النهاية المثالية: الفصل 120

المتسارعون

الفصل 120: المتسارعون

 

اصطحب رايان فتاتين من مدينة الصدأ، وعلى مقدّمة سيارته هيكلٌ عظميّ مقيّد بالسلاسل.

 

“حقًا؟” قال وهو يحدّق في حبيبته بعينين متشككتين. كانت فورتونا قد جاءت في مهمّة اليوم مرتديةً بذلتها الضيّقة من اللاتكس الأبيض، أمّا ليفيا فحضرت بسروال جينز وسترة زرقاء بقلنسوة. “لن أُدخلكِ بهذه الهيئة.”

 

“آسفة، لم أجد وقتًا سوى ساعة واحدة لالتقاط شيء عمليّ.” اعتذرت ليفيا بنبرةٍ محرَجة. كانت الحلقات قد بدأت بينما كانت تمضي يومًا نسائيًّا مع فورتونا، ورغم أن ذلك ساعدهما على الهرب من الأوغُستي دون أن يلحظهم أحد بعد اختفاء غايست المفاجئ، إلا أنه لم يمنحهما وقتًا كافيًا لاختيار الزيّ المثالي. “لكنها من القطن!”

 

“مقبولة.” قال رايان بلامبالاة وهو يفتح الباب أخيرًا. كان الموصِّل مستعدًا على أكمل وجه: القفّازات المعدلة واثنتان من الرشاشات في المقعد الأمامي، والقبّعة المستديرة عادت من التخزين استعدادًا للحرب، بل أقنع بولي بأن يعطيه سلاحه السرّي.

 

من المدهش كم يمكن للمرء أن ينجز في ساعة واحدة… إذا امتلك التوقيت المثالي والطرقات الفارغة.

 

كان رايان يفضّل أن يحظى بوقت أطول للتحضير، لكن لم يعد في وسعهم الانتظار؛ فـآدم البدين على وشك أن يرمي أسراه في المطحنة في أية لحظة.

 

“ليفيا، كان عليكِ أن تخبريني.” قالت فورتونا وهي تتسلّق المقعد الخلفي مع صديقتها. “كنتُ سأحضر لكِ بذلة احتياطية!”

 

“أعرف، لكن…” أجابتها بابتسامةٍ محرَجة. “أشعر أنها فاضحة قليلًا…”

 

“لـ… ليست فاضحة! الناس هم الذين يحدّقون!” احتجّت فورتونا بوجهٍ متورّد، فيما كانت السيارة تشقّ شوارع الحيّ المقفر. “وهل هذا… هيكل عظمي حقيقي على مقدّمة السيارة؟”

 

“النجدة!” صرخ غول فجأة من الأمام، فأفزع فورتونا. كان الـسايكو قد فقد ساقيه وذراعيه، ولم يبقَ منه سوى الرأس وقفصٍ صدريٍّ مقيّد أسفل الزجاج الأمامي. “أنقذوني! إنه مجنون! مجنون!”

 

“ششش… أيها الرائد الصغير.” قال رايان بصوتٍ حنونٍ على نحوٍ مرعب، جعل الأوندد يرتجف هلعًا. “الكائنات الحيّة تتحدث الآن.”

 

“لا تقلقي، يستحقّ ذلك.” همست ليفيا لصديقتها، ثم نظرت إلى حبيبها. “فيليكس والبقية سيصلون بعدنا بدقائق.”

 

“رائع، سأترك انطباعًا أوليًا ممتازًا إذًا.” ضغط رايان على دواسة الوقود بكل قوّته متجهًا نحو ساحة الخردة. صرخ غول بينما لطمه هواء الحيّ السامّ في عينيه العاريتين.

 

“هل فيليكس قادم أيضًا؟” سألت فورتونا من الخلف بفضولٍ ظاهر.

كانت ترافق ليفيا كحارسةٍ وصديقةٍ مخلصة، ويبدو أنها لم تطرح كثيرًا من الأسئلة قبل الانضمام. “هل عاد إلينا؟”

 

“لا.” أجابت ليفيا. “لكن رايان أقنعه بأن يحاول البقاء على تواصل.”

 

“فعلتَ ذلك؟” نظرت الفتاة المحظوظة إلى السائق الوسيم بإعجابٍ جديد. “كنتُ على وشك القول إن ليفيا أفضل منك بكثير، لكنني أسحب كلامي!”

 

“شكرًا، شكرًا.” قال رايان وهو يرى أسوار ساحة الخردة تلوح في الأفق.

“أين مكافأتي؟”

 

“الذخيرة؟” ناولته فورتونا حفنة من الرصاصات الحادّة ذات الرؤوس المدببة. التقط مسدّسًا بينما ترك الـبليموث فيوري تقود نفسها.

“محظوظ أنت، المتجر كان لا يزال يحتفظ ببعضها في المخزون! لِمَ تحتاج هذه الطلقات أصلًا؟”

 

“لصيد الحيتان.” أجاب رايان وهو يملأ المخزن بالرصاص ثم يلوّح بسلاحه أمام حبيبته. “ستة عشر طلقة، عيار تسعة مليمترات، ويمكنه إطلاق النار المتواصل دون توقّف.”

 

“السؤال الصعب…” قالت ليفيا مبتسمة بمكر. “هل يتعطّل أحيانًا؟”

 

“أبدًا، ولا يسخن حتى.” قال وهو يمسّد فوهة المسدس بعناية. “يمكنه إطلاق الطلقات طوال الليل بلا كلل. وإن كان العائق الوحيد هو صمّامة الأمان… فهي تحتاج أحيانًا إلى يدٍ خبيرة.”

 

“جيّد، لديّ قبضةٌ ثابتة لكن لطيفة.” ردّت بصوتٍ دافئ وهي تلتقط القفّازات المعدلة وتلبسها. “قد أساعدك في… عمل الأصابع.”

 

“لكن بلُطف، أرجوك.” قال رايان وهو يخبّئ سلاحه في معطفه الطويل، بين الدمية المحشوة النائمة وبخّاخ مُخدّر السعادة. “السبطانة فريدة من نوعها، والزناد شديد الحساسية. حركةٌ واحدةٌ خاطئة… وسيطلق النار باكرًا جدًا.”

 

“هل تتحدثان عن الأسلحة أم عن شيء آخر؟” سألت فورتونا وقد احمرّ وجهها كطماطم ناضجة.

 

“هناك قاذفة صواريخ بولي تحت مقعدك، إن كنتِ تفضلين العيار الثقيل.” قال رايان ببراءةٍ مصطنعة. “آمل أنكِ منفتحة على التجارب الجديدة، لأن هدفكِ هذه المرة أنثى.”

 

قبل أن تعترض فورتونا، انبعث صوت لين من جهاز الراديو الزمني: “أنا في موقعي، ريـري.”

 

“وماذا عن هنرييت ويوجين–هنري؟” سأل رايان وهو يقترب من ساحة الخردة. أكوام النفايات وصفوف السيارات ارتفعت فوق الأسوار، يحرسها الزاحف وجيميني. كلاهما حدّقا في السيارة القادمة بذهول، بينما كان غول يصرخ رعبًا.

 

“في الميتم مع سارة.”

 

ممتاز.

 

“غول؟!” صرخ الزاحف وقد اتّسعت عيناه الزاحفتان رعبًا.

 

ردّ عليه رايان بفتح النافذة ومدّ إصبعه نحو السيّد السريّ للزواحف العامل لحساب الحكومة الأمريكية: “اشهد عليَّ![1]”

 

اختفى جسد جيميني النوراني في ومضة، بينما قفز الزاحف في آخر لحظة قبل أن يصدمه السائق المجنون. حطّم رايان السياج بسرعةٍ جنونية، واقتحم ساحة الخردة كالإعصار.

 

قاد رايان سيارته عبر متاهة الجدران الخردوية في ساحة الخردة كما لو كان يسير في مملكةٍ غزاها بنفسه، غير آبهٍ بالـسايكو الذين يتجوّلون في المنطقة باحثين عن الغنائم. كان مونغريل يراقب المتسلّلين من فوق سيارةٍ صدئة، وأنيابه مغروسة في ظهر جرذٍ حيّ.

 

ولأن رايان عرف الرجل في حلقاتٍ سابقة، فقد امتلأ قلبه بالشفقة. لم يكن هذا المسكين يستحق أن يُحوَّل إلى حيوان، وقد أقسم الموصِّل أن يساعده على استعادة إنسانيته يومًا ما.

 

بدل أن يهاجمهم، ألقى رايان قنابل يدوية خلفه ليُسقِط بعض الجدران الخردوية ويُعيق تعزيزات العدوّ القادمة برًّا؛ فهو يعلم أن دعمه سيصل من السماء على أية حال.

 

حين دوّت صفارات الإنذار وتردّد رنين الأجراس في أرجاء الساحة، كان الفريق قد بلغ مشارف مدخل المخبأ تقريبًا. شعر السائق بنظرة لاند الثقيلة تترصده من بعيد، قبل أن تهتز الأرض تحت العجلات وتتساقط الأنقاض فوق سيارته. لكن رايان، وقد عاش هذا المشهد عشرات المرات، راوغ الحطام بسهولة، ينعطف كراقصٍ يعرف الخطوات سلفًا.

 

ولمّا بلغ برج القمامة الشهير والنفق المؤدي إلى المخبأ، لمح ظلّين يحلّقان في السماء؛ اثنين من الأبطال المزعومين، يقفان على لوحَيْن زجاجيَّين يحومان كألواح التزلّج.

 

لكن الغيوم السامّة كانت قد بدأت تتجمّع فوق الساحة؛ فقد وصلت أسيد رين والبعوضي لحماية المدخل. “لصوص!” زمجرت الأولى وهي تشهر سكاكينها. وكما حدث مع مونغريل، لم يستطع رايان إلا أن يشفق عليها في جنونها. “أيها اللص—”

 

“أيتها الشقراء، أطلقي النار!” صرخ الموصِّل وهو ينحرف بالسيارة نحو اليسار. “أطلقي النار على الشقراء الأخرى! الشقراء المزدوجة!”

 

“حسنًا!” فتحت فورتونا الباب في منتصف الحركة وقفزت خارج السيارة، حاملةً قاذفة الصواريخ الخاصة ببولي. ضغطت على الزناد قبل أن تلمس الأرض، مصوِّبةً نحو أسيد رين.

 

تراجعت الـسايكو المذهولة خطوةً إلى الوراء، فيما انطلق صاروخٌ يحمل وجهًا مبتسمًا مرسومًا على رأسه نحوها مباشرة. انتقلت فورًا بالانتقال الآني إلى ما فوق أحد الجدران، بينما انهمر مطرٌ حمضيٌّ من الغيوم فوقها. لكن نفعه كان محدودًا، إذ واصل الصاروخ المزود بتقنية العباقرة ملاحقتها بلا رحمة، وأجبرها على الهروب. سيستغرق الوقود دقائق لينفد، ما سيبقيها منشغلة تمامًا.

 

في هذه الأثناء، بسط البعوضي جناحيه وانقضّ على بليموث فيوري رافعًا قبضته… لكنه لم يلحظ الظلّ فوقه إلا بعد فوات الأوان— ظلّ ملاكٍ أسودَ وأبيض، آتٍ من علٍ بالموت والدمار.

 

لقد قفز تيمي من لوح الزجاج، وتحول في منتصف الهواء.

 

“ضربةُ الباندا الطائر!”

 

هبط الباندا برشاقةٍ فوق البعوضي كما لو كان يصفعه بمضربٍ عملاق، ودفنه حيًّا تحت كتلٍ من الفراء والشحم.

 

أما فيليكس فهبط بهدوءٍ وأناقة، إذ استقر لوحه الزجاجي في منتصف الساحة. ركن رايان سيارته بجانبه بخطواتٍ متزنة، ونزل مع ليفيا برشاقةٍ ملوكية.

 

“فيليكس!” هتفت فورتونا بفرحٍ عند رؤية شقيقها، ورمت القاذفة الفارغة أرضًا. ناولتها ليفيا رشاشًا بدلها، فيما احتفظ رايان بالآخر.

 

“تعلمين يا أختي، لطالما تساءلت كيف سيكون التعاون بيننا.” قال القطّ الذرّي مبتسمًا، قبل أن يلمح مونغريل يطلّ من فوق جدارٍ آخر، كرةُ نارٍ تتكوّر في يده.

 

“تذكّر يا قطي الصغير، لا قوى قاتلة.” قال رايان محذرًا. “اكتفِ بالحصى!”

 

“أجل، أجل، فهمت.” التقط فيليكس علبًا معدنية فارغة من بين الركام، وحوّلها إلى قنابل صغيرة ثم قذفها نحو مونغريل. التقت مقذوفاته مع كرات النار في الجوّ، فاندلع انفجارٌ رهيبٌ في المنتصف.

 

لكن الانفجار أضعف أحد الجدران، فانهار على نفسه وأمطر المكان بالحطام فوق فورتونا والباندا والبعوضي. اتّسعت عينا فيليكس رعبًا وهو يدرك الكارثة: “أختي!” صرخ بأعلى صوته. “أختي!”

 

تمكّن تيمي من جرّ خصمه فاقد الوعي بعيدًا، لكن الفتاة المحظوظة كانت قريبة جدًا من مركز الانهيار؛ نظرت إلى الركام القادم بصدمة، بينما فشلت قوّتها الغامضة في صدّه هذه المرة.

 

كاد رايان أن يجمّد الزمن وينقذها بنفسه، إلى أن لمح ابتسامةً على وجه ليفيا.

 

في اللحظة التالية، قوةٌ خفيّة انتزعت تذكرة اليانصيب الحيّة من الأرض ورفعتها عاليًا إلى برّ الأمان.

 

بحلول هذه المرحلة، كان يجدر به أن يعرف.

 

“سنتولّى الأمر من هنا، كويك سيف.” قال شراود وهو يصبح مرئيًّا، حاملاً فورتونا بين ذراعيه بطريقةٍ رومانسية. وللمفارقة، لم تحتج قوّتها هذه المرّة لتجبره على ذلك! “أنهِ تنظيف العش.”

 

لم يُخفِ فيليكس ارتياحه: “شكرًا،” قال لـماتياس، قبل أن يعود تركيزه إلى مونغريل.

 

أمّا شقيقته فصرخت بصوتٍ جعل شراود نفسه يقطّب: “فيليكس أيها الأحمق! كدتَ تلوّث ملابسي! سأخنقك بنفسي إن لم يسبقني المتحوّلون!”

 

“أنصحكِ بإغراقه بدلًا من ذلك، لا يحبّ البلل.” علّق رايان بابتسامةٍ جانبية وهو يدخل النفق المرتجف مع ليفيا. قبل أن يترك السطح، ألقى نظرةً سريعة على المشهد من حوله.

 

كان كل شيء مألوفًا… ومع ذلك مختلفًا. سيناريو صقله عبر عشرات التكرارات، بُني على المعلومات التي جمعها في كل حلقة، ونفّذه بأيدٍ من الحلفاء الذين كسبهم في رحلته. بعد كل هذا الزمن، كان كل شيءٍ أخيرًا في مكانه.

 

لكن رايان لاحظ فورًا أمرًا جديدًا بالكامل— شيئًا لم يتخيّله حتى في أحلامه الجامحة.

 

سيارته الـبليموث فيوري…

 

لم تتعرّض لأيّ ضرر!

 

“إنها علامة سماوية…” همس بخشوعٍ دينيّ.

 

“وإن أحسَنَّا عملنا، فستبقى كذلك حتى نهاية اليوم.” قالت ليفيا مبتسمة.

 

الحلقة المثالية مؤكَّدة!

 

ركض الزوجين في النفق بينما جدرانه تهتزّ تحت تأثير لاند وهي تحاول إسقاطه. وصلا سريعًا إلى باب المخبأ الأسود، حيث انتظرتهما أربع طائراتٍ آلية من ديناميس.

 

“سآخذ اليسار، وأنتِ اليمي—” قال رايان، قبل أن يشعر بقشعريرة في عموده الفقري…

□■□■□

 

وحين استعاد وعيه، كانا يسيران وسط بوّابات الانفجار، تاركَين خلفهما أربع آليّاتٍ محطّمة.

 

“كنتَ تقول شيئًا؟” سألت ليفيا مازحة وهي تداعب القفّازات المعدلة.

 

“جشعةٌ أنتِ يا آنسة أوغُستي.” تذمّر رايان، بينما ينهار النفق خلفهما.

 

“جشعة، أنا؟” ردّت بابتسامةٍ جانبية وهما يدخلان الممرّ المعدني المؤدي إلى القاعة الرئيسة في المخبأ. “أنتَ من يحتكر الأشياء الجيّدة لنفسه!”

 

“وها أنا كنت أجهّز لك مفاجأة كبرى…” قال رايان وهو يطلّ عبر النوافذ المحصّنة إلى الحظائر في الجهة المقابلة، حيث كان أتباع سايشوك يعملون على ترميم آليّ ميكرون وغواصته. لاحظ رأس لين المدرّع يطفو فوق المياه التي تصل المجمّع البحري بالعالم الخارجي، فلوّح لها من وراء الزجاج المقوّى.

 

“مفاجأة، يا سيد رومانو؟” سألته ليفيا وقد استيقظ فضولها. “أنا أعشق المفاجآت.”

 

“موعد ديناميس، يا أميرة.” أجاب بابتسامةٍ ماكرة، في اللحظة التي خرجت فيها لين من الماء وأطلقت بندقيتها الفقاعية على العبيد الخاضعين لسايشوك. “موعد ديناميس.”

 

“لا أطيق الانتظار.” قالت وهي تدلف معه إلى منطقة الاستراحة في المخبأ. وكما في حلقة الانتحار، كان ستةٌ من الـسايكو يحتلون الغرفة: سارين، آلة الحبر السائل، وإنكوغنيتو عديم الوجه، يلعبون البلياردو برفقة الأصلع شاحب البشرة. أما راكشاسا فكان منشغلا بلعبة قتال الشوارع على جهاز الأركيد، وخلف المنضدة كان رأس امرأةٍ آسيويةٍ مقطوع يطفو في الهواء— وقد تذكّر رايان اسمها: فاكفايس، الرعب المجسّد.

 

ضربت سارين كرة البلياردو بعصاها، ثم رفعت نظرها نحو الداخلين. لم تنبس بكلمة، وللحظةٍ وجيزة خشي رايان أن عملية النقل لم تنجح.

 

لكن لحسن الحظ، كان لديهم رمزٌ سرّي متّفق عليه لاختبار ذلك.

 

“الريح في المرحاض.” قال الموصّل بجدٍّ مصطنع وهو يهيّئ رشاشه.

“أعيد: الريح في المرحا—”

 

“سمعتك من أول مرة، يا غبي.” تنفّست بيانكا بضيق وهي تضع العصا جانبًا. “استغرقك الأمر وقتًا كافيًا!”

 

“أتعرفين هذين يا سارين؟” سألت آلة الحبر، وهي تشعر باطمئنان زائف بسبب لامبالاة زميلتها. “مجندين جدد؟”

 

الإدارة الجديدة.” قالت بيانكا، ثم فجأة وجّهت قفّازيها المهتَزَّيْن نحو آلة الحبر وراكشاسا معًا. أطلقت دفعتين مباغتتين؛ فسالت الأولى كبركةٍ سوداء، وطار الثاني رأسًا على شاشة الأركيد.

 

“بيانكا، يا عديمة القلب!” ناح رايان على لعبة الأركيد، ثم فتح النار على الـسايكو الآخرين. كان حذرًا ألا يقتل أحدًا، ومع ذلك لم يُصِبْهم بأذًى يُذكَر. ارتمى إنكوغنيتو خلف طاولة البلياردو يحتمي بها، فيما شكّلت فاكفايس أذرعًا قِرمزيةً من الطاقة لتصدّ الطلقات. أمّا الشاحبُ الأصلع فاكتفى بالمراوغة، لكن ليفيا اندفعت نحوه لاشتباكٍ قريب.

 

“سارين، يا خائنة!” زمجرت فاكفايس من خلف المنضدة. “إنكوغنيتو، ناد فرانك!”

 

اندفع إنكوغنيتو نحو المصعد في عجلة، لكن رايان عاجله نحو الركبتين برشاشه. هَوَى رجل عصابة الميتا أرضًا بساقين داميتين يتلوّى من الألم.

 

“آسف… ستعيش.” اعتذر رايان لذاك الـسايكو عديم الوجه، ثم صوّب رشاشه إلى جهة المنضدة. “ها نحن نلتقي مجددًا يا فاكفايس! ولن أدّعي أنّني اشتقتُ إليك.”

 

“هذا ليس اسمي!” احتجّت الرأس الطافية، وبصقت سيلًا حمضيًا باتجاه المسافر عبر الزمن.

 

عبس رايان خلف قناعه وهو يجمّد الزمن ويتفادى. كان اسمُها… كان…

 

تمهّل. معها حق! لقد لقّبها فاكفايس في أول حلقة انتحارية له، ولم يُجهِد نفسه بعد ذلك ليعرف أكثر. وكذلك الشاحبُ الأصلع، حين فكّر بالأمر. لم ينجُ الاثنان من حربهم الأهلية في حلقة عصابة الميتا أصلًا، فلم تتسنَّ له معرفتهما على نحوٍ أعمق.

 

“مستحيل… أنا لم أتعلّم اسميْ هذين التافهين أصلًا!” تذمّر رايان مع استئناف الزمن. كان قد ضيّق المسافة مع فاكفايس، فرمى رشاشه جانبًا وقبض على شعرها. وقبل أن تهاجمه بأذرعها الطاقية، دَكَّ رأسها في حافة المنضدة بقوةٍ شقّقتها… وأغمي عليها. تلاشت مجسّاتها إلى جسيماتٍ من التدفق الأحمر. “بيانكا، ما اسم هاذيْن القمصان الحمراوين؟[2]”

 

“وهل يهمّ يا مهووس؟” ردّت بيانكا وهي تبدأ باستهداف الشاحب الأصلع. تفادى ضربتها، لكن ليفيا استغلّت الفرصة لتطوّقه من جهةٍ أخرى. وسرعان ما دفعتْه الهجماتُ المتكررة من محوريْن إلى زاويةٍ معزولة.

 

“يهمّني، نعم.” قال رايان وهو يتخطّى إنكوغنيتو المدمّى وراكشاسا المغمى عليه. “أنا مهووسُ الإكمال.”

 

“كاتشر وبينانغالان.” قالتها ليفيا أخيرًا وهي تُنزل القفّاز المعدل على صدر الشاحب. ارتطم الـسايكو بأقرب جدار وخرج من المعركة.

 

همف، فاكفايس كانت أوقع في السمع. سيجعل رايان تغيير اسمها أولوية قصوى حين يستعيد منصبه كرئيسٍ أبديّ لعصابة الميتا. ومع انشراح ضميره، تقدّم نحو المصعد ليواصل حلقته المثالية.

 

“حسنًا… هل يمكنكما جرّ هؤلاء إلى قصيرة لتتكفّل بهم؟” سأل فريقه بنبرةِ من يراجع قائمة مشتريات. “وساعداها مع العبيد في الخارج؛ عددهم كبير.”

 

“حاضر، لكن لا تُطِلْ هناك في الأسفل.” قالت ليفيا وهي تجرّ فاكفايس المدوّخة. أما بيانكا فأبقت آلة الحبر محبوسة في هيئة البركة باهتزازاتٍ خفيفة. “أريد دعوة الجميع للاحتفال بعد ذلك، والمطعم يغلق باكرًا. وفوق هذا… أبي سيبدأ بالقلق بعد اختفاء غايست.”

 

“تايلندي أم فرنسي؟” سأل رايان وهو يضغط زرّ المصعد—وهو يعرف أنها لا تحبّ الياباني.

 

“روسي، للتغيير!” أجابته حبيبته تمامًا لحظة انطباق أبواب المصعد.

 

لا بأس، على الأقل قصيرة ستُعجبها الفكرة.

 

وصل المصعد إلى وجهته، وشقّ رايان طريقه بسرعة عبر القاعة المركزيّة للمخبأ ثم الممرّ المعدني. بلغ المصحّة على عجل، فوجد سايشوك يغسل أدمغةَ اثنين من مدمني مدينة الصدأ المقيّدين إلى طاولات العمليات. رفع رأسه نحو رايان، فيما امتدّت يد الموصِّل إلى بخّاخ مُخدّر السعادة المخبّأ تحت معطفه الطويل.

 

“تشيزاري الصغير.” قال سايشوك بلا ذرة خوفٍ من الاقتحام المفاجئ، واثقًا بخلوده حدَّ الغرور. “يا له من أمرٍ غري—”

 

جمّد رايان الزمن، وألصق البخّاخ بوجه عدوه المبغوض… ثم ترك العقارب تستأنف سيرها.

 

“لا تقلق يا سايساي،” همس ساخرًا وهو يفعّل البخّاخ. “هذا… ليس ميثًا[3].”

 

ارتطمت مجسّات السايكو بعنف، فيما تسلّل مُخدّر السعادة إلى جهازه العصبي، لكن قبضة رايان ثبتت. تسرّبت الطاقة من سايشوك سريعًا، وشلّت الجرعة الزائدة دماغه، فسقط الحبارُ المعدنيّ المختلّ أرضًا. ركلَه الموصِّل ركلةً خفيفة، ثم أخفى البخّاخ في جيبه.

 

“يا عميل فرانك!” نادى رايان، وهو يعلم أن العملاق المعدني ينتظر على بُعد غرفٍ قليلة — هكذا أطلقه سايشوك عليه في منتصف أول حلقة انتحارية. “يا عميل فرانك، أسرِع! عملاء روس سمّموا نائبَ الرئيس بكافيار سوفييتي!”

 

اندفع العملاق الفولاذي إلى داخل المصحّة، ليجد رايان بلا قناعٍ يحتضن سايشوك المخدَّر، ودموعُ التماسيح تنهمر على وجنتيه.

 

“العميل فرانك، من الخدمة السرية الأمريكية!” هدّد وهو يرفع قبضته. “عرّف نفسك!”

 

“رايان رومانو، من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية!” شهق رايان باكيًا. “نجونا من بيرل هاربر[4] معًا، أنا وأنت والرقيب آرتش دورنان! ألا تذكر القارب يا عميل فرانك؟ القارب؟”

 

لوّح فرانك المجنون بإصبعه السبّابة متحيّرًا، وهو يستحضر يومًا لم يحدث قط. “كنتَ الجندي! الجندي على القارب!”

 

الحمد لله أن ليفيا توقّعت الطريق إلى رأسه. “لقد أنقذت حياتي يا عميل فرانك، واليوم أسدّد الدَّين.” مسح رايان دموعه المزوّرة. “فعلتُ كل ما بوسعي لإنقاذه، لكن الهواء… الشيوعيون سمّموا حتى الهواء، يا عميل فرانك!”

 

“كنت أعلم أنهم يضعون شيئًا في الطائرات!” حدّق فرانك فورًا في سايشوك المتهالك بقلقٍ بالغ. “ما الذي نستطيع فعله؟”

 

“فعلتُ أقصى ما أستطيع، لكنها محاولة انقلابٍ شيوعية يا عميل فرانك. إنهم يحاولون تدمير الحكومة!”

 

عندها فقط أدرك العميل فرانك التهديد الحقيقي الذي يواجه الديمقراطية. “الرئيس هناك في الأسفل!” ذعر العملاق. “علينا تأمين سلامته!”

 

“لا يا عميل فرانك، ليس علينا. إنها مهمةٌ انتحارية.” سلّم رايان سايشوك المخدّر لفرانك برفق، فحمله الأخير ككنزٍ سرّي. “سأتولّى أنا المهمة. ابقَ هنا واحمِ نائبَ الرئيس من هجومٍ روسيٍّ مضاد، إلى أن تعود العميلة سارين ومعها الإسعاف.”

 

“الخدمة السرية الأمريكية لا—”

 

“لا تبقى الديمقراطية إلا إذا…” تنحنح رايان، وثقل صوته كجنديٍّ يمضي إلى موتٍ محتوم. “إذا عِشتَ يا عميل فرانك. إن مات الرئيس، فلا بدّ أن تبقى… مؤسسة نائب الرئيس. أفهمتَ هذا يا عميل فرانك؟”

 

تنفّس رايان طويلًا وهو يعيد قناعه إلى وجهه ويضع القبّعة المستديرة فوقه. “دعني أمُت من أجل وطني،” توسّل وهو يعدّل الحافّة، “بطلاً.”

 

“فهمت.” قال فرانك — ذلك المجنون النبيل — ثم أدّى تحيّةً عسكرية بيدٍ، بينما احتضن سايشوك بالأخرى. “مُخلِصٌ دَوماً.”

 

“مُخلِصٌ دَوماً.” ردّ رايان التحية، وغادر المصحّة بقلبٍ مثقل.

 

هكذا إذًا: وفقًا ليفيا، إن عومل بهذه الطريقة فسيبقى فرانك في المصحّة مطيعًا للأوامر حتى يؤمّن الفريق بقية المخبأ.

 

حتى الآن، كان انهيار عصابة الميتا شاملًا… لكن الطبق الرئيسي ينتظر بعد بضع غرف.

 

ترك رايان فرانك وسايشوك المشلول خلفه، وغاص أعمق في المجمّع حتى بلغ قاعةً تحت أرضية مألوفة. سبعةُ خزّانات إكسير مقلد تصطفّ على الجدار القريب، يشغل نصفَها خاضعون متحوّرون للتجارب. كانت إحدى بوّابتَي الغرفة مفتوحة، ووقعُ الأقدام يتردّد من جهتها.

 

“تعرف… منذ جئتُ إلى روما الجديدة، قاتلتُ فضائيين وسايكو وجينوماتٍ مسعورة بالسلطة، وقليلون منهم تركوا أثرًا يُذكَر.” قبض رايان على الـبيريتا وهو يرى خصمه يخطو خارج العتمة. “يا لك من كتلةٍ تُلقي بظلٍّ أثقل من جسدها!”

 

كان أوغستس أقوى، وفول آوت أصلب عزيمةً، غير أن زعيم عصابة الميتا كان أدهى، وأقسى، وفي النهاية… أشد خطرًا. ولهذا، كان عليه أن يموت أولًا.

 

“ما عساني أقول يا صاح؟ آذيتُ الكثيرين، واليوم بوفيه مفتوح على الآخر.” خرج آدم من الظل ويده خلف ظهره، بشرته الكربونية سوداء كسواد روحه، وابتسامةٌ مفترسةٌ تجرح وجهه. “لكن لا بدّ أن أقول… ما جرّبتُ تذوّق بنفسجيٍّ من فصيلتي من قبل.”

 

“اجعل هذه الحلقة الأخيرة تستحق العناء، يا بيبندام[5].” قال رايان وهو يرفع مسدّسه. “فلن تنال غيرها.”

 

☆☆☆☆☆

 

♡غزة غزة رمز العزة♡ ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.

 

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.

 

[1] تعبير اشهد علي: مقتبس من عبارة إنجليزية شهيرة في الأفلام (مثل فيلم ماكس المجنون)، ويقولها الشخص قبل أن يندفع في مهمة يائسة لكي يشهد الآخرون على شجاعته وفعله الأخير.

 

[2] القمصان الحمراوين: مصطلح مستمد من مسلسل الخيال العلمي ستار تريك. في هذا المسلسل، كان يلاحظ المشاهدون باستمرار أن أي شخصية ثانوية مجهولة ترتدي القميص الأحمر (عادة من فريق الأمن أو الهندسة) كانت أول من يموت أو يُصاب بشكل مأساوي عند مواجهة خطر جديد.

 

يُستخدم المصطلح اليوم في الأدب والسينما للإشارة إلى الشخصيات الثانوية (الكومبارس) التي لا تحمل اسمًا أو قصة عميقة وأيضا للشخصيات المستهلكة أو القابلة للاستغناء عنها، والتي يُتوقع موتها أو هزيمتها بسرعة لتوضيح مدى خطورة الموقف، دون أن يكون لها دور محوري في الأحداث.

 

[3] الميث: اختصار الميثامفيتامين وهو من أخطر وأقوى المنشطات المسببة للإدمان.

 

[4] بيرل هاربر هي قاعدة بحرية أمريكية في هاواي. ارتبط اسمها بـ الهجوم الجوي المفاجئ والكاسح الذي شنته القوات اليابانية عليها في 7 ديسمبر 1941. تسبب الهجوم في دمار كبير وأدى إلى مقتل أكثر من 2400 أمريكي. كان هذا الهجوم هو السبب المباشر لدخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب العالمية الثانية. في الثقافة الأمريكية، يُمثل هذا الحدث رمزاً للخيانة والمباغتة، ويتم استخدامه كدافع قوي للإخلاص والرد العسكري.

 

[5] بيبندام هو الاسم الرسمي لشخصية رجل ميشلان الشهيرة، التميمة البيضاء ممتلئة الجسم التي تتكون من إطارات متراصة، وهي رمز لشركة إطارات ميشلان منذ عام 1898، ويُعدّ أحد أقدم العلامات التجارية وأكثرها شهرة في العالم.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset