الفصل 81: صباح الخير روما الجديدة
وأثناء مداعبته لأذني يوجين-هنري، كان رايان يراجع في ذهنه خطاب الشرير الذي سيُلقيه قريبًا. كان قد ارتدى قبعة الحرب، واستعد تمامًا للمعركة.
وبما أن فرانك والبعوضي المُحسّن كانا كبيري الحجم جدًا على سيارة الرئيس الصغيرة، فقد استقل الفريق شاحنة سوداء خفيفة، وجلس أصحاب العضلات في الصندوق الخلفي. أما تي فكانت هي من تتولى القيادة، وقد أخفت وجهها بقلنسوة قطاع الطرق، ما منح الأندرويد مظهر خاطف الرهائن الحقيقي. جلست سارين في المقعد الأمامي، بينما احتفظ رايان بالمقاعد الخلفية لنفسه.
“آه…” تمتمت دول وهي تحدق في الطريق أمامها، “أشعر بالحنين فعلًا… يُذكرني هذا بالرحلات التي كنا نخرج فيها إلى النزهات خارج المزرعة.”
“مع فارقٍ بسيط: مزيد من الفوضى هذه المرة،” أضاف رايان، بينما كان قطه يموء فوق حجره. “وتخريب ممتلكات بالجملة.”
“آمل أن يكون الأمر يستحق كل هذا العناء…” علقت سارين وهي تكتب على جهازها اللوحي. “حتى مع سيطرتنا على المخبأ، نحن الآن نتحدّى ديناميس… الحكومة نفسها.”
“بل نحن فقط نعيد الشركات الكبرى إلى حجمها الطبيعي،” رد رايان بثقة. “إذا نجحت خطتي—وهي ستنجح—فسيكون أفراد ديناميس منشغلين بتمزيق بعضهم البعض ولن يستطيعوا استهدافنا. ثم إن مهلة هيكتور تنتهي اليوم: إما نرحل نحن… أو يرحل هو.”
“نعم، نعم، فهمت.” توقفت نائبته للحظة قصيرة وهي تحدق في الطريق أمامها، ثم سألت: “رايان، ذلك الشيء الدموي الذي رأيناه في الفيديو… هل هو فعلاً بداخلنا جميعًا؟”
“بداخل كل من تناول إكسيرًا مقلّدًا.” أجاب رايان بهدوء. ووفقًا لحساباته، فهذا يشمل حوالي عشرة بالمئة من سكان روما الجديدة. صحيح أن الإكسير المقلّد كان غالي الثمن، لكنه ليس باهظًا مثل شراء منزل، ثم إن ديناميس والأوغُستي استخدما تلك المادة بكثافة لتعزيز قواتهما.
واحد من كل عشرة أشخاص يمرون بهم في الشارع، قد يتحول إلى نسخة من بلدستريم في أي لحظة.
“يعني تقريبًا كل أفراد العصابة،” علّقت سارين بتهكم. “من ظن أن هذه فكرة جيدة، يستحق أن يُطلق عليه الرصاص.”
“شركات التبغ تقتل نصف زبائنها.” أجاب رايان بلا مبالاة. وكان واثقًا أن دارث مانادا، بعقليته الجشعة، رأى أن هامش الربح يبرر كل المخاطر.
“لن يفلتوا بفعلتهم هذه،” احتجت تي بحدة. “هذا تصرّف وحشي.”
“أتفق معكِ تمامًا.” أومأت سارين برأسها موافقة بقوة. “وفوق ذلك، رفضوا دفع مستحقاتنا رغم كل المخاطر التي تحملناها في قتال أوغستس… إذًا الانتقام سيكون أحلى ما في الأمر.”
“سارين، يا عزيزتي، هل أعددتِ الفيديوهات؟” سأل رايان.
“نعم، لكنها ستُحذف من الإنترنت خلال دقائق على الأرجح. ديناميس تسيطر على دينانيت وكل قنوات البث.”
“معظمها، لكن ليس كلها.” أجاب رايان بثقة، بينما توقفت الشاحنة لالتقاط آخر أعضاء الفريق. فتحت الراكبة الباب المجاور للموصّل، وصعدت إلى داخل السيارة.
في أول ظهور شرير لها، اختارت ليفيا زيًا بسيطًا لكنه أنيق: بدلة سوداء رسمية مع قميص أحمر وربطة عنق حمراء تحتها، تعلوها خوذة مستوحاة من فرقة دافت بانك[1] وتحمل نفس تدرجات الألوان. ورغم أن الملابس لم تخفِ منحنياتها الأنثوية، إلا أنها منحتها مظهرًا أندروجينيًا[2] عصريًا وأنيقًا في الوقت نفسه.
“أيها السيدات والسادة،” قدّم رايان مساعدته الجديدة بتهويل معتاد، “أعرفكم بالسيدة الأولى الوحيدة والفريدة في نظامنا الرئاسي… الملكة القرمزية!”
“تحياتي لكم،” قدمت ليفيا نفسها بخجل إلى المجموعة، “يشرفني حقًا أن أتعرف عليكم جميعًا.”
“مرحبًا بكِ! أنا دول!” بادرت تي بالترحيب بحرارة، بينما اكتفت سارين بزمجرة مقتضبة. “سنقضي وقتًا ممتعًا، سترين بنفسك!”
بدت الروبوت الأنثوي متحمسة بشكل مقلق للمشاركة في عمل إجرامي.
“سيادة الرئيس.” التفت رايان ليرى فرانك يطلّ من النافذة الفاصلة بين مقاعد الشاحنة الخفيفة وحجرة الشحن. “هل أنت من المورمون[3]؟”
“لا، مع أنني على الأرجح سأضطر إلى إعلان نفسي حاكما في مرحلة ما.” إذ لا تكتمل أي حلقة شريرة بلا خطاب جنون عظمة أو اثنين. “ما الذي دفعك لهذا السؤال، أيها العميل فرانك؟”
“لأنك جمعت السيدة الأولى[4] الجديدة والقديمة في السيارة نفسها.” شرح العملاق، “إلا إذا كانت إحداهن متدربة؟”
“لدي زوجة واحدة فقط، أيها العميل فرانك،” أجاب رايان وهو ينظر في عينيه بجدية مصطنعة، “واسمها… أمريكا!”
الحقيقة أن الموصّل عاش ذات يوم فترة من حياته كـنجم روك بكل ما تحمله من صخب وفساد وانحلال. وبنهاية تلك الحلقة، كان لديه من المعجبات ما يفوق قدرته على التذكر، حتى إنه فقد القدرة على المشي باستقامة من كثرة السهر والتهتك. لكن متعة العلاقات العابرة فقدت بريقها بسرعة. رايان كان يفضّل علاقة حصرية، حميمة مع شخص واحد—شيء أعمق بكثير من شهوة عابرة أو متعة سطحية.
كان يبحث عن توأم روحه.
سألت ليفيا، وفي صوتها لمحة فضول: “ألن تنضم أندر دايفر إلينا؟”
انقبض وجه رايان على الفور، وتغير مزاجه كليًّا. “لا، لن تأتي.”
بعد تجربة الإكسير المقلّد الكارثية، أغلقت قصيرة على نفسها باب غرفتها ورفضت الخروج تمامًا. لم تسمح لأي أحد بالدخول، لا رايان ولا سارة. صحيح أنها أحبت والدها، لكنها—في نهاية المطاف—كانت تحمل في قلبها جرحًا لم يندمل قط. كل التقدم الذي حققته في الحلقة السابقة بدا وكأنه تبخّر تحت وطأة الخوف والألم.
ولم يكن بوسع رايان أن يساعدها إلا إذا سمحت له بالدخول.
“أنا… أنا آسفة.” تمتمت ليفيا وقد شعرت بتوتره المفاجئ. “لم أقصد…”
“أيتها الملكة، زيّكِ رائع!” سارعت تي في المقعد الأمامي لتغيير جو الحديث وتلطيف الأجواء. “أعجبتني جدًا لمسة التكنو الفرنسية[5]!”
“شكرًا جزيلاً.” جمعت ليفيا يديها المغلّفتين بقفازين، ومع أن رايان لم يرَ ملامح وجهها خلف الخوذة، كان مستعدًا أن يقسم أنها تحمرّ خجلًا في تلك اللحظة. “وأنت يا كويك سيف؟ هل أعجبك الزي أيضًا؟”
“لا يمكنني أن أعيب على أحد يرتدي بدلة من ديور.” طمأنها رايان وهو يبتسم، وانتقل يوجين-هنري من حجره إلى حجر أميرة الأوغُستي. “هل ترين؟ حتى قطي يوافقك الرأي. هو لا يقبل إلا بالأفضل.”
“هل من الحكمة أن نصطحبه معنا؟” سألت ليفيا، وهي تداعب القط بينما الشاحنة تشق طريقها نحو استوديوهات ستار التابعة لديناميس. “أعلم أن للقطط تسع أرواح، لكننا في طريقنا إلى ساحة حرب.”
“أضمن لكِ أن كل شيء سيجري كما رأيته في رؤاي.” قال رايان بنبرة تنذر بالشر، قبل أن يناولها القفازين المعدلين لارتدائهما. “البسيهما، من فضلك.”
“قفازات؟” سألت ليفيا باستغراب. “وما فائدتها؟”
“تحوّل الناس إلى دونات.” أجاب الموصّل بلا تردد، ثم نظر إلى الساعة. “حسب جدولنا، أمامنا قرابة ساعة واحدة قبل أن تصل ووردروب والبقية لتصوير مشاهدهم. سنصل في الوقت المناسب تمامًا لنشرة الأخبار الصباحية.”
سرعان ما وصلت الشاحنة إلى أطراف استوديوهات ستار التابعة لديناميس. كان المكان يعج بالنشاط بالفعل؛ جيش من الفنيين والمتدربين يتجهون نحو الكافتيريا للحصول على جرعتهم الصباحية من القهوة. كان هناك حارسان فقط يراقبان السيارات العابرة عند نقطة التفتيش، يؤديان عملهما بكسل وفتور، دون أن يرتدي أي منهما درعًا آليًا. كما علم رايان من زياراته السابقة، ديناميس لم تكن تتوقع أبدًا أن يجرؤ أحد على مهاجمة هذا المكان.
“هل ربط الجميع أحزمة الأمان؟” سألت تي، ويداها مشدودتان على المقود بينما يقتربون من نقطة التفتيش. “رايان، نمر بهدوء أم بقوة؟”
“بقوة.”
هل كان ذلك سؤالًا أصلًا؟
داست دول على دواسة الوقود بقوة، فانطلقت الشاحنة نحو نقطة التفتيش كالثور الهائج صوب مصارع الثيران. قفز الحراس جانبًا هربًا من طريقها، بينما اجتازت مركبة عصابة الميتا الحاجز الأمني محطمة إياه بلا هوادة. واصلت السيارة اندفاعها عبر ساحة الانتظار بأقصى سرعة، قبل أن تتوقف فجأة أمام أحد المستودعات.
راح الفنيون يحدّقون بدهشة مذهولة، وهم يرون طاقم الأشرار يترجلون من السيارة. حمل رايان القط يوجين-هنري بين يديه، بينما كانت ليفيا تحاول جاهدة إدخال القفازين المعدلين فوق قفازَيها، أما دول فقد فتحت باب الحاوية الخلفية للشاحنة لتُفرج عن الركاب الآخرين، فيما أطلقت سارين موجة صادمة قوية نحو السماء.
هذه المرة، أدرك موظفو الاستوديو أخيرًا حجم الخطر، فانتشر الذعر بينهم وبدؤوا بالفرار هلعًا.
“وأخيرًا خرجنا!” قال البعوضي وهو يترجّل من حاوية الشاحنة إلى جانب فرانك. كان قد بالغ في تناول الدم المخصّب عالي المغذيات حتى تضاعف حجمه تقريبًا؛ صار اللحم القرمزي تحت هيكله الخارجي أخضرَ، وتورّمت عضلاته حتى بدت أشبه بمسوخ عملاقة. فكّر رايان أنه ربما عليه تغيير اسمه إلى بيف كيك[6]. “هذه آخر مرة أركب فيها معك، يا فرانك!”
“بعوضي العزيز، أنت ستتولى حماية السيارة، مراقبة المكان، وتنبيهنا إذا حاول أحدهم الطيران إلى هنا.” قال رايان بنبرة آمرة. وفي تلك الأثناء، انتزعت دول قاذفة صواريخ كانت مخبأة تحت المقاعد، ثم أغلقت الشاحنة بإحكام. “حان وقت إبهار روما الجديدة.”
فجّرت سارين مدخل المستودع بموجة صادمة، بينما حلق بيف كيك عاليًا وراح يطوف فوق الاستوديو في دوائر متتابعة. دخل رايان من الفتحة أولًا، واثق الخطى كزعيم حقيقي، وتبعه أتباعه في صف منظم كأنهم وحدة خاصة.
دخلت المجموعة إلى قاعة الاستقبال، غير مكترثين بالسكرتيرات والمتدربين والموظفين الذين تجمّدوا في أماكنهم رعبًا، ولم يجرؤ أحد على اعتراض طريقهم. معظم رجال الأمن لم يتقاضوا ما يكفي ليخاطروا بحياتهم في مواجهة عصابة من الجينومات، لكن أحدهم تجرأ ولوّح بسلاحه مهددًا رايان. فما كان من الموصّل إلا أن أوقف الزمن، ونزع السلاح من يده بيد واحدة، بينما حمل قطه باليد الأخرى.
وصل رايان أخيرًا إلى باب موصد بقفل إلكتروني يعمل ببطاقة ممغنطة، وقد كُتبت عليه عبارة ‘استوديو الأخبار’. التفت الرئيس إلى حارسه الأمين: “العميل فرانك؟ افتح الباب.”
تلفت العملاق الحديدي حوله بسرعة، ليلاحظ تقنيًا مذعورًا يعلّق بطاقة الدخول حول عنقه؛ تعرف رايان عليه فورًا—كان كيفن، أحد كُتّاب سيناريو فيلم الباندا في الحلقة السابقة. كان الرجل واقفًا مكانه مشدوهًا، يحمل كوب قهوة يتصاعد منه البخار بين يديه.
رفع فرانك الكاتب من سرواله، فانسكبت القهوة على الأرض، وأخذ يتأرجح أمام القفل كدمية. وما إن اقتربت البطاقة من القارئ حتى فتح الباب تلقائيًا.
“تفضل يا سيادة الرئيس.” قال العملاق، وهو يُسقط ضحيته على الأرض. ومن البقعة البنية على سروال الكاتب، بدا أنه فقد السيطرة على نفسه من شدة الخوف.
“شكرًا لك،” رد رايان متجهًا عبر الباب المفتوح، بينما قرر فرانك أن يشق طريقه عبر الحائط نفسه بدل المرور من الباب. لكل واحد منهم طريقته الخاصة في الدخول.
كان استوديو الأخبار في روما الجديدة عبارة عن قاعة دائرية فسيحة بحجم شقة كاملة، تكسو نصف جدرانها شاشة ثلاثية الأبعاد ضخمة. في المقدمة طاولة مذيع مضاءة بإتقان، تواجه كاميرتين، ومن حولها سرب من العاملين ذوي الأجور المتدنية يرزحون في ظلال لا تنتهي. جلس مذيع وسيم ذو شعر بني فوق كرسي جلدي، كان يستعد لتقديم نشرة الصباح حين اجتاحت عصابة الميتا الاستوديو فجأة.
“الجميع، ضعوا أيديكم خلف رؤوسكم!” زمجرت سارين بحدة، بينما كانت تي تهدد الطاقم بقاذفة صواريخها. لم تدم صرخات الذعر طويلًا، إذ سرعان ما استحال المشهد إلى صمت مذعور بينما قام فرانك ودول بجمع نصف دزينة من الفنيين في زاوية واحدة. أما المصورون، فظلوا يواصلون عملهم تحت مراقبة سارين اليقظة.
“أقسم أن كل شيء سيكون على ما يرام ما دمتم لم تقاوموا،” وعدت دول الرهائن، وهي تلوّح بقاذفة الصواريخ. “لسنا هنا لإيذاء أحد.”
“هؤلاء رهائننا، فلا تتدللي معهم،” علّقت سارين وهي توصل جهازها اللوحي بجهاز تسجيل. أما ليفيا، فوقفت في الخلف متوترة صامتة ولا تتدخل؛ إذ لم تكن لأميرة الأوغُستي أي خبرة حقيقية في العمل الميداني.
تقدّم رايان بهدوء نحو المذيع، ووقف قريبًا منه بطريقة تنذر بالخطر دون كلمة واحدة. فهم الرجل الإشارة، فنهض من مقعده بصمت وانضم إلى بقية الرهائن، تاركًا للموصّل حرية الجلوس مكانه. بقي يوجين-هنري في حجر رايان، وأخذ يموء أمام الكاميرات كممثّل متأنق مكسو بالفرو.
“هل أبدو مخيفًا بما يكفي؟” سأل رايان ليفيا وهو يُعدّل بدلته بعناية.
“لو رفعت قبعتك قليلًا… سيكون المشهد مثاليًا.” همست ليفيا.
امتثل رايان لنصيحتها، وترك الأضواء تتلألأ عليه بكامل هيبته.
“نحن على الهواء الآن، يا زعيم.” قالت سارين وهي تجبر أحد المصوّرين على توجيه الكاميرا نحو قناع رايان.
ألقى الرئيس نظرة صامتة على بقية الفنيين في الأستوديو، ووقع بصره على فتاة مراهقة ذات شعر بني وبثور متفرقة على وجهها. “أأنتِ متدرّبة هنا؟” سألها بهدوء.
“ن-نعم، سيدي!”
“أحضري لي قهوة. بالحليب والسكر.” هزّت الفتاة رأسها بسرعة وهرعت خارج الغرفة لتنفيذ الطلب، رغم أن رايان لم يكن متأكدًا أنها ستعود أصلًا.
على أي حال، حكّ الموصّل أذني قطه برفق، ثم التفت إلى الكاميرا ليعرّف بنفسه. “صباح الخير يا أمريكا! أعلم أنه من المؤسف أنكم لن تستمعوا لنشرة الطقس اليوم—تنويه بسيط: اذهبوا إلى الشاطئ—لكنني أعدكم أن ما ستسمعونه الآن سيكون أفضل بكثير. أنا السيد الرئيس… وهذه رسالتي.”
لقد خُلق من أجل هذه اللحظة.
“أنا رايان رومانو. زعيم العالم الحر، فاتح موناكو، والرئيس المنتخب ديمقراطيًا لعصابة الميتا. نعم، عصابة السايكو تلك التي استولت على ذاك الحي البائس في الشمال. نحن الآن نحتجز استوديوهات ستار رهينة حتى تتحقق مطالبنا. لا تحاولوا قطع البث، لأن أي محاولة…”
ثم وضع رايان القنبلة الذرية الصغيرة فوق طاولة الأخبار.
“أسميها العرض الخاص لكوريا الشمالية،” شرح ببساطة. “هذه القنبلة تعتمد على تكنولوجيا عبقرية معقدة لدرجة أنها تفوق فهمكم، ويمكنها أن تُحدث انفجارًا حراريًا نوويًا يحرق المدينة عن بكرة أبيها. لو كنت مكانكم، لحزمت أمتعتي وغادرت فورًا إلى ميلانو.”
لم يكن رايان يرى وجوه الرهائن بوضوح مع كل تلك الأضواء المسلطة عليه، لكنه سمع بعضهم يلهثون من هول الصدمة.
حقًا، من عساه يكون يائسًا لدرجة أن يفكر في الذهاب إلى ميلانو؟
عادت المتدرّبة الصغيرة تحمل القهوة، ووضعتها على طرف المكتب، أبعد ما يكون عن رايان. “شكرًا لكِ، أيتها العبدة،” قال الرئيس بنبرة استعلاء. “ستنالين العفو.”
“هل يمكنني الانصراف الآن؟” سألت المتدربة، وهي تتصبب عرقًا من التوتر.
“يمكنكِ الذهاب إلى آلة النسخ.” حطم رايان آمالها في حياة أفضل، قبل أن يعيد انتباهه إلى الكاميرا. لاحظ ليفيا تدفع المتدربة برفق نحو بقية الرهائن، لكنه لم يلق بالًا. “وربما تتساءلون الآن عن سبب كل هذا، لذا أعددنا لكم فيلمًا قصيرًا.”
بدأت الشاشة خلف مكتب رايان تبث اللقاء المسجّل مع هيكتور مانادا.
بطبيعة الحال، كان الموصّل قد ‘حرّر’ الفيلم ليناسب مدة خمس دقائق فقط—هكذا تقتضي قواعد الصحافة المثيرة للجدل. وربما سيطرح يومًا ما النسخة الكاملة للمخرج.
“لا مزيد من الإكسير المقلد.” دوّى صوت هيكتور مانادا في خلفية المشهد خلف رايان. “اتفاقي كان مع من سبقوك، وانتهى الأمر برحيلهم.”
“يمكننا بكل تأكيد أن نكمل من حيث توقفوا.”
“رجالك لم يفوا بوعودهم، فلماذا يجب عليّ أن ألتزم بجانبي من الصفقة؟”
“إذًا ربما يجدر بي أن أكشف للجميع ما يوجد داخل إكسيرك المقلد. سيعشق زبناؤك شراء ‘سايكو معبأ في علبة.'”
“وهل لديك أي دليل؟”
انتقل الفيديو مباشرة إلى مشهد اختبار الإكسير الكارثي، حيث حوّل جوهر بلدستريم المرعب ذلك المشروب الباهظ إلى كتلة هلامية تصرخ بهستيريا. شهقت ليفيا من الفزع عند رؤية المشهد، وبدأ الرهائن يتهامسون فيما بينهم بذعر.
“هم يحذفون الفيديو فور أن أرفعه على أي موقع تقريبًا،” علّقت سارين وهي تواصل النقر على جهازها اللوحي، “لكن رغم ذلك يحصد آلاف المشاهدات في كل مرة أعيد فيها تحميله.”
أومأ الرئيس برأسه، مدركًا أن ما يُنشر على الإنترنت يبقى هناك للأبد. “سأقدم بنفسي النسخة المخصصة للأطفال، وبما أنني لا أؤمن بالتأثيرات الرقمية…”
وضع رايان ثلاث دمى صلصالية على المكتب—واحدة لهكتور مانادا، وأخرى لأوغستس، وثالثة لآدم الضخم.
“أهلاً بكم في عالم إيقاف الحركة[7]!”
ساد صمت محرج للحظة. جمهور صعب المراس بالفعل.
رايان، بخبرته الطويلة مع مثل هذه العروض، تولّى أداء الأصوات بنفسه. “مرحبًا، أنا زيوس المافياوي!” قال ذلك رافعًا دمية أوغستس، محاولًا تقليد صوت الطاغية بأقصى ما يستطيع. “وأنا… شرير!”
ضحكت ليفيا بخفة، بينما قفز يوجين-هنري من حضن رايان ليستقر فوق المكتب. راح القط يلعب بالقنبلة الـذرية كما لو كانت كرة صوف، وسط ذهول الجميع، واضطر رايان إلى أن يقطع عرضه لحظة ليراقب حركات قطه.
“قطي الجميل،” قال رايان وهو يداعب ظهر يوجين-هنري، متغذيًا على دموع اليأس التي ارتسمت على وجوه الحضور. “أعجبتك قنبلتي الذرية، أليس كذلك؟ أعجبتك، ها؟”
رد القط بمواء قصير، فعاد رايان إلى عرضه التلفزيوني بكل حماس.
“أنا هكتور، وأغار من أوغستس أشد الغيرة! إنه يلمع أكثر من اللازم!” جعل رايان دمية مانادا تتحدث، ثم حرّك دمية آدم، مقلّدًا صوت كل شخصية على حدة. “أنا آدم! أنا بدين لدرجة أن الميزان الذي استخدمته آخر مرة أطلق أنين الاحتضار! أريد المساعدة، لكنني فقير!”
“خذ مالي أيها الحوت الودود! أرجوك!” صاح ‘هكتور’ وهو يناشد آدم.
لكن لم يضحك أحد على هذا المشهد؛ فقد كانت كل الأنظار مشدودة إلى يوجين-هنري، الذي صار الآن يدحرج القنبلة الذرية قرب كوب القهوة الخاص بالمتدربة، بينما يولي الكاميرا مؤخرته الملكية بكل فخر.
وضع رايان دمية رابعة على الطاولة، تمثل ساي ساي، وقد التصق بمجسده سكين طيني ضخم. “أنا سايشوك!” قال الرئيس مؤديًا بصوته دور خاطف العقول، ثم حرّك الدمية خلف آدم. “وأنا خائن!”
“سيادة الرئيس، استدر!” صرخ فرانك بجزع، وقد عاد إليه شبح جريمة قتل رئيسه السابق. “استدر!”
غرست دمية سايشوك سكينها في ظهر دمية آدم، فانهار ذلك المجنون على الطاولة. اهتز المبنى بأسره حين ضرب فرانك الأرض بقبضته من شدة الحزن.
“وهنا يأتي دوري، يد الظلم الغاشمة!” صرخ رايان محطّمًا دمية سايشوك حتى صارت عجينة بين أصابعه، ثم رفع قبضته الملطخة بالصلصال عاليًا. “لقد أهانوني! أذلوني! حرموني مستحقاتي! لكنهم لم ينجحوا أبدًا في كسري! قالوا إنني مجنون… لكنني سأريهم! سأريهم جميعًا! سأحتجز روما الجديدة بأكملها رهينة، حتى تدفع لي ديناميس الفدية التي أستحقها! المبلغ الفاحش الذي يساوي—”
“سيقولها الآن!” شهقت الدمية بحماس.
“مليون!”
غمز رايان للكاميرا، ولكل معجبيه المتابعين خلفها.
“مليون دولار!”
انكسر ذلك الصمت المشحون بضحكة مكتومة من ليفيا، ونشيج فرح من دول. “لقد فعلها حقًا…” تمتمت الأندرويد، مغمورة بالسعادة. “لقد تجرأ…”
“الحمقى يتجرؤون على كل شيء، ولهذا تتعرف عليهم بسهولة،” عقّبت سارين بسخرية. “زعيم، أنت تدرك أن الدولار الأمريكي اليوم يساوي تقريبًا طوابع البريد النادرة؟”
“هل كنتِ تفضلين أن يدفعوا لنا بالبيزو، مثلًا؟” رد رايان بجفاف متصنع.
“ستحتاج كل المكسيك لدفع مليون دولار واحد،” علّق فرانك بازدراء، نافثًا عداءه لأقدم أعداء أمريكا.
“على كل حال، الفرسان قادمون للإنقاذ،” قالت سارين، ملوحة لجهازها اللوحي أمام رايان. كان أحدهم يبث مباشرًا لوايفرن وهي تحلق في سماء روما الجديدة بشكلها البشري، متجهة رأسًا إلى استوديوهات ستار.
“لا أحد يستطيع إسكات الحقيقة!” صاح الرئيس، مندفعًا في خطبته أمام الكاميرا. “لن نستسلم أبدًا في وجه التهدي—”
رن صوت صفارة حادّة، فنظر رايان إلى يوجين-هنري، ليجده قد ضغط على الزر الكبير في القنبلة الذرية، مشغلًا العد التنازلي.
“حسنًا…” التفت الرئيس إلى الكاميرا مجددًا، وابتسم خلف قناعه. “كان هذا كل شيء، يا سادة!”
☆☆☆☆☆
ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.
[1] أندروجينيًا: يشير إلى المظهر الذي يجمع بين صفات ذكورية وأنثوية معًا. في عالم الموضة، يعني هذا ارتداء ملابس أو اعتماد أسلوب يمزج بين الجنسين، مثل امرأة ترتدي بدلة رسمية مع الاحتفاظ ببعض ملامحها الأنثوية، مما يخلق مظهرًا فريدًا وعصريًا يكسر القوالب التقليدية.
[2] دافت بانك: ثنائي موسيقى إلكترونية فرنسي شهير، معروفان بأسلوبهما الموسيقي المبتكر وهويتهما البصرية الفريدة. اشتهرا بارتداء خوذات روبوتية مميزة في جميع ظهوراتهما العامة. لذلك، فإن أي شيء يوصف بأنه “مستوحى من دافت بانك” يعني أن تصميمه يشبه هذه الخوذات الأيقونية.
[3] المورمون هو مصطلح يطلق على أتباع كنيسة. تعتبرهم الطوائف المسيحية التقليدية خارج إطار المسيحية، ويتميزون بإيمانهم بكتاب مقدس إضافي يسمى “كتاب مورمون”، إضافة إلى التزامهم بأسلوب حياة محافظ يشدد على قيم الأسرة. يشير فرانك في سؤاله إلى ارتباط المورمون في الثقافة الشعبية بتعدد الزوجات.
[4] “السيدة الأولى” هو لقب غير رسمي يُطلق على زوجة رئيس الدولة أو رئيس الوزراء. رغم أنه ليس منصبًا رسميًا، فإنها غالبًا ما تلعب دورًا رمزيًا واجتماعيًا مهمًا في الحياة العامة.
[5] التكنو الفرنسية هو نوع فرعي من موسيقى التكنو الإلكترونية، ظهر في فرنسا ويتميز بدمجه إيقاعات التكنو القوية مع لمسات من الديسكو والفانك.
[6] بيف كيك: مصطلح عامي يصف الرجل ذو البنية العضلية القوية والجذابة. تُستخدم للإشارة إلى الرجل نفسه أو إلى صوره التي تستعرض عضلاته. الكلمة ذات طابع فكاهي، وأصلها يعود لمزج كلمتي “بيف” (لحم) و “كيك” (كعكة) في إشارة إلى القوة والجاذبية. وقد ظهرت في الأربعينيات من القرن الماضي كنوع من التلاعب اللغوي على مصطلح “كعكة الجبنة” الذي كان يُستخدم لوصف صور النساء الجذابات.
[7] إيقاف الحركة: هي تقنية تحريك تُستخدم لخلق حركة من خلال التقاط صور ثابتة واحدة تلو الأخرى، مع تحريك الكائنات أو الشخصيات بشكل طفيف بين كل صورة وأخرى. عندما تُعرض الصور بسرعة متتالية، تظهر الكائنات وكأنها تتحرك بشكل طبيعي.
