الفصل 52: لقاءات عابرة
بغض النظر عما قالته وايفرن، كان من المستحيل ألا يكون إنريكي ‘بلاك ثورن’ مانادا عقلًا مدبرًا إجراميًا بالغ الخطورة.
فما إن دخل رايان مكتبه متبخترًا، حتى أدرك أن الأمر لا يتعلق بذوق الرجل في الأزياء ولا ببروده فقط. معظم النباتات التي جمعها هذا الجينوم الأخضر كانت سامة، وحتى البركة اليابانية في المكتب ضمت سمكة فوغو المنتفخة الشهيرة بسمومها العصبية. رغم أن رايان كان يعرف، عن تجربة، أن طعمها رائع إذا أُعدّت كما ينبغي.
أجل… لا شيء مريب في هذا الرجل إطلاقًا.
“أنا إنريكي مانادا، المدير التنفيذي للعمليات في ديناميس والمسؤول عن برنامج إل ميليوري. مع أني أظنك تعرف هذا مسبقًا.” صافح المدير رايان بعد أن نهض من خلف مكتبه. “فوجئتُ حقًا بموافقتك على لقائنا. وايفرن لم تكن متفائلة بعد آخر حديث دار بينكما.”
“حسنًا، رأيت أنه من الأفضل أن أسألك مباشرة لماذا قامت منظمتكم بتوظيف عصابة الميتا،” قال رايان بصراحة متعمدة. “ظننت أننا سنوفر الكثير من الوقت بهذه الطريقة.”
تسببت صراحة رايان الفجّة في إسكات بلاك ثورن للحظات. ويبدو أن وايفرن لم تُطلعه على ‘نظريات المؤامرة’ الخاصة برايان.
تراجع إنريكي في مقعده، غاضبا في صمت. لم يدعُ رايان للجلوس، لكنه جلس على أي حال. “من أين جئت بهذه التفاهات؟”
“رأيتهم بأنفسي مع عشرات الصناديق الممتلئة بالإكسيرات المقلدة من صنع ديناميس. بدا الأمر وكأنه تخفيضات الجمعة السوداء.”
“رأيتهم بنفسك يا سيد رومانو؟ بعينيك الاثنتين؟” كان صوت إنريكي يقطر سخرية. “هل لديك أي دليل ملموس؟ صور؟ عينات؟”
“لدي هذا،” قال رايان بسعادة، وهو يناول المدير ملفًا ورقيًا أعده خصيصًا لهذه المناسبة. “هنا الدليل على أن بعض إكسيركم المقلّد قد اختفى، في شحنات غير رسمية وُجهت لعصابة الميتا.”
انتزع المدير الأوراق من يد المسافر عبر الزمن بسرعة، وكأنه يخطفها. الآن حانت لحظة الحقيقة؛ إن أمر إنريكي بقتل رايان في تلك اللحظة أو في وقت لاحق من اليوم، فذلك دليل قطعي على فساده.
راح بلاك ثورن يراجع الملفات بعناية وصمت مطبق. غير أن الزهور في مكتبه بدأت تبدو أشد اضطرابًا كلما توغل في القراءة. تمامًا مثل ماتي، كانت قدرته تتفاعل تلقائيًا مع حالته العاطفية، مهما حاول الجينوم الأخضر أن يخفي مشاعره.
“كيف حصلتَ على هذه الوثائق؟” سأل إنريكي وهو في منتصف مراجعتها، وقد حاد صوته فجأة.
“اخترقتُ قواعد بياناتكم.” أجاب رايان بلا تردد. حسنًا، تقنيًا كان شراود هو من فعلها، لكن الموصّل استعان بالوثائق منه.
“تعلم أنه يمكنني إيداعك السجن بسبب ذلك؟”
السجن؟ لا القتل؟ “أليس من المفترض أن يحصل المبلغون عن الفساد على حماية قانونية في روما الجديدة؟”
“لا.” رد بلاك ثورن وهو يزيح الأوراق جانبًا. “هل سرقتَ أي معلومات أخرى من شركتنا؟”
“الآن بعد أن ذكّرتني، أظن أن بعض طائراتكم المسيرة على شكل كلاب انتهت بين يدي عصابة الميتا.” تظاهر رايان بالتفكير. “ما كان عليكم ترك تلك الأشياء ملقاة هكذا.”
رمق إنريكي ضيفه بنظرة صامتة لثوانٍ، ثم أخرج هاتفًا صغيرًا من جيب بذلته. ضغط رقمًا واتصل، لكن رايان لم يسمع شيئًا من الطرف الآخر.
“وصلني أن بعض طائراتنا المسيّرة فُقدت مؤخرًا، ويُحتمل أن عصابة الميتا أعادت توظيفها،” سأل إنريكي الطرف الآخر. “هل تؤكد ذلك؟ … نعم، نعم… ولماذا لم يُبلغني أحد؟ فهمت… حسنًا، لا تقلق… جهّز أغراضك، أنت مطرود.”
قال الجملة الأخيرة بمثل تلك البساطة، حتى كاد رايان ألا ينتبه لها.
أنهى إنريكي المكالمة وأعاد انتباهه إلى الموصّل. “حسنًا يا سيد رومانو، دعنا ندخل في صلب الموضوع.” قال بنبرة جافة وقد تخلى عن المجاملات. “ماذا تريد؟”
“أن يخضع هانيفات ليكتر لشفط دهون فاشل.”
“ولماذا؟ انتقام؟ تقييمي النفسي لك يقول إنك لست بطلًا بلا مقابل.”
“تعلم، لو سألتني هذا قبل بضعة أسابيع، لقلت لك إن الأمر ليس شخصيًا، مجرد عمل لا أكثر،” قال رايان، لكنه تذكّر لين والعديد من الوجوه التي اختفت حين ضرب ضوء الباهاموت روما الجديدة. “أما الآن… فقد صار الأمر شخصيًا فعلًا. نعم، شخصيًا جدًا.”
“أفهم…” قال إنريكي، متوقفًا لحظة كما يفعل العقول المدبّرة. “لا تعجبني الأساليب التي استخدمتها لجمع هذه المعلومات، لكن علي أن أعترف أنها تثير قلقي. ومع ذلك، تدرك بالطبع أنه إذا كانت عصابة الميتا تملك راعيًا من داخل ديناميس، فلا بد أن يكون في منصب رفيع. غالبًا من مجلس الإدارة.”
“تقولها وكأن علي أن أقلق.”
“نعم، لأن هذا يعني أن هناك من قد يكون مخترقًا حتى في إدارتي نفسها. بل ربما أكون أنا متورطًا. إذن، لماذا جئت إليّ؟”
هز رايان كتفيه بلا مبالاة. “بصراحة يا أخضر اليدين، اعتبرتها لعبة حظ. كثيرون يظنونك نظيفًا، لكن لو حاولت قتلي وفشلت، كنتُ سأعرف على الأقل موقفك الحقيقي.”
وتذكر رايان آخر نقاش دار بينهما، قبل أن تُدمر جزيرة إيسكيا. مهما كان بلاك ثورن في حقيقة أمره، فقد بدا صاحب رؤية لمستقبل لا مكان فيه لأمثال الميتا أو أوغستس.
“هممم، متعجرف أنت، أليس كذلك؟” قال إنريكي بسخرية خفيفة. “والآن، أين موقع لين سابينُو من كل هذا؟ أعلم أنك تواصلت معها فور وصولك إلى روما الجديدة.”
“انتظر، هل كنت تراقبني؟” شعر رايان بوخزة في كبريائه؛ كان يظن نفسه بارعًا في فنون التمويه والمخابرات.
“ديناميس تضع أندر دايفر تحت مراقبة لصيقة،” أوضح إنريكي بهدوء. “نعلم أنها زارت الميتم في مدينة الصدأ قبل هذا اللقاء بساعات، وأنت أيضًا مررت بالحي نفسه في الوقت ذاته تقريبًا. لا أظن الأمر مجرد صدفة.”
من المستبعد أن يكون الأمر مراقبة للاتصالات، وإلا لاكتشفوا أمر الحلقة الزمنية منذ زمن. الأرجح أن ديناميس تراقب قاعدة القصيرة تحت الماء وتتعقب تحركاتها كلما غادرتها.
“انتظر…” قال رايان وقد ترابطت الخيوط في ذهنه. “هكذا عرف آدم بأمر القاعدة تحت الماء، يا مهووسي الارتياب!”
“لست متأكدًا أنني أفهم قصدك، لكن إذا افترضنا أن عصابة الميتا تستفيد من دعم أحد التنفيذيين في ديناميس، كما تشير إليه الأدلة التي قدمتها، فالأرجح أنهم بالفعل على علم بأمر قاعدتها تحت الماء. أفترض أنك تريد حماية الآنسة سابينُو؟”
“نعم،” أقر رايان، وقد تحوّل صوته إلى نبرة جادة. “لكن إن كنت تعتقد أنك قادر على تهديدها للضغط عليّ، فستلقى مصير الديناصورات.”
“لا أنوي فعل ذلك مطلقًا،” رد إنريكي، وإن كان الموصّل عاجزًا عن معرفة صدقه من كذبه. “لكنني بحاجة لمعرفة دوافعك، ولأحدد ما إذا كنت جديرًا بالثقة. تملك قوة مفيدة، لكنك أيضًا غير مستقر نفسيًا. عليّ أن أقرر إن كنت تستحق المخاطرة. وبالنظر إلى دوافعك، لا أظنك أصلًا أصلًا صالحًا للاستثمار طويل الأمد.”
“أفضل أن أصف نفسي باستثمار عالي المخاطرة.”
اتخذ إنريكي وضعية العقل المدبر الشيطاني، حتى بدأ رايان يتساءل فعليًا إن كان الرجل بريئًا كما يشاع. “لقد وضعتني في موقف صعب،” قال بهدوء. “الأدلة الظرفية التي جمعتها تلمّح إلى وجود فساد في مؤسستي، وربما يكون المسؤول شخصًا أعلى نفوذًا مني. التحقيق في هذا الأمر سيتطلب قدرًا كبيرًا من الثقة، وباستثناء قلة قليلة، لست واثقًا بمن يمكننا الاعتماد عليه.”
“لا داعي لمزيد من الكلام! يمكنني أن أكون عميلك السري شبه المخلص!” اقترح رايان بمرح. “سيارتي أفخم حتى من أستون مارتن!”
تأمل إنريكي العرض برهة قبل أن يحسم أمره. “سأكون صريحًا: لا يعجبني أمرك يا رومانو،” قالها بوضوح. “لكن يبدو أنك مصر على التحقيق في الأمر، ولدي حدس أن ديناميس ستدفع الثمن غاليًا إن تركناك تتصرف دون رقابة.”
“هكذا ستسير الأمور بيننا يا رومانو: ستنضم إلى القسم المبتدئ في برنامج إل ميليوري لفترة تجريبية مدتها ستة أشهر، وتحت إشرافي المباشر. لن نثبت لك متعقب الحمض النووي إلا بعد استرجاع الطائرات المفقودة. وبالنظر إلى سمعتك، لن يستغرب أحد هذه الشروط. لكن لا تخطئ الفهم، تعاوننا سيكون وفق قواعدي أنا. كل معلومة تكتشفها ستصل إلى هذا المكتب. تنفذ ما أطلبه منك بلا نقاش، ولن تجرؤ على اختراق ممتلكات الشركة دون إذني. هل هذا واضح؟”
“بثلاثة شروط،” رد رايان، رافعًا أصابعه. “أولًا: أحتفظ باسمي. فهو علامة تجارية محمية بحقوق النشر.”
“أشك في أنك ستبقى معنا بما يكفي لتصبح عنصرًا ثابتًا في الفريق، لذا يمكنك أن تطلق على نفسك اسم ‘تايم ستامب’ أو أي اسم تشاء، لا يهمني.” أجاب إنريكي بلا مبالاة. “وماذا بعد؟”
“لا تقترب من أندر دايفر. إطلاقًا.”
تردد إنريكي لثوانٍ، وبدأ الشك يساور رايان أن هناك أمرًا مريبًا؛ فلين شخصية هامشية جدًا ليوليها ديناميس كل هذا الاهتمام. “موافَق، بشرط ألا نتدخل إلا إذا طلبت هي أو طلبتَ أنت ذلك أولًا،” قال المدير أخيرًا، لكن بقدر كبير من التحفظ. “وما هو الشرط الأخير؟”
نظر رايان إلى الرجل مباشرة في عينيه. “أريد بدلة كشمير أرجوانية. مع ربطة عنق مطابقة.”
ضمّ إنريكي مانادا كفيه مفكرًا في كلمات الموصّل. لكن رده جاء سريعًا وقاسيًا.
“مرفوض.”
“الكشمير لا يُرد عليه بالرفض،” حذّر رايان، وقد أصبح صوته ينذر بالخطر.
“ستلتقي ووردروب غدًا، وهي من ستصنع لك زي الأبطال،” أجاب إنريكي بلا اكتراث. “هي سيدتك في عالم الموضة من الآن فصاعدًا، والقرار قرارها وحدها.”
“وإن لم أرغب؟”
“حينها سيتكفل قسم تسويق الأطفال بتصميم زيك.” قال إنريكي ببرود. “وقد صاروا، مع مرور السنين، خبراء في أداء مهمتهم… بكل قسوة.”
ذلك… ذلك كان قاسيًا وغير إنساني بشكل لا يُصدَّق! “كنت أعلم أنك بلا روح، لكن لم أُدرك حجم ذلك حتى الآن!”
“هذا جزء من الوظيفة،” رد إنريكي بجفاف، قبل أن يتصل بسكرتيرته عبر الإنترفون. “استدعي ديفيلري ووايفرن لإجتماع، وابلغي النائب أنني أريده على الخط فورًا. أخبريهم أن الأمر لا يحتمل التأجيل.”
“سيدي، لديك بالفعل موعد محدد مع مرشح بطل جديد،” حذرت السكرتيرة.
“من؟”
“الباندا.”
“من؟” كرر إنريكي السؤال، رغم أن رايان شعر أنه يتصنع الجهل فقط.
“الباندا، حامي الأبرياء،” أعلن رايان مستاءً من جهل رجل الشركات الفاضح. “يستطيع الطيران ويطلق أشعة ليزر من عينيه!”
“أشك في ذلك.” رد بلاك ثورن بجفاف.
رد رايان بتشابك أصابعه: “يبدو أنك لا تعرف الكثير عن الباندا، أليس كذلك؟”
“حقًا؟” أجاب إنريكي، ونبرة السخرية تقطر من صوته. “إذًا لا تمانع أن تأخذه تحت جناحك، أليس كذلك؟ بالنظر إلى سجله الباهت، كنت أفكر في منح الباندا فرصة ليُثبت نفسه، لكن مجرد نجاته من صحبتك سيكون اختبارًا كافيًا.”
هاه؟ هذا يفسّر لماذا انتهى الأمر بالباندا وهو يثير المتاعب في مصنع فولكان. لا بد أن أخضر اليدين كلّفه بالقبض على شرير أو شيء من هذا القبيل. “إذًا أنت تعرفه.”
“وايفرن ترى فيه بعض الإمكانيات، والدكتور تيرانو يعتقد أن لقوته تطبيقات مثيرة في مجال عمله. لكن يبدو… عديم الكفاءة نوعًا ما. أخشى أن يسيء لصورة أي فريق ينضم إليه.”
“ثق بي، سيدي،” قال رايان بثقة، “حين أنتهي منه، لن تنظر إلى الباندا بالطريقة نفسها مجددًا.”
“حسنًا إذًا، ستكونان فريقًا واحدًا. إن أثبت فشله، فلن يبدو الأمر سيئًا إن كنت أنت المسؤول عنه بدل وايفرن. وإن نجح، فلا بأس.”
اخفق وستتحمل اللوم وحدك، وإن نجحت ستتقاسم الفضل مع الجميع.
“لكن… هل أستطيع اختيار اسم الفريق؟”
كان واضحًا أن المدير لا يُبالي إطلاقًا. “سأستدعيك مجددًا قريبًا. وحتى ذلك الحين، تصرّف كما يجب.”
وبهذه الكلمات، ناول المدير رايان العقد، ثم صرفه من مكتبه.
خرج الموصّل إلى قاعة الانتظار، حيث كان هناك مخلوق مسكين في هيئة إنسان ينتظر بقلق بالغ. إلغاء إنريكي لموعده معه زاده توترًا، لكنه رفع عينيه الكبيرتين نحو رايان بنظرة يملؤها الأمل.
“باندا…” قال رايان وهو يلوّح بالعقد في يده.
“ن-نعم، سيدي؟” حاول البطل المرتقب أن يبدو واثقًا، لكن التوتر كان يغلبه. كان شكله لطيفًا للغاية، أشبه بدمية بشرية.
“باندا، يؤسفني أن أخبرك أن طلب ترشحك…” أطلق رايان تنهيدة طويلة، يملؤها الأسى. “كيف أقولها…”
خُيّل إلى الباندا أن قلبه توقف، وقد انطفأ الأمل كليًا من وجهه.
“طلب ترشحك…” سلّم رايان العقد إلى الجينوم الأخضر. “قد تم قبوله.”
لبرهة، ظن الموصّل أن الباندا سيُغمى عليه من شدة الارتياح، وكاد الأمر يحدث فعلًا. كان واضحًا أنه لا يصدق أن ديناميس منحتْه فرصة أخيرًا.
“أنا… لقد تم قبولي؟ سأنضم إلى إل ميليوري؟”
“نعم، أيها المخلوق الرائع!” صرخ رايان بحماس جعل سكرتيرة إنريكي ترمقه بنظرة صارمة في الخلفية، لكنه تجاهلها تمامًا. “ما اسمك أيها الساموراي؟ اسمك الحقيقي؟”
“تيمي! اسمي تيمي!”
“ليس اسمًا صينيًا تمامًا، لكنه مقبول، تيمي… مقبول!” قال رايان وهو يضع يديه على كتفي الرجل-الدب. “أنت الآن زميلي في الفريق!”
“أ… أنت تريدني في فريقك؟” بدأت الدموع تلمع في عيني الرجل-الدب. “أحدهم يريد الباندا في فريقه فعلًا؟”
“ومن ذا الذي يرفض باندا؟” تساءل رايان بلهجة بلاغية ساخرة. لم يبقَ عليه الآن سوى ضم فيليكس القط، وسيكون قد كوّن أعظم فريق أبطال لمواجهة عصابة الميتا. “لقد اخترت اسم المجموعة بالفعل! إنقاذ سريع للباندا! إنها علامة تجارية جديدة!”
“هل يمكن أن نحصل على سيارة أبطال؟” سأل المخلوق المسكين، مغمورا بالعواطف. ” سيارة باندا؟”
لماذا شعر رايان بأن المؤرخين في المستقبل سيتذكرون هذه اللحظة باعتبارها النقطة التي بدأ فيها كل شيء يخرج عن السيطرة في نهايته المثالية؟ لكن… لا يمكنه أن يقول لا لطلب من باندا. “بالطبع سنحصل على سيارة باندا، بشرط ألا تقترب من سيارتي أبدًا! وسنحصل على أفلام، قصص مصورة، برامج تلفزيون الواقع، وصورنا على عبوات النودلز!”
“سـ… سأصبح مشهورًا أخيرًا، وأرفع رأس الباندا للأبد!” مسح الباندا دموعه، وقد عاد إليه الحماس مستعدًا للقتال. “ماذا علي أن أناديك، سينسي؟!”
“اسمي كويك سيف، لكن بيني وبينك فقط ستناديني…”
واتسعت عينا رايان فجأة حين خطرت له الفكرة:
“سوبر سيفو[1] رايان.”
□■□■□
بعد أن وعد مساعده الجديد بأنهما سيلتقيان مجددًا في صباح الغد، غادر رايان مقر إل ميليوري وانطلق بسيارته نحو مدينة الصدأ. كانت الشمس تغوص خلف الأفق، والليل يوشك أن يسدل ستاره.
“قصيرة؟” نادى رايان وهو يقود سيارة بليموث فيوري وسط شوارع روما الجديدة المزدحمة. “هل تسمعينني؟”
لا جواب.
“لين؟”
“كيـ… كيف جرت الأمور؟” جاء صوت لين عبر الراديو الزمني، وقد أتبعت كلامها بسعال خفيف. بدا في صوتها بعض الارتياح لسماع صوته، لكنه كان مشوبًا بالقلق أيضًا.
“ما زلت مقتنعًا أن بلاك ثورن شرير خارق، لكنه لا يبدو العقل المدبر وراء عصابة الميتا.” رغم أن رأي رايان قد يتغير إذا ‘اختفى فجأة’ خلال الساعات القادمة. “وأيضًا… يراقبونك عن كثب. يعرفون بأمر القاعدة تحت البحر.”
صمتت لين بضع ثوانٍ، كما اعتادت دومًا. “لا يهم إلى أين أذهب… لن أفلت منهم أبدًا،” قالت أخيرًا، متنهّدة بحزن ثقيل. “مهما غصت عميقًا… تصل أذرعهم أبعد. ولن يشبعهم شيء أبدًا.”
“اسمعي، سنجد حلًا في النهاية،” وعدها رايان. “ولا أظن أنهم سيضايقونك في الوقت القريب.”
“نحن؟”
تشنّجت أصابع رايان على المقود. ربما تسرّع في كلامه أكثر من اللازم. “إذا… إذا رغبتِ بذلك. بابي سيظل مفتوحًا لكِ دائمًا إذا احتجتِ للمساعدة، يا لين.”
ساد صمت آخر، وأدرك رايان أنهما ما زالا في بداية الطريق.
اتضح لاحقًا أن الراديو الزمني كان قد سجل وأعاد تشغيل كل أحاديثهما السابقة قبل آخر لقاء على جزيرة إيسكيا، ما يعني أن لين على الأرجح هي من سجلت وأرسلت تلك المعلومات بنفسها في الحلقة السابقة.
لقد ساعد ذلك لين على أن تمنح رايان قدرًا ضئيلًا من الثقة، حتى وإن لم توافقه على قراره بالتقرب من ديناميس؛ كان ذلك كافيًا لأن تسمح له بالبقاء في الميتم. لكن التسجيل الصوتي لا يعوّض التجربة الحقيقية، ولخيبة أمل الموصّل، لم يسمح له بأن يحمل علاقتهما من حلقة إلى أخرى. كل ما فعله أنه جعله يحرز بعض التقدم في زمن أقصر فقط.
وأخيرًا، وجدت لين أن الصمت صار خانقًا، فغيرت الموضوع. “سارة… سارة لم تستطع العثور على قطك في أي مكان. أنت… أنت متأكد أنه اكتسب قوى خارقة؟”
“متيقّن.” كان يوجين-هنري مختفيًا عن الميتم آخر مرة زاره فيها رايان، ما يعني أن أمرًا ما قد غيّر سلوك ذلك القط النبيل. “ربما يستطيع مساعدتك في تطوير الراديو الزمني.”
“أنا… لا أدري يا ريـري. لا أدري حقًا. سأحتاج إلى مزيد من المعلومات قبل أن أقرر إن كانت فكرتي قابلة للتطبيق.”
نعم… كان هدف رايان في هذه الحلقة، إلى جانب دفن عصابة الميتا تحت الأرض، أن يضع يده على أبحاث ديناميس في مسح الدماغ. فإلى جانب تعقُّب من ساعد آدم البدين داخل الشركة، فإن انضمامه إلى إل ميليوري سيمنحه فرصة للوصول إلى مختبراتهم في الوقت المناسب.
“شكرًا على كل شيء، يا قصيرة.” قال ذلك وهو يثبت نظره على الطريق أمامه. “سأجلب تعزيزات غدًا، كي نتمكن من التعامل مع سايشوك.”
وبقليل من الحظ، ربما ينجح في ضم قطه المفضل الآخر إلى الفريق.
“لـ… لا شيء مهم.” ومع ذلك، كان رايان يشعر أن لين وجدت الحديث مرهقًا، فأنهته فجأة: “يجب أن أذهب. أراك قريبًا.”
“إلى لقاء قريب.” رد رايان، قبل أن يلقي نظرة على كومة مضادات الاكتئاب في المقعد الخلفي لسيارته. هذه المرة، كان ينوي أن تتبع القصيرة علاجًا فعالًا حقًا، لا أن تؤذي نفسها بالعلاج الذاتي.
كانت تستحق ذلك بالفعل.
كان الطريق بين مدينة الصدأ وبرج إل ميليوري يفرض على رايان المرور بحي التسوق، المعروف أيضًا باسم شارع سول؛ ذلك المكان الذي يشبه معبدًا للأزياء، حيث تصطف مبانيه الفاخرة المخصصة لأشهر دور الخياطة والعلامات الراقية وعطور الملابس. كان المارة يسيرون متلاصقين، يحملون أكياس التسوق ويتحدثون في هواتفهم؛ بعضهم تعرف عليهم رايان أنهم جينومات مقلدة، وهم يلتقطون صور السيلفي مستعرضين قواهم الجديدة. الجميع يتنافس ليبدو الأفضل، ولا أحد يكترث لمن حوله. وبالطبع، لم يكن لذوق كويك سيف في الأزياء منافس بين الجميع.
فجأة، قفز يوجين-هنري من أحد أركان الشارع، تلاحقه امرأة، ليهبط في طريق بليموث فيوري مباشرة.
جمد رايان الزمن فجأة وضغط بقوة على المكابح، لكن القط كان قد اختفى قبل أن تعود عقارب الساعة للدوران. وبدلًا من ذلك، توقفت سيارة بليموث على بُعد سنتيمتر واحد من أحد المشاة.
“هيه، إذا كنت تريد أن تموت تحت عجلاتي، احجز موعدًا أولًا! أنا مشغول!” احتج رايان وهو يطل من النافذة، حتى لمح هوية من كان سيصدمها للتو. امرأة فاتنة الجمال، ذات شعر ذهبي طويل وفستان فخم مبهر.
“كيف لتلك الكرة الفروية أن تفلت مني؟” تذمرت فورتونا، متجاهلة السيارة التي كادت تلامسها.
“فورتونا، هل أنت بخير؟” خرجت ليفيا أوغُستي إلى الشارع، ترتدي فستانًا أسود بلا أكمام وقبعة بيضاء أنيقة مستديرة تعلو شعرها البلاتيني. ما إن لمحت رايان حتى بادرت بالإيماء له على عجل، وقد بدا عليها الحرج. “نعتذر عن هذه الفوضى.”
“مهلاً، ما الذي تفعلانه هنا يا سيدتين؟” لم يستطع رايان كبح فضوله، قبل أن يلاحظ الحقيبة الفاخرة التي تحملها ليفيا—لا بد أنهما كانتا تتسوقان. “آمل ألا تكونا من صائدي التعويضات، لأنني لن أتنازل عن سنت واحد!”
“ليفي أرادت أن تلقي نظرة أقرب على ذلك القط،” ردت فورتونا وهي تعقد حاجبيها وتضع يديها على خصرها. “أين اختفى؟”
“لم أتمكن من رؤيته بوضوح،” اعترفت ليفيا، ثم قطبت وهي تحدق في رايان. “و… لا أستطيع أن أراك على الإطلاق.”
لا تستطيع أن ترى… هل يمكن أن يوجين-هنري صار يوجد جزئيًا في العالم البنفسجي؟ هذا قد يفسر قدرته على الانتقال العشوائي، وربما لهذا السبب لم تستطع أميرة الأوغُستي رؤية ذلك القط النبيل بوضوح إذا كان يعيش في واقعين في الوقت نفسه.
“على كل حال، هل يمكنكما الابتعاد عن الطريق؟” طلب رايان من فورتونا، متلهفًا للعودة إلى الميتم. “أنا لا أدهس سوى الجدات أو غول.”
نبرته اللامبالية جعلت فورتونا تنظر إليه باحتقار، كما لو كانت نبيلة تصادف أحطّ الفلاحين. “هل تعرف من نحن؟”
“لا، لكنني أعرف من أنا، وسأخبرك!” رد رايان بنبرة مرحة. “أنا كويك سيف. أنا خالد… لكن لا تخبري أحدًا.”
“لا يهمني ذلك.” ردت فورتونا بضيق.
أما ليفيا فقد ازداد عبوسها عمقًا. “كويك سيف؟”
بدا وكأن الاسم مألوف لديها. هل تسببت زيارة رايان لديناميس بأن تضع فولكان مكافأة على رأسه بهذه السرعة؟ إن كان الأمر كذلك، فمن الأفضل أن ينسحب الآن.
لكن فورتونا لم تكن ترى الأمور بهذا المنظور. “على كل حال، نحتاج لمن يوصلنا إلى المنزل، وستكون أنت مناسبًا لهذه المهمة.” قالتها بابتسامة جديدة، وهي واثقة تمامًا أنه سيوافق فورًا.
“أوه، آسف، لدي التزامات اليوم.” رد رايان بلا مبالاة وهو يهز كتفيه. “استقلا الحافلة.”
رمشت فورتونا بدهشة. “أظن أنني سمعت خطأ.”
“انتظري، هي لا ترى وأنت لا تسمعين؟” تساءل رايان ساخرًا. “تكملان بعضكما إذًا؟”
لم تستطع ليفيا كتم ضحكتها من المزحة، أما فورتونا فلم تجد الأمر مضحكًا أبدًا. “ما مشكلتك؟” سألت رايان وكأن مشكلته واحدة فقط.
“فورتونا، سأكتفي بالاتصال بسبارو.” قالت ليفيا، ولم تُخفِ ابتسامتها.
“لا، ليفي، يجب أن يفهم كيف تسير الأمور في هذا العالم.” اقتربت فورتونا من باب سيارة رايان، وضعت يديها على النافذة وتجاوزت كل حدود اللباقة. “انظر إليّ. انظر إليّ جيدًا.”
حدّق رايان فيها ببطء، دون أن يظهر عليه أدنى انبهار. صحيح أنها جميلة المظهر، لكن شخصيتها وحدها كانت كفيلة بأن تجعل رايان يتمنى لو كان فيليكس ابنًا وحيدًا.
“أنا أفضل شيء حدث لك في حياتك، ولن يحدث لك أفضل مني أبدًا.” قالت فورتونا ذلك بثقة مطلقة، حتى إن رايان اقتنع أنها تصدق ما تقول. “كل حياتك أوصلتك إلى هذه اللحظة: لتوصّل أجمل امرأة في العالم، وصديقتها المفضلة، إلى المنزل.”
تظاهر الموصّل أنه يفكر جديًا في ‘العرض’، بينما اتسعت ابتسامة فورتونا المتعجرفة أكثر فأكثر.
“هممم…” قال رايان بلا مبالاة، وهو يعيد نظره للطريق. “ستة من عشرة.”
وهكذا، انطلق رايان بسيارته مبتعدًا نحو الغروب، تاركًا خلفه فورتونا مشدوهة وليفيا نصف مبتسمة. نظر في المرآة الخلفية، ولاحظ أن أميرة الأوغُستي ظلت تراقبه حتى اختفى عن الأنظار عند أول زاوية.
كان في نظرتها شيء من الفضول… إذا صح التعبير.
☆☆☆☆☆
ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.
إسم فرقتهم، إنقاذ سريع للباندا: مشتق من لقب رايان “كويك سيف” والذي يمكن أن يعني أيضا إنقاذ سريع، ولقب تيمي “الباندا”.
[1] سينسي تعني معلم باليابانية. سيفو بالصينية.
