته كانت تنهار مع نهاية كلّ حلقة. التعلّق الزائد… لا يزيد النهاية الحتميّة إلا وجعًا.

 

“أ… أفهم،” قالت لين، قبل أن تحاول تعديل نبرتها وتصفية صوتها. “لكن ربما… ليس هذه المرّة.”

 

ارتفع رأس رايان باهتمام. “أوجدتِ حلًّا؟”

 

“أظنّ ذلك،” أجابت، قبل أن تبدأ بطرح أسئلتها. “أنت تُنشئ توقفك الزمني من خلال محاذاة نسختيك، صحيح؟ بحيث تتفاعل الفترتان الزمنيتان معًا لمدة عشر ثوانٍ.”

 

“أفهم إلى أين تقودين هذا،” قال الموصّل، وقد بدأ مزاجه يتراجع. “فكرتُ في استخدام تلك الفترة لإرسال أشياء إلى الماضي، لكن لا يمكن إرسال أي شيء مادي. حتى القطط. جرّبت ذلك.”

 

كان الانتقال الجسدي عبر الزمن يبدو وكأنه يُخلّ ببعض القوانين الأساسية لهذا الكون، حتى بمقاييس الجينومات. وإن كان ممكنًا، فلا بدّ أنه يتطلّب قوّة بنفسجية فريدة، لم تُكتشف بعد، ولا يستطيع رايان محاكاتها.

 

“لكن بإمكانك إرسال إشارات. معلومات، كما يفعل الراديو الزمني،”

 

“إلى ماذا ترمين، يا قصيرة؟”

 

“سايشوك… يستطيع أن يُعيد كتابة العقول، بل وينقل وعيه، دون أن يُغيّر شيئًا ماديًا في الدماغ. هو يعبث بالموجات الدماغية والإشارات العصبية. وبالتالي، يصبح مخزن الذاكرة المادي أقلّ أهمية من التفاعلات الكهربائية التي تحدث كلّ ثانية. إن تمكّنا من أخذ لقطة ذهنية، ثم إرسال تلك المعلومات إلى وعاء متطابق تمامًا… مثل الجهاز العصبي لنفس الشخص…”

 

راح رايان يتأمّل كلماتها. “أنتِ تريدين إرسال وعي شخص ما إلى الماضي.”

 

“بالطريقة التي تفعلها أنت، نعم.”

 

“فكرة جيّدة، لكن… بعيدًا عن كون الدماغ ليس تمامًا مجال اختصاصك، كيف تخطّطين لنسخ عقلٍ بشريّ كامل، وإرشاده عبر شذوذ زمني، ثم نقله إلى نسخته الماضية؟ الدماغ البشري يحتوي على أكثر من مليون مليار وصلة، ترسل مجتمعةً ما يقارب كوادريليون إشارة في الثانية.”

 

“نعم، إنّه…” تنهدت بعمق. “بوسعي تصميم جزء صغير فقط من النظام: الملاحة، لتوجيه الإشارة عبر الشذوذ. لكنك ستحتاج إلى موارد لا أملكها كي تكتمل الفكرة. عباقرة آخرين، طاقة معالجة أكبر… وقت أكثر لفهم كلّ ذلك.”

 

وكان رايان يملك من ذلك الكثير. “لكنكِ تعتقدين أن الأمر ممكن؟”

 

“بوسعي ترقية الراديو الزمني خاصّتك لإرسال إشارات إلى هدفٍ معيّن في الماضي،” قالت. “لقد كتبتُ التصميم بالفعل. يمكنني إرسال المخطّط لك. إنّه… ليس مختلفًا كثيرًا عن التواصل عبر الماء أو في بيئات عدائية. الأمر أصعب، نعم. لكنّه ممكن.”

 

“هل تظنين أننا نستطيع إنجازه في هذه الحلقة؟ قبل أن ينسى الجميع؟”

 

جاء صمت لين كإجابة بحدّ ذاته.

 

“هناك…” صفّت حلقها، “هناك مكانٌ واحد قد يمتلك التكنولوجيا المطلوبة.”

 

مخبأ ميكرون.

 

“عصابة الميتا ستكون هناك،” قال رايان. ومع الموارد والمعلومات المتوفّرة حاليًّا، لم يكن يظنّ أنّ بوسعه هزيمة جميع السايكو في القاعدة. لم يجد بعد طريقة للتخلّص من فرانك تحديدًا، وهانيفات ليكتر سيلجأ بلا شك إلى استخدام الرهائن كما فعل سابقًا.

 

“بإمكاني المساعدة،” قالت لين بإصرار. “لقد ساعدتني في الدفاع عن الميتم، وأقلّ ما يمكنني فعله هو ردّ الجميل.”

 

“إن متِّ أمامي مرة أخرى—”

 

“أعرف كيف أعتني بنفسي،” قاطعته بنبرة منزعجة، قبل أن تلاحظ شيئًا. “مرة أخرى؟”

 

لم يُجب رايان. لقد سرح بذهنه نحو حلقة ديناميس، وكيف فجّرتهما أسيد رين إلى مملكة السماء.

 

“ربما يمكنك أن تطلب المساعدة من الأوغستي؟” اقترحت لين، وقد بدأت تنفد منها الحلول.

 

تردّد رايان للحظة، مفكّرًا في الاحتمالات، ثم اتّخذ قراره. “لا،” قال بحزم. “لا، مستحيل تمامًا.”

 

وبعد أن رأى مؤخرة البرق بنفسه، لم يكن رايان ليمنحه مطلقًا حقّ الوصول إلى ترسانة ميكرون. صحيح أن في المنظمة أفرادًا طيبين، لكن الرجل على القمّة… كان وغدًا من الطراز الثقيل. لو وقعت تكنولوجيا ميكرون بين يديه، لاستغلّها في زرع الموت والدمار؛ فهو بالكاد يكبح جماحه بالموارد الحالية، وأسلحة ميكرون لن تزيده إلا شراسة ودمويّة.

 

“لا أحبّهم، لكن ما إن تحصل على التصميم…”

 

“سأضطرّ إلى البدأ من جديد بعد ذلك لتفادي الكارثة،” ردّ رايان، “وستنسينني من جديد.”

 

“لا تفكّر بي، ريـري.” تلا ذلك صمتٌ قصير. “لا أريد أن أكون عبئًا.”

 

لكن ما لم يُقال… كان واضحًا: ليس مرة أخرى.

 

تنهد رايان. “فقط امنحيني بعض الوقت لأجد حلًّا،” توسل. ربما يعزّز درع فولكان قدراته، أو تظهر له فرصة أفضل. “لا تقولي شيئًا عن عصابة الميتا أو المخبأ في الوقت الحالي.”

 

“حسنًا. أنا… أنا هنا إن احتجتَ لأيّ شيء.”

 

“شكرًا، يا قصيرة.”

 

لم تُجب لين. بدلًا من ذلك، بدأ الراديو الزمني بعزف ألحان سيبر بانك دراميّة حالمة.

 

لم تكن لين تدرك تمامًا حجم المسؤولية الملقاة على كاهل رايان. كان بوسعه أن يُنقذ الجميع، أن يجد السيناريو المثالي الذي يُفضي إلى أفضل نتيجة ممكنة. أمّا إن حفظ تقدّمه في مسارٍ غير أمثل، حتى لو كان ذلك للحفاظ على صداقتهما، فستقع جميع العواقب عليه. الأرواح التي تُزهَق… ستُفقد إلى الأبد. ولن يكون للمسافر عبر الزمن أيّ عذر، لأنه كان بوسعه إنقاذهم… لو بذل جهدًا أكبر.

 

وبعد أن تأمّل الموقف قليلًا، اضطر رايان للاعتراف بالحقيقة في قرارة نفسه.

 

هذه الحلقة… كانت جيدة. جيدة جدًا.

 

لكنها لن تكون مثاليّة.

 

☆☆☆☆☆

 

ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.

 

[1] كابوريجيما: هو لقب يُستخدم في عصابات المافيا للإشارة إلى رئيس الطاقم أو رئيس المجموعة، وهو المسؤول عن إدارة مجموعة من الجنود في العصابة.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset