النهاية المثالية: الفصل 2

تشعب الخيارات

الفصل2: تشعب الخيارات

 

لطالما أجرى ريان تجاربه العلمية بملابسه الداخلية.

الثياب، في نظره، كانت تجسيدًا لقيود المجتمع على الروح البشرية — قمعٌ حضاري يحاول قولبة الفرد ليتماشى مع الآخرين. لكن حين يكون شبه عارٍ، كان يشعر بأن إبداعه ينطلق دون قيد، متحررًا من كل أشكال التوافق القسري؛ فيما كان السروال القطني القصير يرمز إلى ما تبقى له من توازن عقلي… ذاك الخيط الأخير الذي يمنعه من الانزلاق الكامل نحو الجنون. في المرّة الوحيدة التي عمل فيها عاريًا بالكامل؟ انتهى به المطاف إلى تصنيع دمية الأرنب المحشوة.

ثم إنّ السروال القصير… كان مريحًا ودافئًا. لين هي من خاطته له، منذ سنوات.

بعد أن استأجر غرفة في فندقٍ قريب من وسط المدينة، قضى رايان ساعات الصباح الأولى يتنقّل بين جمع المعلومات حول روما الجديدة وتحسين أجهزته. كان موظف الاستقبال قد رمقه بنظرة غريبة حين رآه يصعد الدرج ويداه محمّلتان بالأسلحة، لكنه لم يُبلّغ الأمن الخاص — فالوجوه المقنّعة لم تكن أمرًا غريبًا في هذه المدينة.

وبالطبع، لم يغفل رايان عن اختراق كاميرا الغرفة، حرصًا على إخفاء هويته السرية… وتفاديًا لأي هلع محتمل. فترسانته لم تكن تخلو من أشياء خطيرة حقًا.

مستريحًا على كرسي، كان رايان يكتب على حاسوبه بأصابع قدميه — مهارة قضى العديد من الحلقات الزمنية في إتقانها — بينما كانت يداه مشغولتين بتعديل البندقية الكهرومغناطيسية. كان العميل قد حوّل له أجر توصيلة الأمس، مرفقًا بكلمات امتنان بعد إلقاء القبض على غول، وإن لم يبدِ الموصّل أي اهتمام. فالصفقة لم تكن سوى ذريعة للتجوال عبر أنحاء إيطاليا، بحثًا عن مغامرات جديدة.

مع ذلك، فقد أوقف تجواله اللانهائي مؤقتًا… منذ أن سمع أن لين قد تكون في روما الجديدة.

بحسب ما أخبره به رينيسكو، عليه التوجّه إلى مدينة الصدأ إن أراد جمع المعلومات؛ فوفقًا لشبكة دينانِت المحلية، كان هذا اللقب يُطلق على الحيّ الشمالي الغربي الفقير من روما الجديدة. الشركات المسيطرة على المدينة ركّزت جميع المصانع الصناعية هناك، فحوّلت المنطقة إلى مكب نفايات ضخم. بل إنها بنت جدارًا يعزلها، ليمنع المتشرّدين من التسلّل إلى الأحياء الأخرى.

أما موظف الاستقبال، فقد أخبره أن ساحة الخردة تُعدّ من أبرز معالم ذاك الحي — منجم فحم قديم حُوِّل إلى مكبٍّ مفتوح. وكان كثير من العباقرة المنشقّين والمغامرين يتبادلون الأشياء هناك. وربما… كانت لين من بينهم.

طرق أحدهم نافذة غرفته.

نظر رايان إلى الخارج، فإذا بامرأة تلوّح له من الجهة الأخرى. قالت ببساطة: “مرحبًا، هل يمكننا التحدث لدقيقة؟”

كانت غرفة رايان في الطابق العاشر، ولا مخرج طوارئ لها.

“مهلًا!” هرع رايان لارتداء قناعه وقبعته. “أنتِ تخرقين هويتي السرية!”

رفعت المرأة حاجبها وقالت ببرود، “ليست لديك واحدة، رايان رومانو. ووفقًا لملفّك… لم تحاول يومًا إخفاءها أصلًا.”

“لدي ملف؟” سأل رايان بانبهار غامر. “أنا مشهور إذن! كيف تمّ وصفي؟”

أجابته: “مختل… لكنه موثوق.”

“رائع! لقد أصابوا نصف الحقيقة على الأقل!” قالها رايان بحماس، بينما كانت المرأة الطائرة تحدّق فيه من رأسه حتى أخمص قدميه عبر الزجاج. “ألن ترتدي بقية ملابسك؟”

ضحك رايان بخفة. “لا.”

فهو كان دائمًا يقف في وجه القمع… حتى لو كان قمعًا للحرية الشخصية في ارتداء الملابس الداخلية فقط.

ردّت الدخيلة على خصوصيته بعبوس، وطرقت النافذة مجددًا — هذه المرة بنفاد صبر أكبر. “هل يمكنك أن…”

نهض رايان من كرسيه، وفتح النافذة بيدٍ واحدة، بينما ظلّت يده الأخرى مصوّبة بندقيته الكهرومغناطيسية نحو الزائرة.

والآن بعد أن حصل على رؤية أوضح، تعرف عليها فورًا؛ كان قد رآها بالأمس على لوحة إعلانية. كانت المرأة تحلّق في الهواء بفضل زوج من الأجنحة الشفافة التي تشبه أجنحة اليعسوب، ترفرف بسرعة مذهلة خلف ظهرها، ويداها مستندتان إلى خصرها. ذلك منحها مظهرًا أشبه بالجنيات، خاصة وأنها — على عكس الحشرات — لم تُصدر أي صوت أثناء تحليقها في مكانها.

“أنا وايفرن،” قدّمت الاستعراضية نفسها. كانت ترتدي زيًا أبيض ضيقًا بلا أكمام، يحمل شعار شركة ديناميس على شكل حرف D في الجهة اليسرى، ونجمة فضية تحيط بها أغصان ذهبية لشجرة الغار على الجهة اليمنى. بدت في أواخر العشرينات أو أوائل الثلاثينات، وكانت لافتة للنظر بلا شك. “أردت فقط أن أشكرك على إلقاء القبض على غول أمس.”

“أوه، لا شكر على واجب.”

ثم بدأ رايان يغلق النافذة.

“مهلًا، انتظر!” أمسكت وايفرن بالنافذة ومنعتها من الإغلاق؛ كان رايان قد سمع أنها تستطيع رفع حافلة مدرسية بيد واحدة حتى عندما تكون في وضع التحول الجزئي، فلم يُصرّ على غلقها. “ما الذي تفعله في المدينة يا كويك سيف؟ هل يمكنني مناداتك بهذا الاسم؟”

“طبعًا.” أجاب رايان وهو يرفع كتفيه بلا مبالاة. “أنا موصل… أوصل الرسائل، مهما بلغ عدد الذين يريدون رأسي!”

“إذًا، الأوغُستي لم يستأجروك كقوة حماية؟” سألت البطلة الخارقة، وقد ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهها من تعليقه الأخير. “المكان الذي دافعت عنه كان واجهة من واجهاتهم. ظننت أنهم استعانوا بك لحماية منطقتهم من عصابة الميتا.”

“لا، أنا ضربت ذاك الكارثة العجوز لأنه كان يعترض طريقي في تنفيذ مهمة جانبية.” عبست وايفرن بتعبير غريب، لم تفهم مصطلحاته. فحروب الجينوم دمّرت تقريبًا قطاع ألعاب الفيديو، وهو ما جعل رايان يشعر بوحدة ثقافية حقيقية. “على فكرة، هل سمعتِ عن فتاة في عمري اسمها لين؟ شعرها أسود، عيناها زرقاوان، ماركسية-لينينية؟”

“ماركسية-لينينية؟” ازداد عبوس وايفرن. “تقصد الشيوعيين؟ هؤلاء لا زالوا موجودين؟”

“أعلم أن هذه الكلمة تعتبر نابية في هذه المدينة التي تعبد الرأسمالية، لكن نعم، ما زالوا موجودين.”

“لا، لم أسمع بها من قبل.” هزّت البطلة الخارقة رأسها. “لكن يمكنني أن أبحث عنها في سجلاتنا. هل هذا هو سبب وجودك في روما الجديدة؟ تبحث عنها؟”

“أجل! إنها جميلة وطيبة، وهي أفضل صديقة لي!” لم يستطع رايان كبح حماسه وهو يتحدث عنها. “أبحث عنها منذ الأزل!”

“سأساعدك إن استطعت.” ردّت وايفرن بابتسامة. “بل في الواقع… أعتقد أنني أستطيع مساعدتك كثيرًا.”

أوه.

ها هي ذي، دعوة الانضمام المنتظرة…

“أنا أنتمي إلى مجموعة تُدعى إل ميليوري،” قالت وايفرن، مؤكدة شكوك رايان. “ربما سمعتَ بنا من قبل.”

إل ميليوري — مجموعة من الأبطال الخارقين التابعين للشركات، يُعتبرون الحماة الرسميين لروما الجديدة ونجومًا عصريين في آن واحد.
طبعًا، كانوا يتقاضون رواتبهم من شركة ديناميس، التي تملك صورهم وحقوق تسويقهم، بل وتُحدّد لهم من يجب أن يقاتلوا. لا مجال للمقارنة مع كرنفال ليو هارغريفز.

هؤلاء كانوا الأبطال الحقيقيين، فرسانًا يجوبون الأرض بلا مقابل. لم يستطع رايان إلا أن يُكنّ لهم الإعجاب… حتى لو كانوا سبب أسوأ يوم في حياته.

“نحن دائمًا نبحث عن مواهب جديدة،” قالت وايفرن، “ورغم أنك تملك… سمعة فيما يخص الأضرار الجانبية، إلا أن قدرتك الخارقة فعّالة للغاية، وعلى حد علمنا، لم تتورط في أنشطة مشبوهة، ولا في علاقات مع مجرمين مطلوبين.” فتاة مسكينة، لو كانت تعرف الحقيقة. “وبما أنك أوقفت غول قبل أن يباشر موجة قتل، فأنا أظن أن نواياك في مكانها الصحيح.”

“فهمت، هل تريدونني أن أقدّم اختبار تمثيل لفيلم أو شيء من هذا القبيل؟ لأنني جرّبت المسرح مرة واحدة فقط… ولم يكن مضحكًا.”

ضحكت وايفرن وقالت: “ليت حملاتنا الإعلانية كانت أقل، واعتقالاتنا أكثر،” اعترفت بذلك بنبرة شعر رايان فيها بشيء من المرارة. “لكننا نبذل جهدنا لحماية المواطنين. مرّ على مقرّنا الرئيسي، وانظر إن كنت تتوافق مع منظمتنا. بعد ما فعلته مع غول، ستحتاج إلى من يسند ظهرك.”

“أنا قادر على حماية نفسي، شكرًا،” ردّ رايان وقد شعر ببعض الإهانة من فكرة أنها تراه بحاجة إلى رعاية.

“اسمعني، كويك سيف، الميتا ليسوا عقلانيين مثل الأوغُستي،” تابعت بإصرار. “إنهم عصابة جوالة من السايكو، وقد ضربتَ أحد أفرادهم. قائدهم، آدم، يأكل البشر.”

“إذًا لا بد أن مائدته دائمًا ممتلئة!”

لم ترُق الدعابة لوايفرن، إذ تقلّصت ابتسامتها وتباطأت أجنحتها قليلًا في الهواء.

“حسنًا، حسنًا،” قال رايان وهو يرفع كفّيه مستسلمًا. “سأفكّر في الأمر… إذا خرجت عن مساري في المهمة الرئيسية.”

عقدت البطلة الخارقة حاجبيها ونظرت جانبًا. عندها فقط انتبه رايان إلى سدادة أذن صغيرة في أذنها اليسرى، رغم أنه لم يسمع أي صوت.

“مفهوم،” تمتمت وايفرن — لكنها لم تكن تكلّمه. ثم ناولته بطاقة عمل. “إن غيّرت رأيك، تجدنا في هذا العنوان.”

“أكيد.”

“اعتنِ بنفسك.”

وعلى هذه الكلمات، انطلقت وايفرن طائرة بعيدًا. كانت أجنحتها ترفرف بسرعة تفوق قدرة العين البشرية على المتابعة، ورغم ذلك، لم تُصدر أي صوت، سوى هسيس الريح الذي خلّفته خلفها. وفي غمضة عين، كانت قد اختفت، تحلّق شمالًا بسرعة متصاعدة حتى اقتربت من اختراق حاجز الصوت.

لا بد أن تردد أجنحتها كان خارج نطاق سمع البشر… أو أنه يعمل وفق قوانين فيزيائية غير مألوفة؛ فمع الجينومات، كل شيء ممكن. دوّن الموصّل هذه الملاحظة في ذهنه ليعود إليها لاحقًا.

أخيرًا، وبعد أن أصبح وحده، أغلق رايان النافذة وعاد إلى عمله. لكن ما إن جلس مجددًا على الكرسي، حتى تلقّى إشعارًا باتصال صوتي على حاسوبه. تعرّف الجينوم على الفور إلى المتصل: الشخص نفسه الذي أوكله بمهمة إيصال الحقيبة إلى رينيسكو.

فتح رايان القناة الصوتية بكسل باستخدام إصبع قدمه اليسرى. “توصيلات كويك سيف، كيف يمكنني مساعدتك؟”

“ماذا قالت لك تلك العاهرة؟” جاءه صوت مشفَّر من الطرف الآخر.

رفع رايان حاجبه خلف القناع. “لحظة… هل يتم التجسس عليّ؟”

“قليل من الأماكن في روما الجديدة تبقى خارج الشبكة.”

ملاحظة لنفسي: احجز في فندق أكثر خصوصية في الحلقة الزمنية القادمة. “على حد علمي، آخر شخص استخدم هذا الخط لم يشفّر صوته. من أنت أيها الصوت الغامض المريب؟”

اسمي فولكان،” قال المتصل. “أنا أمثّل الأوغُستي. نحن الجهة التي تدير الأمور في روما الجديدة، ومعظم أنحاء إيطاليا.”

“ظننت أن ديناميس هي من تديرها؟” ردّ رايان بنبرة ساخرة.

“هذا ما يُقال،” ضحك الصوت. “لكن إيطاليا لها إمبراطور واحد فقط، واسمه أوغستس.”

صعب أن تعارض ذلك — فالرجل لا يُقهَر، ويمكنه إطلاق برقٍ موجّه. ضحاياه أكثر من ضحايا السجائر.

“نشكرك على إنقاذ موظفنا من ذاك الحثالة التابع للميتا،” قال فولكان. “وكل هذا لأقول لك: أيًّا يكن ما وعدتك به السحلية المجنّحة، فنحن قادرون على تقديم ما هو أكثر.”

“هل هذا عرض لا يمكن رفضه، أم مجرد عرض-عرض؟ لأني أعاني من حساسية تجاه الخيول[1].”

“نحتاج إلى رجال أشداء يُنجزون المهام.” رد فولكان. “تريد نساءً؟ فتيانًا؟ عتادًا جديدًا؟ أسلحة ممتازة؟ كمية من مخدر السعادة تكفيك لتحلّق حتى القمر؟ كل هذا يمكن أن يكون لك… إذا أثبت أنك قادر على التعاون والعمل معنا.”

“وكيف أثبت ذلك؟”

ظهر إشعار بريد إلكتروني، عنوان مُرفق. تفحّص رايان بسرعة فوجد أنه يشير إلى كازينو يُدعى باكوتو. “نحن نملك هذا المكان،” أوضح فولكان. “تعال الليلة، وحدك، ولا تجعلنا ننتظر. نحن لا نطلب مرتين.”

أنهى رايان المكالمة، غارقًا في التفكير بعروض الفريقَين. يا للعجب… كل ما فعله أنه ضرب رجلًا واحدًا — بل وبتحكّم غير معتاد في العنف — وها هم فجأة يريدونه جميعًا.

ثم مجددًا، كلا الطرفين قد يساعده في العثور على لين… وقد أنشأ نقطة حفظ قبل قدومه إلى المدينة.

وهذا لا يعني سوى أمر واحد:

“تم فتح مسارات متعددة!”

☆☆☆☆☆

[1] إشارة ساخرة إلى العبارة الشهيرة من فيلم The Godfather («عرض لا يمكن رفضه»)، حيث يُستخدم رأس حصان داخل السرير كتهديد. العبارة هنا تمثل تهكم رايان على أسلوب العصابات في تقديم “عروض لا تُرفض”، بإضافة نكتة عن حساسيته تجاه الخيول.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset