الفصل 34: الكر والفر
الحلقة الزمنية الحالية قد تكون الأهدأ حتى الآن.
لقد نجح رايان أخيرًا في تحسين مسار الأوغُسْتي. أنهى مهمة الميناء دون أيّ حوادث تُذكر، فلم يرسل آدم البدين أحدًا هذه المرة، وكان رايان قد تخلّص من لويجي مسبقًا. أما كاشف الحقيقة، فكان من المقرر أن يغادر المستشفى يوم الأربعاء، لكن رايان ينوي إحراز بضعة أهداف خلال الفترة الثانية من مباراة الهوكي.
بعد ذلك، دعاه جيمي للمبيت في منزله، ولم تلبث بلوتو أن ظهرت في زيارة تفتيش ‘مفاجئة’. لكن استجوابها له كان أقل حدّة هذه المرة، إذ بدا أن المعلومات التي قدّمها عن سايشوك قد أكسبته بعضًا من الثقة. بعدها حصل على وظيفة مساعد لفولكان، التي بذلت جهدًا كبيرًا في التوسّط لتوظيفه… منذ أن وضعت يدها على قنبلته الذرّية. بل إنها، في هذه الحلقة، لم تطلب منه حتى أن يخرب فيلم وايفرن.
انتظر رايان بصبر غارة اليوم على مدينة الصدأ. كان قد زوّد الأوغُسْتي بكل ما يلزم لتحسين فرصهم في القتال، من نطاق تأثير لاند، إلى قدرات كلّ سايكو قاتله حتى الآن. صحيح أنه لم يذكر شيئًا يتعلّق بالمخبأ، مثل الآليّ، لكنّ الأمور بدت مبشّرة في المجمل.
حقًّا، كان رايان متحمّسًا لهذه الحلقة.
“قاطع بلاز—” ناول رايان الأداة لفولكان قبل أن تُكمل الجملة، وكانت العبقرية منشغلة تمامًا بتعديل مدفع درعها. “—ما. المفتاح.”
ناولها رايان المفتاح… ثم قدحًا من القهوة.
“لم أطلب قهوة،” علّقت دون أن ترفع عينيها.
“لكنّك كنتِ على وشك أن تفعلي.”
توقّفت فولكان في منتصف عملية اللحام، وضعت أدواتها جانبًا ورفعت قناعها الحديدي. ساد صمت قصير داخل ورشتها، وهي تتفحّص الموصّل من رأسه حتى قدميه. “رايان، أين كنت تختبئ طوال هذا الوقت؟”
“في الغالب خلف الانفجارات… وأحيانًا في حرائق الغابات.”
“كان يجب أن أوظفك منذ سنوات،” قالتها دون أدنى أثر للسخرية. “أنت أفضل مساعد كان يمكن أن أحلم به؛ بل إنك تسبقني إلى ما أريد، كأنك تقرأ أفكاري قبل أن أنطق بها. أنت مثالي، باستثناء أمرٍ واحد.”
أشارت فولكان بإصبعها نحو القطّ الأبيض الذي احتلّ طاولة العمل. مواء يوجين-هنري جاء ردًّا على الاتّهام. “لماذا أحضرتَ هذه الكرة الفروية إلى هنا؟” سألت رايان بنبرة مستنكرة.
“لم أستطع تركه في الميتم،” أجابها. “إنه قطّ نبيل، لن يصمد في البرّية.”
“لا، أعني، لماذا تركته في الترسانة وكأنه يعيش هناك؟ نصف الحراس صاروا يقضون نوباتهم في مداعبته حين يظنون أنني لا أراهم. إنه يشتّت انتباههم.”
“كي-جونغ لا تريده في البيت،” أجاب رايان وهو يلتقط يوجين-هنري بين ذراعيه. “أظل أقول لها إن هذا القطّ نبيل جدًّا على أن يطارد الفئران، لكنها لا تقتنع.” ثم رفعه عاليًا نحو فولكان. “اعترفي، لا يمكنك مقاومته أنتِ أيضًا. انظري إليه. انظري إلى عينيه الكبيرتين الجميلتين.”
لم تبدُ العبقرية متأثرة. “إن تسبّب في حادث، سأخصم تكاليف الإصلاح من أجرك،” تمتمت فولكان، ثم أمسكت بالقطّ ورفعته إلى حجرها، وسرعان ما مدّت ساقيها على الطاولة كأنها في استراحة. “كان لدي ابنُ عِرسٍ ذات يوم… لم يكن يخشى شيئًا.”
“وما الذي حدث له؟”
“لم يكن يخاف من السيارات أيضًا،” أجابت فولكان بوجهٍ كئيب، إذ بدا أنها تفضّل نكاتها سوداء قاتمة. “وبما أننا نتحدث عن الحيوانات… ماذا عن دمية الأرنب تلك—”
“لا،” قاطعها رايان.
“لكن—”
“لا.”
“هل عليّ أن آخذه تحت تهديد السلاح؟” هدّدت فولكان وقد غلبها فضولها.
“سيكون انتزاع عذريتي أسهل،” همس رايان في أذن العبقرية، “لكن، تنبيه مسبق… ضاعت منذ زمن بعيد.”
قهقهت فولكان وهي تحكّ يوجين-هنري بين أذنيه.
“ظننتك تواعد أندر دايفر؟”
“أوه، لا، سيكون من المعجزات لو استقرّ بنا الحال إلى شيءٍ ما.”
مع أخذ مشكلاتها في الحسبان، فصداقة إذاعية بعيدة المدى بدت الاحتمال الأرجح. “وإن حدث، فلا بدّ أنها عبقرية مَن سطت على قلبي الجريح.”
“أنصحك بالحذر من فمك الذكيّ هذا، يا رايان،” ردّت فولكان بمزاحٍ خفيف، وقد أصابها بعض من مزاجه المرح. “ما بك اليوم؟ هل الأمر له علاقة بالغارة؟”
“طبعًا له علاقة، أشعر أنها ستكون رائعة!”
خصوصًا بعد أن لقي ساي-ساي حتفه أخيرًا.
في غضون ساعةٍ من هلاكه، أصيب عشرات الأشخاص في أنحاء روما الجديدة بنوباتٍ دماغية، من ضمنهم بعض أتباع الأوغُسْتي وأفراد الأمن الخاص. أوكلت قيادة الأوغُسْتي مهمّة التحقيق إلى كي-جونغ، وكما أخبرت رايان، فإنّ معظم الضحايا قد فقدوا أيّ ذكرى لأيامٍ كاملة من حياتهم. بإبطالها لقدرات سايشوك من مسافة قريبة، كانت كانسل قد ألغت غسيل الدماغ الذي أخضعهم له.
وبما أن ذلك الحبار لم يُرَ منذ كمين الميتم، فقد افترض رايان أنه هلك إلى الأبد.
لم ترسل عصابة الميتا سارين للهجوم على الميناء، وبحسب شراود، فإنهم لم يحاولوا أيضًا إجبار بولي على الانضمام إليهم. هذا يُشير إلى أن غسيل الدماغ الذي كان يجريه سايشوك كان المصدر الأساسي لدى آدم البدين لجنود المشاة غير المزودين بقوى، وأن موته كلّف الميتا خسائر فادحة في الموارد.
لذا نعم، كان رايان في مزاجٍ ممتاز.
“يبدو أنك تحمل كراهيةً خاصة للسايكو،” تمتمت فولكان وهي تفكّر بصوتٍ عالٍ. “سمعتُ ما قلته لجيمي… عن أنّهم تلقّوا نسخًا مقلّدة من ديناميس.”
“وتُصدّقينني؟” حتى الآن، معظم معارفه في الأوغُسْتي اعتبروا كلامه نظرية مؤامرة.
أومأت برأسها. “المعمل ستة وستّون.”
“همم؟”
“تعرف مقرّ ديناميس، بجانب برج إل ميليوري البراق؟ إنهم يصنعون النسخ المقلّدة في الطابق السادس والستين. إنه أكثر مكان محصّن في روما الجديدة.”
“أوه، هذا لا يوحي بالشر إطلاقًا. هل هناك شكل خماسي مرسوم على الباب؟”
“لا، لكن كبير العلماء هناك مجنون غريب بأربعة عيون، يلقّب نفسه بالدكتور تيرانو،” ضحكت فولكان بخفة. “هو من استنسخ كلّ الديناصورات التي تراها في كولوسيوم ماكسيموس. والأطرف؟ أن الاستنساخ ليس حتى مجال عبقريته، هو فقط مهووس بها؛ وأكاد أجزم أنه يعمل في ديناميس فقط لأنهم يسمحون له بإنتاج المزيد من تلك الزواحف. على أيّ حال، تعرف ذلك النذل إنريكي؟”
“لن أفهم أبدًا لماذا لا يشكّ أحدٌ في كونه شريرًا خارقًا يسعى للسيطرة على العالم،” علّق رايان وهو يهزّ كتفيه. “أعني، اسمه الجينومي فيه كلمة ‘شوكة'(ثورن).”
“قلت الشيء نفسه تمامًا لوايفرن في أول لقاء بيننا!” أخيرًا، هناك من يرى الحقيقة! “في الأصل، كان من المفترض أن يشرف إنريكي على مشروع الإكسير بأكمله بدلًا من إل ميليوري. زار المختبر لساعتين فقط… ثم طلب نقله فورًا. لم أعرف يومًا السبب. لكن إن سألتني، فهناك أمر مريب حقًا بشأن النسخ المقلّدة؛ حتى علماء أوغستس أنفسهم لم يتمكنوا من تقليدها.”
فهم رايان مغزاها على الفور. “أترين أن ديناميس يستخدمون الميتا كفئران تجارب؟”
“هذا بالضبط ما قد يفعله هيكتور مانادا،” ردّت فولكان بإيماءة حادّة. “أوغستس مباشر ووحشي، لكن هيكتور… زلق ومتسلّل. دائمًا ما ينجح في التواجد حيث لا يوجد دليل. للأسف، أشكّ في أننا سنعثر على ما يُثبت تورّطه، ويبدو أن الزعيم الأعلى لا يرغب في إشعال صراعٍ مفتوح… بعد.”
“في الواقع، يُفاجئني أن الحرب بينهما باردة لا مشتعلة،” علّق رايان وهو يفكّر. رجل لا يُقهَر؟ توقّع منه جرأة أكبر.
“لقد تقاتلوا على مالطا قبل بضع سنوات،” شرحت فولكان. “ديناميس قصفتها نوويًّا في محاولة لقتل أوغستس، فردّ الأخير بإغراق الجزيرة. بعدها، اجتمع الزعيم الأعلى بهيكتور مانادا، وتوصّلا إلى اتفاق سلام.”
إن كان هناك اتفاق سلام، فهذا يعني أن لدى ديناميس ورقة ضغط ما على خصومهم. ربما هددوا عائلة أوغستس… أو دائرته المقرّبة. رايان واجه الأسلوب ذاته حين كان تحت قبضة بلدستريم؛ فحتى الجينومات شبه الل… لهم نقاط ضعف عاطفية.
“الحفلة ليلة الخميس، صحيح؟” سألت فولكان وهي تغيّر الموضوع، رغم أن سؤالها كان بلاغيًا بحتًا. “إن سارت الغارة على قاعدة الميتا كما نأمل، فأعتقد أنني سأحضر. لا بدّ أنها ستكون ممتعة.”
“يؤسفني أنني أصبحتُ كبيرًا على هذا النوع من الحفلات.”
وكما فعل في أول لقاء بينهما، حاول مورتيـمر أن يفاجئ رايان من الخلف… وفشل فشلًا ذريعًا. “كنتُ سأُبدع على ساحة الرقص، بلا شك.”
“متأكد أنك ستعوّض ذلك في الهالوين،” أجابه رايان وهو يستدير، مشيرًا بإصبعه نحو قناع الجمجمة الذي يرتديه القاتل.
“لا أحد يعطي مورتيـمر المسكين حلوى،” تمتم السيد عابر الجدران بحزن، محبطًا من قلّة التفاعل. “لم يعد يخيف أحدًا في هذه الأيام.”
“أتيتَ باكرًا،” علّقت فولكان بعبوس خفيف. “هل حصل شيء؟”
“في الواقع، المدينة تشتعل من جهة مدينة الصدأ، رئيستي. ظننتُ أن عليكِ معرفة ذلك.”
■□■□■□
اتّضح أن عصابة الميتا هي من أضرمت النار في ساحة الخردة.
أوقف رايان سيارته بليموث فيوري مباشرة أمام السياج. كان السيد عابر الجدران يجلس في المقعد الأمامي، بينما جلست فورتونا وكانسل في الخلف. “يا إلهي،” علّق مورتيـمر. “السايكو هؤلاء لا يعرفون الحلول الوسطية، أليس كذلك؟”
حقًّا، لا يمزحون!
لم يكن رايان يرى سوى ألسنة اللهب في كلّ اتجاه. عصابة الميتا قد سكبت البنزين على جبال النفايات وأشعلتها، محوّلةً إياها إلى شموعٍ عملاقة، فيما تصاعدت سحب الدخان لتُظلم السماء. ورغم أن الحريق الهائل ظلّ محصورًا داخل ساحة الخردة… إلا أنه قد يمتدّ إلى باقي أنحاء مدينة الصدأ إن تُرك دون تدخّل.
هبطت فولكان بجانب سيارة رايان مرتدية درعها القتالي الكامل، وكانت مذهولة تمامًا كالجميع. جنودهم قد طوّقوا المنطقة من كلّ الجهات… دون أن يواجهوا أدنى مقاومة، لا من مسلّحين عاديين، ولا من سايكو.
ما الذي حدث بحق الجحيم؟
“بحثتُ عن معنى كلمة سوسيوباث،” قالت كانسل لرايان، دون أن تُبدي أيّ اهتمام بمشهد النيران المشتعلة أمامها. “وكان ذلك… قاسيًا.”
“لكن هل كان خاطئًا؟” سألها رايان، وعيناه لا تزالان مركّزتين على ألسنة اللهب. هل فجّروا المخبأ مثلًا؟
“لا، لكنه كان قاسيًا.”
“سْبارو، أعطِ تقريرك،” أمرت فولكان عبر جهاز الاتصال. “هل هناك أيّ أثر لعصابة الميتا؟”
“المراقبون أبلغوني أن آدم، وفرانك، وسارين، وعددًا من الآخرين… يقودون سياراتهم شمالًا عبر الطريق السريع القديم. على ما يبدو، قرروا مغادرة المدينة.”
“إنهم يفرّون؟” سألت كانسل، وقد بدا عليها الإحباط فورًا. “لكننا قتلنا ثلاثةً فقط!”
“هذا ممل،” تذمّر مورتيـمر. “كنتُ أعتمد على تلك الجوائز الحلوة لسداد الرهن العقاري.”
“قلتُ لكم إنها ستكون نزهة،” ردّت فورتونا، منشغلة بهاتفها، بالكاد تعير الحديث انتباهًا.
“لا أصدّق ما أسمعه،” تمتمت فولكان. “يرحلون؟ لماذا؟”
رايان لم يفهم الأمر هو الآخر. لم يصدّق ولو لثانية أن هانيفات ليكتر قد تخلّى عن خططه فعلًا… لكن لماذا يترك المخبأ خلفه، ويُقيم هذا العرض الناري في ساحة الخردة؟ هل هناك مدخل آخر—
الغواصة.
“ذلك اللقيط الماكر،” تمتم رايان مع نفسه. كان للمخبأ منفذٌ سرّي يؤدّي إلى البحر، ما يُتيح لعصابة الميتا الاختباء تحت الأرض وإعادة التزوّد دون الحاجة للبقاء على السطح. وطالما ظلّ أمر المخبأ طيّ الكتمان… فبوسع السايكو التواري عن الأنظار بصدق، إلى أن ينجحوا في فكّ أسرار تكنولوجيا ميكرون.
كان آدم البدين سيخرج من الباب الأمامي… ثم يتسلّل عائدًا من الخلف.
ومع ذلك، فإنّ مجرّد تنفيذهم لهذه الخدعة يُفصح عن يأسٍ واضح. لا بدّ أن سايشوك كان أكثر أهمية في خططهم ممّا ظنّه رايان — فموته قد زلزل الأرض من تحت أقدامهم بهذا الشكل.
“هل لديك ما تقوله، كويك سيف؟” سألت فولكان، وقد تنصّتت على تمتمته الأخيرة.
“ربما هذه خدعة محبوكة، وقد انسحبوا سرًّا إلى قاعدة تحت الأرض… أسفل المدينة،” قال رايان. “أنا واثق بأن لديهم سلاح يوم القيامة، مثل ليزر يشوّه سطح القمر.”
“أو ربما لديهم قاعدة على القمر أصلًا،” ضحكت فورتونا.
“أنا زرت القمر مرّة،” قال مورتيـمر. “كان مصنوعًا من الرصاص.”
رايان لم يُصحّح شيئًا. فما يحدث الآن… جعله يشعر بتناقض داخلي.
رغم مغازلته الصريحة لها، فإنّ فولكان قد حاولت قتله في إحدى الحلقات السابقة… وهي واثقة تمامًا من الإفلات بفعلتها. أوغستس بدوره يشتهر بالوحشية، وإن كانت قصة شراود صحيحة، فلن يخرج من اكتشافه للمخبأ أيّ خير. صحيح أن أسوأ السيناريوهات يبقى وقوع تكنولوجيا ميكرون في يد عصابة الميتا، لكن رايان لم يكن مرتاحًا لفكرة أن تقع في يد الأوغُسْتي أيضًا قبل أن يعرف المزيد.
على كلّ حال، يمكنه دائمًا أن يُبلغهم… ثم يبدأ حلقة جديدة لاحقًا.
لكن ما إن خطرت الفكرة في ذهنه، حتى تذكّر رايان لين. لقد بدأ أخيرًا يُحرز بعض التقدّم في ترميم صداقتهما، وكان يخشى العودة إلى أنماطه القديمة. فإن استمرّ في سلوك مسار النهاية المثالية، فسيضطرّ إلى إعادة هذه اللقاءات مرارًا وتكرارًا… حتى تفقد معناها تمامًا.
هل يُجري حفظًا… ويلتزم؟ لكن إن فعل، فسيحكم على كلّ من زجّتهم عصابة الميتا في دفاعات المخبأ بالموت المحتوم. وجه ذلك السجين المذعور، الذي كان آدم يحمله كأنّه شطيرة، لا يزال يُطارد رايان — والسبب الأكبر… أنه يذكّره بوجهه هو، حين كان حيوانًا أليفًا لدى بلدستريم. لا يزال رايان يملك من التعاطف ما يكفي… ليشعر بالسوء حيال هذا الجزء.
لذا، وإن لم يخبر لين، فهناك احتمال قوي أن يُضطر لبدأ حلقة جديدة على أيّ حال… فقط ليُبقي عدد القتلى عند الحدّ الأدنى. لكنه كان قد اعترف بكلّ شيء، وستنسى هي ذلك مجددًا إن عاد بالزمن إلى الوراء.
آرغ، شلل الحيرة!
“العواقب مقرفة!” صرخ رايان فجأة دون مقدّمات، ما جذب إليه بعض الأنظار. “الأمر ليس ممتعًا! ليس ممتعًا أبدًا!”
“أنا محبطة بدوري،” تذمّرت كانسل، تشارك إحباطه من عدم قدرتها على ركل مؤخرات الميتا. “لم أعتقد أن قتل ثلاثة منهم سيُخيف الباقين!”
“عندما تنتهي قاتلة المدمنين من التذمّر، هل يمكننا إنهاء هذا اليوم والمغادرة؟” سألت فورتونا بنفاد صبر. “لدي موعد، وأنا متأكدة أنه المناسب.”
“تقولين ذلك في كلّ مرة،” علّقت سبارو، وإن لم تخلُ نبرتها من بعض الغيرة. “أنتِ تُبدّلين الأحبّاء كما تُستبدل المناديل الورقية.”
“الأمر مختلف هذه المرّة!” أصرّت فورتونا. “قدرتي تُجبرنا على الالتقاء باستمرار! يظهر لمساعدتي بعد تسرّب الغاز الذي كاد يدمّر شقّتي، أسقط كتبي في الشارع فيساعدني على جمعها، تبدأ الأمطار فنتقاسم المأوى تحت مظلّة موقف الحافلة… إنّه المناسب، أقول لكم!”
“أنتِ تقولين هذا فقط لأنك أزعجتِه خمس مرّات حتى رضخ، ولا تطيقين أن يتجاهلك أحد،” سخر منها مورتيـمر.
“مورتي! انتظر، كيف عرفت أنني طلبتُ منه خمس مرّات؟ هل كنت تتجسّس عليّ؟”
“ألمكِ… رحيقٌ ينعش روحي الذابلة.”
تجاهل رايان أحاديثهم، غارقًا في محاولاته لفكّ عقدة هذا الموقف… لكن التردّد شلّه تمامًا. مسارٌ غير مثاليّ في روما الجديدة قد يسمح له بالحفاظ على صداقته مع لين، بشيءٍ من الصدق. لكن النهاية المثالية ستنقذ عشرات الأرواح، وربما المئات. هل يخاطر بترك الميتا تصل إلى مخبأ ميكرون، على أمل ظهور خيارٍ أفضل لاحقًا؟ أم يثق بأن الأوغُسْتي سيتصرّفون بمسؤوليّة؟ هل يُبلغ وايفرن؟
للمرّة الأولى منذ قرون، وجد رايان نفسه في مواجهة عواقب متناقضة لا يمكن التوفيق بينها — وقد أزعجه ذلك بشدّة. كان بحاجة إلى مزيد من الوقت… ليُفكّر.
“فولكان، هل نُلاحقهم؟” قطعت سبارو الأحاديث الجانبية بصوتٍ حاسم.
“أنا حائرة،” اعترفت فولكان. “أشعر بحكّة في يدي لاختبار درعي الجديد، لكن قد تكون هذه مناورة لجرّنا إلى فخ. ومهمّتنا كانت استعادة مدينة الصدأ… وقد أنجزناها.”
“إن كانت الميتا أذكى من أن تقف في طريقنا، فدعيهم يختبئون في جحورهم،” علّقت فورتونا، وقد بدا بوضوح أنها مصمّمة على فعل أقلّ قدرٍ ممكن.
“ولا حتى قرصة خفيفة، من باب الحنين للماضي؟” سأل رايان، وقد بدأ يهدأ. فبغضّ النظر عن مصير هذه الحلقة، كان على الميتا أن يُبادوا من أجل مصلحة الجميع. “يمكنني الاكتفاء بقتل… نصفهم مثلًا.”
“الاحترام والسيطرة على الأرض هما الأهم، يا كويك سيف،” أجابته فولكان.
“سيعودون لاحقًا إن تركتموهم يرحلون،” حاجج رايان. لقد رأى الثمن الذي دفعوه في الحلقات السابقة حين استهانوا بالميتا. “صدّقيني، أنا قاتلتُ الحوت الكبير من قبل… ذلك الحريق ليس سوى ستار دخاني.”
أصغت فولكان لكلامه بانتباه. “تظنّ أنها خدعة لإيهامنا بالأمان؟ وأننا إن تركنا آدم، سيعود لينكّل بنا أكثر؟”
“ولن يكون لطيفًا هذه المرّة.”
“هذا نوعٌ من جنون الارتياب،” ردّ مورتيـمر وهو يرفع كتفيه بلا مبالاة.
“إن سألتَ عجوزًا مسكينًا مثلي… فهم حاولوا قضم أكثر مما يستطيعون ابتلاعه، ثم جبُنوا وتراجعوا.”
“معلومات كويك سيف كانت دقيقة حتى الآن،” قالت سبارو مدافعةً عن رايان. “ولا أظنّ أن آدم الغول سيتنازل بهذه السهولة أيضًا. من الواضح أن عصابة الميتا جاءت إلى روما الجديدة للقتال — ربما كمرتزقة لصالح خصومنا. وإن كانوا يبدّلون الآن من تكتيك الاستيلاء إلى أسلوب الكرّ والفرّ… فقد يبقون مشكلة لعدّة أشهر.”
تأمّلت فولكان الآراء المختلفة… قبل أن تتّخذ قرارها. “سبارو، أنتِ ورجالكِ ستتولّون المطاردة؛ أريد معرفة موقع عصابة الميتا في جميع الأوقات. وسأنضمّ إليكم… لمضايقتهم من مسافة آمنة باستخدام الأسلحة بعيدة المدى.”
“مفهوم،” ردّت سبارو.
“أما أنتم، أيها الصغار، فستتولّون إخماد الحريق قبل أن يمتدّ إلى باقي مدينة الصدأ،” قالت فولكان للجينومات داخل سيارة بليموث فيوري.
“لا يمكننا مزاولة أعمالنا هناك إذا احترق جميع زبائننا حتى الموت، لذا سأوجّهكم نحو أقرب صنابير إطفاء. مورتيـمر تأكّد من أن الميتا لم يتركوا أيّ أفخاخ خلفهم.”
“ماذا؟” رفعت فورتونا رأسها عن هاتفها. “ولمَ علينا نحن فعل ذلك؟ أليس لديهم رجال إطفاء؟”
“أنا أشعل الحرائق، لا أطفئها،” احتجّ رايان. “هذا مخالف لفلسفتي في الحياة..”
“مؤسف،” ردّت فولكان وهي تهمّ بالطيران. “فلسفتك لا توقّع على شيكات راتبك، أنا من يفعل. إلى العمل!”
“يا لها من جرأة في القول!”
تنهد الجميع بامتعاض أمام نكتته… مما زاد من متعته الصامتة.
فقط… كان يأمل ألّا يكون قد اتخذ القرار الخاطئ.
☆☆☆☆☆
لا تنسوا الدعاء لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.
