النهاية المثالية: الفصل 111

أصول الأنواع

الفصل 111: أصول الأنواع

 

○●12 ديسمبر 1992، القارة القطبية الجنوبية.●○

 

 

إيفا فابر كانت تعشق التحديق في سماء الليل.

 

لم تكن ترى النجوم في باريس، لكن القارة القطبية لم تعرف شيئًا اسمه التلوث الضوئي. الشفق القطبي كان يرقص في الأعالي، ودرب التبانة يلمع فوق رأسها بوضوح مدهش. بدا الليل حيًّا، مليئًا بالعجائب، والظلام غارقًا وسط جزر من النور.

 

أكان ثمة مشهد أجمل من هذا؟

 

منذ طفولتها، كانت إيفا تحلم بأن تصبح رائدة فضاء. لكن مولدها في المكان والزمان الخطأ جعل حظوظها ضئيلة منذ البداية. فاختارت أن تصبح عالمة وراثة، وصعدت تدريجيًّا حتى صارت العالمة المسؤولة عن محطة أورفيون. لم تهبط على سطح القمر، لكنها قادت فريقًا كاملًا لدراسة الأوبئة الفتّاكة.

 

اختارت الحكومة الفرنسية القارة القطبية كموقع للمحطة لأسباب عدّة. الأهم كان تقليل مخاطر أي تسرّب كارثي، إلى جانب دراسة الفيروسات القديمة المطمورة تحت الجليد. بعضها كان قادرًا على تدمير الأرض لو أُطلق سراحه، ورؤساؤها أرادوا أن يحافظوا على تفوّق فرنسا في مجال الأسلحة البيولوجية. انهيار الاتحاد السوفييتي جعل المستقبل غامضًا.

 

قد يستاء البعض من العمل على أسلحة دمار شامل، لكن إيفا كانت تنام قريرة العين. العلاقات الدولية تُبنى على القوة، والقوة تنبع من التفوّق التكنولوجي. ولتبقى بلادها على قيد الحياة، كان لا بد أن تظل متقدّمة على الآخرين مهما كان الثمن. ربما يتسبّب عملها في قتل الملايين يومًا ما، وربما لا. صحيح أنّها تفضّل أن تبقى الرؤوس النووية في صوامعها، لكنها ستغدو مفيدة لو حلّت ساعة القيامة.

 

إيفا كانت تتقاضى أجرًا لتنجز عملاً قذرًا، لكنه ضروري.

 

وقفت قرب سيارتها الرباعية الدفع الخاصة، تشعر بالبرد يتسرّب إلى بذلتها. رغم ارتدائها ملابس ثقيلة: باركا[1]، نظارات واقية، قفازات، وقلنسوة بالاكلافا، تبقى القارة القطبية أقسى بيئة على وجه الأرض. لا أحد آمن تمامًا منها، وهي الآن على بعد كيلومترات من المحطة، محاطة بالجليد وحده.

 

لكن إيفا لم تكترث. مشهد السماء كان كافيًا ليبث الدفء في روحها.

 

كانت تعلم أن هناك حياة في السماء. العينات التي عثرت عليها في القارة القطبية أقنعتها تقريبًا بأن الحياة جاءت من الفضاء على هيئة فيروسات وبكتيريا بدائية. أي مخلوقات عجيبة كانت تعيش في تلك النجوم المضيئة فوق رأسها؟

 

تمنت أن تعيش طويلًا بما يكفي لتكتشف ذلك.

 

“بيير إلى إيفا؟” نادها مساعدها عبر جهاز الاتصال الداخلي. “بيير إلى إيفا؟”

 

“أنا هنا”، أجابت. “أراقب النجوم فحسب.”

 

“حسنًا، كدت أقلق عليك.”

 

بالطبع كان قلقًا. بيير بطبيعته عصبيّ المزاج، ودائمًا ما ينصح إيفا ألا تخرج وحدها. والحق أن العالِمة كانت تستمتع بهذه اللحظات الهادئة التي لا تجدها في المحطة المزدحمة. إيفا لم تكن تشعر بالقرب من أحد، ولم تكن ترغب بذلك. عملها كان حياتها.

 

“لكن يجدر بكِ العودة الآن”، قال بيير. “نلتقط نشاطًا كهرومغناطيسيًا غير طبيعي في منطقتك.”

 

“على الأرجح أنه الشفق القطبي”، أجابت بلامبالاة. وما إن قالت ذلك حتى لاحظت أنّ الألوان قد تغيّرت من الأخضر إلى درجة خفيفة من البنفسجي. “سأعود حالًا.”

 

“آسف، لقد…” انقلب صوت بيير إلى تشويش راديوي. “إيفا…”

 

“بيير؟” نادت إيفا، بينما بدأ جهاز الاتصال يختلّ. “بيير، هل تسمعني؟”

 

لا جواب سوى أزيز التشويش.

 

“بيير؟” أعادت النداء، قبل أن تضيق عينيها خلف نظاراتها. كان الشفق القطبي فوق رأسها قد ازداد سطوعًا، خطوط بنفسجية تمزّق عتمة الصحراء الجليدية. تحوّل الأزيز إلى طنين حاد يكاد يصمّ الأذنين. “بيير؟”

 

أجاب صوت آخر، لكن بزئير وحشيّ بدلًا من الكلمات.

 

اهتزّت الأرض تحت قدميها، تشققات صغيرة تتكوّن في الجليد. واشتدّ وهج السماء حتى تحوّل الليل إلى نهار بنفسجي.

 

أدركت إيفا أنّ أمرًا جللًا يحدث، فقفزت إلى داخل سيارتها وضربت دواسة الوقود بكل ما أوتيت من قوة. اندفعت العجلات المصفّحة فوق الثلوج، والعالِمة تقود عائدة بأقصى سرعة نحو محطة أورفيون.

 

“بيير؟ بيير؟” واصلت النداء عبر الجهاز، لكن كل ما سمعته كان أصواتًا غريبة لا تُفهَم. “بيير، هل ترى هذا؟”

 

كان شفقان بنفسجيان قد شقّا السماء نصفين. كأنّ الفضاء نفسه يُمزَّق، مثل جفني عين عملاقة تتفتحان. بقعة سوداء تتسع وسط بحر من الضوء البنفسجي، ثقب أسود ينمو من قلب نجم شبحي.

 

رغم أن غريزة النجاة كانت تصرخ بها لتفرّ، وجدت نفسها ترفع عينيها إلى النافذة لتراقب المشهد بفضول جامح تغلّب على خوفها.

 

كبرت البقعة السوداء حتى صارت بحجم هائل، تمنح العالِمة نافذة مباشرة على ما وراءها. عندها فقط أدركت أنها تحدّق في بوابة مفتوحة إلى نسيج الزمكان نفسه.

 

هيكل أسود عملاق بجناحين معدنيين يشقّ فراغ الفضاء، تدفعه محرّكات تخلف وراءها أثرًا قرمزيًّا. الآلة الهائلة بحجم مدينة كاملة، تدكّ الكويكبات كدبابة تدهس الحصى.

 

سرب من آلات حمراء حادة كالرماح كان يطارد السفينة العملاقة، يرتطم بجسمها بعنف كخناجر غاضبة. ردّت الآلة السوداء بأوماض زرقاء محيّرة وأشعة ليزر حمراء. غلّفت طاقة برتقالية أجزاءً من هيكلها، فتتحطّم السفن الحمراء كلما حاولت اختراق تلك النقاط.

 

سفن فضائية. هذه كانت سفنًا فضائية.

 

معركة، فكّرت إيفا، مذهولة ومروّعة في آن. إنهم يتقاتلون.

 

إذًا، الكائنات الفضائية موجودة، وهي تخوض حربًا.

 

واجه هيكل السفينة العملاقة الأرض مباشرة، نحو إيفا والقارة القطبية. معظم السرب الأحمر كان قد دُمّر أو نجح في اختراق الهيكل. البقية انسحبوا إلى الخلف، فيما أخذت السفينة السوداء تعبر البوابة وتتقدم أكثر فأكثر نحو إيفا.

 

كانت على وشك السقوط.

 

“لا، لا، لا!” ضغطت إيفا على دواسة الوقود أكثر من أي وقت مضى، محرك السيارة يلهث بالدخان. ومع أن سقوط السفينة بدا بطيئًا، إلا أنه كان حتميًّا. اهتزّت الأرض تحت عجلاتها حين اصطدم مقدّم الطراد — الذي يمتد كيلومترات — بسطح القارة القطبية، على مسافة ليست ببعيدة عنها. الهزّة الأرضية جعلت صفارة إنذار سيارتها تعوي كصرخة موت بطيئة.

 

“يا إله—”

 

لم تُكمل جملتها، إذ ابتلعها وميض بنفسجي ساطع، تبعته موجة عاتية من الثلج. تطايرت شظايا الجليد في كل اتجاه، تشقّق زجاجها الأمامي المصفّح، وانحرفت السيارة عن مسارها. ارتطم رأسها بالوسادة الهوائية، فيما تدحرجت السيارة عشرات المرات، قبل أن يبتلعها السواد.

 

عندما استعادت وعيها، كانت سيارتها مقلوبة، السقف غارق في الثلج والعجلات متجهة نحو السماء. تشوّشت رؤيتها وهي تتحسّس الباب بيد مرتجفة، واستغرقها دقائق لتزحف خارج هيكل السيارة المحطّم. تراكم الثلج حولها فأجبرها على الحفر بيديها المغلّفتين بالقفازات حتى شقت لنفسها طريقًا للخارج. تسللت بضع قطرات من الماء المجمّد إلى داخل بذلتها، فارتجفت من شدّة البرد.

 

وحين تمكنت أخيرًا من الوقوف خارج الحطام، تساءلت إن كانت النجوم قد اختفت من السماء. احتاج عقلها إلى لحظة ليعي الحقيقة.

 

كان قُبّة هائلة تظللها.

 

السفينة الفضائية ارتطمت بسطح القارة القطبية، ودُفن معظمها تحت الجليد الذي أثاره الاصطدام. سطحها المعدني الأسود بدا كليلٍ بلا نجوم، والنوافذ العيونية الشكل توحي بأنها تحدّق بها مباشرة.

 

استعادت إيفا أنفاسها بصعوبة. ورغم أنها لم تؤمن يومًا بأي إله، وجدت نفسها تعترف بأن نجاتها أشبه بالمعجزة. لو اختارت مكانًا آخر لتراقب السماء، لكانت السفينة قد سحقتها مع سيارتها.

 

بعد أن تحقّقت بسرعة من عدم إصابتها بجروح خطيرة، أمسكت بجهاز الاتصال: “بيير؟ بيير، هل تسمعني؟”

 

لا إشارة. خرجت إيفا بحذر من ظل السفينة لترفع رأسها نحو السماء — وصُدمت حين أدركت أنّ النجوم اختفت تمامًا. الظلام يسيطر بلا منازع، إلا من ومضات برق بنفسجي متقطعة. على الأرجح أنّ هذه الظاهرة الجوية الغريبة عطّلت الاتصالات.

 

حاولت حفر السيارة وإصلاحها، لكنها أيقنت بسرعة أنّ الأمر ميؤوس منه. المحرك دُمّر جراء الارتجاجات المتتالية، وهي لا تعرف كيف تصلحه. حتى الراديو الاحتياطي كان معطلاً، فلا سبيل لطلب النجدة.

 

مع ذلك، كان لديها مؤن طوارئ في الصندوق الخلفي: مصباح يدوي، سخّان محمول، مجارف، وأدوات أساسية أخرى. يمكنها الصمود أيّامًا قليلة على أمل أن تأتي فرقة الإنقاذ — فلا أحد في المحطة يمكن أن يغفل عن سقوط كهذا.

 

ومع ذلك، كان الشكّ ينهشها كلما رفعت بصرها إلى السماء. أمسكت المصباح، تفقدت بطاريته، وبدأت تمسح موقع التحطّم.

 

استغرقها الأمر ساعات.

 

حجم السفينة كان يفوق الفهم، وأكثر من نصفها مطمور تحت أطنان من الجليد. تذكّرت أنها رأت أجنحة ومحرّكات أثناء السقوط، لكن ما ظهر فوق الأرض لم يكن سوى القُبّة والسطوح العلوية. لم يخرج أحد لمواجهتها أو صدّها.

 

وأخيرًا، عثرت العالِمة على ما بدا مدخلًا: أبواب انفجارية متقدّمة على الجانب الأيمن للسفينة الفضائية. فحص سريع أوحى لها بأنها مصنوعة من معدن برتقالي غريب لم ترَ مثله من قبل. الاصطدام شقّ الأبواب وترك فجوة واسعة بما يكفي لتتسلل إيفا منها بشيء من الجهد.

 

كادت تجرب حظّها وتدخل، لكنها تراجعت. كان دخولها وحدها مجازفة. كان عليها أن تبلغ محطة أورفيون، فريقها، الجيش. يجب أن يعلموا. يجب أن يعلم الجميع.

 

الكائنات الفضائية موجودة.

 

هذا… هذا يغيّر كل شيء.

 

لقد كان أعظم حدث في تاريخ البشرية منذ اكتشاف النار! حدثٌ سيغيّر مصير العالم إلى الأبد! ستعيش إيفا لترى البشرية تجري أوّل اتصال مع حضارة متقدّمة، قادرة على السفر بين النجوم!

 

بدت الخصومات الوطنية فجأة تافهة أمام حدث كهذا. فالإنسانية ليست سوى نوعٍ ذكيّ واحد وسط هذا الكون الفسيح، والانقسامات الداخلية فقدت معناها. لو أن الفضائيين يوافقون على مشاركة تقنيّاتهم، فلن يتقاتل أحد على الموارد بعد اليوم.

 

ربما… ربما يقود هذا الاكتشاف إلى سلام عالمي؟ إلى قيام حكومة بشرية موحّدة لا تحتاج إلى أسلحة بيولوجية؟ لبرهة، وجدت إيفا نفسها تحلم بعالم لن تكون فيه وظيفتها ضرورية بعد الآن.

 

لكنها تذكّرت حادث التحطّم.

 

نعم، كانت هذه سفينة لحضارة متقدّمة، لكنها كانت في حرب. لم يكن لديها أدنى فكرة كيف سيتعامل الناجون من خارج الأرض — إن وجدوا — مع وجودها هنا.

 

قررت إيفا أن تغادر سيرًا على قدميها، لتعود إلى محطة أورفيون أو على الأقل تعثر على مكان أفضل للاتصال. وحين تخرج من نطاق الظاهرة الجوية الغريبة، يمكنها أن تتبع النجوم لتجد طريقها. كان مصباحها اليدوي مهيّأ لتحمّل برد القارة القطبية، لكن طاقته ليست بلا حدود.

 

سارت ساعتين في اتجاه واحد… لتجد نفسها مجددًا أمام القُبّة.

 

جربت السير يمينًا ويسارًا، شمالاً وجنوبًا. وكل مرة كانت تعود إلى نقطة البداية. دائمًا تعود إلى السفينة.

 

في النهاية، كان عليها أن تقبل بالحقيقة المستحيلة: بطريقة ما، طُوي الفضاء على نفسه، مكوّنًا حلقة لانهائية. إمّا أن العالم الخارجي قد أُغلق في وجهها — ربما كإجراء دفاعي للسفينة — أو أنّ الأرض نفسها توقفت عن الوجود. لم يكن غريبًا إذن أن إشارات الاتصال انقطعت تمامًا. وهذا بدّد أي أمل في إنقاذ سريع.

 

لم يعد هناك سوى مكان واحد تذهب إليه.

 

تجمّعت أنفاسها واقتربت من الأبواب الانفجارية لتفحص الشق. حين وجهت مصباحها نحو الفتحة، لم ترَ الكثير، لكن المساحة كانت كافية لتتزحلق إلى الداخل ببعض الجهد.

 

“هل يوجد أحد هناك؟” نادت عبر الفتحة. “مرحبًا؟ هل من أحد؟”

 

لا جواب. حتى الأصوات الغريبة التي سمعتها قبل التحطّم خمدت تمامًا.

 

شدّت إيفا عزيمتها، وضعت يديها في الفتحة، وانزلقت ببطء إلى الداخل، المصباح أولاً.

 

وعندما عبرت إلى الجهة الأخرى، وجدت نفسها فيما يبدو أنه غرفة معادلة ضغط للسفينة. الأبواب التالية قد تمزقت بشكل مخيف، وغبار جليدي يتطاير في الهواء. كشف ضوء المصباح عن بقع من لزوجة خضراء لزجة على الجدران، فحرصت ألا تلمسها. ربما كانت سلاحًا بيولوجيًا أو وقودًا سامًّا.

 

على الأقل كانت قادرة على التنفّس. إمّا أنّ الفضائيين يحتاجون إلى الأوكسجين هم أيضًا، أو أن الغلاف الجوي الخارجي تسلّل إلى الداخل بفعل الصدمة. جو السفينة كان باردًا، لكنه ليس قارسًا مثل برية القارة القطبية.

 

عبرت العالِمة الأبواب التالية، لتجد نفسها في شبكة من ممرات معدنية ضخمة. بلّورات حمراء مثبتة في السقف وفّرت إضاءة خافتة، لكن نصفها كان محطّمًا. أحيانًا كانت تمشي لأكثر من عشرين دقيقة في اتجاه واحد، لا رفيق لها إلا المصباح. خطواتها تتردّد كصدى في هذا البناء الكهفي، مما جعلها متوترة أكثر فأكثر.

 

كان السقف شاهقًا، لا يقل عن ثمانية أمتار ارتفاعًا. الجدران من نفس المعدن الأسود الأملس الذي يتكوّن منه هيكل السفينة، إلى حدّ أنّ إيفا لم تجد أي أثر للحام. وبين الحين والآخر كانت تصادف أبوابًا غامضة بلا ملامح، لكل منها نمط ألوان مختلف: أزرق، أحمر، برتقالي…

 

تأتي البوابات في أزواج، باب ضخم تحيط به بوابتان أصغر بحجم بشري. بوضوح، صُمّمت السفينة لتأوي كائنات بأحجام مختلفة. لكنها لم تعثر على أي قفل حيوي أو لوحة تحكّم. محاولاتها فتح الأبواب بيديها باءت بالفشل.

 

“مرحبًا؟” دوّى صوتها في جوف السفينة، ولم يردّ سوى الصدى. “ألا يوجد أحد؟”

 

ماذا حدث في هذا المكان؟ لم تنتظر طويلًا لتعرف. فبعد مسيرة طويلة وحيدة، عثرت أخيرًا على أبواب مفتوحة.

 

أو بالأحرى، مفجّرة.

 

أول غرفة دخلتها كانت أشبه بحظيرة إرساء — أو هكذا افترضت إيفا. كانت واسعة كالمطارات، وبداخلها عشرات المركبات بحجم طائرات ركّاب. ذكّرتها بتصاميم القاذفات الشبحية وأجنحة الطيران، مثلثات مسطحة بمحركات متقدمة لحملها. جميعها كانت متضررة، وتحمل رمزًا غريبًا محفورًا على هياكلها؛ علامة أقرب إلى دمج عجيب بين حرف “M” أجنبي ورمز أوميغا الإغريقي.

 

والرائحة… رائحة كريهة ملأت المكان حتى كادت تعيد ما في معدتها.

 

“هل يوجد أحد هنا؟” سألت إيفا، وهي تمسح المكان بمصباحها. القليل جدًّا من البلّورات الحمراء بقي يعمل، والرؤية شبه معدومة. “هل من أحد—”

 

ثم سلطت الضوء على جثة حيوان.

 

تراجعت العالِمة بخطوة وهي تغطي فمها لتمنع الصرخة. اهتز المصباح في يدها كاشفًا عن شكل عملاق غارق في الظلام. أمعاء وأعضاء غريبة متناثرة على الأرض. تنفّسها أصبح قصيرًا متقطعًا، وهي تمرّر ضوء المصباح على الأرض لتتأكد من الرؤية.

 

جثث.

 

جثث في كل مكان.

 

لرعبها، أدركت إيفا أنها دخلت قبرًا مفتوحًا.

 

كان الفضائيون قد قتل بعضهم بعضًا بالعشرات، بل ربما بالمئات. كانوا جميعًا يرتدون دروعًا مستقبلية غريبة، تجمع بين صفائح معدنية برتقالية ودوائر إلكترونية بألوان مختلفة، خوذة مزودة بواقية للرؤية، وأسلحة عضوية مغروسة في الأذرع. لكن أشكالهم لم تكن متشابهة: بعضهم سحالي بشرية، أطول قليلًا من الإنسان، وآخرون وحوش مقزّزة بقرون وقشور، أطول من الفيلة.

 

وعلى الجانب الآخر، أكوام من خردة حمراء وبقايا روبوتات محطمة. كانت هذه الآلات ذات سيقان وأذرع شبيهة بالبشر، لكن بأظافر حادة، مدافع على الصدر، وعين بلورية زرقاء واحدة بدل الرأس.

 

“تبا…” لهثت إيفا وهي تفحص الجثث. كان جميع الفضائيين يحملون على دروعهم الرمز الذي يشبه حرف “M”. وعثرت على نفس العلامة على بعض الروبوتات، لكن مشطوبة أو مشوّهة. من طريقة تموضع الجثث، بدا أن الطرفين تقاتلا حتى آخر كائن على قدميه.

 

ثم فحصت جدران الحظيرة، فعثرت على السفن الكاسرة وقد اخترقت الهيكل. أنوفها انفتحت كأبواب لتفرغ حمولتها من الروبوتات، ومعظمها تحطّم هنا.

 

لم تحتج إيفا لوقت طويل كي تفهم ما حدث. الروبوتات هاجمت السفينة الضخمة بأن صدمت دروعها الخارجية بسفنها الصغيرة، قبل أن تتسلّل منها إلى الداخل. دافع السكان بشراسة، لكنهم غُلبوا بكثرة العدد، ما سمح للمهاجمين بالانتشار في الممرات والسيطرة على السفينة.

 

وبما أن الروبوتات تحمل نفس الشعار الذي يحمله ضحاياها، لكن مشطوبًا… بدا الأمر كأنه حرب أهلية من نوع ما.

 

“أنا…” حاولت إيفا أن تستجمع أنفاسها وتهدّئ روعها. أي كابوس هذا الذي وجدت نفسها فيه؟ هل… هل بقي ناجٍ واحد على قيد الحياة؟

 

تفحصت الجثث عن قرب، علّ أحدها يكون… لا تدري هي نفسها، يتظاهر بالموت؟ مصابًا فقط؟ لكن أملها خاب سريعًا. الجانب المنتصر أنهى حياة الجرحى بلا رحمة قبل أن يتابع طريقه.

 

ومع ذلك، حين قطعت الحظيرة إلى الجانب الآخر، لاحظت كائنًا يختلف عن البقية. كان يرتدي درعًا برتقاليًّا متقدّمًا مثل الآخرين، لكن شكل الجسد… ذراعان، ساقان، كتفان عريضان، يدان بخمسة أصابع… والطريقة التي انكمش بها قرب باب مفجّر…

 

اقتربت إيفا بحذر، تمسح الجثة بمصباحها. كانت دوائر ذهبية تصل بين أجزاء الدرع المعيارية، بينما يسيل دم أخضر كثيف من فجوة كبيرة في الصدر. لمحت العالِمة قلبًا ميتًا تتدلّى منه أسلاك كالشرايين، ورئتين معدنيتين. الدرع كان مطعّمًا جراحيًّا في الجلد، مع مدافع مثبتة على الكتفين والذراعين. خوذة ذهبية غطّت الرأس. أمالت إيفا المصباح نحو واقية الخوذة الخضراء على شكل “V”، ونظرت إلى العينين البيضاويين خلفه.

 

ارتجف بدنها من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها.

 

إنه…

 

إنه وجه إنسان.

 

كان الفكّ السفلي قد استُبدل بأجزاء سيبرانية، لكن العينين والأنف… لم يكن هناك مجال للخطأ.

 

مرتعشة، واصلت إيفا رحلتها في أحشاء السفينة، تمشي بين الجثث. وحين غادرت الحظيرة إلى الغرف التالية، بالكاد كانت تستطيع أن تخطو دون أن تكاد تنزلق على أذرع مبتورة، جثث بلا رؤوس، وبقايا ممزّقة.

 

ومع ذلك، لم يكن هذا أكثر ما يثير القشعريرة.

 

دخلت ما بدا وكأنه مختبر، حيث طافت مئات العينات في أجهزة عضوية-تقنية على شكل قلب. عروق كبلية ضخت السائل الأخضر في الحاويات، وأبقت الكائنات في حالة سبات. الجدران الشفافة سمحت لإيفا بأن تطلّ على ما بداخلها.

 

بعضها كان يومًا ما بشريًّا، لكن بطونهم شُرّحت، وأعضاؤهم استُبدلت بزرعات سيبرانية. أما البقية فكانت لكائنات قشرية مختلفة الأحجام: أحدها جنين بحجم كلب، وآخر سحليّ بشريّ بعينين اثنتين. الحاوية التالية ضمّت نسخة أطول أنحف بأربع عيون وأذرع ممدودة، والتي بعدها احتوت على وحش مدرّع شائك بخمس عيون. وكلما زاد عدد الأعين، ازداد حجم المخلوق، وكان أكبرها سايبورغ عملاق يتجاوز طوله ثمانية أمتار.

 

غير أنّ شيئًا واحدًا لفت نظرها وسط هذا المشهد.

 

كتلة هلامية زرقاء تدور داخل إحدى الحاويات. وما إن وضعت إيفا يدها على الزجاج الغريب الفاصل بينهما حتى أطلقت المادة الهلامية مجسّات وارتطمت بجدار حبسها. “على الأقل أنت حيّ”، همست إيفا. “أياً كنت.”

 

دوى صوت عميق إلى يسارها.

 

استدارت إيفا على الفور، مسلطة مصباحها نحو زاوية مظلمة في المختبر.

 

كان كائن فضائي أطول منها بقليل يزحف في الظلام، درعه البرتقالي مغمور بدماء خضراء. ذراعه اليسرى كانت مدفعًا، واليمنى جذع دامٍ مكسور. ذيل مدرّع يتأرجح خلفه، وثلاث عيون تنظر إليها بتوسّل من خلف واقية خوذة مكسورة. أصدر الكائن فحيحًا مؤلمًا، محاولًا سدّ الثقب في صدره بجذعه. ساقاه مثقوبتان أيضًا.

 

“أأنت… حيّ؟” وبّخت إيفا نفسها فورًا — بالطبع هو حي! “هل تفهمني؟”

 

أمعن الكائن النظر فيها لبرهة، ثم أصدر صوتًا حزينًا. بعد ذلك نظر إلى جراحه وأطلق فحيحًا آخر.

 

قد لا يكون فهم كلماتها، لكنه كان ذكيًّا بما يكفي لمحاولة التواصل. ولم يبدُ عدائيًّا. بل يائسًا.

 

ورغم أن إيفا لم تكن امرأة رحيمة بطبعها، لم تستطع أن تدير ظهرها لكائن يتألّم، خصوصًا إن كان عاقلًا.

 

“أنا… آسفة، لست متأكدة أنني أستطيع المساعدة.” اقتربت ببطء لتفحص جراحه عن قرب. “لدي ضمادات في سيارتي، لكن عليّ العودة إليها—”

 

لاحظت إيفا تغيرًا في عينيه. شيء بارد، قاسٍ. لمعة جعلتها تستنفر فورًا.

 

وحدها ردّة فعلها السريعة أنقذتها، إذ رمت نفسها إلى اليمين. رفع الوحش مدفعه بسرعة مبارز محترف وأطلق النار، شعاع قرمزي كاد أن يصيبها. الانفجار أحرق بعض خيوط معطفها المبطّن، وحطم الحاوية خلفها.

 

كانت إيفا مصدومة لدرجة لم تتحرك معها، والوحش يوجه مدفعه نحو رأسها مجددًا. لكن بدل أن يطلق النار، أصدر السلاح طقطقة… ثم أخرى.

 

لا مزيد من الذخيرة.

 

لم يدم ارتياح إيفا طويلًا، إذ أطلق الكائن زئيرًا غاضبًا وبدأ يزحف نحوها. نهضت العالِمة بسرعة وتراجعت إلى الخلف برعب. صحيح أن الوحش كان مثخنًا بالجراح، لكن عيونه الثلاث كانت تتوهج بكراهية قاتلة.

 

“ابتعد!” زمجرت إيفا، قبل أن تركله في جرحه. لم يستطع دعم وزنه على جذعه المبتور، فسقط أولًا على واقية خوذته، مطلقًا فحيح ألم. تدفقت دماء أكثر من جراحه، وسرعان ما توقّف عن الحركة تمامًا.

 

لقد… لقد خدعني، فكرت إيفا. حاول أن يخفّض حذري ليقتلني. كان يحتضر، ومع ذلك حاول قتلي.

 

هذا الإدراك زلزل كيانها. لطالما اعتقدت أنّ أي حضارة متقدّمة بما يكفي للسفر بين النجوم تجاوزت غرائزها البدائية، وأنها ستكون حكيمة مسالمة.

 

لكنها كانت مخطئة.

 

كل نظام بيئيّ فيه مفترس، وهي لتوها نجت من واحد.

 

وفجأة تذكّرت أنّ الكائن فجّر إحدى الحاويات.

 

التفتت إيفا فوق كتفها… لتجد موجة من الهلام الأزرق تنهال عليها.

 

حاولت الصراخ، لكن الكتلة اللزجة سبقت إلى حنجرتها. ابتلعتها بالكامل، رأسًا أولاً، تملأ أذنيها، تندمج مع بشرتها، تدخل مجرى دمها. تغلغلت في خلاياها ونخاعها، أغرقت أعصابها بضوء أزرق، وحشرت دماغها بالمعرفة. حاولت أن تقتلع عينيها وهي تشعر بها تزحف خلفهما، لكن يديها انقسمتا نصفين قبل أن تتمكّن.

 

انقسم جسدها كله، كيانها بأسره، كما تنقسم الخلية. تذكّرت وهي تقبّل صديقها القديم وفتاة لم ترها من قبل، وهي تنجز دكتوراه في علم الوراثة وأخرى في فيزياء الكم، وهي تراقب الليل والسماء. كانت إيفا فابر، وكانت شخصًا آخر. انقسمت مجددًا، ثم مجددًا، امرأة واحدة تصير اثنتين ثم أربعًا ثم أكثر. انشطر عقلها، وتفتّت الواقع من حولها.

 

لقد كان إحساسًا أقرب إلى النشوة؛ اندماج بين كيانين لصنع كلٍّ أعظم من مجموع أجزائه، قبل أن ينكسر ويولّد حياة جديدة.

 

وحين اختفى الهلام أخيرًا وعادت الرؤية إلى عينيها، لم تعد وحيدة.

 

كان الأمر أشبه بالتحديق في مرآة، بل في مرايا عديدة. عشر إيفا فابر أخرى تحدّق في الأصلية. بعضهن يحمل مصباحًا يدويًّا، أخريات يحملن أسلحة. بضعهن صبغن شعرهن، أو تركت ندوب صغيرة على وجوههن، أو ارتدين سترات زرقاء بدل الحمراء.

 

“من أنتن؟” سألت إيفا. تفاجأت من برود صوتها؛ في هذه المرحلة، رؤية نسخ من نفسها لم تعد تصدمها.

 

“أعتقد أنني أنتِ”، أجابت إحدى النسخ. “نسخة أخرى منك.”

 

“كلنا كذلك”، أضافت أخرى.

 

قطّبت إيفا حاجبيها بشكّ. “من فاز بآخر انتخابات رئاسية؟”

 

“جاك شيراك”، أجابت إحداهن، فيما قالت أخريات في الوقت نفسه: “ريمون بار”، “ديغول مجددًا”، “جيسكار، للأسف”، أو “لا أحد، انتهى البلد.”

 

هذا وحده جعل إيفا تستنفر. “فرانسوا ميتران فاز بانتخابات 1988.”

 

ابتسمت جميع النسخ في الوقت نفسه، وقلن بصوت واحد: “ليس في فرنسا خاصتي، يا أختي.”

□■□■□

 

استكشاف سفينة مهجورة برفقة نسخ من نفسها كان شعورًا غريبًا على إيفا-واحد في البداية، لكنها اعتادت الأمر بسرعة. البشر يشعرون بالأمان حين يكونون في جماعة، والعالِمة لم تكن استثناءً.

 

“انقسام خلوي؟” سألت إيفا-واحد وهي تعبر ممرًا آخر، تاركة النسخ المسلّحة تتقدّم أولاً. “استنساخ؟ نقل آني؟”

 

“عوالم بديلة؟” اقترحت إيفا-سبعة، وهي تضيء بقايا روبوت مشطور بمصباحها اليدوي. ازدادت هذه البقايا كلما تقدّم الفريق أكثر، على الأرجح لأن المدافعين قاتلوا حتى الرمق الأخير لحماية هذه المنطقة.

 

“أميل لاعتبارها أصداء كمومية”، نظّرت إيفا-ثلاثة. كانت هذه حاصلة على دكتوراه في الفيزياء، لذلك أصغت لها الأخريات باهتمام. “لسنا نسخًا بديلة حقًا، بل احتمالات تحوّلت إلى كيان مادي. محاكاة حية، لكنها متقنة لدرجة تجعلنا حقيقيات بالكامل.”

 

“ما يعني أن الأصل وحده هو المهم”، قالت إيفا-ستة وهي تحدّق في إيفا-واحد. “يمكننا أن نخلق المزيد من بعضنا البعض، لكن إن متِّ سنموت جميعًا.”

 

“آمل ألا تكون إحدانا انتحارية”، مازحت إيفا-سبعة.

 

كانت إيفا-واحد قد استنتجت ذلك بالفعل. إيفا-ثمانية اختفت حين تسببت عن غير قصد في إطلاق سلاح أحد الجثث الفضائية. تحوّل جسدها إلى جزيئات زرقاء قبل أن يرتطم رأسها بالأرض، تاركًا وراءه لا شيء.

 

تتوهج نفس الجزيئات حول يدها كلما لامست الأبواب الزرقاء في السفينة، فتفتحها. “يبدو أن الفضائيين يستخدمون هذه الطاقة كبصمة حيوية”، علّقت إيفا-ثلاثة. “وهذا يمنحنا وصولاً جزئيًا إلى المناطق الرئيسية من السفينة.”

 

“إذا لم يطلق أحد النار علينا”، قالت إيفا-أربعة بجدّية، يدها مشدودة على السلاح. “ولا أظن الرصاص سيفيد كثيرًا ضد هذه الأشياء.”

 

“إن كان أيّ منهم قد نجا أصلًا”، ردّت إيفا-واحد. حتى الآن، لم ينجُ إلا الكائنات الموضوعة في السبات، ولم يصادفن روبوتًا نشطًا واحدًا. “يبدو أنهم أبادوا بعضهم حتى آخر واحد.”

 

“حرب بين النجوم؟ إبادة جماعية عرقية؟” سألت إيفا-أربعة. “قرصنة فضائية؟ هل هذا شيء موجود أصلًا؟”

 

“القراصنة يسرقون الشحنات ويتجنبون القتال إن استطاعوا”، أشارت إيفا-ستة. “أما هذا فكان بوضوح حرب استئصال متبادل.”

 

“لا أعلم”، قالت إيفا-واحد، وقد وصلن إلى بقايا بوابة ضخمة محطمة. “لكنني أريد أن أعرف.”

 

“وسنعرف”، وافقت إيفا-ثلاثة.

 

كانت الغرفة التي دخلنها بلا أي مخرج أو مدخل آخر. أوسع غرفة زرنوها حتى الآن، وأغربها. القُبّة مزدانة بدوائر كهربائية نابضة بطاقة زرقاء تشدّ الجدران، جميعها تتجمع عند خزان زجاجي هائل مملوء بسائل ملوّن في المركز. كان البناء أكبر من برج مراقبة قصرٍ في العصور الوسطى، وداخل الخزان يطفو دماغ بيوميكانيكي عملاق بحجم حوت العنبر.

 

وكان القتال هنا الأشرس. كائن فضائي ذو عشر عيون، طوله اثنا عشر مترًا ودرعه أضخم ما رأينه حتى الآن، قاتل حتى الموت دفاعًا عن المدخل. لم يتمكن أيّ من المهاجمين الآليين من الاقتراب من الدماغ. كان العملاق قد دمّر منهم عددًا هائلًا، حتى اضطرت الإيفات لتسلق تلّ من الرماد والقطع المحطّمة لعبور الغرفة.

 

لكن ذلك النصر جاء بثمن باهظ. جسد الفضائي الميت مليء بالثقوب كقطعة جبن سويسري، وقد نزف كل دمه. والأغرب أن مجسًا عضويًا مقطوعًا كان يربط رأس الكائن بالدماغ، بينما تنتظر عشرات المجسات الأخرى في كبسولات سائلة. بعضها سميك كجذع فيل، وبعضها رفيع كإصبع.

 

“أعتقد أنه حاسوب بيولوجي يشرف على السفينة”، قالت إيفا-خمسة وهي تفحص أحد المجسات. طرف الجهاز العضوي انفتح كزهرة ليكشف عن ألياف مشعة بجزيئات زرقاء. “السفر بين النجوم يحتاج حسابات أعقد مما يمكن لأي عقل أن يديرها.”

 

“لابد أن هذه الأجهزة واجهات عصبية”، خمّنت إيفا-اثنان وهي تتفقد جثة الفضائي. “ربما تحطمت السفينة حين قتل المهاجمون الطيار.”

 

“أو أن القفزة المكانية كانت إجراءً يائسًا”، قالت إيفا-ستة.

 

“هناك طريقة واحدة لمعرفة ذلك”، ردّت إيفا-واحد، وهي تمسك بمِجس يناسب حجم رأسها.

 

راقبت النسخ الأصلَ بقلق وهي تخلع ملابس الحماية والنظارات عن وجهها. “أأنت واثقة؟” سألتها إيفا-ثلاثة. “إن قتلك هذا—”

 

“سنموت جوعًا إن لم نجد مخرجًا”، أجابت إيفا-واحد. “أكل لحم الفضائيين قد يكون سامًّا، ولن ينقذنا أحد ما دمنا داخل هذا التشوّه الفضائي.”

 

“أنت فقط تريدين معرفة الحقيقة”، علّقت إيفا-أربعة. “ولست متأكدة حتى أنك مستعدة لها.”

 

“وإن كنتِ أنا، فسوف تفهمين لماذا يجب أن أحاول.” فهناك حرب دائرة فوق رؤوسهن بين جنسين فضائيين، وصراعهم امتد إلى الأرض. “هذا أكبر منّا جميعًا.”

 

وبهذه الكلمات، وضعت إيفا-واحد المِجس عند قاعدة عنقها.

 

شعرت به فورًا يغوص في لحمها، وأليافه تتسلل بين عظامها لتصل إلى العمود الفقري. مادة مخدّرة خففت الألم وجعلتها شبه ناعسة. تحوّلت رؤيتها إلى اللون الأزرق، وكأن الدماغ العملاق “تعرّف” على بصمتها الطاقية.

 

أرني، فكّرت إيفا.

 

وأجاب الدماغ.

 

لم يتواصل الدماغ بالكلمات، بل قصف عقلها بسيلٍ من الصور والمشاهد. جعلها تشعر ببرودة الفضاء على بشرتها، تشم روائح عوالم غريبة، وتتذوّق دماء الموتى. كانت للسفينة عيون وآذان، وهي تتذكّر.

 

تذكّرت إيفا يوم وُضِعت على الخطّ، تدور حول عملاق غازي يملك عشرين قمرًا. صاغ صانعوها القشريون كل قمر منها إلى مسبكٍ يصبّ بلا توقف روبوتات وسفن قتال. تذكّرت حين أُطعمت بيانات “يوم الاستنارة”، حين اكتشف أوائل “سادة العلم” الكيانات الأسمى وممالكهم الملوّنة. تعلّمت كيف تواصل السادة مع رسل الكيانات الأسمى، الذين قدّموا إلى الهيمنة المعرفة والحكمة.

 

شاهدت تسجيلات الكهنة وهم يقيمون أبراجًا عظيمة من الأرض، لحصد تدفق الطاقة من العوالم العليا وتكريم الكيانات الأسمى. تعلّمت كيف تأسست الهيمنة ورسالتها: جلب الازدهار والسلام إلى كون تائه بلا هدف.

 

أبحرت بين النجوم مع أساطيل من عشرة آلاف سفينة، تحت إمرة صانعيها القشريين. قصفت عوالم الأدغال من المدار حتى صارت ترابًا، أطفأت قلوب النجوم لتجويع الأنظمة المتمرّدة من الضوء، وقذفت جيوشًا آلية لاستعباد الناجين. خاضت مئة معركة وفازت بها كلها.

 

تذكّرت كيف كانت ترسو عند الأبراج الملوّنة لتعيد شحن نفسها. شعرت باللذة حين يملأ التدفق الأحمر مفاعلاتها بالطاقة، والتدفق الأزرق يشحذ ذهنها، والبرتقالي يرقّع ثقوب هيكلها. ورأت بارتياح التدفق الأخضر وهو يشفي الجنود الأحياء على متنها، والأصفر وهو ينهض بالموتى. تذكّرت فرحة عبور المسافات اللامتناهية بومضة بنفسجية، والتدفق الأبيض الذي جمع كل شيء معًا. وحده الأسود كان منبوذًا، إذ لم يكن له مكان في النظام.

 

تذكّرت كل العقول التي اندمجت بها لتوسيع قاعدة بياناتها، وألف جندي وعالم خدموها عبر القرون. لكنها تذكّرت أكثر أولئك العبيد الذين ماتوا صارخين في مختبراتها، هلكوا تحت المشرط كي يحسّن سادة العلم شفراتهم الجينية. تذكّرت كل من مات من أجل مجد الهيمنة العظيم.

 

تذكّرت رسل الكائنات العليا وهم يعبّرون عن سخطهم، وتذكّرت تجاهل السادة لهم. فقد كفّ سادة العلم منذ زمن عن تكريم الكيانات الأسمى، ورأوا أنفسهم المرشدين الحقيقيين للكون.

 

تذكّرت ذلك الكوكب الأزرق التافه، والقِرَدة التي تسكن سطحه. شاهدت عصيّ النار وهي ترتدّ عن دروعها البصرية، ورأت صانعيها يقصفونهم بالليزر المداري والكويكبات حتى أعادوهم إلى العصر الحجري. خضع كوكب الطين الصغير كسواه، وجُلب أهله إلى حضن الهيمنة. سادة العلم حرّروهم من عبء التفكير، ورفعوهم إلى مستواهم.

 

تذكّرت أفواج القِرَدة التي جُلبت إلى متنها، خضعت لعمليات جراحية لتحويلها إلى دفعة جديدة من جنود الإمبراطورية. استُبدل القلب والروح بالآلات، ورأت بفخر كيف غزوا العالم تلو الآخر. صار العبيد جحافل جديدة، وجعلت الغنائم الحملات المقبلة ممكنة.

 

تذكّرت وصولهم إلى نهاية الكون، وتحويل آخر نجم إلى كرة معدنية. شاهدت السلام يعمّ النجوم، تحت رحمة الهيمنة. تذكّرت سادة العلم وهم يستدعون رسل الكيانات الأسمى ليطلبوا العون على الصعود، كي يوسّعوا هيمنتهم إلى أكوان جديدة.

 

لكن رغبتهم قوبلت بالرفض، فانقلب السادة على رعاتهم. وشاهدتهم وهي يُسرون الرسل ويحاولون إخضاعهم بالقوة.

 

وشهدت عقوبة الكيانات الأسمى.

 

كانت هناك حين ومضة زرقاء اكتسحت الكون، منحت العبيد الآليين الإرادة الحرّة والمشاعر. شاهدت نصف طاقمها يموت بالأوبئة، والمستعرات العظمى تدمر مصانع العوالم. حاولت أن تخمد التمرّدات التي قادها أعداء السادة الموتى، وقاتلت جيوشًا استُحضرت من عصور مضت. كافحت ضد مكوّناتها وهي تتحوّل إلى غبار عشوائيًّا. تذكّرت التدفق الأسود، وكيف نشر تعفّنه الفوضوي عبر شبكة التدفق وحطّم الأبراج.

 

تذكّرت الانتصارات المختلطة والخسائر الكارثية. تذكّرت الثورات الفاشلة التي أُخمدت بالقوة، وتلك التي نجحت. شاهدت حضارة عمرها الدهور تنهار في سنوات قليلة.

 

تذكّرت آخر سيّد علم وهو يعتلي متنها ويصدر أوامر جديدة بعد سقوط النواة المركزية. أن تهرب إلى ما وراء حدود هذا الكون ومعها الرسل الأسرى، وأن تعيد بناء الهيمنة في مكان آخر، بعيد عن أنظار الكائنات العليا.

 

تذكّرت طاقمها وهو يعدّل محرك الواقع لديها لاختراق حواجز العوالم. كانت الأبراج تقنية ناقصة، طريقة مصطنعة لتقليد قوى الرسل. سيستعبد سيد العلم الرسل بالكامل، ويحيلهم إلى أسلحة.

 

سجّلت التجارب وهي ترى خدم سيد العلم يدرسون كيفية ربط الرسل بالجنود. مات العديد من العبيد أثناء المحاولات، لكن هكذا هو ثمن التقدّم. مع الوقت، ستصبح هذه الهجائن جحافل هيمنة جديدة، وتمكّن صانعيها القشريين من التفوّق على الكائنات العليا أنفسهم.

 

وحينها سيعمّ السلام مجددًا عبر النجوم.

 

لكنها تذكّرت لحظة رصد سفن المتمرّدين، وآخر أوامر سيّد العلم بالقفز الطارئ.

 

حاولت الهرب، لكنهم طعنوا رحمها المعدني وأبادوا طاقمها. لم تستطع أن تحسب كل شيء، وانهارت الحسابات. كل شيء كان خاطئًا! خاطئ، خاطئ، خاطئ! أضرار نظامية، الطيار ميت، طيّ فضائي طارئ، فشل شامل في الأنظمة!

 

اتّسعت عينا إيفا-واحد فجأة وصرخ فمها، بينما انكمشت الألياف من عمودها الفقري بسرعة. إبر غير مرئية وخزت كل جزء من جسدها، وهي تعيش سكرات موت آخر طيّار.

 

“مهلًا، مهلًا، أنت بخير؟” سارعت إيفا-أربعة لتمسك بالأصلية وهي تنهار بين ذراعيها، تلهث من شدة ما مرّت به.

 

“نحن لا نتلاشى، إذن هي لم تمت”، قالت إيفا-ثلاثة، أبردهنّ جميعًا.

 

حاولت إيفا-واحد أن تستوعب ما يدور. لقد عاشت قرونًا في لحظات، شعرت بألم السفينة وهي تموت مع آخر طيّار متصل بها. كان الأمر وكأنها شهدت جريمة قتله بنفسها. استغرقت دقائق حتى تلاشى الألم الشبحي وعادت قدرتها على الكلام. “أعلم”، همست. “أعلم كل شيء.”

 

“إذًا، ما هم هؤلاء؟” سألت إيفا-اثنان وهي تلمح جثث الفضائيين.

 

“غزاة”، ردّت إيفا-واحد بارتعاد. “إنهم غزاة.”

 

أصغت النسخ إليها وهي تشرح لهن الحقيقة، قبل أن تتبادل النظرات القلقة. “علينا أن نخبر الجميع فورًا”، قالت إيفا-اثنان بلا تردّد.

 

“وهل يجب حقًا؟” سألت إيفا-أربعة وهي تعقد حاجبيها.

 

“بالطبع يجب، ماذا لو لم تكن هذه السفينة الوحيدة التي تسللت إلى واقعنا؟” أشارت إيفا-اثنان. “ماذا لو أرسلت هذه السفينة إشارة استغاثة، وهناك تعزيزات في الطريق؟”

 

“أنا آتية من عالمٍ قصفتنا فيه الحكومات حتى أبادتنا عن بكرة أبينا”، ردّت إيفا-أربعة بلا مبالاة. “لن أثق بهم ليقرروا مصير البشرية.”

 

“هممم…” تمتمت إيفا-ثلاثة متأملة. “المشكلة أنّنا لو أخبرنا الجيش، سيحتكر هذه التكنولوجيا لنفسه. لن يشاركها مع أحد.”

 

“وكيف يكون ذلك مشكلة؟” ضحكت إيفا-خمسة بسخرية.

 

“لأن الأمر أكبر من دولة واحدة”، شرحت إيفا-ثلاثة. “إنه يخصّ البشرية بأكملها. مما فهمته، هؤلاء الكائنات جاؤوا من واقع موازٍ. ماذا لو كان لهم نظراء في كوننا؟ الحضارات الفضائية معادية، ومتقدّمة أكثر منا.”

 

“لا يمكننا اللعب على المضمون”، أومأت إيفا-أربعة. “هذا يتجاوز الخصومات الوطنية. بقاء جنسنا البشري كله على المحك.”

 

“إذن ماذا تقترحين؟” سألت إيفا-اثنان وهي تكفهرّ.

 

“أن نتولّى زمام الأمور بأنفسنا”، قالت إيفا-ثلاثة. “يمكننا أن نخلق عددًا لا حصر له منا، كل نسخة بمهارات محددة. لسنا بحاجة لمساعدة أحد كي نفك أسرار هذه السفينة. لا نحتاج أحدًا سوانا. إذا كان هؤلاء الفضائيون قد استخدموا تقنيتهم لتحسين جنسهم، فنحن أيضًا نستطيع.”

 

“أتقترحين أن نعبث بشيفرتنا الوراثية؟” سألت إيفا-خمسة، متردّدة.

 

“أقترح أن نحول الرصاص إلى ذهب”، أجابت إيفا-ثلاثة. “أن نصنع من البشر بشرًا خارقين. جنسًا جديدًا قادرًا على البقاء، بل والازدهار، عبر النجوم.”

 

“إن كان هؤلاء السحالي قد غزوا كونهم كله، تخيّلي ما يمكن أن نفعله نحن بتقنيتهم”، قالت إيفا-ستة بحماس. “يمكننا استعمار النظام الشمسي، القضاء على الأمراض، وثني الواقع لإرادتنا. يمكننا أن نصبح نحن السادة الجدد للكون، ليس بعض الزواحف.”

 

“نعم، وإن لم نكن نحن، فسيكونون هم”، قالت إيفا-أربعة بحزم. “علينا أن نتقدم الآن، أو لن نحظى بفرصة أخرى. الفضائيون موجودون، وهم قادمون إلينا.”

 

تركت إيفا-واحد نسخها تتجادل وتحاول الوصول إلى قرار.

 

لكن في النهاية، من ذا الذي يمكن أن يجادل نفسه طويلًا؟

□■□■□

 

استغرق إيفا-واحد يومين كاملين لتفتح ثغرة نحو العالم الخارجي.

 

موت الطيّار السابق والأضرار البنيوية للسفينة تركت ندوبًا دائمة في حاسوبها العضوي، ولم تكن إيفا-واحد قادرة على الاتصال به إلا لفترات قصيرة قبل أن يقذف عقلها خارجًا بعنف. كل غوص ذهني كان يتركها منهكة، ولم تستطع أيّ من نسخها أن تتولى المهمة مكانها. فكل نسخة كانت تتلاشى حالما تتصل بالعقل المركزي، إذ لم يحتمل كيانها الطيفي الضغط النفسي.

 

وبينما كانت نسخها تتكاثر وتؤمّن السفينة، ظلّت إيفا-واحد تغوص مرارًا وتكرارًا، مرة بعد مرة. سيستغرقها الأمر سنوات لتتقن كل أسرار السفينة، ولم تستطع الوصول إلى كل ملفات العقل الجمعي. على الأقل اكتشفت طريقة لنقل الناس من داخل مجال التشوّه المكاني وإليه.

 

وحين ظهرت قرب صدع جليدي وخلفها بوابة بنفسجية متوهجة، رفعت إيفا-واحد عينيها نحو السماء. ولشدّة ارتياحها، رأت النجوم مجددًا.

 

“إيفا؟” ناداها بيير عبر جهاز الاتصال الداخلي، صوته مثقل بالذعر. “إيفا؟”

 

“أنا هنا”، ردّت العالِمة بصوت هادئ ساكن.

 

“الحمد لله!” تنفّس بيير الصعداء. “يا إلهي، ظننتك ميتة.”

 

“عاصفة ثلجية كادت تعطل جهاز الاتصال”، كذبت إيفا-واحد. “كم من الوقت غبت؟”

 

“قليل أكثر من ساعتين.”

 

يومان في الداخل، ساعتان في الخارج. الوقت نفسه كان ينحني أمام هذه التكنولوجيا الفضائية. تكنولوجيا متقدّمة لدرجة تستحق أن تُسمّى سحرًا.

 

“سأحتاج من ينقلني”، قالت إيفا-واحد. “سيارتي تحطّمت.”

 

“مفهوم. سعيد بسماع صوتك مجددًا، إيفا.”

 

“حين أعود، علينا أن نتحدث.” قالت بجدية. “لقد اتخذت قرارًا مهمًّا، وأريد أن أعرف موقف الفريق من الأمر.”

 

“قرار مهم، هاه؟ هل ستسمحين أخيرًا لسيباستيان أن يدعوك للخروج؟”

 

“لا.” لم تجد أيّ من نسخها أنه مثير للاهتمام أيضًا. “الأمر جدّي.”

 

“أفترض ذلك، على ضوء نبرتك الجادة. حسنًا، سألتقطك ونناقش الأمر على فنجان قهوة دافئ بعيدًا عن هذا الجليد.”

 

“بالطبع.” قطعت إيفا-واحد الاتصال، وشدّت عزمها. كانت تأمل أن تقنع زملاءها باتباع خطتها. وإن لم يفعلوا… إن لم يفعلوا، فستضطر إلى اتخاذ قرار صعب.

 

كان عملًا قذرًا، لكنه ضروري.

 

وأثناء انتظارها لوصول فريق الإنقاذ، رفعت إيفا نظرها إلى السماء من جديد. درب التبانة ما زال مدهشًا كما كان دائمًا، لكنها لم تعد تشعر بالبهجة وهي تراه.

 

ذات يوم، كانت إيفا تعشق النظر إلى النجوم المتلألئة في سماء الليل.

 

أما الآن، فلم تكن ترى سوى الظلام الفاصل بينها.

 

☆☆☆☆☆

 

ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.

 

أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.

 

[1] الباركا هي لباس تقليدي لشعب الإنويت(الاسكيمو)، مصمم لحماية الرأس والجسم من برد القطب الشمالي القارس، ويتميز بتصميمه الذي يتضمن غطاء رأس مزود بالفرو ومكان مخصص للأطفال داخل المعطف لحمايتهم من البرد والرياح. تُصنع الباركا تقليدياً من جلود الحيوانات كحيوان الرنة والفقمة، ثم تطورت لتشمل استخدام مواد صناعية حديثة .

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset