الفصل 66: الهجوم
“إذًا، تقولين إن المختبرات عالية الحماية مُحصّنة لدرجة أنها تصمد أمام ضربات الصواريخ؟” سأل رايان نورا، بينما كان الجميع يسيرون في رواق المستشفى خلف ممرضة ديناميس. كان الباندا يدندن لنفسه لحنًا خافتًا، بينما تحمل يوكي الزهور والشوكولاتة بين ذراعيها.
“نعم، النوافذ الزجاجية المظللة في الخارج مجرد مظهر فقط،” شرحت المهندسة. “مولدات طاقة منفصلة تبقي الطابق كله يعمل دون الحاجة لأي دعم خارجي، ونظام الإنذار يمكنه رصد أي متسلل. وهناك مدخل واحد فقط: المصعد، ثم باب حصين مضاد للانفجارات.”
“ولا حتى مخرج طوارئ؟” سأل رايان، مدركًا أن خياراته للتسلل خلسة قد تقلصت كثيرًا. “لا أريد الانتقاد، لكن هذا يبدو كأنه ثغرة واضحة. ماذا لو حدث انفجار نووي في الداخل؟”
“قل ما تشاء،” ردت نورا مبتسمة. “السيد مانادا كان يريد المكان ‘آمنًا من التسلل، لا آمنًا على من فيه.’ أعتقد أنهم يجرون تجارب على مخلوقات خطيرة، ولا يريدون المخاطرة بخروج أي منها. أعني، هل رأيت ما يستخدمونه في الكولوسيوم ماكسيموس؟”
“أعجبتني كثيرًا تصاميم السايبر-تيرانو الجديدة!” علّقت ووردروب بحماس. “خصوصًا نظارات الهولوغرام… لمسة راقية فعلًا.”
“بالمناسبة، طلب الناس من الباندا أن يشارك في المباراة الافتتاحية للدورة الجديدة!” قال تلميذ رايان وهو ينفخ صدره فخرًا. “باندا ضد الفيلوسيرابتورات… المواجهة الأسطورية!”
“برأيي، هذا هدر هائل للموارد.” قالت نورا وهي ترفع عينيها ضجرًا. “سيكون من الأفضل أن تُصرف الأموال على المستشفيات بدلًا من الديناصورات. تكلفة إنتاجها باهظة أصلًا، ناهيك عن إطعامها.”
“بصراحة، أنا حائر.” اعترف رايان. “أتفهم وجهة نظرك تمامًا، لكن الديناصورات لها جاذبية جماهيرية لا تقاوم. ومع ذلك… لو قرر أحدهم أن يفجّر المبنى كله لأنه كسول ولا يريد صعود الدرج، هل ستظل المختبرات صامدة؟”
“في الواقع، نعم، ستبقى سليمة.” نظرت نورا إلى رايان باستغراب. “ولماذا يكون الإرهابيون كسالى لهذه الدرجة ولا يريدون استخدام الدرج؟”
“افتراض نظري فقط،” كذب رايان بابتسامة. “لكن من الجيد معرفة ذلك!”
وأخيرًا، قادتهم الممرضة إلى غرفة بيضاء في المستشفى—أو كما يسميها رايان: عش فيليكس.
كان البطل الصغير يبدو بحال أفضل بكثير مما كان عليه قبل أيام، حين طعنته أسيد رين في بطنه. باستثناء اضطراره للبقاء في السرير ولف صدره بالضمادات، بدا القط الذري بصحة شبه مثالية. وحتى وإن اضطر لترك بذلته القبيحة وقناعه لصالح ملابس المستشفى البيضاء، فقد اعتبر رايان ذلك تطورًا محمودًا.
لم يكن غريبًا أن تقع ليفيا في حب وجه كهذا، فكّر رايان وهو يتأمل ملامح فيليكس الطفولية الساحرة. لكن سرعان ما تذكّر ما قالته فورتونا عن أن والدتها استخدمت قواها في عمليات التجميل. تُرى، هل فعلت فينوس الأمر نفسه مع ابنها؟ كلما تأمل رايان وجه القط الذري، لاحظ أن ملامحه مثالية أكثر من اللازم.
يا للقط الصغير المسكين… حتى وجهه لم يكن ملكه.
“مرحبًا يا رفاق.” قال فيليكس، دون أن يبدي أي دهشة من وجود نورا—على الأرجح كانت ووردروب قد عرّفتهما سابقًا.
“فيليكس! سعيدة جدًا أنك بخير!” لم تكد ووردروب تدخل حتى كادت تُسقِط الشوكولاتة والزهور في حضنه من فرط حماسها، مما أربكه قليلًا. “هل اعتنى بك الجميع كما ينبغي؟”
“بالطبع.” أجابت ممرضة ديناميس بابتسامة مرحة، ثم أغلقت الباب خلفها. “سأترككم لبعض الوقت، فقط لا تثيروا الكثير من الضجيج… بقية المرضى يحتاجون للراحة.”
حك الباندا مؤخرة رأسه في حيرة طفيفة. “كنت أظن أنك تشارك الغرفة مع… رجل الزجاج…”
“الشفاف،” قال رايان. “أو نصف شفاف للأصدقاء.”
“شراود.” صحح فيليكس. “تم نقله إلى العناية المركزة بعد أن أصابته شظايا في أعضائه الحيوية. كانت إصاباته خطيرة جدًا لدرجة أنهم اضطروا لوضعه في غيبوبة اصطناعية.”
أزعج هذا الخبر رايان. صحيح أن ماتي قتله مرات عدة من قبل، لكن المسافر عبر الزمن أصبح يقدّر ذلك المنتقم مع الوقت. فالبطل الشفاف قدّم له يد العون في كثير من الحلقات، ولولاه لكان آدم البدين قد استولى على الباهاموت منذ زمن.
“هل سينجو؟” سألت ووردروب، وقد خفت تعبير وجهها فجأة. هز القط الذري رأسه في صمت، عاجزًا عن الإجابة. “إنها غلطتي… كان عليّ أن أتقمص شخصية أفضل.”
“لم يكن بإمكانكِ أن تعرفي يا يوكي،” طمأنتها نورا بلطف. “لقد حدث كل شيء في خضم المعركة. لا أحد سيلومك لأنك فقدت رباطة جأشك.”
“لقد أنقذتِ حياتي حين تقمصتِ شخصية الممرضة،” أشار فيليكس ممتنًا.
بدت مصممة الأزياء غير مقتنعة تمامًا. “نعم، لكن… أجريت بعض البحث، وهناك شخصيات أخرى كان يمكنني استخدامها لإنقاذكما معًا. لو أن السحرة البيض[1] لم يكونوا محميين بحقوق النشر…”
“كانت هذه أول مرة تتعرضين فيها لموقف كهذا، صحيح؟” سألها رايان، فأومأت برأسها ببطء. “لا أحد يلومك لأنك لم تكوني مثالية من المحاولة الأولى. صدقيني… أعلم ذلك جيدًا. الممارسة تصنع الكمال.”
كانت كلمات رايان تهدف إلى تشجيع ووردروب، لكنها زادت من حزنها بدلًا من أن تخففه. “لا أريد أن يكون تدريبي على حساب أرواح الناس.” تمتمت وهي تضم ذراعيها حول نفسها كأنها تبحث عن حماية. وضعت المهندسة يدها بلطف على كتف صديقتها، محاولة مواساتها.
“امم… فيليكس، متى ستخرج من هنا؟” حاول الباندا تغيير الموضوع.
“غدًا، لكنني لن أبقى مع إل ميليوري،” أجاب فيليكس، قبل أن يفجّر المفاجأة. “سأنضم إلى الكرنفال.”
“ماذا؟!” كانت هذه الأخبار كافية لإخراج ووردروب من حالتها الكئيبة. “مستحيل! فرقة إنقاذ سريع للباندا حققت نجاحًا من أول تجربة وأنتم تغادرون جميعًا؟ هذا كأنكم تحلون الفرقة بعد أول أغنية ناجحة!”
“ي-يمكننا أن نشكّل ثنائيًا معًا يا يوكي،” حاول الباندا إنقاذ العلامة التجارية. “يين ويانغ!”
“إذا غيرت اسمك البطولي إلى الأسد السيركي، فسأتبرأ منك،” حذّر رايان القط الذري. تجاهل فيليكس مزحة الموصّل، وبدا عليه بعض التوتر في حضوره. كان ثمة شيء قد تغيّر.
“هل الأمر بسبب الزي؟” سألت ووردروب فيليكس بعبوس. “لأن إنريكي لن يسمح لك بالانضمام للدوري الاحترافي إلا إذا غيّرت ملابسك؟”
“اختيار ملابسي مجرد مكافأة إضافية.” قال فيليكس وهو يرسم ابتسامة جانبية. “آسف، لكنني أشعر أنني أقترب أكثر من قيم الكرنفال بدلًا من إل ميليوري. البيروقراطية المفرطة تعرقل فعل الصواب.”
لم يكن رايان متفاجئًا كثيرًا، لكنه تساءل كيف ستكون ردة فعل الأب البرقي. فـزيوس المافياوي بالكاد استطاع كبح نفسه عن قتل ابنه الروحي حين انضم إلى ديناميس؛ أما انضمامه الآن إلى فريق شروق الشمس فقد يدفع ذلك العجوز المختل إلى حافة الجنون. وعلى ذكر ذلك، لاحظ رايان أن فتاة الحظ وليفيا التزمتا صمتًا غريبًا في الآونة الأخيرة—لا رسائل ولا تواصل من أي منهما.
كان يشعر أن عاصفة ما تقترب في الأفق… كان ذلك الإحساس يطرق عظامه.
“أشعر بحزن شديد لهذا،” تأسفت ووردروب. “كان بإمكاننا أن نصنع العجائب، نحن الأربعة…”
“لا يزال بإمكاننا التعاون من وقت لآخر!” اعترض رايان. “حدث مشترك كل شهر، حتى يملّ منا جمهورنا!”
“صحيح، لكن الأمر لن يكون كما كان.” ردت مصممة الأزياء بأسى. “كنت أستمتع حقًا بقضاء الوقت معكم جميعًا.”
“دائمًا يمكنك تأسيس فريقك الخاص،” اقترحت نورا. “أظن أن إنريكي لن يمانع الفكرة.”
“سأعتذر عن ذلك،” قال رايان. “لا أظن أنني سأبقى طويلًا في روما الجديدة.”
“حقًا؟” هذه المرة انتبه فيليكس لكلامه. “إلى أين ستذهب؟”
“حيثما تحملني الحياة.”
في الحقيقة، لم يكن رايان يعرف حقًا ما الذي سيحدث بعد أن يُحقق نهايته المثالية في روما الجديدة. في أفضل الأحوال، قد يبقى مع لين والأطفال، لكن المسافر عبر الزمن كان على الأرجح سيعود إلى التجوال من جديد. البقاء في مكان واحد كان يضجره، ولم يكن يعرف للحياة معنى دون مغامرة جديدة يطاردها.
الموصّل… لم يشعر يومًا أن هناك مكانًا ينتمي إليه.
“سيفو… هل ستتركني وحدي؟” سأل الباندا، ورغم هيئته البشرية ظل تعبيره يحمل طابع الدب الحزين.
“لقد اكتمل تدريبك الآن، أيها التلميذ الصغير،” قال رايان محاولًا أن يبدو حكيما. “من الآن فصاعدًا… ستكون الحياة نفسها معلمك.”
“أ… أفهم…” كافح الرجل-الدب كي لا يبكي. “أفهم…”
“أعرف أنك تملك تلك الهالة الخاصة برعاة البقر الوحيدين،” قالت ووردروب بعبوس خفيف. “لكن… لا أدري، تبدو حياة كهذه وحيدة جدًا يا رايان. متأكد أنك لا تريد البقاء؟ حتى لو لم تعد ديناميس ترغب بك، أنا شخصيًا أريدك هنا!”
نظر رايان إلى هذا الكائن النقي، الطيب، الذي يبدو أرقى من هذا العالم المكسور. “أصدقاء للأبد؟”
“أصدقاء للأبد!” ردت بابتسامة دافئة.
“للأسف، يبدو أنكم ستضطرون لتأجيل الحديث عن مزايا يوكي إلى وقت لاحق،” قالت نورا وهي تنظر في ساعتها. “ستتأخرون عن الاجتماع.”
“هل هناك شيء مخطط له؟” سأل رايان وهو يجهل التفاصيل.
“وايفرن تريد من جميع أعضاء إل ميليوري حضور اجتماع كبير،” شرحت ووردروب وهي تبدو حزينة. “آسفة يا رايان… الحضور للأعضاء فقط. دافعت عنك كثيرًا، لكن المدير التنفيذي الجديد أصر على الرفض. سنخبرك بكل ما سيحدث لاحقًا!”
لم يستغرق الأمر طويلًا حتى ربط رايان الخيوط في ذهنه، لكنه فضّل أن يحتفظ بأفكاره لنفسه. “حسنًا، سأغير رمل القط الصغير وحدي إذًا.”
“آه، يمكننا أن نلتقي غدًا في بيتي!” اقترح الباندا بحماس. “شقتي صغيرة، لكنها مريحة!”
“فكرة رائعة!” وافقت نورا بابتسامة وهي تلتفت إلى رايان. “وربما يمكنك أن تعرّفني على خبيرة البحار تلك التي حدثتني عنها؟”
ضحك رايان. “لست متأكدًا إن كانت ستوافق على مغادرة الكهف الشيوعي، لكنني سأحاول إقناعها.”
“أوه، ربما سأخرج زي كارل ماركس[2] من الخزانة إذًا!” قالت ووردروب ذلك، ثم اعتذرت من فيليكس على قصر الزيارة، وغادرت برفقة صديقتها والباندا. تُرك رايان وحده مع البطل الصغير.
“ديناميس والكرنفال يخططان لمهاجمة الأوغُستي، أليس كذلك؟” سأل رايان فيليكس بعدما خرج الجميع. “اجتماع يضم كل الأبطال في خدمتهم بعد غارة مدينة الصدأ بيومين فقط… ألفونسو مانادا وهارغريفز يريدان استغلال اللحظة ما دام الحديد ساخنًا.”
“هل تريد أن تعرف حقًا؟” رد فيليكس، وقد أصبحت نبرته حذرة ومتوجسة. “أم أن ليفيا هي من تسأل عبرك؟”
“بصراحة أيها القط الصغير، سأعرف عاجلًا أم آجلًا على أي حال.” أجاب رايان وهو يهز كتفيه بلا مبالاة. “أحاول فقط أن أفتح حديثًا. ثم إنني ظننت أنك لا تريد زيارات عائلية… ومع ذلك رأيت نارسينا تغادر المستشفى.”
“استثنيت نارسينا من الجميع. كان من حقها أن تعرف الحقيقة.” وهذا يفسر رد فعلها بالفعل. “أخبرتها بكل شيء—كيف قتل أوغستس والديها، ورتّب تبنّيها ليستخدم قواها في صنع المخدرات. حتى الحديث عن الأمر يصيبني بالغثيان… إنه أسوأ مما تصورت.”
“أفترض أنها لم تصدقك؟” جلس رايان متراخيًا على أقرب كرسي، واضعًا ساقه على مسند الذراع. “أليس لديها أي ذكريات عن والديها الحقيقيين؟”
“لا.” أجاب فيليكس، وعلى وجهه عبوس غاضب. “على الأرجح باخوس دمّر ذهنها وهي صغيرة… يمكنه فعل ذلك بقوته. تعذيب نفسي حتى الجنون، أو التلاعب بعقول الناس ليصدقوا أكاذيب عن أنفسهم.”
سجل رايان هذه المعلومة في ذهنه، لينتفع بها لاحقًا عندما يحين وقت تفجير مصنع مخدر السعادة. “حسنًا، إذا انضممت فعلاً للكرنفال، ستتاح لك فرصة المشاركة في صراعات العائلة.”
“أنا أعلم بأمر ليفيا.” حدّق فيليكس في رايان بنظرة حادة. “بلاك ثورن أخبرني أنك التقيت بها وبفورتونا.”
هذا يفسّر الجفاء المفاجئ بينهما. “لو قلت لك إن الأمر كله كان جزءًا من خطة محكمة لإبعاد أختك عني، هل كنت ستصدقني؟”
“أنا أعرف كيف هي، لكن ليفيا أيضًا؟” عقد فيليكس ذراعيه أمام صدره. “أولًا أختي، ثم حبيبتي السابقة؟ هل كان عليك أن… تعاشر العائلة كلها؟”
“هل والداك يعيشان زواجًا مفتوحًا؟” سأل رايان بنبرة بريئة مصطنعة.
لم يجد القط الذري الأمر مضحكًا على الإطلاق. “هل أصبحت متحالفًا مع الأوغُستي؟ معهم في السرير؟”
“مجازيًا أم حرفيًا؟” تقنيًا، كان قد نام مع ياسمين، لكن ذلك حدث في حلقة سابقة. “لأن الجواب لا في الحالتين. أُقسم أنني لم ألمس أختك أبدًا، رغم أن قواها تجعل الأمر صعبًا… لكنها ليست سيئة كما كنت أظن، على أية حال…”
“فقط… توقف عن الحديث عن أختي…” أغمض فيليكس عينيه لحظة، وكأنه يحاول طرد صورة مزعجة من رأسه. “ليڤيا حذرة جدًا لتقترب من شخص خارج التسلسل الهرمي. حتى مع وجود فورتونا. وليس هذا كل شيء. أنت كنت تعرف أن فورتونا أختي، وأنني واعدت ليفيا—وهي معلومات لا يعرفها سوى أفراد الأوغُستي وقلة في ديناميس. بلاك ثورن يقسم أنك لم تذكرني أمامه من قبل.”
بدأ رايان يدرك وجهة الحديث. “تظن أنني حصلت على هذه المعلومات من الأوغُستي، أيها القط الصغير؟”
“ومن أين غير ذلك؟” رد فيليكس بسخرية. “أنا فقط… لا أفهمك يا رايان.”
“هل كنت سأساعد الشفاف وشروق الشمس لو كنت أعمل مع أوغستس؟” طرح رايان سؤالًا بسيطًا، وهو يرمق الشوكولاتة التي تركتها ووردروب بجوار فيليكس—وكان واثقًا أنها ستبقى دون أن تمس. “ما ذنبي إذا كان الجميع يريد قطعة مني؟”
“يعني لست صديقًا لأوغستس… لكنك لست عدوه أيضًا؟” قال فيليكس ساخرًا، وقد اختفت نبرة المودة السابقة من صوته. “بمعنى آخر، أنت مجرد مرتزق في داخلك؟ أسقطت عصابة الميتا لأن أحدهم دفع لك؟”
“ماذا؟ لا… لم يدفع لي أحد مقابل ما فعلته، وإن كنت أتمنى ذلك أحيانًا.” لو كان رايان يتقاضى أجرًا عن كل حلقة أمضاها في روما الجديدة، لكان صار أغنى بكثير. “الحقيقة أيها القط الصغير، أنني دمرت مجموعة هانيفات ليكتر لأنهم هددوا أصدقاء لي. كل ما أريده… أن يظل من أحبهم أحياء ليوم آخر، لا أكثر ولا أقل.”
“هذا هو عذر ليفيا أيضًا. حماية عائلتها… مهما كان الثمن.”
“لا تزال تحبك، كما تعلم.” كان رايان يحترم قرار فيليكس بقطع علاقته بعائلته، لكنه تعاطف كثيرًا مع وضع ليفيا ولم يستطع إلا أن يحاول تقريب وجهات النظر بينهما.
“أنا لا أبادلها ذلك الشعور.” أشاح القط الصغير بنظره بعيدًا. “ولم أفعل يومًا… ليس بهذه الطريقة.”
عقد رايان حاجبيه مستغربًا. “ماذا تعني بذلك؟”
“والدانا هما من دفعانا إلى تلك العلاقة.” اعترف فيليكس أخيرًا. “كانا صديقين حميمين حين كانت منظمتهم مجرد فرع صغير من الكامورا[3]. تم ترتيب زواجنا منذ أن كنا أطفالًا. أنا… ما زلت أكن لها الكثير، لا تفهمني خطأ، لكن كصديقة فقط. لا أحبها كما ينبغي… لم أكن يومًا الأمير الساحر الذي أرادته لنفسها.”
“حدثتني عن مخبئكما السري.” حاول رايان أن يبدو محايدًا، لكن نبرة العتاب تسللت إلى صوته رغمًا عنه. “كيف كنتما تذهبان إليه لتبتعدا عن عائلتيكما… هل كنت تخدعها حينها؟”
“لم… لم أكن أكذب عليها، ليس فعليًا.” هز القط الذري الصغير رأسه بأسى. “حاولت أن أجعل الأمور تنجح، لكن… لا يمكنك أن تجبر نفسك على أن تحب أحدًا، يا رجل.”
شعر رايان ببعض التعاطف مع فيليكس، لكن أكثر من ذلك، كان يشفق على ليفيا… تتوق لشيء لم يكن له وجود أصلًا.
لكن ما أثقل قلب الموصّل حقًا، هو شعوره بأن ما يحدث هنا يعكس قصته هو نفسه—رأى أصداء علاقته مع لين مرسومة على كل جدار، رغم أن بينه وبين القصيرة احتمالًا للبقاء على تواصل. أما علاقة ليفيا وفيليكس… فكل ما فيها ينذر بمأساة وشيكة.
“أنت قريب منها،” قال فيليكس. “ليڤيا. هي من أخبرتك عن المخبأ… وعن قصتي معها. لهذا عرفت كل ذلك. أنت لست صديقًا لأوغُستس، بل أنت صديق لليڤيا.”
“لا أظن أن الأمر يصل إلى هذا الحد. لقد هددنا بعضنا بالقتل أكثر من مرة.”
“ومع ذلك، بلاك ثورن أخبرني أن بينكما نوع من الود.” راقب فيليكس رايان بدقة، وملامحه مغلقة لا يمكن قراءتها. “ماذا تعني لك إذًا؟”
“أنا…” تردد رايان قليلًا، يعتصر أفكاره بحثًا عن الجواب. “هي… تذكرني بشخص آخر. شخص حاولتُ إنقاذه من وحش، وفشلت. كل ما أريده هو ألّا ينتهي أمر ليڤيا بنفس الطريقة.”
ظل القط الذري صامتًا لدقيقة بدت أبدية، قبل أن يبوح أخيرًا بما يجول في خاطره: “لن تنقذها من والدها يا رايان.”
شعر الموصّل بوخزة في قلبه.
“لقد حاولت أنا أيضًا.” تابع فيليكس. “لكن لا يمكنك ذلك… سلطته عليها أقوى من أي شيء. الطريق الوحيد هو القضاء على أوغستس نفسه—وحتى لو نجحت، ستكرهك للأبد.”
تمامًا كما حدث مع لين وبلَدستريم.
“أليس هذا ما تحاول فعله أنت أيضًا؟” سأل رايان. “ديناميس والكرنفال يخططان للهجوم على أوغستس، و… مؤخرة البرق لن يتقبل وقوفك في صفهم أبدًا. لا يمكن لوالديك أن يحمياك إلى الأبد.”
“لم أعد أهتم.” رد فيليكس، وهو يرفع كتفيه محاولًا أن يبدو أكثر قوة مما هو عليه فعلاً. “تصالحت مع هذا الاحتمال.”
“مع وجود شروق الشمس، قد يصبح لدى عائلة مانادا ما يكفي من القوة لإسقاط الأوغُستي،” أقرّ رايان. “لكن المشكلة الحقيقية ستبقى… زيوس المافيا نفسه.”
“ديناميس لديها سلاح. شيء قد يعجزه عن الحركة تمامًا.”
“سلاح الجاذبية الذي ذكره ألفونسو من قبل؟ حتى والده لم يكن يؤمن به.”
“لا يمكننا أن نظل نعيش في خوف منه إلى الأبد يا رايان،” قال فيليكس بخشونة. “لا بد أن يقف أحدهم في وجهه… حتى لو كان الثمن باهظًا. وإلا فلن يتغير شيء قط. سيظل المخدر يتدفق، وسيظل الناس يموتون.”
كان رايان يستعد لمجادلته أكثر، حين رن هاتفه فجأة. أخرجه بسرعة من جيبه ونظر إلى هوية المتصل. “إنها ليفيا،” قال.
رد فيليكس باستخفاف: “لا ترد عليها. لن أمسك الهاتف.”
“حسنًا، أيها العجوز.” أجاب رايان ساخرًا، لكنه أخذ المكالمة على أي حال.
“نعم، يا أميرة؟”
“رايان.” جاء صوتها مذعورًا، فيه مسحة من الهلع. “هل فيليكس معك؟”
“نعم، لكنه لن يتحدث معك—”
“عليك أن تهرب!” قاطعته، وصوتها يزداد ارتجافًا. “خذ فيليكس واهرب الآن. يجب أن تغادرا روما الجديدة فورًا.”
“انتظري… ماذا؟ أغادر روما الجديدة؟” عقد رايان حاجبيه، مستويًا في جلسته فجأة. “أميرة، لدي حياة هنا، لا أستطيع أن أترك كل شيء فقط من أجل—”
“إذا لم تفعل، سيقتله أبي!”
تجمد رايان في مكانه، ينظر إلى فيليكس الذي كان غارقًا في عالمه دون أن يدرك شيئًا. “لأنه انضم إلى الكرنفال؟”
“وأيضًا بسبب ما أخبر به نارسينا…” أكملت ليفيا، وقد بدأت نبرتها تتكسر. وبرغم أنه لم يكن يسمع سوى طرفه من المحادثة، بدا واضحًا أن فيليكس بدأ يدرك خطورة الوضع. “أنا… أحاول منع ذلك، لكن الاحتمالات تزداد سوءًا مع كل دقيقة. لا أرى أي مخرج… ولا أستطيع رؤيتك أيضًا. أحتاج مساعدتك.”
“هل أجلبه إلى ديناميس؟”
“لا. والدي يحشد قواته للحرب ضد عائلة مانادا. لن يكون فيليكس آمنًا في أي مكان داخل روما الجديدة… هل تفهمني؟”
حرب.
أسوأ كوابيس رايان تحققت. يبدو أن مؤخرة البرق اكتشف تحالف شروق الشمس مع ديناميس، أو استشعر الهجوم القادم، فنهض أخيرًا عن عرشه. الشمس الحية وأوغستس سيصفيان حساباتهما… مهما كان الثمن.
نظر رايان إلى فيليكس، وأخذ يوازن خياراته. تقنيًا، لم يعد هناك ما يربطه بروما الجديدة في هذه الحلقة سوى المختبر ستة وستين. القصيرة تريد مغادرة السطح نهائيًا، والكرنفال على الأرجح سيجعل من مصنع المخدر أول أهدافه.
ومع ذلك… لو غرقت المدينة في أتون الحرب، لم يكن بوسعه أن يتركها ببساطة. قد تجد لين نفسها وسط المعمعة، إذا صدق كلمات إنريكي، وعدد كبير ممن يريد حمايتهم في خطر. كان عليه أن يجمع مزيدًا من المعلومات أولًا.
“من الذي يلاحقه؟” سأل الموصّل. “ولمَ لا ينجو في أي احتمال ترينه؟”
ترددت ليفيا، لكنها في النهاية فضّلت حماية فيليكس على كتمان أسرار عائلتها.
“العمة بلوتو…” اعترفت أخيرًا. “هي من ستلاحقه.”
كرويلا. لقد أرسلوا كرويلا.
“لو وصلت إليه، انتهى كل شيء يا رايان. لقد وضعت علامتها عليه بالفعل.” وعلى رايان من قبل أيضًا. “إن اقتربت منه بما يكفي، سيموت حتمًا… بلا أي فرصة للنجاة. عليه أن يغادر المدينة فورًا.”
“كيف تعمل قوة بلوتو بالضبط؟” مجرد ذكر اسمها جعل فيليكس، الصامت حتى اللحظة، ينتفض توترًا.
“هي… تستطيع أن تضع لعنة على الناس، وكلما اقتربت منهم، ازدادوا اقترابًا من الموت. رايان، يجب أن تغادرا الآن. ستبدأ بملاحقتكما في أي لحظة.”
رمق رايان القط الذري بنظرة طويلة، فرأى فيه شيئًا يشبه الاستسلام… رجل محكوم عليه بالإعدام، يسمع نطق الحكم دون أن يبدي مقاومة.
كان واضحًا أنه لا يظن أنه سينجو هذه المرة.
كان بوسع رايان أن يتركه يواجه مصيره وحده. بلوتو واحدة من القلائل القادرين على قتله قَتلة نهائية، وهو كان قد أحرز تقدمًا حقيقيًا في كسر لعنته الشخصية. لين تكاد تفتح باب نقل الوعي، وبوسعهما أن ينتظرا انتهاء هذه الحرب من بعيد. صحيح أن ليفيا ستغضب، لكن إن أحسن التصرف، قد ينجو من أي عقاب.
لكن هذا يعني أن يترك زميلًا له يُساق إلى الموت بدم بارد، فقط من أجل مصلحته الخاصة.
ومهما كانت العواقب… رايان لم يكن ذلك النوع من البشر.
“كنتَ على قائمتي أيضًا،” أخبر الموصل فيليكس أخيرًا، مسترجعًا حديثه مع ليفيا في وقت سابق من هذه الحلقة. “هي من وضعت يدها عليك أولًا، ولهذا لم أذكر اسمك.”
رمش فيليكس بدهشة. “ماذا تقصد؟”
“قائمة الأشخاص الذين أريد حمايتهم.” إذًا لم يبقَ أمامه سوى خيار واحد… “جهز أغراضك أيها القط الصغير، سنذهب إلى موناكو!”
“موناكو؟!” صُدم فيليكس.
“أمزح فقط.” قال رايان، وهو لا يزال ممسكًا بهاتفه. “جهز نفسك… سنغادر الآن.”
“لن أهرب، حتى من بلوتو!” أصر القط الذري الصغير. “لن أختبئ—”
“دعني أخبرك بشيء.” قالها المسافر عبر الزمن، وهو يضع الهاتف جانبًا وينظر مباشرة في عيني فيليكس. “الموت مؤلم. مؤلم، ووحيد، ولا تتخيل مقدار ذلك أبدًا. وليس لك وحدك، بل لكل من أحبك. إذا أردت أن تموت شهيدًا… حسنًا، هذا قرارك. لكن هل تتخيل شعور أخواتك؟ أصدقاؤك؟”
“لكن—”
“تتخيل كيف ستشعر فورتونا إذا عادت بلوتو إليها برأسك؟”
هذه المرة، أسكت سؤال رايان الصريح البطل الصغير تمامًا. فعلى عكس الموصّل، كان لدى فيليكس من سيحزن عليه… من سيتذكره ويشعر بغيابه. ويبدو أنه أدرك ذلك أخيرًا.
“سنغادر الآن.” قال رايان لليفيا، بينما كان فيليكس ينهض من السرير ليبدّل ملابسه. “كم من الوقت لدينا؟”
“سأحاول أن أمنحكما أطول مهلة ممكنة… لكن ليس كثيرًا.” أطلقت تنهيدة طويلة. “شكرًا يا رايان… سأذكر لك هذا الجميل. أقسم أنك لا تساعد شخصًا جاحدًا.”
“لن تذكريه، لكن شكرًا على كل حال.” أنهى رايان المكالمة، ثم بادر إلى الاتصال برقم آخر. “قصيرة؟ قصيرة؟!”
“نعم؟” أجابت بسرعة. لحسن الحظ، كانت قد جهزت قناة تواصل خاصة للطوارئ من هذا النوع. “هل حدث شيء؟”
“نعم، مشكلة كبيرة جدًا. هل يمكنك تحويل مسار إحدى الكُرات الغاطسة لديك، كي ترسل قطًا بحجم إنسان إلى… فرنسا مثلًا؟”
“ماذا… ماذا يجري؟” بدأ القلق يعلو صوتها على الفور. “ريـري، هل يطاردونك؟”
“لا، ليس بعد.” رغم أن رايان كان متأكدًا أنه سيصبح قريبًا على قائمة الموت الخاصة بأوغستس. “الموضوع يتعلق بصديق بحاجة للمساعدة.”
“أستطيع… أستطيع فعل ذلك.”
“حسنًا، سنلتقي خارج المدينة.” فلو تمّت عملية النقل داخل حدود روما الجديدة واكتشف أحدهم أمر الكرة الغاطسة، فقد تتعقب فولكان فيليكس أو تبلغ أوغستس عن مخبأ لين. ورغم أن عبقرية الأسلحة لم تكن شديدة الولاء لرئيسها، إلا أنه لم يكن لديها سبب لمساعدة رايان هذه المرة. “احذري يا قصيرة، ربما تضع فولكان أعينها علينا قريبًا. من خلال التصاميم التي أعطيتك إياها، كم ستستغرقين لصنع الدرع مجددًا؟”
“ريـري، لا يمكننا ذلك… من المبكر جدًا إجراء اختبار… لست متأكدة حتى—”
“لن يكون أمامنا وقت طويل.” قاطعها رايان. “كل هذا القصر الورقي سينهار قريبًا.”
العاصفة التي حذّر إنريكي منها كانت توشك أن تضرب روما الجديدة، وكان رايان يريد من لين أن تتذكره حين تنقشع.
“سـ… سأفعل ما بوسعي،” تمتمت لين. “اعتنِ بنفسك يا ريـري… أنا في الطريق.”
“شكرًا.” قالها رايان وهو يغلق الخط. في تلك اللحظة، كان القط الذري قد استبدل ملابس المستشفى بزيه المعتاد، بل وارتدى قناعه أيضًا.
“لماذا فرنسا؟” سأل فيليكس، وقد لفّ حول صدره حزام سهام.
“هناك كثيرون يدينون لي بجميل هناك، وسأستغله أخيرًا.” كان أول ما خطر ببال رايان أن يرسل فيليكس إلى قاعدة لين، لكنه سرعان ما أدرك أن خطر هجوم أوغستس على الكهف الشيوعي كبير جدًا. لم يكن ليعرّض قصيرة أو الأطفال للخطر. “آمل فقط أن يعجبك كامو[4].”
“من؟” يا له من جاهل عديم الذوق! “سنأخذ سيارتك؟”
السيارة—تبا! وهل كان لابد لكل هذه الفوضى أن تندلع في اليوم الوحيد الذي ترك فيه بليموث فيوري مع لين؟
“لا.” قال رايان، مدركًا أنه مضطر اليوم لتجاوز بعض الخطوط. “سنأخذ سيارة الباندا.”
كان يشعر أن هذا اليوم لن ينتهي على خير…
☆☆☆☆☆
♡غزة غزة رمز العزة♡ ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.
[1] السحرة البيض هم شخصيات خيالية شائعة في ألعاب الفيديو، خاصة في ألعاب تقمص الأدوار، ويتخصصون في السحر الشافي والداعم. يركزون على الشفاء، التحصين، و إزالة الآثار السلبية من الشخصيات بدلاً من الهجوم.
[2] كارل ماركس: فيلسوف واقتصادي ألماني، أحد مؤسسي الفكر الشيوعي، وضع أسس النظرية الماركسية وأثر بشكل كبير على الحركات الاشتراكية حول العالم. نظرية كارل ماركس الأساسية تقوم على مفهوم الصراع الطبقي، حيث يرى أن التاريخ يتطور من خلال صراعات بين الطبقات الاجتماعية، خاصة بين البرجوازية (أصحاب رأس المال) والبروليتاريا (العمال). يؤمن أن الرأسمالية تؤدي إلى استغلال العمال، وأن هذا الاستغلال سيؤدي في النهاية إلى ثورة عمالية تتخلص من النظام الرأسمالي وتؤسس لمجتمع اشتراكي، حيث تكون وسائل الإنتاج ملكية مشتركة وتختفي الفوارق الطبقية.
[3] الكامورا: واحدة من عائلات المافيا الإيطالية الأشهر في الثقافة العالمية.
[4] ألبير كامو، الفيلسوف والروائي الفرنسي الشهير، صاحب روايات مثل الغريب والطاعون، والذي يُعرف بفلسفة العبث والعدمية الوجودية. فرنسا، بطبيعة الحال، مرتبطة بكامو ثقافيًا. [إنه عنصري ويظهر في روايتيه الإحتقار الغير مباشر تجاه العرب. تدور أحداث الروايتين في الجزائر] تحية لإخواننا الجزائريين وجميع المسلمين من المغرب.
