النهاية المثالية: الفصل 50

كيف تروض دميتك القماشية

الفصل 50: شظية من الماضي: كيف تروض دميتك القماشية

 

○●ربيع 2018، مزرعة بالقرب من فلورنسا، إيطاليا.●○

 

ركل رايان رومانو، ذو الثمانية عشر عامًا، باب المختبر بقوة، عاريًا كما ولدته أمه. “براينديد!” صرخ وهو يرفع أرنبًا قماشيًا فوق رأسه. “نجحت! فعلتها!”

 

أما ‘رفيقه في السكن’ ألكيمو، الذي كان مشغولًا في تلك اللحظة بعملية على دماغ كلب مستخرج، فقد رفع رأسه ببطء ليراقب رايان. كان هذا السيبورغ النحيف يملك عظامًا من النحاس، ومضخات فولاذية بدل الأعضاء، وأوردة زجاجية؛ وكانت يداه تنتهيان بحقن. يطفو دماغ وعينان خضراوان داخل قبة زجاجية تشكل جمجمته، تبرقان بغضب نحو المسافر عبر الزمن.

 

“لماذا أنت عارٍ، أيها الفاضح عديم الحياء؟” خرج الصوت من مكبّر السيبورغ منزعجًا، وإن لم يبدُ عليه الاستغراب. “هل تركت غرائزك البيولوجية البدائية تنفلت مرة أخرى؟”

 

“نعم، ولكن لا!” رد رايان بمرح، ملوّحًا باختراعه الجديد أمام العبقري السيبراني. “لم أستطع الانتظار حتى أريك الحقيقة!”

 

نظر السيبورغ إلى الدمية الجميلة بصمتٍ تام. وللحظة، لم يكن في المختبر من صوت سوى أزيز الحواسيب. كان مختبر العبقري هذا وكرًا حقيقيًا للعلم المجنون؛ معرضًا فوضويًا يكتظ بأدمغة في قوارير زجاجية، وأنابيب تحوي مواد كيميائية متعددة الألوان، وسلالات تجريبية من الأعشاب المخدرة. وعلى الطاولة القريبة كان الراديو الزمني ينتظر دوره، متصلًا بدماغ صناعي ومسرّع جزيئات مصغّر.

 

“ما هذا؟” سأل ألكيمو أخيرًا. “لعبة أطفال مستعملة عثرت عليها في القمامة؟”

 

“هذه أداة الاختبار!” رد رايان بفخر. “أكثر إبداعًا بكثير من إرسال عربة استكشاف أخرى!”

 

“ولماذا اخترتَ دمية أرنب قماشي تحديدًا؟”

 

“لأنها لطيفة، ببساطة. إذا كان البعد الآخر مأهولًا، ستطمئن السكّان المحليين وتجعلهم أقل حذرًا.”

 

لإثبات كلامه، قلب رايان المفتاح في ظهر الدمية، فأضاءت عيناها الزرقاوان بنور اصطناعي، وصدح منها فورًا تسجيل مسبق: “أنا أحبك!”

 

“أرأيت؟” قال رايان، “مزودة بأشعة ليزر، ومبرمجة لحماية الأطفال دون الثالثة عشرة من العمر. إنها آمنة تمامًا.”

 

“أحيانًا أظن أن وصلاتك العصبية قد تضررت بما يفوق الإصلاح،” علّق ألكيمو بلا اكتراث، وهو ينهي جراحته. “لكن كما تشاء…”

 

كان ألكيمو— أو براينديد كما يحب رايان أن يناديه—عبقريًا متخصصًا في تكنولوجيا الأعصاب. واجهات الدماغ والآلة، الأدمغة المحفوظة في أوعية زجاجية، العقاقير الحسية؛ إذا كان الأمر يتعلق بالعصبونات، فهو الرجل المناسب. كان رايان يعرفه منذ أكثر من عامين، على الأقل من وجهة نظره. حتى إنهما أسّسا معًا كارتلًا للمخدرات في إحدى الحلقات السابقة، مع أن تلك التجربة انتهت بإطلاق النار على رايان من أحد زبائنهم المجانين.

 

لكنها كانت تجربة ممتعة! ربما يخصص رايان هذه الحلقة الجديدة ليجعل مشروع رامبيج الناشئ ينجح أخيرًا؟

 

على أي حال، كان المسافر عبر الزمن قد كرّس العقد الأخير أو نحوه لإتقان تقنيات العباقرة، متعلمًا من أفضلهم. ومع تراكم المعارف، بات يأمل أن يجد وسيلة للسفر أبعد في الماضي… قبل أن يتناول الإكسير.

 

التقدم كان بطيئًا، لكنه يستحق العناء. خاصةً أن ألكيمو قد يكون أخيرًا من يجد طريقة لتشغيل الراديو الزمني بنجاح.

 

“رومانو.”

 

“ماذا؟”

 

“ارتدِ شيئًا قبل أن تراك دول”، أمر العبقري زميله بلهجة شبه قاطعة. “لقد أفسدت عقلها بما فيه الكفاية مع تعديلاتك الجسدية تلك.”

 

“أنت فقط تغار من موهبتي في تصميم الأندرويدات.”

 

“لا أرى أي جدوى من وجود أثداء في نموذج جينويد[1] لا جنسي”، رد ألكيمو ببرود، متجاهلًا جوهر المسألة تمامًا. “على أي حال، ضع تلك الدمية في المسرّع. ولن تخبرني حتى الآن ما هدف هذه التجارب؟”

 

“لن تصدقني لو أخبرتك،” أجاب رايان وهو يتجه نحو الجهاز. كان المسرّع الجزيئي المصغّر على هيئة أنبوب معدني صغير مع فتحة، موصولًا بالراديو الزمني. فتح رايان الغطاء بسرعة ووضع الدمية في الداخل، كما لو كان طفلًا يضع دميته في كبسولة نجاة.

 

“لن نعرف ما لم تجرّب أن تخبرني،” تمتم ألكيمو باستياء.

 

ربما كان بإمكان رايان أن يخبره؟ معظم من وثق بهم في الحلقات الأولى لم يصدقوه، لكن براينديد أصبح أكثر تقبّلًا للأمور الغريبة بعد قضاء وقت طويل في صحبة الجينوم البنفسجي. “ما رأيك أن أخبرك إذا نجحَت التجربة؟” قال رايان، ثم تذكر أمرًا مهمًا وأضاف: “بالمناسبة، عليك أن تتوقف عن تعاطي المعزز الأيضي الذي صممته بنفسك. آثاره الجانبية ستنال منك في النهاية”

 

“كيف علِمتَ بذلك… هل كنتَ تفتش في مخزوني؟ أيها اللص! يجب أن أطردك من ممتلكاتي!”

 

“حسنًا، حسنًا”، رد رايان بلا مبالاة، وهو يعلم أن تهديدات العبقري المتذمّر لا تتجاوز الكلام. “على كل حال، من المفترض أن يرسل المسرّع الجزيئي الدمية إلى ذلك البعد البديل الذي أخبرتك عنه. إنها مزودة بكاميرا وأفضل عتاد ذكاء اصطناعي وجدته.”

 

“معرفتي بك تجعلني لا أظن أن هذا يعني الكثير.”

 

في النهاية، لفّ رايان وشاحًا أحمر حول خصره—ليس عن قناعة، بل لأن براينديد رفض تشغيل الجهاز ما لم يغطِّ سلاحه الأقوى. وحين صار كل شيء جاهزًا، حوّل ألكيمو أصابعه من حقن إلى مفاتيح USB، ووصّل نفسه بالحاسوب. ما إن انطلقت الآلة حتى دوّى المسرّع الجزيئي بصوت رهيب، أشبه بزئير محرّك حي.

“حتى الآن كل شيء يسير على ما يرام،” علّق براينديد وهو يعالج البيانات مباشرة في دماغه. “قراءات الطاقة مستقرة.”

 

“هل انتقلت؟” سأل رايان، وقد قبض يديه بحماس.

 

“لا أظن أنه يمكن وصفه بالانتقال، بل هي تتواجد في بعدين في آن واحد طالما أن المسرّع يعمل،” أجاب براينديد مع ما يشبه هزة الكتف. “هل أنت متأكد أنك تريد ربط هذا الجهاز بمحرك سيارة؟ يبدو إهدارًا لتقنية واعدة.”

 

“متأكد تمامًا.” إذا استطاع المسرّع إرسال الدمية إلى بعد آخر، فلا بد أن سيارة البليموث فيوري ستتمكن من فعل الشيء نفسه. ربما يجد أرضًا بديلة لا تزال فيها أسرته ولين على قيد الحياة. “هل شاهدت فيلم العودة إلى المستقبل؟”

 

“لا أشاهد الأفلام، بل أعيشها.”

