الفصل 89: شظية من الماضي: الموقف الأخير لبلدستريم
○●إيطاليا، 2016.●○
وقف ليونارد هارغريفز أمام فريقه بهيئته البشرية:
“هدفنا هو فريدي سابينو، الملقّب بـ بلَدستريم.”
ظهرت على الشاشة صور للرجل الذي كان هذا الـسايكو فيما مضى، بجانب المسخ الدموي الذي تحوّل إليه. شعر أسود قصير، وجه متعب أرهقه الضغط، عينان بنيّتان… رجل عادي الملامح، لكن بمصير بالغ الفظاعة.
“وُلِد سنة 1980 في أوترانتو بإيطاليا، لأبٍ صيّاد وأمٍّ ربّة منزل. تزوّج فريدي سابينو في سنّ مبكرة، وانقطع عن الجامعة حين حملت حبيبته بطفل، ثم التحق بشرطة أوترانتو البلدية؛ الوظيفة الوحيدة التي شغلها في حياته. قبل عيد الفصح الأخير، هجرته زوجته من أجل رجل آخر، تاركةً إيّاه ليربّي طفلَيه بمفرده: ابنة تُدعى لين — ربما اختصارًا لـ لينورا — وابن اسمه تشيزاري.”
باختصار، لم يكن في الرجل ما يميّزه. لو لم تقع القيامة، لربما عاش فريدي سابينو حياة عاديّة؛ يدّخر بعض المال، يشاهد أبناءه يلتحقون بالجامعة، وربما يتزوّج من جديد.
“صحيح أنّ الخيميائي وزّع صناديق العجائب على عائلات وأشخاص معزولين، لكن بعض الإكسيريات انتهى بين أيدي أجهزة الأمن عشية عيد الفصح الأخير؛ غالبًا بعدما اختلطت عليهم وظنّوها دفعات مخدّرات أو طرودًا مفخّخة. وعندما بدأت القيامة واندفع الجينومات يعيثون فسادًا في أوترانتو، سرق فريدي سابينو زجاجتين من الإكسير من مركز الشرطة وفرّ من المدينة.”
ولن يعرفوا أبدًا لمن أُرسلت تلك الإكسيريات أصلًا، قبل أن تصادرها الشرطة. لعلّه لو وصلت إلى أصحابها المقصودين، لأمكن تجنّب كثير من المآسي.
“نحن نعلم أنّ سابينو كان نشطًا كأحد الـ سايكو منذ عام 2009.” عرض ليو على فريقه صورة هاتفٍ لوحشٍ دموي وهو يصعد إلى سيارة صدئة، يرافقه طفلان لا يتجاوز عمر كلّ منهما الثانية عشرة. “التقارير تشير إلى أنّه كان يسافر مع طفلَيه منذ أواخر العقد الأول من الألفية، لكن لم يُؤكَّد بقاء ابنه على قيد الحياة إلا في 2012.”
رفع أحد الحاضرين يده المغطّاة بقفاز، فردّ ليو بإيماءة: “نعم؟”
“هل يملك الطفلان قوى أيضًا؟” سأل السيد ويف، أغرب أعضاء الفريق؛ مخلوق من أطياف حيّة نادرًا ما يأخذ الأمور على محمل الجد. “السيد ويف لن يطلق العنان لقوّته ضد أطفال، حتى لو كانوا جينومات.”
“الأطفال بلا قوى،” قالها ماتياس مارتيل. ذلك المراهق ذو الستة عشر عامًا الذي أصرّ على الانضمام إلى الكرنفال بعد إصابة أمّه بالخرف، عازمًا على إتمام عملها. وقد أثبت أنه لا يُقدَّر بثمن في جمع المعلومات، وإن لم يبلغ مستوى بيثيا.
أومأت آيس بوجه قاتم: “لو كانوا جينومات، لكان قتلهم.”
تابع ليو: “لا شيء يشير إلى أنهم متورطون في جرائم والدهم. ووفقًا لتقرير بيثيا النفسي، ما زال بلَدستريم شديد العنف في حمايته لأطفاله حتى في وضعه الحالي. غير أنه يبقيهم معتمدين عليه بالعزلة الاجتماعية، والتلاعب العقلي، والإساءة الجسدية.”
لقد رأى ليو حالات كثيرة مشابهة في لندن؛ أكثر مما يحتمل. آباء يقنعون أبناءهم بأن العالم يتربص بهم، وأن ملجأهم الوحيد هو عائلتهم.
“علينا أن نضمن سلامة الطفلين، وبالأخصّ لين سابينو، لكنني سأعود للحديث عنهما بعد قليل.” واصل ليو عرضه عن قدرات هدفهم: “بلَدستريم من النمط الأخضر/الأزرق. قوّته الخضراء تمنحه سيطرة كاملة على دمه؛ يستطيع أن يعيد تشكيله إلى أسلحة، أو يحيله مجسّات، أو يعيد تركيب جسده. أما قوّته الزرقاء فتحوّله إلى معلومة خالصة. ولو ظلّ أزرق صرفًا، لربما مكّنته قدرته من اختراق الأنظمة الحاسوبية.”
ولكان قتله أيسر بكثير.
“لكن— كما هو الحال غالبًا مع الـ سايكو—تحوّلت قواه إلى تآزر فريد. لقد أصبح بلَدستريم دمَه، حرفيًّا. كلّ خلية دم من خلاياه تحتضن وعيه، مما يتيح له أن يعيد تشكيل جسده ما دامت خلية واحدة باقية. لا شيء أقلّ من التفكّك الكامل يمكن أن يصرعه.”
“نحن بحاجة إلى نيرانك”، خمّن الكوساك.
أومأ ليونارد برأسه: “وهذا يقودنا إلى أبشع قدراته؛ السبب الذي جعله يبقى عصيًّا على الهزيمة طيلة هذا الوقت ويخلّف حصيلة قتلى تُعدّ بالأربع خانات. إذا تسلّلت خلايا دم بلَدستريم إلى جهاز دموي بشري آخر، فهو قادر على الاستيلاء عليه. كالفيروس، يكتب فوق معلومات الخلايا الغريبة بمعلوماته الخاصة. حمضك النووي، عقلك، ذكرياتك… إذا لامسك بلَدستريم، فأنت أسوأ من ميّت.”
توقف ليونارد لحظةً للتشديد.
“أنت تصبح هو.”
□■□■□
“ما رأيك؟” سألت القصيرة وهي تمسح العرق عن جبينها. ثيابها اتّسخت واسودّت، لكنها نظرت إلى ما أنجزته بفخر.
وقف رايان إلى جانبها على رصيف بيت القوارب، من دون أن يشاركها حماستها. “أعتقد أنّه سيكون من المعجزة لو وصلنا إلى إسبانيا أصلًا، ناهيك عن الولايات المتحدة.”
كان بيت القوارب تفوح منه رائحة الصدأ والطلاء المتآكل، وسقفه مهدّد بالانهيار في أي لحظة. في الحوض المائي الموصِل مباشرة إلى بحر التيراني، طافت آليّة بطول عشرة أمتار، كتلة معدنية متكتّلة على شكل أناناسة. مظهرها وهيئتها الصدئة البنية ذكّرت رايان بالـ إكتينيو 2، أحد أوائل الغواصات في العالم.
لم تكن تبعث على الاطمئنان.
قرصته لين في ذراعه ردًّا على تعليقه. “الـلايكا ستعمل كما ينبغي،” قالت. “سوف نصل إلى أمريكا في اثني عشر يومًا بحسب الطيار الآلي.”
نظر إليها رايان بعينٍ مرتابة وهو يحدّق: “الـلايكا؟”
“كالكلبة التي أرسلها الروس إلى الفضاء.”
ومع ذلك يريدون الذهاب إلى الولايات المتحدة؟ إنها لن تندمج هناك أبدًا. “تعلمين أنّها ماتت في منتصف الرحلة، أليس كذلك؟ لقد حكمتِ علينا جميعًا بالهلاك!”
حاولت لين أن تعاود قرصه في ذراعه، لكن رايان توقّع هجومها الغادر، فتفاداه وردّ بأن أمسكها من خصرها وغرس قبلة على جبهتها. كان ملمس بشرتها ناعمًا، فأطلقت شهقة صغيرة متفاجئة.
“ريـري، ليس هنا…” همست لين معترضة، واضعة يديها فوق يديه.
“مجرد قبلة،” توسل رايان، شفتاه تنتقلان إلى وجنتيها. “هيا، نستحقها. لقد عملنا على هذا الشيء بلا توقف لأسابيع.”
“ريـري، أنت مجنون…” همست لين، لكنها لم تدفعه بعيدًا أيضًا. وفي النهاية، استسلمت. “حسنًا، لكن خمس دقائق فقط.”
لكن الأمر امتد لخمس عشرة دقيقة، يدها في شعره، ويده على ظهرها. كان طعم لين مزيجًا من الزيت وماء البحر، غير أنّ رايان لم يأبه. ما كان ليتوقف عن ذلك مهما حدث. لكن، كما كلّ الأشياء الجميلة، انتهى سريعًا.
“كان ذلك طائشًا،” قالت لين وهي تفلت من عناقه، غير أنّ حمرة وجنتيها كانت تفضحها.
لو تركته وشأنه، لما توقّف رايان عند مجرّد القبل.
كانت ليلتهما الأولى معًا كابوسًا لوجستيًّا. أوّلًا، كان عليهما أن يعثرا على حبوب ما قبل الحرب لم تنتهِ صلاحيتها، وواقٍ ذكري غير مستخدم. ثم انتظرا حتى يبتعد والدها، كي لا يضبطهما متلبّسَين. وعندما حان الوقت المناسب، اكتشف رايان ولين أنهما لا يعرفان كيف يُكملان. لم يعلّمهما أحد التفاصيل الدقيقة، فجاءت قبلاتهما ولمساتهما مرتبكة إلى حدّ مثير للشفقة.
لكنّهما توصّلا إلى الأمر في النهاية. ولبرهة، لم يكن في العالم سوى رايان ولين. نصفان اندمجا ليصيرا واحدًا.
ما كان رايان ليتوقّف عند ليلة واحدة، لكن والدها لم يعد يتركهما خارج ناظريه طويلًا. ليس منذ بدأ الكرنفال بمطاردة نسخه. اضطرّ المراهقان إلى الاكتفاء بقبلات ولمسات خفيّة، دائمًا تحت خوف الانكشاف.
كان الوضع يقتل رايان قليلًا كل يوم. فوالد لين حاضر دومًا. دائمًا بينهما. دائمًا يفسد فرصتهما في السعادة. دائمًا يجلب لهما المتاعب.
والآن، ذلك المعتوه المجنون قرّر أن ‘العائلة’ سترحل من أوروبا كلّها لتهاجر إلى أمريكا. أي منطق سلكه بلَدستريم ليصل إلى هذه الفكرة؟ لم يفهمه رايان قط. لكنّه لم يترك لمن حوله أي خيار.
كانت بورتو فينيري بلدة ساحلية صغيرة قبل القيامة؛ بيوت ملوّنة قليلة تقوم على امتداد أرصفة طويلة. هجَرها السكان منذ زمن قبل أن تستقرّ فيها جماعتهم. كانت منعزلة بما يكفي حتى لا يهتدي أحد إلى مخبئهم، وقريبة بما يكفي من جنوى لتأمين الإمدادات.
مع أنّ رايان نفسه صار الوحيد الذي يغادر المنزل هذه الأيام. فالقصيرة تقضي وقتها في العمل على غواصتها، بينما يختبئ والدها في مسكنهم المؤقّت. كان الكرنفال ينقضّ عليهم كلّما خرج بلَدستريم علنًا، لكن رايان كان قادرًا على التسلّل دون أن يلحظه أحد، إن اتخذ احتياطاته.
“هل يمكنك أن تجلب برتقالًا أو حمضيات إن عثرت عليها؟” سألت لين رايان وهو يستعدّ لمغادرة بيت القوارب عبر باب صغير. “نحن مهدّدون بالإصابة بالإسقربوط[1] بما لدينا من مؤن.”
“سأفعل ما بوسعي،” أجاب، قبل أن يتجمّد وهو يمدّ يده نحو قفل الباب. “هيه، قصيرة…”
“همم…”
“قلتِ إنّ كل شيء في الغواصة مؤتمت؟ لا تحكّم يدوي؟”
“نعم،” قالت متنهّدة. “بوسعي أن أفعل الكثير بقوّتي، لكن القوارب المستعملة ليست أفضل مصدر للمواد المتاحة. اضطررتُ إلى التضحية ببعض الخصائص كي أجعلها تعمل.”
“وماذا لو واجهنا مشكلة في الطريق؟”
“الغواصة ستعيد توجيه نفسها تلقائيًا إلى أقرب شاطئ. ونأمل أن يحمينا أبي في هذه الأثناء.”
نظر رايان من فوق كتفه، لتلتقي عيناهما. “إنه والدك من يقلقني.”
عضّت لين شفتها السفلى، وعانقت ذراعيها. “ريـري، أنا… موقفي لم يتغيّر.”
حاول رايان إقناعها بالهرب معه عشرات المرات من قبل. أن يتركا والدها عالقًا على الشاطئ بينما يفرّان عبر البحر. قد يمتلك بلَدستريم قدرة غريبة على تحديد مكان ابنته كلّما ابتعدت، لكنّه قطعًا لا يستطيع السباحة عبر الأطلسي.
لكن القصيرة لم تكن تصغي. مهما جادلها رايان أو صرخ، بقيت عنيدة كالبغل. “سيستمرّون في ملاحقته،” حذّرها. “ما دام حيًّا، فلن يتركوا سبيلنا أبدًا.”
“لن يطاردونا عبر البحر،” أجابت بإصرار.
“سمعتُ أنّ زعيمهم، الشمس الحيّة، قادر على الطيران بسرعات تفوق سرعة الصوت، بل حتى في الفضاء،” ردّ رايان. “عبور المحيط سيستغرق منّا أيّامًا، بينما يستغرق منه ساعات.”
“لكنهم لم يعثروا علينا بعد.” وكانوا قد اختبأوا جيدًا، هذا صحيح. “لن يتمكّنوا من العثور علينا، ريـري.”
قالتها وكأنها تقريرٌ حاسم، لكن وقعها بدا أقرب إلى صلاة حارّة.
في قرارة نفسه، كان رايان يتساءل إن كان سيُعدّ أمرًا سيئًا حقًّا لو حاصر الكرنفال ‘وصيَّهما’ وأجهزوا عليه نهائيًّا. غير أنّ ما أقلقه هو أن الأمر قد لا يتوقّف عند بلَدستريم وحده، فالجميع رأى العائلة تسافر معًا. قد يُوسَم هو ولين بأنهما شريكان للـسايكو، ويُحكَم عليهما بالعقاب نفسه.
ومع ذلك، لم يستطع أن يمنع نفسه من الحلم بشمسٍ تهوي فوق بلَدستريم ليلًا.
فتح رايان الباب متنهّدًا، وشقّ طريقه عبر بقيّة المبنى. خمّن أنّه كان ناديًا للقوارب في ما مضى، حيث كان الأثرياء يخزّنون سفنهم، ويشاهدون مباريات الكرة على التلفاز، ويسترخون في المطاعم.
“تشيزاري!”
دوّى صوته الحادّ فجمّد الدم في عروق رايان، وأوقف الفتى في مكانه.
قادته تلك الصرخة إلى غرفة الطعام في المنزل. كان بلَدستريم متكئًا على أريكة ممزّقة، مباشرة أمام التلفاز. بدا أنّه الإستنساخ الأخير، بقدر ما استطاع رايان أن يقدّر. لقد طاردهم الكرنفال بلا هوادة، حتى اضطرت المجموعة للفرار من قلب الحضارة كليًّا.
“اقترب،” قال الـسايكو وهو يشير إلى بقعة إلى يساره. أطاعه رايان على مضض، فأشار أبيه بالتبني اللطيف المتّزن إلى التلفاز. “إنه باور رينجرز. أتتذكّر باور رينجرز؟”
كانت شاشة التلفاز قد تحوّلت منذ زمن إلى زجاج مهشَّم، لكن رايان جارى أوهام الـسايكو. “أتذكّر يا أبي.”
“كنتَ مهووسًا بهذه السلسلة، تلحّ عليّ دائمًا أن أشتري لك الألعاب،” قال بلَدستريم وهو يهزّ رأسه. “كنت… كنت أتمنّى لو كان عندي المال وقتها. حقًا كنت أريد أن أُسعدك، يا تشيزاري.”
“لا بأس يا أبي،” كذب رايان وهو يجاري الدور.
“لا، ليس بخير،” قال وهو يقرب رأسه من أذن أسيره. “أختك مريضة يا تشيزاري. مريضة جدًّا.”
سرت قشعريرة في عمود رايان الفقري. “لكن لين تبدو بصحة جيدة بالنسبة لي،” احتجّ.
لكن الـسايكو لم يصغِ. “إنها مريضة، يا تشيزاري. كلّنا مرضى، نحن الذين تناولنا هذا السم. المرض يسكننا. لقد دفع العالم كلّه إلى الجنون. أظن أنهم وضعوا شياطين في تلك القوارير. أعلم ذلك، لأنني أحلم بالجحيم.”
“أنت… أنت تحلم بالجحيم؟”
“جحيم أخضر. أتجوّل في رحمه المتلوّي ليلًا. الأرض تنبض كقلبك، والجدران مليئة بالأفواه والعيون. والهواء… أشعر بألف ذبابة مجهرية تتسرّب إلى رئتي مع كل شهيق. حتى الماء يحدّق بي ويكلّمني. الجحيم حيّ، يا تشيزاري. إنه اجتياح. لقد وزّع الشيطان هذه القوارير ليُسمّم بها الجنس البشري كلّه بذريّته.”
لم يقل رايان شيئًا، إذ كان يعرف أنّ الردّ على بلَدستريم وهو يهذي بالترّهات حماقة.
“أتدري ما هو السرطان، يا تشيزاري؟ جدّتك ماتت بسببه. السرطان خبيث، يتغلغل في داخلك، يتشابك مع أعضائك مثل جذور شجرة في تربة خصبة. عليك أن تحذر في استئصاله، وإلا دمّرتَ الحديقة كلّها.” ربّت بلَدستريم على كتف ابنه بالتبنّي، كما لو كان يهنّئه على فوزٍ في مباراة كرة. “سأجد وسيلةً لأجري عمليةً لأختك يومًا ما. لأعيد إليها العافية. سأبتكر حلًّا، لا تقلق.”
ظلّ رايان ساكنًا، كفّاه مشدودتان. إذ كان يعلم… أنّه لم يكن سوى مسألة وقت قبل أن ينظر هذا الرجل إلى ابنته كغذاء. فالـسايكو لم يتغذَّ منذ أسابيع، وصفاء ذهنه كان يتداعى باستمرار.
“إن متَّ أنت وأختك، لا… لا أعلم ماذا سأفعل. إنني أحبكما. أنا… أحبكما كثيرًا.”
بدأ بلَدستريم ينتحب، قابضًا رأسه بين يديه. لم يعرف رايان كيف يتصرّف، فاختار الصمت.
“أنا آسف يا تشيزاري،” قال بلَدستريم، والسائل الذي يؤلّف جسده يتقلّب كبحرٍ هائج. “آسف… لم أستطع… كل ما أردتُه هو أن أحميكما، لكن… لقد دمّرت كل شيء. لين مريضة الآن، وأنا… وأنا مريض أيضًا. أنا مريض، يا تشيزاري.”
“إنه…” نظر رايان إلى هذا الوحش الموهوم الغارق في بكائه. أراد أن يكرهه، أن يضربه جزاء سنوات الخوف والإساءة، لكن… لكن في تلك اللحظة، لم يعد يخشاه.
أشفق على الرجل في داخله.
“أنتما كل ما تبقّى لي،” أنين بلَدستريم خرج متكسّرًا. “أمّك رحلت. بيتُنا ضاع. أنا فقط… لا أعرف ما أفعل… ذلك المكان، يناديني. سيأتي يوم… يومٌ لن أعود فيه، و… أختك…”
“أنا…” تأوّه رايان بين شفقة واشمئزاز، فيما دفء غريب يملأ أحشاءه. رفع يده بحذر ووضعها على كتف الوحش الدموي. كان دافئًا وزلق الملمس. “لا بأس. سأحمي لين، أعدك.”
يبدو أنّ هذا التلامس الجسدي هدّأ فريدي سابينو، فغدت طبقاته الخارجية هادئة كبركة يابانية. “أنا واثق أنّ أمك بانتظارنا على الضفة الأخرى من المحيط،” قال بصوت مرتجف يحمل بارقة أمل. “هي… هي دائمًا أرادت أن تذهب إلى لوس أنجلوس. إنها تنتظرنا هناك، سترى. سنبدأ من جديد. سنصلح كل شيء.”
“نعم،” كذب رايان. شعر كأنه يواسي طفلًا مريضًا بالسرطان، يخبره بأنه سيدخل الجنّة. “كل شيء سيكون بخير، أبي.”
ولوهلةٍ قصيرة، صدّق ذلك. كذب رايان على نفسه بإتقان حتى خُيّل إليه للحظة أنّ بلَدستريم قد يتغيّر. أنّ الرجل الكامن في الداخل قد يستعيد السيطرة؛ وأنّ رايان يمكنه أن يظلّ رايان، لا تشيزاري؛ أن يتزوّج لين، ويبني بيتًا قرب البحر، ويربّي أبناءً في سلام. حلم بسيط، لرجل بسيط.
لكنّ الحلم انقلب كابوسًا سريعًا.
نظر إلى التلفاز المكسور، وكأنّ وحيًا هبط عليه فجأة. قال صوته وقد كفّ عن الارتجاف: “إن متَّ أنت وأختك… فسأقتل الجميع.”
قال بلَدستريم ذلك برقةٍ جعلت رايان يكاد يجد فيه شيئًا مهدّئًا.
لكن حين وعى الفتى كلماته، جمد الدم في عروقه.
“سأقتل الجميع، ثم أقتل نفسي،” واصل بلَدستريم وهو غارق في هذيانه. “عالم يمكن أن يموت فيه الأطفال… لا يستحق أن يوجد أصلًا. سنكون جميعًا معًا على الضفة الأخرى. لا يمكن أن يكون جحيمًا ما دمنا معًا، أليس كذلك؟”
لم ينبس بلَدستريم بكلمة بعد ذلك الاعتراف. أمضى وقته على الأريكة، محدّقًا في الشاشة المهشّمة بعينين جاحظتين. كقاتلٍ مهووس يهيّئ نفسه لجريمته.
وعاد رايان في تلك اللحظة إلى كراهيته.
لقد كان غاضبًا من نفسه أيضًا، لأنه أشفق على ذلك الوحش ولو لبرهة. لأنه سمح لفكرةٍ بأن الأمور قد تنقلب للأفضل أن تخدعه، وتنسيه كلّ الفظائع التي أنزلها بلَدستريم بعائلته وبعددٍ لا يُحصى من الآخرين. إن كان ثمة رجل في ذلك الرأس الدموي، فقد التهمه الوحش منذ سنوات.
تردّد رايان عشر دقائق قبل أن يغادر المنزل، خائفًا من أن يعود فيجد لين جثّة على يد أبيها. كان هذا الشعور يلازمه دائمًا كلّما تركهما وحدهما. كان على يقين أنّ اليوم سيأتي.
والهواء الطلق في الخارج لم يجلب له أي راحة، وهو يشقّ طريقه نحو دراجته وحقيبة على ظهره. فكرة أخذت تنخر في عقله مثل دودة في تفاحة:
لين لن تصل إلى أمريكا حيّة.
كان رايان يشعر بذلك في عظامه. العزلة، القرب… سيفقد والدها السيطرة. سيبكي ويندم، لكنّه سيقترف الفعل المريع. إن لم يكن أثناء الرحلة، ففور الوصول.
إنه قنبلة موقوتة، وسيحين يومٌ تنفجر فيه.
بلَدستريم يجب أن يموت. من أجل لين، ومن أجل الجميع.
فتح رايان حقيبته وتفقّد الإكسير البنفسجي الذي يحرص على حمله دائمًا. ولحسن الحظ كان بلَدستريم لا يلتقط أثر الإكسير إلا إذا جرى في دمِّ جينوم؛ غير أنّ ذلك يعني أنّه سيعرف في اللحظة التي يستخدم فيها ابنه المتبنّى الجرعة على نفسه.
دار السائل داخل المحقنة كأنّه حيّ، يحمل وعدًا بالقوّة والحرّيّة. لعلّه يمنح رايان قوّة تفوق قوّة بلَدستريم؟ أمرٌ غير مرجّح، لكن… ماذا بوسعه أن يفعل غير ذلك؟
حلّقت شمسٌ ثانية في السماء، مُجيبةً دعاءه.
□■□■□
تحوّلت شاشة الكرنفال إلى عرضٍ رسومي يوضّح عملية الاستحواذ. ما إن لوّثت قطرة دم جسد رجل بالغ، انتشرت في عروقه كالعدوى، ملتهمة أعضائه من الداخل.
وما لبث الجلد أن تمزّق ليُطلِق الدمَ الحيّ، ويولد بلَدستريم من جديد.
“سوف يُصيب دمك كالفيروس، ويعيد تشكيل جسدك ليصير نسخةً منه. في الواقع، نعتقد أنه كرّر ذلك كثيرًا حتى إن جسده الحالي لم يعد الأصلي.” تلت كلمات ليو لحظة صمت مشدود، فيما كان فريقه يهضم المعلومة. “جميع نسخه تتشارك قواه وتشكل ما يشبه عقلًا جمعيًّا فضفاضًا، كأنها خلايا في جسد أكبر.”
“إذن لو قضى السيد ويف على نصفهم دفعة واحدة، فهل سيرتعب النصف الآخر منه؟” تمطّى الجينوم المتبجّح على كرسيه. “إنها قصة ميكرون من جديد.”
“ليس تمامًا، لكن قريب من ذلك،” أكّد ليو. “للتخلّص منه، يجب أن ندمّر كل نسخه ونترك وراءنا… لا شيء. ولا حتى قطرة دم. في كل مرة ننصب كمينًا لنسخة، سأحرقها بناري، ثم يقوم ستيتش بتعقيم المكان بعدها. ولحسن الحظ، بلَدستريم سايكو ذئب منفرد. بخلاف أمثال آدم الغول، لا يملك شبكة دعم.”
“إنه قطيع بحدّ ذاته،” قال الكوساك.
“نعم، ونسخه لم تتحرّك يومًا أكثر من ميل واحد عن بعضها، ربما للحفاظ على عقلهم الجمعي. إن تمكّنا من عزل نسخ بلَدستريم عن المارّة، يمكننا تصفيتهم واحدًا تلو الآخر. كمشرط يستأصل ورمًا قبل أن ينتشر.”
“هل نعلم أين يتواجدون؟” سألت آيس. “لم أعثر على أي معلومة في بيانات بيثيا.”
أومأ ماتياس وقد نجح في تتبّع خطاهم. “العائلة تتنقّل عبر إيطاليا بطريقة غير منتظمة، ولا تمكث طويلًا في مكان واحد، لكن شوهدوا آخر مرة قرب جبال الألب.”
“بمجرّد أن نشتبك، علينا مطاردة بلَدستريم بلا هوادة وإبعاده عن المناطق المأهولة،” قال ليونارد.
“هل لقوّته أي حدود؟” التفتت آيس نحو ستيتش. “هل أنهيت فحص العينات البيولوجية التي تمكّنا من الحصول عليها؟”
“نعم،” أكّد طبيب الطاعون وهو يومئ برأسه. “كنتُ أنتظر هذا الاجتماع لأتحقّق من صحّة المعلومات التي جمعها قائدنا.”
ابتسم ليونارد. فعلى الرغم من أنّ الكرنفال جماعة مترابطة، إلا أنهم يعملون ضمن خلايا مستقلّة ولا يجتمعون في مكان واحد إلا لأجل الإحاطات أو العمليات الكبرى. هذا التنظيم أتاح لكلّ عضو قدرًا كبيرًا من المرونة، وجعل الجماعة شديدة الصلابة. قد يموت بعضهم، لكن لا بدّ أن يظلّ أحد على قيد الحياة ليُعيد إحياء الكرنفال.
“أولًا وقبل كل شيء، لا يستطيع التحكّم إلا في دمه هو،” شرح ليونارد وهو يعرض صورًا لبلَدستريم يشطر أحد جينومات الأوغُستي بفأس قرمزي متبلور. “لا يملك القدرة على التحكّم عن بُعد في دمك إلا إذا أصابك بالعدوى أولًا. كما أنّه لا يستطيع توليد كتلة من العدم، ولهذا يحتاج إلى مضيفين ليُضاعف نفسه.”
“إذن لا سحر دمى فودو ولا هراء من هذا القبيل؟” سأل السيد ويف. “السيد ويف يكره هذه الأشياء.”
“لقد اكتفيتُ بما عانيناه مع الطاعون الهستيري،” وافقت آيس وهي تهز كتفيها بلا مبالاة.
“ثانيًا، لا يستطيع التحكم إلا في عدد محدود من النسخ في الوقت نفسه، مع أعلى رقم مسجَّل بلغ عشرة. وإذا تجاوز ذلك الحد، تبدأ النسخ بامتصاص بعضها بعضًا لتقليص العدد، على الأرجح لتقليل خطر تطوّر أفكار مستقلّة لديها. كما أنّ تأثيره يقتصر على البشر، لذا—”
رفع ستيتش يده.
“نعم، ستيتش؟”
“سيدي، مع كامل الاحترام،” سعل الطبيب. “أنتم مخطئون.”
□■□■□
كانت لين تختار أيَّ الكتب ستأخذ معها إلى الغواصة، حين دوّى الانفجار في الخارج.
ارتجّ بيت القوارب كلّه، فسقط لوح معدني على سطح اللايكا وارتدّ عن هيكلها. تعثّرت العبقرية الصغيرة وانفلتت الكتب من بين يديها. بعضها سقط سالمًا على الرصيف، لكن نسختها من كتاب لينين الدولة والثورة غرقت في الحوض المائي، ليتحوّل ذلك إلى كابوس بالنسبة لها.
“ما الذي يحدث؟!” صاحت، لكن والدها لم يُجب. تسلّل دخان ورائحة لهب من جهة البحر، تحملهما الرياح إلى داخل بيت القوارب. “أبي؟ أبي؟”
فُتح باب بيت القوارب، وظهر شخص يحمل حقيبة ظهر ممتلئة بالعلب المعلّبة.
“ريـري؟” بدا منهكًا، وكأنه ركض كيلومترات طويلة. “ريـري، ما الذي يحدث؟”
“علينا أن نرحل،” قال وهو يلهث. “إنهم هنا. الكرنفال.”
لقد وقع أسوأ كوابيسها.
دوّى انفجار آخر في البعيد، أشبه بقصف مدفعي. إنها آخر نسخة له، أدركت لين بارتباك. لو قتلوه الآن… “أبي—”
“إنه يؤخّرهم،” قال رايان وهو يلتقط كتبها عن الأرض. “علينا أن نغادر.”
“نغادر؟ إلى أين؟”
نظرت العبقرية في عيني حبيبها، وفهمت.
“لا،” قالت لين. “ربما سيتغلّب أبي عليهم.”
كثيرون حاولوا قتله، لكنه لم يخسر يومًا. والدها كان دائمًا يعود، دائمًا يتحدّى المستحيل. لقد قاتل الأوغُستي، والنهّابين، والأبطال، وهزمهم جميعًا. والكرنفال سيفشل كما فشل غيره.
“علينا أن نهرب، قصيرة. إنهم كُثر جدًا، ووالدك لن يتمكّن من هزيمتهم جميعًا.” قفز رايان إلى الغواصة، متقدّمًا بحذر نحو الفتحة. “شغّلي الغواصة، سيلحق بنا والدك خلال دقائق.”
أرادت لين أن تحتج أكثر، لكن الذعر الصادق في صوته أقنعها. تبعت حبيبها، فتحت الفتحة وانزلقت معه إلى داخل الغواصة.
كان المكان ضيّقًا، لا يتألف إلا من ثلاث حجرات: واحدة في الخلف للآليات، وأخرى لتخزين المؤن، والثالثة للمعيشة. ضحّت لين بالمساحة من أجل الكفاءة، فلم تُبقِ إلا سريرًا بطابقين بجانب كُوّة صغيرة، ولوحة التحكّم. استغرق منهما الأمر أيّامًا ليعثرا على حاسوب قديم يمكن تفكيكه لاستعارة شاشته ولوح مفاتيحه.
“كيف عثروا علينا؟” سألت لين وهي تنقر على مفاتيح الحاسوب بينما كان رايان يضع كتبها وطعامه في غرفة التخزين. “هل تتبّعوك؟”
“لم أكن حذرًا.”
نبرة صوته الخالية من الاعتذار جعلتها تتوقّف. قطعت عملها ونظرت إليه، فرأت فورًا الذنب في عينيه.
“لم تكترث بأن تخفي أثرك،” اتهمته لين. “لقد قدتهم إلى هنا.”
لم يحاول حتى أن ينكر.
هو… لا، لا يمكن أن يكون… “ريـري…”
“لين، والدك مريض،” قال وهو يحدّق فيها بثبات. “مريض في عقله.”
“أعلم،” همست بأسنان مطبقة، “أعلم ذلك، لكن—”
“لكن لا شيء،” قاطعها رايان. “إن لم نهرب، سيقتلنا. سيقتلك.”
“لن يفعل،” اعترضت، وإن كان جزء منها غير واثق تمامًا. “نحن… ريـري، لقد أخذت الإكسير منذ أسابيع، ولم يفعل…”
“ليس بعد،” قال رايان بوجه قاتم. “ليس بعد لا تعني أبدًا، قصيرة.”
“إذن ستتركه يموت؟” ارتجفت لين من شدّة الغضب. “ستتخلى عنه على الشاطئ وتدع الكرنفال يذبحه؟”
“لين، أنا…” حاول رايان أن يجد كلماته. “لسنا بحاجة إليه. أستطيع أن أجعلك سعيدة، لين. يمكننا أن نبدأ من جديد، نحن الاثنان فقط.”
“كيف؟” سألت وهي تهز رأسها. “لا نستطيع أن ندافع عن أنفسنا.”
“أنتِ عبقرية، ولديّ إكسير. سنتمكّن من الاعتناء بأنفسنا.”
“هذا جنون!”
“هذه الخطة بأكملها كانت جنونًا منذ البداية، لكن هذا أفضل ما لدينا.” مدّ يديه نحوها. “لين—”
“لا تلمسني!” همست بغضب، ظهرها ملتصق بالكُوّة. تجمّد رايان مكانه، وكان رفضها جارحًا له بقدر ما جرحها. “لماذا؟ لماذا؟”
“من أجلنا!” صرخ. “من أجلنا!”
“من أجلك!” تجمّعت الدموع في عينيها. “أنت تريدني لك وحدك.”
“أريدك حيّة!”
كلماته جعلتها تنتفض، كأنّه صفعها.
حدّقت في عيني رايان، فرأت القلق فيهما. لقد أخطأت في حكمها؛ لم يفعل ذلك من أجل نفسه، بل من أجلها هي.
لقد أحبّها، بقدر ما أحبّته هي.
كان جزءٌ منها يتوق لأن تفعل ما قال. أن تترك كل شيء خلفها، وتقلع بالغواصة إلى البحر. أن ينطلقا في مغامرة حول العالم، فقط هما الاثنان.
لكن في كل مرة… في كل مرة تنظر فيها إلى الوحش الذي صار إليه والدها، كانت تتذكّر الرجل الطيب الذي كانه يومًا. كيف كان يبتسم لها ولأخيها، أخيها الحقيقي. كيف كان حاضرًا دائمًا بعد أن رحلت أمها، وكيف كان يواسي لين كلما بكت في سريرها. أحيانًا، كان ذلك الرجل يطفو إلى السطح من جديد، وفي تلك اللحظات الوجيزة، كانت ابنته تشعر بالأمل.
“أرجوك، رايان. أنا… ما دام على قيد الحياة… ما دام على قيد الحياة، فهناك فرصة أن يشفى.”
رغم كل شيء… رغم كل شيء، لم تستطع لين أن تكره والدها.
“ليس من دونه،” قالت وهي تتجنّب نظراته المليئة بالخيبة. “آسفة يا ريـري… ليس من دونه.”
حدّق بها بنظرة حادّة مظلمة جعلتها ترتجف. ارتجفت يداه، وصرّت أسنانه، والتوى وجهه. رأت لين الغضب، والخيبة، والحزن، تتعاقب على ملامحه.
ثم جاء الاستسلام.
“شغّلي الطيار الآلي،” قال رايان وهو يتقدّم نحو الفتحة. “إن لم نعد خلال عشرين دقيقة، فوالدك وأنا قد متنا.”
“ريـري، إن شغّلتُ الطيار الآلي فلن أستطيع تعطيله.”
“إن بقيتِ هنا، قد يقتلونك،” قال بنبرة قاتمة، “قد يقتلوننا جميعًا، فقط ليتأكدوا أن بلَدستريم قد انتهى حقًا.”
كان الأمر يتكرر دائمًا بالنمط نفسه. حين يفشل الناس في قتل والد لين، يتوجّهون بعد ذلك نحو رايان وهي. كانت عائلتهم دائمًا في مواجهة العالم.
“رايان…” همست لين، بينما كان قد بلغ منتصف الطريق عبر الفتحة المفتوحة.
توقف.
“رايان، أرجوك عد.”
ألقى نظرة فوق كتفه. “عيشي، لين،” قال قبل أن يغادر الغواصة.
شغّلت لين الطيار الآلي، ضبطت المؤقت، وانتظرت.
□■□■□
قطّب ليو جبينه. “ماذا تعني بأن قوّته بلا حدود عليا؟”
“بعد تحليل العينات التي جمعناها، أؤكد أن هدفنا غير مقيّد بالمضيفين البشريين. أي كائن يملك جهازًا دوريًّا[2] يصلح، بما في ذلك مملكة الحيوان بأسرها.” توقّف الطبيب لحظة قصيرة. “كما أنه لا يبدو مقيَّدًا بيولوجيًّا بعدد النسخ النشطة في الوقت نفسه. كلا ‘القيدين’، أخشى، أنهما نفسيّان بحتان.”
ارتعش عمود ليونارد الفقري. قاوم الرغبة في أن يتحوّل مجددًا إلى شمس حيّة ليطرد الخوف. إن كان ستيتش على حق، إذن…
“لكن لماذا لا يُبقي سوى بضع نسخ؟” سأل ماتياس بشكّ. “خصوصًا إذا كانوا يتشاركون عقلًا شبه جمعي؟ ولماذا يهاجم بعضهم بعضًا أصلًا؟ أفهم الأمر لو كانت كل نسخة مستقلّة، لكن…”
“لأنه يكره نفسه في أعماقه،” خمّن الكوساك بجفاف. “يكره ما صار إليه.”
كان جزء من فريدي سابينو يتمنّى الموت. لقد شلّت صدماته النفسية قوّته، ومنعته من استغلال كامل إمكاناته اللامحدودة.
تبادلت آيس نظرة مع ليونارد، وكان وجهها شاحبًا كاللبن. لقد أدركت الخطر هي أيضًا. “ستيـتش، كن صريحًا،” سألت الطبيب. “إن استخدم كامل قوته، ماذا سيحدث؟”
“سيتحوّل إلى جائحة،” أكّد ستيتش. “بما أنه قادر على إصابة الآخرين عبر مقذوفات دموية، فسوف يدمّر سابينو إيطاليا في غضون أيام ما لم يُعزَل. وإن استوعب الطيور أو الأسماك، فإنّ ‘طاعون بلَدستريم’ قد يغزو الغلاف الحيوي للأرض بأكمله خلال أشهر. وحدهم الجينومات ذوو الأجساد الشاذة مثل أوغستس سيبقون على قيد الحياة.”
ها هو ذا. الحدث الانقراضي الذي حذّرتهم منه بيثيا.
لن يدمّر بلَدستريم الحياة على الأرض وحسب؛ بل سيغدو هو الحياة نفسها.
ساد صمتٌ مميت، سرعان ما قطعه الكوساك ببروده المعهود: “المحرّك هو موت ابنته؟ وليس الابن؟”
“لم تستطع بيثيا تفسير ذلك أيضًا،” أكّد ليونارد. لم تكن بياناتها سوى خطوط عريضة. فالمستقبل متقلّب على الدوام، وغالبًا ما يتداخل معه جينومات آخرون فيرْبكون رؤاها. “لكن إن ماتت لين سابينو، سيطلق والدها حدثًا انقراضيًا.”
“يمكننا الافتراض أن هدفنا سيفقد كل كوابحه النفسية وينطلق في موجة جنونية من الدمار،” شرح ستيتش.
“سيبغض العالم أكثر مما يبغض نفسه،” همست آيس بحزن.
أومأ ستيتش موافقًا. “ووفقًا لنبوءة بيثيا، فإن لين سابينو ستموت ما لم نتدخّل.”
عقد الكوساك ذراعيه. “يجب أن يموت. أيًّا كان الثمن.”
“لا، ليس على أي ثمن،” اعترض السيد ويف. “لا مساس بالأطفال.”
“إلى جانب تعاطفي مع قلقك الأخلاقي، فإن ميزتنا الوحيدة على بلَدستريم هي أنه لا يدرك كامل مدى قدراته،” قال ليو. “علينا أن نقتل كل نسخه في فترة قصيرة، وننقل الطفلين إلى برّ الأمان. آيس، ستركّزين على إجلاء الجرحى إلى المستوصف. ستيتش، ماتياس، تبقيان في الاحتياط.”
احتجّ ماتياس مارتيل على الفور: “لكن—”
“لا أعذار يا فتى. أما سمعت؟ مدى قدرتك قصير جدًا، وإن أصابك ولو مرة واحدة، انتهى أمرك.”
□■□■□
كانت المعركة لا تزال مشتعلة حين خرج رايان من نادي القوارب.
لم يحتج إلى عناءٍ طويل ليعثر على ساحة القتال؛ كل ما عليه هو تتبّع أعمدة الدخان المتصاعدة في السماء.
كانت خطته بسيطة: ألّا يتخذ أي احتياط خلال جولة التموين، ليتأكد من أن طيّاري الكرنفال يلمحونه، ثم يتركهم يتعقّبونه حتى مخبئهم. خشي أن يثير شكوكهم لو اقترب منهم مباشرة، لكن مخطّطه نجح كما لو كان خدعة سحرية.
على الأقل… حتى الآن.
كانت هذه الخطة جنونية. كان رايان يعلم ذلك منذ البداية. لم تكن سوى مؤامرة طائشة وُلدت من الإحباط واليأس، محاولة أخيرة للخروج من مأزق مستحيل. لكن لين رفضت أن تتحرّك، حتى بعد أن أجبرها على الخيار. وها هو الآن قد وضع الدومينو، ولم يعد قادرًا على إيقاف سقوطه.
لم يكن لهذا أن ينتهي إلا بالدموع.
إلّا إذا…
نظر رايان إلى إكسيره، إلى تلك القوة الغريبة المحبوسة في محقنة. لقد سبّبت من الألم بقدر ما أنجزت من العجائب. ربما كان بلَدستريم محقًا، وأنها من عمل الشيطان. وربما كانت هبة من السماء.
لكن، سواء جاءت من فوق أو من تحت، فذلك الجوهر كان أمل رايان الوحيد.
غرس المحقنة في ذراعه، وصلّى من أجل معجزة.
فتح العالم عينيه بلون أرجواني، وانطلق رايان يركض.
☆☆☆☆☆
ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.
[1] الإسقربوط هو مرض ينتج عن نقص حاد في فيتامين ج (حمض الأسكوربيك). يُعرف أيضًا باسم “داء البحارة” لأنه كان شائعًا بين البحارة في الماضي الذين كانوا يقضون فترات طويلة في البحر دون الحصول على الفواكه والخضروات الطازجة. يُعد فيتامين ج ضروريًا لإنتاج الكولاجين، وهو بروتين مهم لتكوين الأنسجة الضامة مثل الجلد والأوعية الدموية والغضاريف والعظام.
[2] الجهاز الدوري هو نظام النقل الداخلي في الجسم، ويقوم بتوزيع المواد الحيوية كالأكسجين والمغذيات، وفي نفس الوقت يجمع الفضلات. يتكون من ثلاث مكونات رئيسية: القلب كمضخة، الأوعية كنظام أنابيب، والسائل الدوراني (مثل الدم) كوسيط نقل. هناك نوعان أساسيان: الجهاز المغلق (في الفقاريات مثل الإنسان) حيث يتدفق الدم داخل شبكة مغلقة، والجهاز المفتوح (في الحشرات) حيث يختلط السائل مباشرة بالأنسجة.
