الفصل 57: جزيرة الدكتور تيرانو
لا بد من الاعتراف: ديناميس تُدلّل أبطالها بشكل لا يُصدَّق.
فقد منح إنريكي الموصّل جناحًا فخمًا كاملًا في الطابق الخامس والعشرين من برج أوبتيماتس. صار رايان ينام في غرفة بحجم شقة صغيرة، مزوّدة بتلفاز بلازما ونوافذ بانورامية تطل على المدينة بمنظر لا يُضاهى. الجناح كان مليئًا بجميع وسائل الراحة، وبتصميم أنيق لا تخلو فيه زاوية من سجاد فاخر؛ كل قطعة أثاث وُضعت بعناية لتُشيع أجواء من الرفاهية والاسترخاء المترف. أما الحمّام فكان يضم مسبحًا خاصًا مع جاكوزي، بل وحتى بارًا صغيرًا.
لكن الجناح الفخم لم يكن سوى جزء من الصفقة. كان لدى رايان طاقم خاص في خدمته على مدار الساعة، مستعد لتلبية كل رغباته، من أبسطها إلى أغربها. اختبر الموصّل الحدود بنفسه، واكتشف أن كل شيء تقريبًا متاح له: من المخدرات إلى البغايا—ما دام أي من مبالغاته لا يصل إلى الإعلام، طبعًا. ولتكمل الصورة… كانت الجدران والنوافذ عازلة للصوت بالكامل.
وطبعًا، كان الجناح يعجّ بالكاميرات التي تتجسس عليه، لكنه عطّلها جميعًا خلال أول خمس دقائق من استلامه للمكان.
في صباح الحادي عشر من مايو، أنهى الموصّل ارتداء زيه الجديد، حين سمع جرس الباب يرن. “فليتصل أحد ما بالأمن، الفقراء على الأبواب!” أعلن عبر نظام الإنتركوم، بينما أظهرت الكاميرات أن المنتظرين خلف الباب هما ووردروب والقط الذري. “لا أحتمل رائحة الطبقة المتوسطة!”
“هل يرغب جلالتكم في قطعة كعك على الإفطار؟” كان فيليكس هذه المرة بلا قناعه المعتاد، كاشفًا عن وجهه الحقيقي… وكان وسيماً بحق! بدا وكأنه نسخة أكثر رجولة من شقيقته الجميلة.
“مرحبًا، رايان!” حيّته ووردروب بأدب أكبر بكثير. “هل يمكننا الدخول؟ جدولنا اليوم مزدحم للغاية!”
تواضع رايان قليلًا ليسمح لهذين الضيفين بالدخول إلى عرينه، حتى وإن بدا القط الذري شديد الشبه بأحد ‘الأغنياء الجدد’ لذوقه الأرستقراطي الرفيع. وقد أذهل فخامة الجناح زملاءه على الفور.
“كيف يكون جناحك أكبر من جناحي؟” سألت ووردروب وقد كست الغِيرة ملامحها، وهُم يتجهون إلى الغرفة الرئيسية. كانت أريكة رايان أكبر من معظم أسرّة الملوك، وتواجه سينما منزلية من أحدث طراز. “كنت أظن أن أجنحة البنتهاوس مخصصة فقط للمحترفين!”
“لدي احتياجات خاصة.” رد رايان، محاولًا أن يبدو متصنعًا متعجرفًا قدر الإمكان. “أُصاب بالمرض إن لم أملك ثلاثمئة متر مربع أعيش فيها.”
“وأنا أيضًا لدي واحد كبير.” قال فيليكس، وعقله الشعبي لم ينبهر بكل ذلك الترف. “يبدو أن إنريكي أراد أن يجعلنا نشعر وكأننا في بيتنا.”
ذلك… وليرشوهم أيضًا. رايان نفسه لم يحصل على جناح كهذا في حلقته السابقة مع ديناميس، ربما لأن إنريكي لم يشعر حينها بالحاجة لاستمالته أو تهدئته.
“وماذا قال السيد أخضر اليدين حين سلّمته التسجيل؟”
“قال ‘شكرًا’، ثم صرفنا في الحال.” رد فيليكس ساخرًا.
أمر مخيب للآمال، لكنه ليس مفاجئًا. على الأرجح، بلاك ثورن بحاجة لمزيد من الوقت قبل أن يتحرك ضد البطريرك.
ولسوء الحظ، لم يكن رايان واثقًا من أن الأمور تسير على ما يرام طالما ظل سايشوك طليقًا. من جهة، كان موت سايشوك في حلقة سابقة قد دفع آدم إلى التصرف بجنونٍ تام في محاولته الوصول إلى القمر الصناعي؛ لكن من جهة أخرى، كان سايشوك يوفر ذخيرة بشرية لا تنضب تقريبًا لاقتحام دفاعات المخبأ. ورغم أن رايان ولين حذرا السكان أمثال بولي لمغادرة الحي، لم يكن لدى الموصّل أدنى فكرة إن كان ذلك سيبطئ تقدّم عصابة الميتا فعليًا.
تذكّر رايان أن هجوم فولكان الكارثي على مدينة الصدأ وقع في الثاني عشر من مايو، يومها فجّر سايشوك الجميع باستخدام آلية ميكرون. هذا يعني أن عصابة الميتا، حتى مع وجود سايشوك، لن يتمكنوا من فتح المخبأ واستعمال كامل قوته قبل ذلك التاريخ، وإلا كانوا استخدموا الباهاموت ضد المهاجمين. أما بعد الثاني عشر من مايو، فكل شيء يصبح مجهول المصير تمامًا في هذه الحلقة.
وكل هذا… دون أن نأخذ ليفيا في الحسبان.
“مع ذلك، رأيتُ وايفرن تدخل مكتبه مباشرة بعدنا.” أضاف القط الذري. “وكانت تبدو سعيدة للغاية. لا أدري ما السبب.”
“لو كنتَ تريد معرفة كل أسرار الأبطال، فقد وجدت الشخص المناسب!” قالت ووردروب بابتسامة عريضة. “هل تعلم أن بلاك ثورن ووايفرن بينهما علاقة متقطعة؟”
“مستحيل!” قال رايان بدهشة مصطنعة. “وماذا عن فولكان إذًا؟!”
“كنت أظن أيضًا أن بينهما علاقة حب وكراهية مشتعلة، لكن لا! ديفيلري تفضّل الفتيات في الواقع، غير أن وايفرن اعتذرت منها بأدب حين حاولت مغازلتها.” ثم حدّقت مصممة الأزياء في الفتيين بعينيها الواسعتين الجميلتين. “وأنتما…؟”
“أنا مستقيم.” قال فيليكس بسرعة، “ولا أبحث عن علاقة.”
“أنا مرن.” قال رايان بصوت دافئ مغوٍ، “ومتاح أيضًا.”
“ظننت أنك تواعد أندر دايفر؟” سألت ووردروب وقد بدت فضولية، بل وفيها شيء من الخيبة. “التوتر العاطفي بينكما واضح للعيان.”
“الأمر…” صرف الموصّل نظره بعيدًا. “معقد. أبحث عن شيء جديد.”
في الحقيقة، عندما استيقظ رايان هذا الصباح، راود ذهنه المُثقل بالنعاس سؤال عابر: لماذا لم تكن ياسمين بجواره في السرير؟
ثم تذكّر، وعاد إليه ألم الفقد من جديد وكأنه يعيشه للمرة الأولى.
كان رايان يعلم أنه لم يكن عليه أن يتعلق بامرأة، أو أن يخفض حذره، لكن الأوان قد فات. لم يرغب في أن ينسى ياسمين، خاصة بعدما جعلته يعدها ألّا يفعل، لكن الموصّل لم يعرف سوى طريقة واحدة لتخدير ألمه: أن يملأ الفراغ الهائل في داخله بالملهيات. أن يواصل الجري بلا توقف، أفضل بكثير من أن يجلس وحيدًا مع ندمه.
“هل هو ذلك النوع من علاقة باتمان وكاتوومان، حيث يتواجه الطرفان على جانبي القانون، ويتمنيان أن يكونا معًا، لكن العالم كله يتآمر لإبقائهما متباعدَين؟ يمكننا أن نبني على ذلك، كما تعلم!”
“هيه، أيها القط الصغير!” غيّر رايان الموضوع فجأة وسأل قطه المفضل الثاني: “هناك أمر يحيرني منذ مدة. هل سبق وسألك أحد عن سر مناعة مؤخرة البرق؟”
“لن تستطيع التهرب مني للأبد يا رايان.” قالت ووردروب بعناد، مصممة على معرفة كل شيء عن حياته العاطفية.
قهقه فيليكس عند سماعه لقب زيوس المافيا، لكن ذلك بدا وكأنه أفسد مزاجه. “إنريكي سبقك إلى هذا السؤال. لا أحد يعرف، وقد قتل كل من كان يمكن أن يشكل خطرًا عليه.”
“هل لديك قائمة بأسمائهم؟” سأل رايان. فبفضل المعلومات التي جمعها من حلقاته السابقة، ربما يتمكن أخيرًا من اكتشاف سر مناعة زيوس المافيا الحقيقي. كان يريد السلام مع ليفيا، لكن إحساسه كان يقول له إنه سيضطر لمواجهة مؤخرة البرق يومًا ما إذا أراد تحقيق نهايته المثالية.
رد فيليكس: “أعرف بعض الأسماء، لكن الشخص الوحيد الذي يملك القائمة الكاملة هو ميركوري، مسؤول الاستخبارات في المنظمة.”
“ظننت أن الجمجمة المتكلمة تلك تدير صالات القمار وغسيل الأموال؟” سأل رايان. “وبالمناسبة، لماذا لا يزالون يغسلون الأموال أصلًا، مع أنه لم تعد هناك ضرائب يدفعونها؟”
“لأن قسم ميركوري يعمل مثل غواصة.” أجاب القط الذري.
“يعني يتنفس تحت الماء أفضل من الحشرات؟”
“هذا ليس مضحكًا يا رايان.” قالت ووردروب وهي تجلس على الأريكة، لكنها كابرت كي لا تبتسم من مزحته السوداء للغاية.
وكما اتضح لاحقًا، كانت فقاعات القصيرة مجرد تقنية تجريبية، وليست موثوقة تمامًا. ففقاعة الماء التي سجنت فيها البعوضي تعطّلت في النهاية—ربما بسبب تركيبته البيولوجية الغريبة—وأدّت إلى تلف دماغه نتيجة نقص الأكسجين.
لكن، ماذا كان رايان يتوقع أصلًا؟ الشيوعيون لا يُحسنون صناعة المنتجات أبدًا.
“لا أدري، لم أحاول إغراقه من قبل.” تأمل فيليكس للحظة. “أوغستس يستعمل الأموال المُبيَّضة لاختراق المجتمعات الأوروبية التي تعارضه. أما ميركوري، فيحوّل الأموال القذرة إلى شركات ‘شرعية’، لتستحوذ بعد ذلك على مؤسسات وشركات ومزارع… سمعت حتى أنه نجح في التسلل إلى بعض المتعاقدين مع ديناميس. لا تخدع نفسك؛ كل فرع من فروع تلك المنظمة يشارك في عملية سيطرة إجرامية. كلهم، دون استثناء.”
عقد القط الذري ذراعيه بينما شغّلت ووردروب التلفاز وتفقدت الأخبار. “وكما أخبرتُ إنريكي سابقًا، أظن أن هناك أمرًا مريبًا بشأن أوغستس.”
“تعني إلى جانب نرجسيته السيكوباتية؟” علّق رايان، مع أنه كان يشاركه نفس الإحساس.
“صار خاملا بشكل غريب في السنوات الأخيرة. في السابق، كان يطارد بعض أعدائه بنفسه ليذكّر الجميع أنه مختل خطير لا يُستهان به، أما الآن فيدع الأمر لبلوتو ولم يغادر فيلته منذ سنوات. أبي قال لي إنه أحيانًا ينسى وجود العالم كله لدقائق، ودائمًا ما يُحيط نفسه بهالة كهربائية عندما يظهر في العلن. وعندما سألت ليفيا عن السبب، لم تجبني.”
“هل هو مريض؟” سألت ووردروب وهي تعقد حاجبيها.
“لا أدري، من المفترض أنه منيَع.” رد فيليكس بهزة كتف. “ربما مجرد تقدّم في السن أو اكتئاب.”
لم يكن رايان يظن ذلك. فقد أزعج الموصّلُ مؤخرةَ البرق على مدى أربع سنوات كاملة بتوقيفاته الزمنية، ومع ذلك لم يستطع إجباره على مغادرة منزله إلا قصف ليزري من الفضاء! لقد لاحظ رايان العلامات منذ زمن: الوجه المريض الكئيب الذي يخفيه زيوس المافيا خلف هالته البرّاقة، ونظرات القلق في عيون أفراد عائلته من حوله…
كان هناك خطب ما في عرّاب روما الجديدة.
“انظروا!” قطعت ووردروب حديثهم، وأشارت بإصبعها نحو شاشة التلفاز. “إنهم يتحدثون عنّا!”
رمق رايان شاشة البلازما بنظرة سريعة، بينما كانت نشرة الأخبار تعرض ملخصًا لأحداث الأمس. ظهر في الفيديو الرئيسي الباندا وهو يتباهى باقتياد السايكو إلى الحجز، فيما كانت ووردروب تجيب عن أسئلة الصحفيين بينما تجاهلهم القط الذري تمامًا، وظهر إنريكي يهنئ الجميع على جعل روما الجديدة مكانًا أكثر أمانًا. كما تمكن أحدهم من العثور على صورة قديمة لرايان بزيّه السابق، لتنتشر بعدها نظريات لا تُعد ولا تُحصى حوله في دينانِيت.
حقًا، كانت العناوين الإخبارية تقول كل شيء: “الحديقة الحيوانية: أبناء إل ميليوري الذهبيون الجدد!” “فريق الأبطال الجديد يوجه ضربة قاصمة للسايكو في كل مكان!” “من هو كويك سيف؟”
“الحديقة الحيوانية؟ جادّون؟” قال القط الذري متنهّدًا بحسرة. “كان يجب أن أختار اسم ‘المحطم الذرّي’ بدلًا من هذا.”
“فيليكس، حتى قسم التسويق ما كان ليسمح لك باسم سخيف كهذا.” قالت ووردروب مبتسمة. “سمعت شائعات أنهم يريدون تقديمنا كفريق شاب عصري. أنا سأكون القائدة بحكم خبرتي كبطلة محترفة، وأنتم ستكونون تلاميذي الصغار.”
“يوكي، لا!” احتج رايان مذعورًا. “أتعرفين ما الذي يحدث للشخصيات المرشدة في قصص الأبطال؟ لا تصبحي أوبـي وان[1] خاصتي، أرجوكِ!”
“أعلم أن الفكرة تبدو سيئة، لكن فكّروا في المدى البعيد!” أصرّت ووردروب بحماس. “أستطيع أن أعتزل في عرض مسرحي وأنا أرتدي زي ميرلين، ثم تلهمكم وفاتي لتصبحوا أبطالًا حقيقيين! وبعدها… أعود في جولة مفاجئة وأنا متنكرة!”
من الواضح أن فيليكس لم يفهم مؤامرتها الشريرة، لكن رايان وجد أن الأمر منطقي تمامًا. “على أي حال،” قال القط الذري. “حان وقت الذهاب. علينا الذهاب إلى مقر ديناميس المجاور، لمقابلة الدكتور تيرانو.”
“خبير الإكسير؟” سأل رايان وقد بدا عليه الفضول فجأة.
“نعم، يريد دراسة قدراتنا.” هز فيليكس كتفيه مجددًا بلا اهتمام. “الباندا هناك بالفعل يخضع لفحص شامل.”
“وبعد ذلك، سنذهب إلى استديوهات ستار!” قالت ووردروب بابتسامة مشرقة. “سنظهر في المشهد الختامي من فيلم ‘رحلة وايفرن الجزء الثاني’!”
“قبل أن نذهب…” نظر رايان إلى ووردروب. “يوكي، لدي شيء من أجلك.”
“أوه، هدية؟” ابتسمت له بحماس. “أعشق الهدايا! لا أكتفي منها أبدًا! أي نوع من الهدايا هذه المرة؟”
“دعيني أخبرك أولًا بقصتها…” قال رايان بنبرة مسرحية. “كنت على وشك الذهاب للنوم، ولا أرتدي سوى سروالي الداخلي، حين اجتاحتني موجة إلهام مفاجئة. استبدت بي روح مبدعة جامحة، وأجبرتني على ارتداء قبعة الباولر.”
“كان عليك أن تحتفظ بالوشاح،” قاطعته ووردروب بقلق واضح على سلامته العقلية. “لقد حذرتك. حذرتك مرارًا!”
“نعم، لكن لا بأس! لأن إلهامي دفعني لسداد الدين الذي أَدِينُ لكِ به. أنتِ، من صمّمتِ هذا الزي المثالي! كان لا بد أن أرد الجميل!” توجه رايان إلى غرفة نومه، ثم عاد حاملاً هديته. “وسائل الإعلام تسمي فريقنا ‘الحديقة الحيوانية’ لأننا جميعًا لدينا طابع حيواني: تيمي باندا، فيليكس قط، وأنا لدي دمية أرنب. وفكرت، حتى وإن كان باستطاعتك التحول إلى تميمة حيوانية، فلا بد أن أصنع لكِ شيء خاص بك. وتذكرت أن لديكِ بعض المجلات الفاضحة في مكتبك، وفجأة خطرت لي الفكرة!”
قدم رايان أحدث ابتكاراته لها: زي منزلي الصنع صممه خصيصًا لمصممة الأزياء المفضلة لديه.
تحفته الرائعة، المستوحاة من دميته الأرنبية، كانت تتألف من طوق رأس عليه أذنا أرنب بنيتان، وقلادة حمراء تعلوها شريطة صفراء، ولباس ضيق أسود مخملي. وأكمل الطقم جوارب سوداء طويلة، وحذاء بكعب عالٍ، وأساور ذهبية.
باختصار، كان ذلك زي الأرنب الشهير من مجلة بلاي بوي.
ظل فيليكس يرمش بعينيه عدة مرات، ثم التفت إلى يوكيكو بقلق ظاهر. ذلك الشعبي الساذج اعتقد، على الأرجح، أن البطلة الأنيقة ستغضب من هذا الزي الجريء الفاضح، الذي لا يترك الكثير لخيال الناظرين.
“زي جريئ!” صرخت ووردروب بفرح طفولي. “كيف عرفتُ أنه ليس لدي واحد؟”
لكنها، في نهاية المطاف، امرأة ذات ذوق رفيع وثقافة واسعة.
“انتظري، يوكي، هل أعجبك ذلك فعلاً؟” سألها فيليكس مذهولاً، وهو يراقبها تتمعّن في الزي بوجه يغمره السرور.
“أعشق الأزياء الجريئة!” ردت مبتسمة. “فقط… لا تتاح لي فرصة ارتدائها أبداً.”
“بالطبع لا تتاح، فالأمر غير محتشم!”
“لكن… إنه مصنوع من المخمل!” همست يوكي، وأصابعها تمرّ فوق أذني الأرنب وقد اتسعت عيناها بدهشة غامرة. “والأذنان… هذا فرو حقيقي! منك؟ منك.”
“أحتفظ دومًا بفراء المنك في صندوق سيارتي.” قال رايان بفخر. “فأنت لا تدري متى قد تواجه حالة طارئة في عالم الأزياء.”
نظر إليه القط الذري باستغراب. “لا يزال هناك مناك برية في إيطاليا؟”
“كان هناك…” أطلق رايان صفيراً مشؤوماً، قبل أن يركز اهتمامه مجددًا على صديقته المفضلة الجديدة. “كنت أفكر في تصميم زي من دراغون بول، لكن تذكرت أنكِ لن تستطيعي ارتداء أي شيء عليه حقوق ملكية فكرية.”
هل ما زالت حقوق الملكية الفكرية سارية إذا لم يعد البلد الأصلي للشركة موجودًا أصلًا؟ قوة يوكي لا منطق فيها أبدًا.
“رايان، أنت ظريف حقًا وأعشق ذلك!” قالت ووردروب، قبل أن تمسك بالزي وتضمه إليها. “سأضعه في غرفتي وأجربه الليلة.”
“مستحيل ديناميس يسمح لكِ بارتداء زي كهذا في العلن.” علّق فيليكس بواقعية.
“وايفرن ترتدي ليوتارد عادي دون مشكلة!” ردت المصممة.
“نعم، لكنه ليس زي أرنب بلاي بوي. ثم ألم تشتكي من قبل أن ديناميس يسوّقونك كبطلة صديقة للأطفال؟”
انطفأت حماسة ووردروب في الحال. “آه، صحيح… نسيت هذا تمامًا. سيتعارض مع صورة علامتي الحالية.”
“انتظري، انتظري، أظنني وجدتُ طريقة لتسويق هذا الزي!” قال رايان وقد باغته الإلهام. لم يكن ليخذل صديقته المفضلة الجديدة بهذا الشكل. “يوكي، أنتِ الآن تنتقلين من دوري المبتدئين إلى دوري المحترفين. تتركين وراءك براءة الطفولة، لتواجهي واقع الجريمة القاتم والصارم.”
“مرحلة العصر المظلم…” تمتمت ووردروب لنفسها. “ثم حين أصبح كئيبة ومثيرة للجدل أكثر من اللازم، أخرج من الظلام بإطلالة راقية وأنيقة! كبدلة ضيّقة مع رداء طويل!”
لخّص رايان استراتيجيتها التسويقية في جملة واحدة: “انتقال سلس من تميمة أطفال إلى أيقونة للكبار.”
“تعرف، لا أظن أنني مرتاحة تمامًا لارتداء هذا علنًا بعد، لكنني بالتأكيد سأرتديه في المنزل!” قبّلت ووردروب رايان على وجنته. “شكرًا لك. لم يكن عليك أن تتكلف عناء ذلك.”
“ووردروب، هناك أشياء جميلة في هذا العالم… وأنتِ واحدة منها.” اعترف رايان، محاولًا كبح دموعه. “كنت أشعر بوحدة قاتلة قبل أن ألتقي بك. آخر حصن للذوق في عالمٍ فقد عقله.”
“وأنا أيضًا شعرت بذلك.” أجابت، والدموع تلمع في عينيها. “عندما انضممت… عندما انضممت، طلبوا مني أن أرتدي أليافًا صناعية. ألياف صناعية! لا احترام! لا احترام على الإطلاق!”
“لا عليكِ، يوكي، لا عليكِ.” قال رايان وهو يحتضن ووردروب، سامحًا لرأسها أن تستقر على كتفه. “ابكي على بدلتي الكشمير. هل تشعرين بالنعومة؟ هل تشعرين بتحسن؟”
راقب القط الذري المشهد دون أن ينبس بكلمة، وجهه خالٍ من التعابير وعيناه نصف مغمضتين في شك. شعر رايان أنه يتعرض لهجومٍ صامت. “مهلًا أيها القط الصغير، توقف عن إصدار الأحكام علينا!”
“رجاءً، لا تتكاثرا.” قال فيليكس ببرود قاتل. “روما الجديدة لن تحتمل وجود ثلاثة من أمثالكما.”
□■□■□
في الحلقة السابقة، قضى رايان وقتًا طويلًا يتحدث مع فولكان عن المختبر ستة وستين، منشأ الإكسير المقلّد. كانت تكنّ كراهية خاصة للعبقري المسؤول عن العملية، المدعو دكتور تيرانو؛ لذا حين علم الموصّل أنهم سيزورونه، كان يأمل أن يحظى بجولة مجانية في مختبر الأسرار ذاك.
لكن تبيّن أن ديناميس خصصت لرئيسها العلمي طابقين كاملين لتجاربه، وأن موعد الفريق كان في المختبر خمسة وستين.
حتى هناك، كانت الإجراءات الأمنية صارمة للغاية. الكاميرات الآلية تراقب كل شبر من مقر ديناميس، من ردهة الدخول حتى موقف السيارات. يحتاج كل شخص إلى بطاقة دخول خاصة بكل طابق، فلا يمكن لأي لص أن يصل إلى كل شيء حتى لو سرق جميع البطاقات المطلوبة. وكان الحراس المدرّعون يقفون أمام أبواب المصاعد، فيما تحلق الطائرات المسيّرة في الممرات، يعاونها نظاما الأشعة تحت الحمراء وكشف الحركة.
حتى رايان نفسه كان سيجد صعوبة بالغة في التسلل دون أن يُكتشف، وغالبًا سيحتاج الأمر أكثر من حلقة واحدة لينجح. أما الهجوم العلني أو الانتحاري فسيكون أسهل بكثير.
حين اجتازوا الأبواب الفولاذية المؤدية إلى المختبر خمسة وستين، كان المسافر عبر الزمن يتوقع أن يدخل إلى عرين عالم مجنون، تغمره الإضاءة الخافتة والجو الغامض. لكن خاب ظنه قليلاً؛ فالمختبر، رغم احتوائه على العناصر الكلاسيكية من خزانات زجاجية ممتلئة بسوائل تضم ما بدا كأجنة ديناصورات وطاولات عمليات، كان مضاءً جيدًا ونظيفًا للغاية.
ومع ذلك… كان المشهد الذي استقبلهم كفيلًا بالتعويض عن كل ما افتقده المكان من رهبة أو طابع غرائبي.
“سيفو، أنقذني!” صرخ الباندا العاري وهو يتراجع إلى ركن المختبر، واضعًا طاولة عمليات بينه وبين مخلوق ديناصوري شبيه بالبشر. كان هناك كلب متوحش ضخم، له قرنان وبدل الفراء قشور، ينبح بشراسة وهو يراقب المشهد. “يريد أن يشقني نصفين!”
“كل ما أحتاجه هو رئة واحدة فقط!” قال الهجين الديناصوري البشري، الذي ذكّر رايان بتيرانوصور يبلغ طوله مترين، لكن بذراعين بحجم ذراعي الإنسان، وجلد أسود متقشر، وعينين قرمزيتين. كان ذلك الطافر الغريب يرتدي معطفًا مخبريًا أبيض ونظارات صغيرة صُممت خصيصًا لتناسب شكل رأسه، لكن الأهم من كل ذلك، أنه كان يحمل مشرطًا وحقنة في كل يد. “توقف عن المقاومة، وإلا سأضطر لاستخدام المخدر.”
“لن تشرح الباندا وهو حي!” أوقف رايان الزمن فورًا، ونزع أسلحة الديناصور، ثم ألقى بها بعيدًا عن متناول يده. “إنه الأخير من نوعه!”
“أجل، ابتعد يا دكتور!” حذره فيليكس، رافعًا يديه كأنه مستعد لاستخدام قوته حتى داخل المختبر.
“أوه، مرحبًا سيد تيرانو!” لوّحت ووردروب للديناصور بيدها، وهي تبتسم بابتسامة طفولية مشرقة.
“أوه، أهلًا يوكي!” رد العالِم بصوته الزاحف العميق، متوقفًا عن مضايقة الباندا ليحدق في رايان. “أنت… من خلال قوتك، أفترض أنك تشيزاري سابينو؟”
تجمد رايان في مكانه، وقد اختفت خفة دمه وحل محلها جمود بارد. “كيف عرفت ذلك؟”
“سابينو؟” سأل فيليكس بعبوس. “أليس هذا اسم عائلة أندر دايفر؟”
شهقت ووردروب بدهشة: “مستحيل، أنت—”
“لسنا أقارب بالدم!” قاطعها رايان بسرعة، رافعًا إصبعه في وجه صديقته. “لا تجرؤي على كتابة قصص معجبين عنّا!”
“ماذا، حقًا؟ أنت مُتَبَنّى؟” لم يُخفِ الدكتور تيرانو خيبة أمله. “يا للأسف، كنت سأحب كثيرًا مقارنة عينات من أقارب جينوم مختلفين. إنها فرصة نادرة.”
“لحظة، هل أخذت عينة من حمض لين النووي؟” سأل رايان، وهو يحدق في العبقري بنظرة متشككة.
أجابه فيليكس مذكرًا: “الأمن الخاص يأخذ عينات الحمض النووي من كل من يقع في قبضتهم.”
هزّ الدكتور تيرانو كتفيه بلا مبالاة: “لا يهم، سأحتاج إلى عينة منك على أي حال.”
“لا أنصحك بذلك.” رد رايان وقد بدا عليه الضيق من هذا الرجل المتقشر. صحيح أنه يحب أن يكون محط الأنظار، لكن ليس حين يتعلق الأمر بأن يُشرح على طاولة العمليات—وقد حدث له ذلك مرات أكثر مما يحتمل! “أنا مخدر إدمانه لا يُقاوَم، لن تستطيع الاكتفاء مني أبدًا.”
“هل تملك قوة خضراء بالإضافة إلى البنفسجية؟” سأل الدكتور تيرانو، وقد فاتته النكتة تمامًا. من الواضح أن حس الفكاهة ميزة خاصة بالثدييات فقط. “إذًا، سأحتاج إلى عينة من دمك أو شعرك، وإن كان المني يصلح أيضًا. بعض الناس يفضلون القذف على الاستخلاص المباشر.”
“ماذا، كويك سيف، ألم يُجروا لك اختبار حمض نووي حين انضممتَ للفريق؟” سألت ووردروب.
“لا، هذا مخالف لمعتقدي.”
“عليك أن تعيد النظر في ذلك.” أصر الدكتور تيرانو، فيما قفز كلبه الزاحف الغريب إلى حضنه. “الجينومات البنفسجية هي ثاني أندر القوى المتداولة بعد الجينومات البيضاء! فكّر في مصلحة العلم!”
“أبدًا، مستحيل.” أجاب رايان بلا تردد، بينما تنفس الباندا الصعداء بعدما فقد اهتمام العالم المجنون به. ربت الموصّل على كتف مساعده، قبل أن يتفحّص ذلك الكائن العجيب عند الرجل الديناصور. “وما هذا؟”
“هذا ترايسيرادور، أحد ابتكاراتي.” أجاب الدكتور تيرانو، وهو يداعب المسخ الخارق للطبيعة خلف قرونه. “نصف لابرادور، نصف ترايسيراتوبس.”
“يعني هو خلد الماء في عالم الديناصورات؟” سأل رايان، وقد لان مزاجه قليلًا وهو يداعب بطن الحيوان العجيب. أطلق الكائن صوتًا زاحفًا، لكنه هز ذيله مثل أي كلب أليف. “هل تستطيع أن تصنع قطة ديناصور؟”
“حاولت دمج قطة فارسية مع فيلوسيرابتور، لكن الناتج مات للأسف.” أجاب العالم المجنون بأسف صادق. “لكنني، الدكتور تيرانو، أقسم أن يصبح في كل بيت ديناصور يومًا ما! كنت سأحقق ذلك لولا أن الإدارة تزعجني باستمرار بشأن سفاري اصطياد التي-ريكس!”
“ماذا؟ يريدون إنشاء محمية لاصطياد الديناصورات للأثرياء، مثلما يصطادون الأسود؟” سأل فيليكس بدهشة.
“أليس ذلك سخيفًا؟” قال الرجل نفسه الذي كان قبل دقيقة يحاول شق باندا نصفين!
“للحظة… نسيت أننا نعيش في عالم يمكن شراء كل شيء فيه.”
على أي حال، سامح رايان الطبيب على انطباعه الأول الكارثي على الفور. فمن يرغب في تحويل الديناصورات إلى حيوانات أليفة لا يمكن أن يكون شخصًا سيئًا، مهما قالت ياسمين عنه.
“فيليكس، لا تلُم الدكتور تيرانو، إنه عبقري يساء فهمه فحسب!” أعلنت ووردروب وهي تضع يديها على خصرها بثقة. “هو من صنع لي زيّ البطولة الخاص بي.”
“متعايش تقني عضوي قادر على تقليد أشكال الأزياء المسجّلة مسبقًا.” شرح الدكتور تيرانو، وقد بدا عليه الشرود، بينما كان كلبه ترايسيرادور يفرّ من قبضته ويتجول في أنحاء المختبر. “على أي حال، بما أنكم جدد، أود اختبار قواكم في بيئة مضبوطة، لرصد أي تفاعلات محتملة، وتسجيل قراءات الطاقة وما إلى ذلك…”
“بتشريح أحد زملائنا؟” تساءل فيليكس ساخرًا، بينما كان الباندا يتقوقع في مكانه خوفًا.
“إنه يتجدّد بالكامل في كل مرة يتحول فيها من هيئة لأخرى!” صرخ الدكتور تيرانو تقريبًا بحماس علمي. “حتى وايفرن تحتاج لبعض الوقت لتلتئم جراحها طبيعيًا، أما هذا الدب المتحوّل فلا! بفضل قدرته، يمكننا الحصول على مصدر لا نهائي ومتجدد من الأعضاء!”
“الباندا… الباندا اختطفه أحد أمثال هذا من قبل.” بدا أن الحيوان المسكين يعيش من جديد نوبة هلعٍ سببها صدمة نفسية قديمة. “ظنوا أنهم يستطيعون صنع منشط جنسي من دمه. الباندا… الباندا اضطر للهروب.”
“الآن، عليّ أن أكتشف مصدر المادة العضوية الإضافية أثناء التحول.” قال الدكتور تيرانو، غافلًا تمامًا عن قسوته تجاه الحيوانات.
كان رايان بحاجة لتشتيت انتباه الدكتور قبل أن يؤذي مساعده. “حسنًا، ليس هناك الكثير لتختبره،” كذب على العالم. “أستطيع إيقاف الزمن، وتلميذي الباندا يستطيع تغيير شكله، وقطّي قادر على تفجير الحصى.”
ضحكت ووردروب: “تستطيع إيقاف الزمن ولا ترى في ذلك ما يثير الاهتمام؟”
“أما بخصوص الحصى، فقد اكتشفت بعد معركتنا الأخيرة أنني أستطيع تعديل شدة الانفجار.” بحلول هذه اللحظة، صار فيليكس يتجاهل كل نكات رايان عن القطط، مما أحبط الموصّل بشدة. “يمكنني شحن الأشياء، وتأخير الانفجار لثوانٍ، ثم رميها لاحقًا.”
هزّ الدكتور تيرانو رأسه عدة مرات أثناء استماعه للتفسيرات، وكأن ما يسمعه يؤكد استنتاجاته الخاصة. “كما توقعت، أنت على الأرجح تشحن المادة الصلبة بنوع فريد من الطاقة، مما يؤدي إلى انفجارها لاحقًا.”
“تدفق أحمر؟”
ارتجف رايان عندما استدار رأس الدكتور فجأة نحوه بسرعة كادت تخدع حتى إحساسه الزمني المعزَّز. “كيف عرفت بذلك؟”
“حسنًا، لقد كنت أدرس القوى مع حبيبتي العبقرية السابقة.” قال المسافر عبر الزمن. “توصلنا تقريبًا إلى أن قوى الجينوم مصدرها أبعاد بديلة، لكل لون إكسير بُعد خاص.”
“مثير للاهتمام.” اضطر الموصّل أن يتراجع خطوة إلى الوراء حين بدأ الدكتور تيرانو يقتحم مساحته الشخصية بحماس. “توصلتُ لنفس النتيجة، لكن أن يؤكد لي ذلك باحث من خارج الفريق…”
تبا… الآن صار رايان يشم أنفاس الديناصور الدافئة الزاحفة، بينما بدا القط الذري مستمتعًا بانزعاج رفيقه. “ليس الأمر مضحكًا عندما تصبح الضحية بدلًا من الجلاد، أليس كذلك؟” سخر القط الذري الصغير من المسافر عبر الزمن.
لكن الدكتور تيرانو تجاهل المزاح تمامًا، وركز على رايان: “إذًا، أنت تقترح أن أعضاء الدب المتحول الإضافية مصدرها بُعد أخضر فضائي مكوّن من مادة عضوية؟” حدّق في رايان بشغف علمي لا يخبو. “سيسعدني كثيرًا أن أفتح دماغك وأقارن ملاحظاتي!”
“في الواقع لدي سؤال بنفسي.” قال رايان، مشيرًا بإصبعه إلى ذيل الرجل الديناصور. “ألسـتَ أزرقَا، ليس أخضرا؟”
“أنا عبقري مختص في الاستنساخ، والهندسة الوراثية، والعلاج الجيني. مظهري الحالي نتيجة مصل تحوّل تجريبي، مؤقت بالكامل.”
تردد فيليكس قليلًا، وكأنه يخشى طرح سؤاله: “لكن… لماذا يا دكتور؟ ما الفكرة من كل هذا؟”
“لأنني أردت أن أتحول إلى ديناصور.” أجاب العبقري وكأنها أمنية طبيعية تمامًا في هذا العالم.
“يا إلهي… أنت فيري[2] فعلاً.” أدرك رايان بدهشة مصحوبة بالتهكم.
“أظن أننا لن نصبح أصدقاء أبدًا.”
“تحتاج إلى الفراء كي تصبح فيري.” أشارت ووردروب بجدية ساخرة.
“الاسم واضح!”
“ما هو الفِيري؟” سأل الباندا ببراءة مطلقة.
نظر إليه رايان بنظرة تعاطف خالص وامتنان داخلي لهذا القدر النادر من البراءة. كيف نجا في هذا العالم المتوحش حتى الآن؟ “براءتك يجب أن تظل محمية يا تلميذي الصغير.”
“ليس أنا من يحكم عليك بناءً على مظهرك!” احتج الدكتور تيرانو.
“لكن… الآن صار كل شيء واضحًا.” قال رايان. “كنت دائمًا أتساءل كيف تنجح في صناعة المقلدات أصلًا، لكن قوتك يجب أن تمنحك أفضلية.”
“لم أستطع صنع الإكسير الحقيقي.” اعترف العبقري الديناصوري.
“ما فعلته كان مجرد تركيب مورد معيّن يحاكي خواص الإكسير الأصلي. إنه تقليد رديء وغير مكتمل. استغرقني الأمر سنوات لصنع مصل هِرقل اعتمادًا على وايفرن، وحتى حينها لم أستطع سوى تقليد جزء من قدرتها، وهو القوة الخارقة.”
“ولم تستطع قط أن تنسخ قوتي.” تأملت ووردروب بابتسامة.
تمتم العالِم في تذمّر وهو يعيد لرايان مساحته الشخصية، وراح يدور في الغرفة ويداه معقودتان خلف ظهره. “لأن إكسيرك، باستثناء تعزيزات الصحة الجينومية المعتادة، لم يُحدِث تغييرات كبيرة في شيفرتك الوراثية. الآليات التي تمكّنك من تسخير قدرات متعددة تتجاوز حدود الجسد المادي.”
“أظن أن الإكسير يعمل أساسًا كوسيط بين الجينوم والبُعد الذي يمنحه قواه الغامضة.” قال رايان. “كما أنه يدعم مضيفه من خلال توجيهه بشكل غير مباشر لاستخدام قدراته؛ أو في حالة السايكو، يدفعهم لاستهلاك المزيد من الإكسير.”
سعل فيليكس ليقطع النقاش: “عفوًا… مضيفون؟ توجيه؟ أنتم تتحدثون وكأن الإكسير كائن حي وذكي!”
“نعم، هذا صحيح.” رد رايان، وسط صدمة رفاقه. “نوعًا ما. أقرب إلى الفيروسات.”
“باستثناء أنهم لا يستخدمون الـRNA أو الـDNA لنقل المعلومات[3].” أضاف الدكتور تيرانو. “مع ذلك، هم يعبثون بشيفرتنا الوراثية.”
“عذرًا…” قالت ووردروب بابتسامة متكلفة، “لقد بدأت أفقد خيط الحديث معكم.”
“الإكسير أشبه بكائنات فضائية لا تعمل وفق قواعد الحياة على الأرض،” شرح رايان قدر استطاعته. “نحن لا نفهم كيف يحمل الإكسير المعلومات، لكنه يفهم تمامًا كيف تتعامل أجسادنا معها ويتحكم بذلك. إلى درجة أنه يركّز فقط على تعديل البشر ويتجاهل الحيوانات تمامًا.”
“بالضبط!” هتف الدكتور تيرانو، وقد بدا عليه الحماس أخيرًا للعثور على من يشاركه تبادل الأفكار. “بعد استخدام إكسير الخيميائي، يرتبط بخلايا الإنسان على المستوى الجزيئي، ويعيد كتابة الحمض النووي ليحوّل المضيف إلى وعاء لقوة فريدة من نوعها. ولا توجد قوتان متطابقتان تمامًا، رغم وجود بعض المتغيرات، ما يوحي بأن الإكسير يختار القدرة من قاعدة بيانات جماعية، ويجعلها غير متاحة لمضيفين جدد.”
أجل، كان رايان قد توصّل إلى النتيجة نفسها بعد تجارب مطوّلة أجراها في حلقاته الزمنية السابقة. حتى عندما كان يقسم جرعة الإكسير ويوزّعها على مجموعة كاملة، كان الإكسير يرتبط دائمًا بشخص واحد فقط.
ومع ذلك، لم يستطع رايان يومًا أن يمنح أحدهم إكسيرين معًا في الوقت نفسه، حتى في أكثر الحلقات بحثًا وتجريبًا. لم يكن أحد يستحق أن يتحول إلى نسخة جديدة من بلَدستريم.
“للأسف، إذا حصلت على أكثر من إكسير—حتى لو كانا من نفس اللون—تبدأ المشاكل بالظهور.” واصل رايان الشرح، بينما بدا أن رفاقه يجهدون لمتابعة الحديث. “الإكسيران يتداخلان في تعديل الجينات ذاتها. تخيّلوها مثل كاتبين يتنازعان على نص واحد؛ كل منهما يغيّر ما كتبه الآخر حتى تصبح الجمل بلا معنى. ولا يمكنك امتلاك أكثر من قوتين في أقصى الأحوال.”
“ثم، يبدأ الإكسيران الأصليان في خلايا المضيف بافتراس الإكسير الجديد،” أضاف الدكتور تيرانو، منسجمًا مع رايان في الشرح. “أي جرعة إكسير جديدة تُحقن تُستَخدم بدايةً لمحاولة تثبيت الشيفرة الجينية غير المستقرة، لكن هذا لا يدوم طويلًا؛ إذ تعود القوى لتتصارع مجددًا. السايكو يدركون ذلك بغريزتهم، فالإكسير في أجسادهم يدفعهم إلى جمع المزيد، في محاولة يائسة لتحقيق التوازن… لكنها محاولة محكوم عليها بالفشل.”
“ماذا عن مونغريل؟” سأل فيليكس. “حين قاتلته كان يقدر يستخدم أكثر من قوتين.”
“آه، أستطيع الإجابة عن هذا بالفعل!” قال الدكتور تيرانو منتشيًا. “من خلال العينات التي جمعت أثناء احتجازه، أؤكد أن هذا السايكو تناول إكسيرًا أبيض من صنع الخيميائي، ثم استهلك تقريبًا كل الأنواع المقلدة المطروحة في السوق.”
“يعني قوته الأساسية بيضاء وتسمح له بامتلاك أكثر من قوتين؟” سأل القط الذري، بينما أومأ العبقري برأسه. “هذا غش صريح.”
“بدلًا من أن يلتهم الإكسير الأصلي الإكسيرات الجديدة، يبدو أنه يجبرها على العمل معًا مثل حكم المباراة. هذا سمح لجسده بأن يوجه أكثر من قدرة في وقت واحد، لكن للأسف لم يحمه من صراعات الإكسير، والتحوّرات، والإدمان. المواد لا تدمر بعضها البعض، لكنها تبقى في حالة صراع. أمر مذهل حقًا.”
كانت تلك مأساة مونغريل: امتلك قدرة لا تُضاهى نظريًا، لكنه فقد في المقابل القدرة العقلية اللازمة لاستغلال هذا الإمكان اللانهائي.
“هل تعتقد أن حالة السايكو يمكن علاجها؟” سأل رايان الدكتور تيرانو. كان قد فقد الأمل بعد أن واجه عقبات كثيرة في فهم أسرار الإكسير، لكنه ظن أن هذا العالِم الزاحف ربما يعرف أكثر منه.
“بالطبع يمكن علاجها!” صاح العبقري في وجه المسافر عبر الزمن. “لا يوجد شيء مستحيل!”
“أجل،” أضاف فيليكس. “أوغستس يملك قوتين بلا أي آثار جانبية على حد علمي.”
“أوه، هل يمكن للباندا أن يحصل على قوتين؟” اتسعت عينا تيمي البريء بأمل كبير. “واحدة لكل هيئة؟”
“ممكن، رغم أنه أمر غير مرجح!” قال الدكتور تيرانو بحماس، مغتنمًا الفرصة لتجربة جنونية جديدة. “يمكننا دائمًا المحاولة، لكن عليك أن توقّع على إخلاء مسؤولية أولًا.”
ضرب رايان الباندا بخفة على مؤخرة رأسه، مما أثار دهشة الحيوان. “آي، سيفو! لماذا فعلت ذلك؟”
“قوتك الحقيقية هنا، أيها التلميذ المتعجرف.” أشار رايان إلى قلب مساعده. “لا تكن جشعًا، فأنت تملك أعظم قوة على الإطلاق!”
“ن-نعم، صحيح…” هزّ الباندا رأسه موافقًا، لكنه أساء فهم حكمة معلمه. “يجب أن أتقنها أولًا، قبل أن أفكر في الحصول على قوة جديدة.”
“هناك حالات نادرة لأشخاص يملكون قوتين دون أي آثار جانبية.” قال الدكتور تيرانو. “أوغستس هو الأشهر بينهم، لكنه ليس الحالة الوحيدة المسجلة. إما أن هؤلاء المحظوظين يمتلكون جينات خاصة، أو أن الإكسيرين اللذين حصلوا عليهما يعدّلان أجزاء مختلفة من الشيفرة الوراثية دون تعارض. وبما أن قوى أوغستس -خلافًا لما لدى السايكو- لم تُظهر أي تآزر واضح، أظن أنهما تتعايشان بشكل مستقل داخل جسده.”
“أظن أنني بدأت أفهم الآن.” قالت ووردروب، بعد معاناة في متابعة النقاش حتى هذه اللحظة. “لديك صانعان، لكن بدلًا من أن يتصارعا، كلٌّ منهما يصمّم جزءًا مختلفًا من الزي؟”
“وإذا أمكن الوصول إلى توازن حقيقي، فبوسعنا نظريًا استنساخه!” أعلن الدكتور تيرانو بحماس. “تخيّلوا… منح قوتين لكل جينوم دون أي آثار جانبية؟! يمكنني أن أصبح أزرق/أخضر وأحافظ على هذا التحول الديناصوري للأبد، فأجمع بين عبقريتي الغزيرة وجسدي الديناصوري القوي!”
“لكن عليك أولًا أن تكتشف سبب وجود هذا التوازن أصلاً.” أشار فيليكس. “كل ما ذكرته مجرد فرضيات؛ فمن يدري، ربما الأمر يعتمد على نوع الإكسير نفسه لا على شيء فطري في المضيف.”
“صحيح، صحيح… ولسوء الحظ، القلة النادرة التي تملك قوتين في إيطاليا رفضت التعاون.” قال الدكتور تيرانو وهو يهز كتفيه. “على كل حال، لا نزال لا نفهم الإكسير بما يكفي لنجد علاجًا لحالة السايكو حتى الآن. لكن إن كان ميكرون قد فهم ما يكفي لتعزيز القوى وتحليلها عكسيًا… فلم لا نفعل نحن أيضًا؟”
سرحت أفكار رايان نحو المخبأ أسفل مدينة الصدأ، وتذكّر آخر زيارة له هناك. استعاد في ذهنه غرفة مليئة بالحيوانات المغمورة في سوائل ملونة بألوان الإكسير، وكيف أخبره آدم البدين أن المستودع يضم أيضًا مرافق لصناعة المقلدات. وربما حتى علاجًا لتدهور القوى الجينية.
كان عليه حقًا أن يستكشف ذلك المكان بعد أن يطهّر الميتا منه.
“أود كثيرًا أن أتبادل الملاحظات حول الإكسير، وخاصة مشروعك الخاص بنسخ العقول.”
لكن الجملة الأخيرة جعلت الدكتور تيرانو يشخر غيظًا: “هل بات الجميع يعرف عنه هذه الأيام؟ للأسف، ستحتاج إلى تصريح من المستوى الخامس قبل أن أستطيع الحديث معك في هذا الشأن. الرئيس التنفيذي قد وبخني بالفعل بالأمس بسبب إجراءات الأمن!”
توتر فيليكس على الفور، أما رايان فاكتفى بهز كتفيه بلا مبالاة. “حسنًا، يا صديقي المتقشر، كيف يمكنني الحصول على تصريح كهذا وبناء علاقة علمية متينة بيننا؟”
“سأرفع طلبًا للإدارة، لكن الإجراءات عادةً ما تستغرق شهورًا.” شخر الدكتور تيرانو بازدراء لبيروقراطية ديناميس. “على أي حال، الكلام مضيعة للوقت، وجدولي مزدحم. توجهوا جميعًا إلى غرف الاختبار… وتجرّدوا من ملابسكم. أنتم جميعًا فوق الثامنة عشرة، صحيح؟ محاميّ يصر كثيرًا على هذه النقطة.”
☆☆☆☆☆
ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.
[1] أوبي وان كينوبي هو فارس جيداي حكيم وشجاع من فيلم حرب النجوم، معروف بدوره كمعلم لوك سكاي ووكر. اشتهر بحكمته، مهاراته القتالية، والتزامه بالقضاء على الظلام وحماية السلام في المجرة. يمثل رمز التضحية والإيمان بالقوة والخير.
[2] الفيري هم أولائك المريضين عقليا الذين يرتدون أزياء الحيوانات ويقولون أنهم قطط أو كلاب ويتصرفون مثلهم.
[3] الـ DNA و الـ RNA هما نوعان من الأحماض النووية التي تحمل وتخزن المعلومات الوراثية في الكائنات الحية.