 

آه صحيح، هذا العبقري العجوز اعتاد أن يربط دماغه بأدمغة اصطناعية ليعيش ذكريات مزيفة. حتى رايان نفسه تساءل أحيانًا إن كان يجدر به دخول هذا السوق، بالنظر إلى ثراء تجاربه… رغم أن ثلثي ماضيه سيصنَّف +18.

 

في النهاية، خفَّت ضوضاء المسرّع الجزيئي تدريجيًا حتى اختفت تمامًا. توقّع رايان أن يجد الدمية قد اختفت، لكنه بدل ذلك، انفجر وميض بنفسجي خاطف من المسرّع في اللحظة التي فتح فيها الغطاء.

 

وحين خفت الوميض، رفعت دميته رأسها إليه بعينيها الزرقاوين الكبيرتين الجميلتين. رمش رايان بدهشة، بينما أمالت الدمية رأسها إلى الجانب.

 

“أمم… برايني، هل تتحكم في أرنبي عن بُعد؟” سأل رايان، إذ كانت الدمية ترفع أذنيها كأنها كائن حي، لا مجرد أداة استكشاف مصممة بعناية.

 

“هيا نلعب معًا!” قالت الدمية، رافعة يديها الصغيرتين من تلقاء نفسها. بدأ المسافر عبر الزمن يسمع أصواتًا غريبة تصدر من الروبوت، همسات مبهمة لم يستطع فهمها. هل تعطل مكبر الصوت؟

 

“ولماذا ألمس ذلك الشيء القذر، إلا بعصا طويلة؟” رد ألكيمو، وهو يقطع الاتصال بالحاسوب ليراقب هذه الأعجوبة المشعرة من الهندسة. “ربما انفجار الطاقة أحرق الأجهزة الداخلية؟”

 

حدّقت الدمية في العبقري بنظرة حادة، وتحولت عيناها الزرقاوان إلى اللون الأحمر.

 

ياللروعة، حتى ملامح الغضب—

 

زَاب!

 

انفجرت جمجمة ألكيمو الزجاجية فجأة، إذ اخترقها شعاع ليزري، ليتبخّر الدماغ في الداخل في لحظة. لم يكن أمام رايان سوى أن يحمي رأسه بذراعيه، بينما شظايا الزجاج تشقّ جلده وجسد السيبورغ يسقط على الأرض.

 

تألّقت عينا الأرنب بشرّ خبيث، بعدما انطلقت أشعة الليزر المخبأة من تلقاء نفسها.

 

“تبًّا، هذه المرة الخامسة!” شكا رايان وهو يحدّق في بقايا ألكيمو. “المرة الخامسة التي أقتله فيها!”

 

أما الأرنب القماشي، فلم يبدُ عليه أنه ارتكب أي خطأ. “هيا بنا إلى ديزني لاند!”

 

“ليس اليوم.” قال رايان وهو يقرر أن التجربة باءت بالفشل. “عليّ الآن أن أعود إلى نقطة الحفظ قبل أن تكتشف دول ما حدث له.”

 

تنهد الموصّل ثم نطح أقرب جرة زجاجية برأسه، وأخذ قطعة زجاج مكسورة ليقطع بها عنقه بكل هدوء.

□■□■□

 

استعاد رايان وعيه قبل دقائق من الحادثة، يحدق في هوّة زرقاء لا نهاية لها.

 

بادَلته الدمية القماشية النظرات، وأمالت أذنيها نحوه بدلًا من أن تهاجم فورًا.

 

ما الذي حدث؟ لماذا أعاد رايان التحميل الآن بدلًا من اليوم السابق؟ لم يكن قد أنشأ نقطة حفظ جديدة منذ الليلة الماضية! هل دفعته التجربة إلى الحفظ تلقائيًا دون وعي؟ أياً يكن، كان واثقًا أن الدمية لم تنسَ شيئًا.

 

“ما تزال هنا، في بُعدِنا؟” تساءل ألكيمو، وهو يقترب من المسرّع ليتفقد الموت عن كثب من جديد. “هل الأجهزة ما تزال تعمل؟”

 

تحولت عينا الدمية القماشية إلى اللون الأحمر مرة أخرى.

 

سارع رايان إلى محاولة تشغيل المفتاح في ظهر الدمية لينقذ العبقري، لكن الأرنب قفز خارج المسرّع ليستقر فوق طاولة قريبة. ترددت في الغرفة أصوات غريبة لا تشبه كلام البشر، وفي تلك اللحظة، كشفت يد الأرنب اليسرى عن شفرة مخفية، رفعها بسرعة في وجه رايان.

 

“انتظر… هل زوّدتها بسكين قابل للطي؟” سأل ألكيمو بدهشة. “ثم إن اختيارك للأصوات في هذا الشيء غريب فعلاً.”

 

“كان ذلك للدفاع عن النفس فقط!” احتج رايان، متسائلًا في نفسه إن كان عليه أن يوقف الزمن وينهي الأمر فورًا.

 

لكن رايان لم يستطع، مهما حاول، أن يفهم ما حدث بالضبط. هو لم يبرمج الدمية لتتصرف بهذه الطريقة! هل تسبّب المسرّع في إتلاف أجزائها الداخلية؟ بدا الأمر وكأن شيئًا آخر، شيئًا ذو ذكاء خاص، صار يتحكم بها عن بُعد…

 

جالت عينا رايان نحو ظل الدمية، ليكتشف أنه لم يعد ينتمي إلى أرنب. شكله لم يعد يُشبه أي كائن في هذا العالم، بل صار ظل وحش بأذرع ومجسّات وهندسة مستحيلة الإدراك.

 

حسنًا… الخبر الجيد: المسرّع الجزيئي نجح في عمله—إلى حد ما.

 

أما الخبر السيئ، فهو أنه عمل بالعكس: جلب شيئًا إلى عالمهم بدلًا من إرسال أداة استكشاف إلى الخارج.

 

“ما كل هذا الضجيج؟”

 

تردّد صوت جديد في أرجاء المختبر بينما أخذ الباب ينفتح ببطء، لتدخل امرأة ذات شعر أحمر وعينين خضراوين. كان مظهرها، للوهلة الأولى، عاديًا بوجه جميل على شكل قلب، لكن لمحة واحدة إلى ذراعيها كفيلة بكشف حقيقتها: دمية أشبه بالبشر، أحيَتها التكنولوجيا.

 

كانت دول روبوتًا، أنثويا يحركه دماغ اصطناعي صممه ألكيمو—دماغ متطور بما يكفي لتجاوز اختبار تورينغ[2]. ورغم أنه تظاهر بأنه صنعها لمساعدته في العمل، كان كويك سيف متأكدًا أن العبقري لم يرغب سوى في صحبة بشرية. فحتى لو تخلّى برايني عن حاجاته الجسدية، فإن الحاجات العاطفية قصة أخرى تمامًا.

 

ومع ذلك، لم يمنحها ألكيمو سوى وجه إنساني، وجسد بلا ملامح، ثم اكتفى بذلك. أما مهمة جعلها أشبه بالبشر حقًا، من جميع النواحي المهمة، فقد وقعت على عاتق رايان.

 

حتى أنه هو من منحها اسمها.

 

“تي، ابتعدي!” صرخ رايان، فيما سارعت الدمية القماشية إلى إخفاء ذراعها المزوّدة بالشفرة خلف ظهرها، وحولت لون عينيها من الأحمر إلى الأزرق. حتى الأصوات الغريبة سكنت فجأة. “إنها خطيرة!”

 

“خطيرة عليك أنت، ربما،” تمتم ألكيمو متأمّلًا، من دون أن يفهم شيئًا. “يبدو أنك عاجز عن السيطرة على اختراعاتك.”

 

“خطيرة؟” قالت تي وهي تحدق في الدمية، لتضم يديها معًا بحماسة. “إنها رائعة للغاية… ماذا تخبئ خلف ظهرك؟”

 

رفعت الدمية يدها ببطء.

 

لكن بدلًا من الشفرة، أمسكت بوردة.

 

“أنا أحبك!” قالت الدمية لتي.

 

لم تستطع تي إلا أن تبتهج وهي تتلقى الوردة. ‘من أين وجدت وردة في هذا الخراب الموحش؟’ تساءل رايان في نفسه بدهشة. قالت دول وهي تداعب الدمية خلف أذنيها: “شكرًا لكِ،” ثم أضافت بابتسامة: “إنها رائعة بالفعل.”

 

“تي، ابتعدي عن الأرنب!” توسل رايان. “لا تعلمين أين كان!”

 

“لكن انظر إليه، أليس لطيفًا؟” ردت الجينويد وهي ترفع الأرنب على كتفها كالطفل، ولم يبدُ على الوحش الصغير أي مقاومة. التفتت إلى ألكيمو، الذي كان يراقب المشهد بنوع من التسلية. “هل يمكنني الاحتفاظ به، أبي؟”

 

“إذا أردتِ ذلك، يا دول،” أجاب العبقري ببرود، بلا اهتمام يُذكر. “افعلي ما تشائين به.”

 

“مهلًا! لا يمكنكِ التصرف بأغراضي بهذه البساطة!” اعترض رايان.

 

“توقف عن سرقة أدويتي أولًا، ثم يمكننا أن نتحدث.”

 

نظرت الدمية إلى رايان من فوق كتف دول، وتحول لون عينيها من الأزرق إلى الأحمر.

□■□■□

 

وفي النهاية، حدث ما كان لا بد أن يحدث.

 

خرق للحجر.

 

“سجل البحث ب-101″، تمتم رايان لنفسه وهو بكامل ملابسه وبندقيته في يده. لم يكن يسجل شيئًا في الواقع؛ كل ما أراده هو أن يفرغ ما في صدره كمن يحدّث نفسه. “ما زلت ألاحق الدمية القماشية. ذلك الوحش أفلت من قبضتي حتى الآن، لكنني لم أفقد الأمل بعد.”

 

استغلّت الدمية القماشية مظهرها البريء لتخدع تي وتبثّ في نفسها شعورًا زائفًا بالأمان، ثم هربت من الغرفة بمجرد أن غفلت عنها. تبع رايان أثرها لأكثر من ثلاثة أيام.

 

ولم تكن المهمة صعبة؛ كل ما عليه فعله هو تتبّع الجثث المعلّقة على الأشجار بأمعائها.

 

“الوحش يتعلم”، لاحظ رايان وهو يتفقد المشهد. كانت الحبال الأولى التي صنعها بدائية تنهار تحت وزن أصحابها، أما الأحدث فقد أصبحت أثخن وأمتن وأكثر تعقيدًا. “مع ذلك يبدو أنه يركّز عداءه الجامح على البشر وحدهم.”

 

رغم أن الأرنب هاجم ألكيمو ما إن رآه، لكن وجود تي لم يُثر لديه أي عدوانية. وحتى حين صادف رايان أثناء البحث حيوانات مثل الكلاب البرية أو الأرانب البرية، لم يتعرض أي منها لمخالب الدمية المتوحشة.

 

ربما وجد في البشر الفريسة الأخطر على الإطلاق، أو لعل في طبيعة الإنسان ما يثير سخط ذلك الكائن على مستوى غريزي.

 

وفي النهاية، تعقّب رايان الدمية القماشية حتى وصل إلى مزرعة قريبة من منزل ألكيمو. لم يحتج للكثير من البحث؛ فقد سمع أصواتًا وهو يقترب من المكان.

 

هناك، وجد صاحبة المزرعة، امرأة تُدعى سارة، مقيدة فوق كومة من الخشب المهشم أمام الحظيرة. كانت الدمية قد حشرت تفاحة في فمها، كما لو أنها خنزير يُجهَّز للشواء. وكان الجاني واقفًا إلى جوارها، عيناه قرمزيتان وفروه الأبيض ملوث بالدماء.

 

بدا أنه يجهد في إشعال عود ثقاب من علبته، بينما كانت أسيرة الدمية تحدّق إلى رايان بعينين ترجوان النجدة.

 

“أرنب سيئ!” صرخ رايان، رافعًا بندقيته في وجه الوحش الذي صنعه بنفسه. “ألقِ عود الثقاب فورًا!”

 

التفت الأرنب ونظر إلى المسافر عبر الزمن، ثم أشعل عود الثقاب أخيرًا.

 

“لا تفعل ذلك!” حذّر رايان، مُبقيًا بندقيته مصوّبة نحو رأس المخلوق. ردت الدمية بأن علّقت عود الثقاب فوق كومة الخشب، مستمتعة على ما يبدو بصراخ المرأة المكتوم. “أعلم أن العنف يحل كثيرًا من المشاكل، لكنه ليس الحل دائمًا!”

 

“أمي؟”

 

التفت رايان والدمية معًا نحو الحظيرة، حيث كان طفل أشقر، لا يتجاوز العاشرة من عمره، يطل بخوف من وراء الباب. مواجهة مشحونة بين رجل مسلّح وأرنب قاتل، وأم الطفل عالقة بينهما…

 

لابد أن المشهد كان محرجًا للغاية.

 

“تم رصد طفل.” تحولت عينا الأرنب إلى اللون الأزرق وسكنت الأصوات الغريبة. “تفعيل وضع اللطافة.”

 

ترك الأرنب كل شيء على الفور واندفع نحو الطفل، ليسقط عود الثقاب المشتعل باتجاه كومة الخشب وأسيرة الدمية. لكن براعة رايان في التصويب، التي صقلها عبر آلاف الإعادات، مكنته من إصابة عود الثقاب بالبندقية، فأطفأه قبل أن تشتعل النار بالمرأة

 

صرخ الطفل وتعثر وهو يحاول الفرار، بينما اخترقت الدمية باب الحظيرة بقوة.

 

“أنت أعز أصدقائي!” هتف الأرنب، وهو يشبك يديه الملطختين بالدماء حول ساق الطفل المذعور. “تعال نعانق بعضنا!”

 

شعر رايان بالقلق للحظة على الطفل، لكنه تنفّس الصعداء حين لاحظ أن الأرنب، رغم تمسّكه بكاحل الصغير ورفضه إفلاته، لم يحاول إيذاءه بأي شكل آخر. كانت برمجة الدمية لا تزال فعالة، تمنعها من مهاجمة الأطفال دون سن الثالثة عشرة، وتفعّل نمط الحماية تلقائيًا.

 

الآن لم يبق أمام المسافر عبر الزمن إلا أن يحرر الأسيرة، ويضغط المفتاح، ويعيد كل شيء إلى طبيعته—

 

فرقعة.

 

رمش رايان في حيرة، غير متأكد إن كان يتوهم ما يرى.

 

ففي حين كان الأرنب الملطخ بالدماء لا يزال ممسكًا بصديقه الجديد—رغم أنه صديق غير راغب—ظهرت من العدم دمية قماشية ثانية، ناصعة البياض، تحدق في رايان بعينيها الزرقاوين الكبيرتين.

 

…هذا لا يبشر بالخير أبدًا.

□■□■□

 

سجل البحث ت-011…

 

حسنًا، في الواقع، ليس هذا وقت الحديث مع النفس.

 

كانت فلورنسا، رغم كونها مجرد أنقاض بعد نهاية العالم، قد استقبلت قبل أيام قليلة فقط موجة من اللاجئين الذين حاولوا إعادة إعمار المدينة. كان لديناميس موطئ قدم هناك، بل وحتى كارتل المخدرات الذي يديره أوغستس كان له وجود في المنطقة.

 

لكن اليوم، لم يرَ رايان أي إنسان وهو يسير في شوارع المدينة الخالية. لم يسمع أي صوت.

 

لكنه لم يكن وحده. في كل زاوية من حوله، كانت هناك أشكال بيضاء تملأ المكان.

 

أرانب.

 

دمى قماشية على هيئة أرانب في كل مكان—على الأسطح، فوق الأرض، خلف النوافذ. لم يصدر منها صوت، ولم يتحرك أي منها. كل ما فعلته أنها حدقت في رايان بصمت، كما لو كانت كلها مجرد دُمى مرتبطة بعقل واحد.

 

“حسنًا…” تمتم رايان، “لقد أفسدت كل شيء.”

 

يبدو أن ظهور الطفل قد فعّل نمطًا جديدًا في الكائن. ربما كانت سعادته البريئة هي ما سمح له بالانقسام، أو أنه “استدعى” نسخًا بديلة من نفسه من أكوان أخرى. أياً يكن، فقد بدأت الدمية القماشية تتكاثر.

 

وكما هو شأن الأرانب… تضاعفت أعداد الدمى بوتيرة هائلة. وبحلول الوقت الذي اقتفى فيه رايان أثر الدمية الثانية حتى فلورنسا—بعد نصف أسبوع فقط من حادثة المزرعة—كان الأوان قد فات. لم يكن المسافر عبر الزمن يعلم ما حلّ بسكان المدينة، ولا كان يرغب في أن يعرف.

 

“حسنًا، لقد حكمتُ على البشرية بالفناء من جديد”، قالها المسافر عبر الزمن وهو يطلق تنهيدة طويلة، ثم بدأ يبحث عن حبل ليشنق نفسه به تحت أنظار الأرانب. “لا ينبغي أن أعتاد هذا الأمر…”

□■□■□

 

خلال الحلقة التالية، ذهب رايان إلى النوم مرتاح البال، سعيدًا لأنه تمكن أخيرًا من احتواء تلك الشذوذ الخطير.

 

في النهاية، تخلّص رايان من الدمية القماشية بأن أوقف الزمن وأغلق مفتاحها فور أن أعاد التحميل. صحيح أن الكائن الذي يسكنها بدا أحيانًا وكأنه يتذكر الحلقات السابقة، لكنه ظل، في نهاية المطاف، مقيدًا ببرمجة جسده المضيف… إلى حدٍّ ما.

 

اتضح لاحقًا أن المسرّع قد أحرق مكونات الدمية، وتسبب في إتلاف الكاميرا. لم يعد بمقدور رايان استخراج أي معلومة عن البعد الذي تعرّضت له الدمية، بل إن الروبوت لم يكن يجب أن يعمل أصلًا.

 

فلماذا ظل يتبع برمجته الأصلية رغم تعطل وحدة المعالجة؟

 

حتى رايان نفسه لم يعد يتذكر كيف صنع الدمية في المقام الأول، ونصف أجزائها لم يعد يبدو منطقيًا حين يتأملها عن قرب. كانت وليدة لحظة إلهام عابرة… وولدت وهو عارٍ تمامًا! ربما كان سلوك الدمية ناجمًا عن أجزائها الميكانيكية، أو عن ذلك الكائن الشاذ الذي استوطنها وجعلها مرساة له في الأرض… أو ربما كان السبب مزيجًا غامضًا من الأمرين معًا.

 

تردّد رايان كثيرًا في فكرة تدمير اختراعه، وهو يقدّر حجم التهديد الذي قد يشكّله على العالم بأسره، لكنه في النهاية قرر الاحتفاظ به. فقد يتحول إلى سلاح طريف في حال انعدمت الخيارات، كما أن فضوله لم يتوقف عن التساؤل حول حقيقته.

 

وفوق ذلك، تدمير الدمية ربما يطلق ما يسكن داخلها إلى هذا الواقع—وحتى رايان لم يكن مجنونًا بما يكفي ليجازف بذلك.

 

وفي كل الأحوال، أغمض الموصّل عينيه، يحلم بمغامرات جديدة وبالطريقة التي سيعترف بها بالحقيقة لبراينديد. أما الدمية، فقد اكتفت بالتحديق إليه من فوق منضدة السرير، بلا حراك.

 

لساعات طويلة، لم يتحرك شيء في الغرفة. حتى الأصوات القادمة من ورشة ألكيمو خمدت؛ فقد أنهى العبقري يومه الطويل بلحظة استرخاء، مسترجعًا ذكريات قديمة جمعها قبل اندلاع الحرب.

 

ثم، وفي هدوء يكاد لا يُسمع… انقلب مفتاح الدمية من ‘إيقاف’ إلى ‘تشغيل’.

 

من دون أن تصدر أدنى صوت، قفزت الدمية إلى السرير، وانحنت فوق رايان النائم. كان نوم الموصّل عميقًا بحيث لم يشعر حتى باقتراب ظل الموت منه. راحت الدمية تتأمل خالقها البشري في صمت، تراقب صدره وهو يعلو مع كل نفس.

 

“سأظل دائمًا صديقك،” همست الدمية أخيرًا.

 

رفعت الغطاء برفق لتدفئة رايان، ثم جلست على أقرب وسادة. انتقل المفتاح من وضع التشغيل إلى الإيقاف، وتحوّلت الدمية إلى تمثال بلا حراك.

 

كان بانتظارهما الكثير من المرح معًا…

 

☆☆☆☆☆

 

ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.

 

[1] جينويد: تعني روبوت أو كائن آلي على هيئة أنثى.

 

[2] اختبار تورينغ هو تجربة فكرية وضعها عالم الرياضيات البريطاني آلان تورينغ عام 1950، لقياس قدرة الآلة أو الكمبيوتر على إظهار سلوك ذكي يعادل أو يصعب تمييزه عن سلوك الإنسان.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset