النهاية المثالية: الفصل 36

حفلة الألوان

الفصل 36: حفلة الألوان

 

“متى سيبدأ الصوت؟” سألت لانكا رايان للمرة الثالثة، وقد أسندت مرفقها إلى مكبّر الصوت.

 

“عندما تجدين لي دماغًا آخر،” أجاب رايان بينما يعبث بالجهاز. كان بعض الضيوف قد احتلّوا ساحة الرقص بالفعل، لكن معدات المنزل لم تكن قادرة على دعم حفلة رقص حقيقية. جديا، على كي-جونغ أن تتوقّف عن شراء الأجهزة المنزلية من ديناميس؛ فهي بالكاد تتفوّق على الواردات الصينية القديمة التي سبقت الحروب.

 

في الواقع، هل يُعدّ شراء منتجات العدو شكلًا من أشكال التعاون معه؟

 

“توقّفي عن تشتيت انتباهه،” قالت نارسينا موجّهة حديثها إلى لانكا، مدافعةً عن رايان بحماسة جعلته يُفكّر جديًّا في جعلها مساعدته الشخصية. كانت الجينوم الخضراء منشغلة بزراعة فِطْريات غريبة متوهّجة على الأرض. وقد وعدت بأنها ستُضفي جوًّا خاصًّا على الحفلة الصاخبة، فتركها الموصّل تُطلق العنان لخيالها.

 

رمق كويك سيف ماتياس بنظرة، وكان منهمكًا في الحديث مع فورتونا وبعض أفراد القتلة السبعة. كان قد مضى نصف ساعة على حديثهما، وقد امتلأ المنزل الآن عن آخره بالضيوف.

 

“إذًا، أنتِ متبنّاة؟” سأل رايان نارسينا بصراحة فجّة. “هل عرفتِ يومًا من هم والداكِ الحقيقيّان؟”

 

“رايان!” انهرته لانكا بانزعاج.

 

“كانا من النهّابين،” أجابت نارسينا، وكأنها تتحدّث عن أمرٍ عادي. “قال الأب تورك إنهما كانا قتلة ومغتصبين، وإن أوغستس عاقبهما لأن ذلك كان عدلًا إلهيًّا.”

 

أقسم رايان أنه لمح شاشة التلفاز توشك على التشقّق لوهلة خاطفة. رفع بصره نحو ماتياس، الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة… لكنها كانت على تناقضٍ صارخ مع النظرة الجليدية في عينيه.

 

“آسفة،” قالت لانكا وهي ترمق الموصّل بنظرة حادّة. ولحسن الحظ، كان الانفجار الطاقي خافتًا بما يكفي لتفوتها ملاحظته. “الثرثار هذا لا يملك ذرّة لباقة.”

 

“لا بأس!” أجابت نارسينا بابتسامة لطيفة. “عائلتي الحقيقية هي التي ربّتني. أمي وأبي رائعان، وإخوتي… أروع منهم!”

 

“أنا أيضًا كنت متبنّى، لكن التجربة كانت سيئة،” قال رايان وهو يهزّ كتفيه بلا مبالاة. “أو لنقل… نصفها فقط.”

 

“حقًا؟” رفعت نارسينا رأسها باهتمام، بينما أصغت لانكا في صمت.

 

“قُتل والداي حين اجتاح لصوص منطقتنا لسرقة المؤن،” قال رايان. كان ذلك قبل زمنٍ بعيد، حتى إن الذكرى فقدت معظم أثرها العاطفي. “كنت… في الحادية عشرة، أظن؟ أو ربما الثانية عشرة. ومع ذلك، أصبحتُ شخصًا رائعًا!”

 

“رايان.” اختفى كلّ ما في صوت لانكا من مزاح. “هل كان أولئك اللصوص…”

 

نظر رايان إلى وشم الأفعى على ذراعها — شعار عصابتها السابقة. “أنتِ لم تكوني من بينهم، وكلّهم ماتوا،” أجاب الموصّل وهو يهزّ كتفيه. “تجاوزتُ الأمر.”

 

صمتت لانكا، وعلى وجهها ملامح تفكيرٍ عميق، بينما راحت نارسينا تنظر بينهما بحيرة. ولحسن الحظ، قاطعهم وصول ضيفٍ جديد قبل أن يزداد الموقف حرجًا.

 

كاد رايان لا يتعرّف على فولكان للوهلة الأولى، إذ كانت العبقرية قد اعتنت بمظهرها على غير العادة؛ استبدلت ملابسها المعتادة ببلوزة سوداء بلا أكمام وبنطال، وتركت شعرها ينسدل على كتفيها. ورغم أنها لم تكن من النوع الذي يخطف الأنظار، إلا أن زعيمة الأوغُسْتي بدت رائعة بالفعل.

 

يبدو أنه يملك نقطة ضعف تجاه العبقريات الأقصر منه قامة.

 

“سيريس، سفير،” قالت فولكان بابتسامة جانبية حين لمحت الموصّل. “رايان.”

 

“مرحبًا بأفضل تاجر سلاح في حياتي!” ابتهج رايان، وهو يلوّح بمفكّ. “وصولكِ جاء في التوقيت المثالي.”

 

“دائمًا،” ردّت وهي تضع يدها على خصرها. “قل لي شيئًا لا أعرفه.”

 

“هل لديكِ ما يعزّز قوّة الصوت؟ أحاول ترقيع مكبّرات الصوت، لكن أحتاج إلى طاقة إضافية.”

 

“الآن بدأت تتحدث بلغتي،” قالت فولكان، وراحت تفتّش في جيبها قبل أن تلقي إليه شيئًا أشبه ببطارية بحجم فأرة. “مولّد صغير.”

 

“ولماذا تحملين شيئًا كهذا في جيبك؟” سألت لانكا، حاجبها مرفوع بتعجّب.

 

“لأن هاتفي يملك قدرة تشغيل أقلّ من كسلان،” أجابت العبقرية وهي تهزّ كتفيها، ثم أمسكت بعلبة بيرة من المخزون الخاص بلانكا. “لقد كان يومًا مرهقًا.”

 

“هل قتلتم عصابة الميتا؟” سألت نارسينا قبل أن يتمكّن رايان من النطق.

 

“كاد الأمر يتم، لكن ديناميس سبقونا إليهم. أولئك اللصوص… يسرقون القتلات اللعينة.”

 

“ماذا، حاولوا شراءهم بالمال؟” ضحكت لانكا بسخرية.

 

“بالرصاص والليزر،” ردّت فولكان. “أرسلوا ثلاث فرق مدرّعة، ومعهم كبار المقاتلين مثل ديفيلري وتلك الساقطة وايفرن. انقضّ أولئك النسور على الميتا وفتحوا النار لحظة رؤيتهم.”

 

أوه، هل كان التحالف سينفجر منذ البداية؟ “حسنًا، يبدو أنه كان وقت تصفية الأطراف المعلّقة،” قال رايان.

 

“آدم لم يبدُ متفاجئًا. ضحّى ببضعة رجال، لكنه تمكّن من الهرب… على متن غواصة لعينة.”

 

“غواصة؟” سألت نارسينا فورًا، وقد استعصى عليها مقاومة إغراء المغامرات تحت البحر.

 

“أجل، غواصة لعينـة وعليها شعار ميكرون.”

 

أطفأ اسم ذلك العبقري المرهوب الأجواء المرحة على الفور. راحت لانكا تعبث بسيجارتها، وملامح العبوس ترتسم على وجهها. “هذا لا يبدو مبشّرًا.”

 

“لديّ شعور بأن الوضع أعقد ممّا يبدو عليه،” قالت فولكان، قبل أن ترتشف من بيرتها وتلقي نظرة جانبية على رايان. “استدعيتُ أندر دايفر للتحقيق، بما أنها مختصّة في المطاردات تحت الماء.”

 

راودت رايان فكرة الاتصال بلين، لكنه تردّد في إشراكها الآن. على الأرجح كانت مشغولة برعاية الأيتام جميعًا، ولا حاجة لإضافة المزيد من الضغط على كاهلها.

 

على أيّ حال، وبفضل أداة فولكان، أكمل رايان تعديله ونجح في تضخيم الصوت، محوّلًا مكبّر الصوت المتواضع إلى سلاح دمار شامل. وكأن الفطريّات استجابت لنجاحه، فقد أطلقت فِطريات نارسينا ضبابًا ملوّنًا خافتًا فوق ساحة الرقص، ليتحوّل انتباه الجميع إليها على الفور.

 

استبدل رايان مفكّه بكأسه، ثم تنحنح استعدادًا.

 

“أيّها الفتيان والفتيات!” صرخ الموصّل رافعًا كأسه، وقد دوّى صوته عبر مكبّر الصوت. “مع القوّة العظيمة…تأتي صِفْر مسؤوليّة!”

 

تعالت الهتافات استجابة لإعلانه، بينما راحت لانكا تُشكّل كرات ملوّنة فوق ساحة الرقص، كرة لكلّ نوع من الإكسير. كانت تحوم قرب السقف وتنبض بالطاقة، وتبدأ بالتقلّص تدريجيًّا… فيما تُقدّم عرضًا ضوئيًّا مدهشًا.

 

“كم تدوم؟” سألت فولكان وهي تنظر إلى لانكا، بينما بدأ المزيد من الناس بالاستيلاء على ساحة الرقص، وتحوّلت الموسيقى إلى أغنية سينث ويف جذّابة الإيقاع.

 

“حوالي ساعة… ما لم يلمسها أحد،” أجابت لانكا، قبل أن تلتفت إلى نارسينا. “حيلة رائعة مع الفطريّات. ما وظيفتكِ مرّة أخرى؟”

 

“أعمل في جزيرة إيسكيا،” ردّت المراهقة. “أُساعد الأب تورك في فتح الطريق نحو الجنّة.”

 

“ذلك النوع من الجنّة؟” سأل رايان باهتمام فوري. “هل أنتِ ملاك؟”

 

تلاشت ابتسامة نارسينا قليلًا. “آسفة يا رايان… لا يُفترض بي الحديث عن ذلك.”

 

“أنا فقط أقول إنني لطالما حلمت بأن أبيع المخدّرات لكسب رزقي!” أعلن رايان وهو يلوّح بقبضته بحماس. “بناء كارتل[1] في أمريكا الجنوبية كان دومًا حلم حياتي. وإن كنتم بحاجة إلى ساحر مخدّرات… فأنا أعرف جميع الوصفات الجيّدة. ميث، كوكايين، هيروين، أفيون، لا يهم! فقط أعطوني شاحنة، وسأبدأ الطبخ فورًا.”

 

“أتعرف كيف تُصنّع المخدّرات؟” سألت لانكا وهي تنهي سيجارتها السادسة، “معلومة مفيدة.”

 

حسنًا، لقد قضى رايان… عشرين عامًا؟ على الأقل عشرين عامًا يجرّب كلّ مادة مُسبّبة للإدمان على هذا الكوكب، باستثناء الإكسير، وحين نفدت الخيارات، تعلّم كيف يصنع مخزونه بنفسه. كانت مرحلته كزعيم كارتل مخدّرات ممتعة للغاية في الواقع… حتى لو كانت الجرعة الزائدة الأخيرة سيئة بحق.

 

“أخشى أنّ عليك التخلّي عن حلم الطفولة ذاك، يا رايان.” قالت فولكان بجرأة وهي تضع ذراعها حول كتفه. “لديك الآن عقد عمل حصري… معي.”

 

“ألا يمكننا الاتفاق على علاقة مفتوحة؟” ردّ رايان، ووضع يده بجرأة حول خصرها. نظرت إليه لانكا وكأنها تتوقّع أن يخسر الموصل ذراعه في اللحظة التالية.

 

“لن أجد أحدًا بنصف كفاءتك،” أجابت فولكان، دون أن تُبعد يده. “إذاً… حتى يُفرّقنا الموت.”

 

“هل تتحدثان عن العمل… أم عن شيء آخر؟” مازحت لانكا وهي ترفع حاجبًا.

 

“يمكنه زيارتنا،” قالت نارسينا بحماسة واضحة، وقد بدا شوقها لرؤية رايان مجددًا. “الأب تورك يقول إن المعدّات بحاجة لتحديث، وخصوصًا أنظمة الدفاع.”

 

“باخوس لا يفقه شيئًا في التكنولوجيا،” ردّت فولكان، وقد تحوّلت ضحكتها إلى نفاد صبر. “ثمّ إن لديكم شبحًا لعينا يحرس جزيرتكم الثمينة.”

 

“السيد غايست يقول إنه لا يستطيع أن يكون في كلّ مكان في آنٍ واحد، وقد يصعد إلى السماء في أيّ لحظة.”

 

“من فضلك أيتها الفاتنة؟” سأل رايان متوسّلًا، محاولًا تقليد نظرات قطة صغيرة بأقصى قدر من البراءة.

 

“لا تبدأ،” تمتمت فولكان وهي تدير عينيها، ثم رمقت ساحة الرقص بنظرة. “أتعرف الرقص؟”

 

“إن قلت إنني مذهل، فذلك تواضعٌ منّي.”

 

“فلنختبر هذا الادّعاء، ما رأيك؟”

 

وضع الاثنان كأسَيْهما جانبًا، وانضمّا إلى الأزواج الآخرين على ساحة الرقص. وسرعان ما اتّضح أن فولكان لا تملك خبرةً كبيرة، بينما كان رايان قد أتقن كلّ رقصة عرفتها البشرية، فراح يقودهما بسلاسة عبر الخطوات. حتى ماتياس رقص مع فورتونا، ويبدو أنّ متحكّم الزجاج استمتع بالأمر أكثر ممّا يودّ الاعتراف به.

 

“هل هناك شيء واحد لستَ بارعًا فيه؟” سألت فولكان رايان، وقد شعر بعرقها على أصابعه، وأنفاسها تتسارع.

 

“التزلّج على الجليد.” ضحكت فولكان من الجواب، ولربّما ابتسم رايان بدوره… لولا الإحساس المزعج بأنّ أحدًا يراقبه من بعيد. نظرة خاطفة كانت كافية لتخبره مَن يكون.

 

كانت ليفيا تراقبه من عند البار، ونظرتها تحمل في البداية بعض الدهشة، ثم تحوّلت إلى حيرة. راحت تطرح أسئلة على سبارو الواقفة إلى جوارها، ورغم أنّ رايان يُجيد قراءة الشفاه، إلا أنّ الإضاءة لم تسعفه لفهم شيء.

 

لكن ما تأكّد منه هو أنه جذب انتباه تلك المرأة الغامضة. لا بدّ أنّها شخصيّته الجذّابة، لا أكثر.

 

“انقلع!”

 

توقّف رايان وفولكان عن رقصهما الجامح عندما اخترق صوت جيمي ضجيج الحفلة. كان المبارز قد أمسك بأحد المتحكّمين في النار — والذي كان رايان قد لمح وجوده في وقت سابق من الليلة — من ياقة قميصه، وبدا على وشك أن يرديه قتيلًا. أما الضيف، فكان يحمل بيده بخّاخًا مكسورًا، بداخله سائل أزرق مائل إلى الفسفوريّة.

 

يبدو أن أحد الحمقى تجاهل قواعد جيمي وجلب معه مخدر السعادة إلى الحفلة. أما كي-جونغ…

 

حدّقت تشيتر في المخدّر بوجهٍ شاحب وجسدٍ يرتجف. بدت مشلولة، عاجزة عن النطق، كمدمنة سابقة وجدت نفسها وجهًا لوجه أمام سُمّها الشخصي.

 

كان المخدر يُؤخذ إمّا على هيئة سائل أو غاز، وكان قويًّا بما يكفي ليؤثّر حتى في الجينومات. كما أنه يسبب الإدمان بشكلٍ جنوني — ورايان يمكنه أن يشهد على ذلك بنفسه. لم يستطع قطّ إنهاء أي حلقة بعد تعاطيه، ولم يعثر سوى على وسيلة واحدة للتخلّص من الإدمان… وكانت مؤلمة حدّ الفظاعة.

 

ناهيك عن الآثار الجانبية الخفيّة… والطويلة الأمد.

 

حاول ذلك الأحمق أن يحتجّ، رغم أن ملامح جيمي تنذر بالموت. ولم يكن المنظر جميلًا على الإطلاق، فـرجل العائلة هذا مقاتل ضخم، بجسدٍ يُشبه الدب. صحيحٌ أنه لم يُظهر أي أسلحة ليزرية من يديه، لكن تعابير الغضب القاتم على وجهه أوضحت تمامًا أنه بالكاد يُمسك نفسه. وكان التباين مع طيبته المعتادة يجعل المشهد أكثر صدمة.

 

في الواقع، لم يسبق لرايان أن رآه غاضبًا بهذا الشكل… إلا حين كشف لويجي أمره في بعض الحلقات.

 

“لكن—”

 

“اختفِ من وجهي!” زمجر جيمي وهو يدفع الجينوم إلى الخلف، وقد تحوّل صوته إلى سمّ زعاف. “ولا تجرؤ على العودة مجددًا.”

 

راح الضيف ينظر حوله، محاطًا بنظرات الاحتقار من بقيّة الحضور، ثم تحرّك نحو الباب بوجهٍ مغمور بالخجل وبخّاخه في يده. “هل أنتِ بخير؟” سأل جيمي حبيبته على الفور، وقد ذاب وجهه المخيف ليعود إلى ملامحه الطيّبة المعتادة.

 

“نعم،” أجابت كي-جونغ، رغم أن نبرتها لم تُقنع أحدًا. “أنا بخير… بخير.”

 

وضع جيمي يديه حول خصرها بطريقة حامية، ثم التفت إلى رايان وفولكان عندما اقتربا من الثنائي. “آسف على الفوضى،” اعتذر زانباتو.

 

“بيتك، وقوانينك أنت،” ردّت فولكان، وهي تلقي نظرة نحو مدخل المنزل. “سأتكفّل بتأديب ذلك الأحمق، زانباتو. لك كلمتي.”

 

“شكرًا لك.” نظر جيمي إلى حبيبته القلقة، ثم عاد بنظره إلى رايان.

“أعتقد أننا سننسحب مبكرًا. هل يمكنك أنت ولانكا الاهتمام بالضيوف في غيابنا؟”

 

“أكيد،” قال الموصّل.

 

“وهل يمكنني أن أثق بأنك لن تفعل شيئًا غبيًّا؟” سأله جيمي، رافعًا حاجبًا.

 

“أقسم ألا أشعل أيّ حرائق تحت هذا السقف.”

 

“هذا تحديد غريب بعض الشيء،” علّق جيمي، لكن ذهنه كان منشغلًا بما هو أهم. “فقط… لا تحرق المنزل.”

 

رفع رايان إبهامه بإحدى يديه، فيما شبك أصابع الأخرى خلف ظهره.

صعد جيمي وكي-جونغ إلى الطابق العلوي، تاركَيْن الطابق الأرضي والقاعة الرئيسية للضيوف.

 

“لم أكن أعلم أن تشيتر مدمنة سابقة،” قالت فولكان، وقد فاجأته بنظرتها الثاقبة. “سعيدة لأنني لم أجرّب تلك القاذورات قطّ.”

 

“لا تتعاطَ من بضاعتك،” علّق رايان.

 

“سكارفيس؟” رفعت فولكان حاجبًا، مبتسمةً لرؤية الدهشة على وجهه.

“أشاهد الأفلام أنا أيضًا، كما تعلم. ربّما أريك بعضها يومًا ما.”

 

قبل أن يتمكّنا من العودة إلى ساحة الرقص، اقتربت سبارو منهما.

“كويك سيف.” قالت الحارسة وهي تُنقّي حنجرتها. “الآنسة ليفيا تريد التحدّث إليك.”

 

“عن ماذا؟” سألت فولكان، وقد تحوّلت نبرتها من مرحة إلى جديّة على الفور.

 

“لا أعلم،” أجابت سبارو. “لكن يمكنكِ المجيء إن أردتِ.”

 

تبادل رايان وفولكان نظرة سريعة، ورغم أن العبقرية لم تبدُ مرتاحة على الإطلاق، إلا أنها لم تكن مستعدّة لرفض الطلب أيضًا. من الواضح أن ليفيا تملك نفوذًا داخل المنظمة… أو على الأقل والدها يملكه.

 

كانت ليفيا تنتظرهما عند الطاولة، تعبث بكوكتيل بين يديها. وقفت غريتا وفامب حولها، مشكّلتين طوقًا أمنيًّا يُبقي لها مساحة آمنة وسط الزحام. أما عيناها، فظلّتا مركّزتين على رايان بنظرةٍ تجمع بين الفضول والاهتمام.

 

“هل أنتَ موجود؟” سألت ليفيا رايان، بصوتٍ يفيض بثقة هادئة.

 

“ربما… وربما لا،” أجاب رايان. “هل يمكننا يومًا أن نكون على يقين من أننا موجودون حقًّا؟”

 

“أتعني… هل وجودك مادّي، أم أنك مجرّد هلوسة؟”

 

“حسنًا، الهلوسات الحقيقية لا تتساءل إن كانت حقيقية،” قال رايان. “وهكذا أميّز بينها.”

 

قهقهت ليفيا بخفة، لكن وجه فولكان ظلّ جامدًا كالقناع، لا يُفصح عن شيء، وهي تطرح سؤالها بدورها: “أليس من المفترض أن تعرفي ذلك مسبقًا، يا أميرة؟”

 

“كنتُ لأفعل… لو أن قدرتي تعمل عليه،” أجابت ليفيا. وكان في نبرتها مسحة غريبة من السرور. “لكنها لا تعمل. وبحسب ما تخبرني به، فالرجل الواقف أمامي… لا وجود له.”

 

قطّبت فولكان حاجبيها. “أتعنين… أنكِ لا تستطيعين رؤيته في أيّ كونٍ بديل؟”

 

هاه؟

 

“صحيح، وهذا يُفترض أن يكون مستحيلًا،” تابعت ليفيا، وهي تحدّق في رايان بنظرات يملؤها الفضول الصريح. “اسمي ليفيا أوغُسْتي، أو مينيرفا. هل أنت من الزُرق؟ ربّما من البيض؟”

 

“لا، لستُ سنفورا،” قال رايان. “أنا أقرب إلى لون الفوشيا[2].”

 

“بنفسجي إذًا؟ آه، فلا بدّ أنك كويك سيف. عمّتي تحدّثت عنك.”

 

“تعلمين أنني خالد؟” سألها رايان، وقد سُرّ بكونه صار مشهورًا. “لم أُخبر أحدًا من قبل.”

 

“أنا واثقة من ذلك،” ردّت بابتسامة مشرقة… جعلت رايان يشعر بعدم ارتياح غريب.

 

مهلًا… ليفيا أوغُسْتي؟ من العائلة الحاكمة ذاتها؟ إنها ابنة أخ بلوتو، ولانكا كانت قد قالت إنه يجب أن يخشى والدها…

 

تسارَع نبض رايان فجأة. “من والدك؟” سألها ليتأكّد.

 

اتّسعت ابتسامة الشابة، ثم ألقت نظرة عبر النوافذ… نحو جبل أوغُسْتُس الذي يلوح في الأفق خلفها.

 

 

اللعنة… أوغُسْتُس قادر على الإنجاب!

 

“بوسعي رؤية العوالم البديلة والتفاعل معها،” شرحت ليفيا. “لن أدخلك في كلّ التفاصيل المملّة، لكنني أستطيع رؤية الطُرق المختلفة التي قد تتطوّر بها أيّ حالة… وحتى الأشخاص. لكن، ولسببٍ ما، تفشل قدرتي تمامًا في احتسابك.”

 

إن صحّ ذلك، فلا عجب أنها بدت شديدة الملل من قبل. فإن كانت هذه الأميرة المافيوية قادرة على مراقبة عدّة احتمالات للواقع، فهي على الأرجح كانت تعرف كيف ستنتهي الحفلة… حتى قبل أن تبدأ.

 

حتى دخل رايان المشهد بنفسه. “مثير للاهتمام،” تمتم، مسجّلًا هذه المعلومة في ذهنه لوقتٍ لاحق.

 

“قلتَ إنك تتداخل مع نُسخك في العوالم البديلة،” قالت فولكان لشريكها في الرقص. “ربّما لهذا السبب… قواك تتداخل مع قواها.”

 

حسنًا، باستثناء أن تلك كانت كذبة. ولم يكن بإمكان رايان أن يشاركهم نظريته الحقيقية… دون أن يفضح خدعته.

 

“لا أستطيع كبت فضولي،” اعترفت ليفيا. “حتى غريتا لا تمنعني من رؤيتها إلا حين تستخدم قوّتها عليّ، أما في الأوقات الأخرى فأراها بوضوح. هذه الحالة… هي الأولى من نوعها بالنسبة لي.”

 

“البرتقالة في بيت الدجاج.”

 

قطّبت كلٌّ من فولكان وليفيا حاجبيها، فقالت الأميرة المافيوية: “عذرًا؟”

 

“إن تذكّرتِ هذه الجملة، فهذا يعني أن كلّ شيء على ما يرام،” قال رايان، وهو يلتقط مشروبًا من فوق الطاولة.

 

“سأتأكّد من تذكّرها إذًا،” ردّت ليفيا بلهجة يعلوها التسلية. كلّما طال الحديث، ازدادت ملامح البهجة على وجهها. “يُسعدني أن أختبر كيف تتفاعل قدراتنا، إن لم تمانع. ما زلتُ أستكشف حدودي.”

 

“ما رأيكِ برهان صغير إذًا؟”

 

وضعت ليفيا يدها على خدّها، متأملة اقتراح الموصّل. “رهان؟”

 

“خطرت لي فكرة لإنهاء الحفلة بأسلوب خاص.” رفع رايان سبابته، مرتشفًا من الكوكتيل. “شيء جريء إلى حدّ الجنون، خطير إلى حدّ الغباء، مجنون بما يكفي لأعدكم بأنّه لم يحدث في أيّ كونٍ بديل. شيء سيغضب وايفرن… غضبًا لا يوصف.”

 

رفعت ليفيا حاجبًا بفضول مسلٍّ، بينما بدا أن فولكان على وشك الوقوع في الفخ. “أصغيتُ تمامًا،” قالت الأميرة المافيوية.

 

ابتسم رايان بمكر.

□■□■□■

 

بعد ساعتين، كان رايان يختبئ من وابلٍ من الليزر خلف مكتبٍ في الطابق العشرين من مقرّ ديناميس الرئيسي. يرتدي بذلة أرجوانية جديدة، بينما كانت فولكان، بكامل عتادها المدرّع، منهمكة في تبادل إطلاق النار مع عناصر الأمن الخاص.

 

“رومانو.” وجّه إنريكي مانادا مسدّسه نحو الموصّل، بينما راحت كرومٌ غاضبة تتحرّك لتطوّقه. “ارمِ تلك البذلة الكشميرية فورًا!”

 

آه… ما يفعله من أجل خزانة ملابسه!

 

☆☆☆☆☆

 

ادعوا لإخواننا في فلسطين. اللهم أرنا عجائب قدرتك فى حماية أهل فلسطين وسدد رميهم وانصرهم على الأعداء.

 

[1] الكارتل هو اتحاد غير قانوني بين مجموعات أو عصابات تهدف إلى السيطرة على سوق معين، مثل تجارة المخدرات، من خلال التنسيق على تقليل المنافسة واحتكار الإنتاج أو التوزيع. في سياق المخدرات، يعمل الكارتل على تحديد الأسعار وتوزيع السلع بطريقة تعزز أرباح أعضائه وتضمن نفوذهم في السوق.

 

[2] الفوشيا: لون وردي داكن على لون الزهرة التي تحمل نفس الاسم.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset