النهاية المثالية: الفصل 29

الهيجان

الفصل 29: الهيجان

 

ستّة.

 

أحصى رايان ستّ ضحايا مستقبليّين في الردهة وهو يفتح النار — سارين من بينهم. بعضهم احتمى خلف الطاولات، فيما اندفع آخرون نحوه مباشرة. جميعهم سايكو… وقريبًا، سيكونون جميعًا قتلى.

 

كانت إحداهم امرأة بلا ملامح، مكوّنة من حبرٍ أسود، ذات قوام مثير على نحوٍ مريب. الطلقات اخترقتها بسهولة، لكن عنف الهجوم شلّ حركتها للحظة. أما آخر، فكان رجلًا شاحبًا كالموت، أصلع تمامًا، لا يرتدي سوى سروال أسود. وبرغم مظهره المريض، كان يتمتّع بعضلات سبّاح أولمبي. وعلى عكس رفاقه، لم يلجأ للاختباء، بل راح يتفادى الرصاص بردّات فعل خارقة للطبيعة. السايكو الرابع كان مخلوقًا شبيهًا بالبشر، يرتدي بدلة، دون أي ملامح على وجهه — لا عيون، ولا أذنين، ولا فم. أما الخامس، فكان هجينًا بين إنسان ونمرٍ مرقّط. وعلى عكس رفاقه، تلقّى بضع رصاصات في صدره… لكنه نجا منها.

 

أما السايكو ذات المجسات المتمركزة خلف منصّة المشروبات…

 

لا، لم تكن ذات مجسّات. عند التدقيق، أدرك رايان أن ما ظنّه مجسّات لم يكن سوى أذرع شفّافة من طاقة قرمزية. أحصى الموصل العشرات منها، تحمل رأس امرأة مفصول عن الجسد، ذات ملامح آسيوية وشَعرٍ أسود طويل، مُعلّقًا في الهواء.

 

اسمها؟ غالبًا شيء من نوع… فاكفايس أو ما شابه.

 

“آنسة تشرنوبل، قلتُ لكِ ذات مرّة إنني — مهما حدث — لن آخذك على محمل الجد،” قال رايان، وأطلق النار مجددًا على سارين قبل أن تتمكّن من النهوض، ممزّقًا المزيد من الثقوب في بدلتها. وبسبب قوّتها الهجومية الساحقة، كان عليه أن يقضي عليها أولًا.

 

“تخيّلي ماذا؟! ما زلتُ لا آخذك على محمل الجد!”

 

“سارين، من هذا الأحمق بحق الجحيم؟” سألت المرأة الحبرية، وجسدها يتحوّل من الأسود إلى القرمزي بينما تندفع نحو رايان. وقد ذكّر ذلك الموصل للحظة بـبلَدستريم… وهو ما لم يُعجبه إطلاقًا. “حبيبك السابق؟”

 

“لا أعرف، حسنًا!” احتجّت سارين، وهي تزحف على الأرض باتجاه أقرب باب، بينما تتسرّب أبخرة سامة من الثقوب التي أحدثها رايان في بدلتها. وكان الغاز ينهش جدران المخبأ المعدنية… ويُصدّئها. “إنني أتسرّب!”

 

“قادرة على التحوّل إلى حبر وتغيير لونك؟” سأل رايان، موجّهًا كلامه إلى المرأة الحبرية. “ما اسمك؟ إنكي وينكي[1]؟”

 

“آلة الحبر،” ردّت المرأة وفي صوتها نبرة كرامةٍ مجروحة، قبل أن تحوّل يديها إلى فؤوس، وتهجم على الموصل محاولة قطع رأسه.

 

“أخمن أنكِ لم تكوني كفؤًا لتُسمّي نفسكِ آلة القتل،” سخر رايان منها، وأوقف الزمن لثلاث ثوانٍ كي يتفادى طريقها. وبالنظر إلى طبيعة قدرتها، لم تكن رصاصاته لتجدي معها نفعًا، لذا قرّر أن يركّز على البقيّة أولًا — فالمفاجأة لن تدوم طويلًا.

 

“مُتنقّل آني!” صرخ أحدهم ما إن عاد الزمن إلى مساره.

 

“إنكوغنيتو، انزل وأحضر فرانك! سنجعل هذا الشاذ الجنسي ينام في التراب!” فتحت فاكفايس فمها، ونفثت سيلًا من النيران باتجاه رايان. تفاداه الموصل، فأصاب الهجوم أحد الجدران وأشعل حريقًا معزولًا.

 

“إنه مكان مغلق، أيتها العاهرة الغبية!” زمجر الرجل الشاحب، وهو يلتقط كرات البلياردو المرقّمة ويقذفها نحو رايان بدقّة قاتلة. قد تكون عصابة الميتا تعمل معًا، لكن من الواضح… أنهم لا يملكون أيّ تنسيق، ولا احترام متبادل.

 

أوقف رايان الزمن مجددًا لمدّة خمس ثوانٍ ليتفادى المقذوفات، واغتنم الفرصة ليدوس على سارين، ثمّ يقطع طريق هروبها. وحين لمح الرجلَ عديم الملامح في البدلة — ‘إنكوغنيتو’ — يركض نحو المصعد، أطلق عليه النار من الخلف بخبرةٍ صقلتها حلقات لا تُعدّ ولا تُحصى، تمامًا لحظة استئناف الزمن. أربع رصاصات — اثنتان من المسدس الكهرومغناطيسي — أصابت جمجمته وصدره من الخلف، فانهار الجسد على الأرض.

 

ضربةٌ قاضية!

 

لكن ذخيرة الموصل نفدت، فاضطر إلى رمي سلاحَيه جانبًا. زمجرت فاكفايس واندفعت نحوه طائرة، فيما أذرعها القرمزية المكوّنة من طاقة ذهنيّة تنقضّ على عنقه، بينما حاصَرته إنكي وينكي من الجانب الآخر.

 

فتح رايان معطفه الطويل، كاشفًا عن حزامٍ ناسف يغلّف صدره.

 

وليس من ذاك النوع الصديق للأطفال الذي يستخدمه المجانين عادةً… بل النسخة المخصّصة للبالغين فقط.

 

“ناغاساكي[2]!” صرخ بها وهو يندفع نحو الرأس الطائر كثورٍ هائج يتّجه نحو بقرةٍ في موسم التزاوج.

 

توقّفت فاكفايس عن الهجوم على الفور وتراجعت بخوف، تاركة نفسها مكشوفة. ولم يُفوّت رايان الفرصة — فأهداها التجربة الكاملة لملمس قفازه على وجهها. أرسلها القفّاز طائرةً نحو الجدار، فيما اختفت الأذرع القرمزية تمامًا… ومعها وعيها.

 

“كنت أمزح!” سخر رايان منها. “لا بدّ أن أنطق بكلمة الأمان أولًا.”

 

لكن الأجواء كانت ممتعة للغاية! لم يحن وقت النهاية بعد! ما زال الانفجار باكرًا جدًّا!

 

“ليس متنقل آني،” قال الرجل الشاحب، وهو يقذف المزيد من كرات البلياردو نحو رأس رايان بمهارة مذهلة. وبرغم إحساسه المعزَّز بالتوقيت، اضطرّ الموصل إلى استخدام ومضات قصيرة من إيقاف الزمن لتفادي الطلقات المميتة. ولم تكن إنكي وينكي لتُسهّل عليه الأمور، إذ راحت تلاحقه بيديها المُحوّلتَين إلى فؤوس.

 

“إنه يعبث بإدراكنا، يشلّنا! قدرتي لا تستطيع رؤيته بوضوح!”

 

“أزرق إذًا،” ردّت إنكي وينكي، وهي تدير رأسها نحو الرجل النمر. “راكشاسا، لا تكتفَ بالتحديق! استدعِ التعزيزات!”

 

أطلق الرجل الوحش زئيرًا مدوّيًا، بعدما استعاد شيئًا من عافيته رغم إصاباته بالرصاص. وما إن فعل، حتى ظهرت حوله مخلوقات صغيرة مكسوّة بالفرو في ومضة من ضوءٍ بنفسجي. بدت كأنها وحوش غريملين لطيفة، بشعرٍ طويل، وأسنان حادّة، وعيونٍ بريئة تُذيب القلوب.

 

آه، حان وقت إبادة العفاريت اللطيفة.

 

مدّ رايان يده تحت معطفه ليُخرج سلاحًا جديدًا ويقضي على الجميع، لكن الرجل الشاحب سبقه — فأصابت كرة بلياردو يده، وطارت البندقية إلى زاويةٍ بعيدة في الغرفة. ثمّ حاولت إنكي وينكي أن تفصل رأس المتحكّم بالزمن بذراعها الفأس، ولئن أخطأت، فقد جزّت شيئًا من شعره. وكأنّ الأمر لم يكن سيئًا بما يكفي، حتى اندفع الغريملين نحوه كزمرة فئران مسعورة، فيما سيّدهم يواصل استدعاء المزيد منهم.

 

أوف، لقد تجاوز السايكو صدمتهم الأولى، وراحوا يستعيدون زمام المعركة. وبما أنهم يتفوّقون عددًا على رايان داخل حيّز مغلق، وتعزيزاتهم في طريقها، فعليه أن يحسم الأمر بسرعة.

 

فالظروف اليائسة… تتطلّب تدابير يائسة.

 

“مسابقة فِرَاء، أليس كذلك؟” سأل رايان وهو يُخرج سلاحه السري من معطفه الطويل. “يفترض بي أن أقول إن الأمر ليس شخصيًّا… لكن خمنوا ماذا؟”

 

ضغط على زر التشغيل في الدمية القماشية.

 

“بل هو شخصي.”

 

ثم قذف أداة الرعب وسط أعدائه.

 

كانت فتاة الحبر الأقرب، لذا كانت أوّل من شاهد الدمية. نظرت إليها، فعادت النظرة إليها بعينين زرقاوين صغيرتين… تجسيدٌ للبراءة. راح جسد الدمية يلمع بشرر بنفسجي، تتدفّق الطاقة عبر أطرافها وكسوتها الفروية.

 

لكن آلة الحبر… لم تفهم.

 

ثم انفجرت، إذ انطلق شعاعان قرمزيّان من الدمية، فمزّقا جذعها، ونسفا حائطين خلفها. أما ما تبقّى من جسدها الحِبري، فقد ذاب في بركةٍ على الأرض.

 

“أنا أحبّك!” قالت الدمية بصوتها المُسجّل اللطيف، وقد تحوّلت عيناها الزرقاوان إلى حمراوين قانيتين. ثم التفتت نحو الغريملينات، وأبادتهم بنظرةٍ واحدة وهم يندفعون نحوها. لم يكن ظلّها على الجدران ظلّ أرنب، بل ظلّ شيءٍ أكبر… لا ينتمي إلى هذا العالم.

 

“أحبّك… أحبّك كثيرًا!”

 

ثمّ اندفعت الدمية نحو الرجل النمر بسرعةٍ خارقة، وقفزت على السايكو المذهول. انبثقت سكاكين من كفّها الصغير، فانقضّت على معدته… وشقّت فيها فجوة دامية.

 

“هيا بنا إلى ديزني لاند!” قالت، وهي تغوص في صدر راكشاسا، بينما كان الأخير يتلوّى من الألم، وجسد الدمية يتحرّك داخله.

 

سمع رايان أصواتًا تنبعث من الظلال؛ أصواتًا لا تنتمي إلى هذا العالم. كانت تهمس بتهديداتٍ بالقتل، بلغةٍ غريبة لم يكن يفهم منها سوى القليل. وإن كانت الأمور قد بلغت هذا الحد… فقد يبدأ تأثيرها في الانتشار خارج المخبأ.

 

ولن يزداد الأمر إلا سوءًا مع مرور الوقت.

 

“ما هذا… ما هذا الشيء…” تمتم الرجل الشاحب، يحدّق في الأرنب وهو يشقّ طريقه داخل معدة رفيقه. “ليس أرنبًا… أرى… شيئًا آخر في داخله…”

 

يا للسوء! يبدو أن هذا الشاحب يمتلك قدرة حسّية من نوعٍ ما.

“لا، لا تستخدم قدرتك للنظر إليه،” حذّره رايان، “إنها فكرة سيئة جدًّا، لن تتحمّل شكله الحقيقي—”

 

لكنه لم يُصغِ… ورأى.

 

أطلق الرجل الشاحب صرخة رعبٍ خالصة، إذ اصطدم عقله بحقيقةٍ مروّعة إلى حدّ جعل ما تبقّى من سلامته العقلية يتحطّم كليًّا. التقط عصا البلياردو واندفع نحو رايان وفي ناظريه رغبة في القتل. “أوقفه!”

 

“لا أستطيع، عليك أن ترمي طفلًا عليه أولًا،” سخر رايان، متفاديًا بالكاد ضربةً كانت تستهدف شريانه السباتي. لكنه لم يجد أي فرصة للهجوم، إذ راح السايكو المسعور يحاول طعنه بلا هوادة. “وكلّما كان أصغر، كان أفضل.”

 

كان ذاك الأرنب المحشوّ سيطبع أوّل طفل ما قبل المراهقة يصادفه كـأفضل صديقٍ له على الإطلاق، لكن… حسنًا، ذلك سيحلّ المشكلة عبر خلق أخرى جديدة، أشدّ إثارة للاهتمام.

 

أوقف رايان الزمن، قطع عصا البلياردو بيده إلى نصفين، ثم طعن الرجل الشاحب في عينه اليسرى بطرفها الحاد. صرخ القاتل حين عاد الزمن إلى مجراه، ثم اندفع ليتشابك مع رايان في قتالٍ بالأيدي. لكنّ الموصل تراجع، وقد بات يقلق أكثر من اختراعه… لا من السايكو نفسه.

 

وما إن خرج الجنيّ من القمقم، فلا سبيل لإعادته. ما لم يتمكّن رايان من إطفاء الزرّ على حين غرّة، فلن يكون لديه أيّ وسيلة للسيطرة على ذاك الأرنب القاتل.

 

خرج الأرنب المحشوّ من جثة راكشاسا غارقًا بالدماء، وقد حوّل أمعاءه إلى حبل خنقٍ سميك. ثم قفز على ظهر الرجل الشاحب قبل أن يتمكن من التفاعل، ولفّ الأحشاء حول عنقه، وراح يخنقه بها. تعثّر القاتل وهو يحاول عبثًا أن يزيح الأرنب عن ظهره، يلهث طلبًا للهواء.

 

“دعنا نعانق بعضنا!” قال الأرنب المحشوّ، وقد صار فراؤه الأبيض ملطّخًا بالدم. بدا سعيدًا ومطمئنًا وهو يخنق الرجل الشاحب. “أنا صديقك!”

 

وما كان أسوأ من كلّ ذلك… أن رايان لم يبرمجه على العنف.

 

لقد أحبّ القتل فحسب.

 

باستثناء الرجل الشاحب، لم يتبقَّ أحد على قيد الحياة سوى سارين، لكنها لم تَعُد قادرة على إبقاء الغاز الذي يتكوّن منه جسدها داخل البدلة. بدا المشهد أشبه بشخصٍ ينزف حتى الموت، لكن بدلًا من الدم… كان الغاز يتسرّب. ومن دون أن ينتظر وصول التعزيزات، أو أن يلتفت الأرنب القاتل إليه، اتّجه رايان نحو المصعد، استدعاه، ودخله. لم يكن هناك سوى طابقٍ واحدٍ آخر متاح… في الأسفل.

 

رفع الرجل الشاحب يده نحو رايان، وعيناه تتوسّلان الرحمة، فيما الأرنب القاتل يخنقه بحلقة من الأحشاء وعلى وجهه تعبير من النشوة الصافية. “لِماذا؟” تمكّن من أن يهمس بها بصوتٍ مبحوح، بينما ضغط رايان زرّ النزول. “لِماذا؟”

 

“لأنكم حطّمتم سيارتي،” ردّ رايان، تاركًا الرجل الشاحب يلفظ أنفاسه الأخيرة ميتةً ببطء، بينما أُغلِقت أبواب المصعد عليه.

 

راح النظام ينقله إلى الأسفل، طابقًا بعد طابق، مما جعل رايان يتساءل: إلى أيّ عمقٍ يمتد هذا المخبأ؟… وإلى أيّ حدّ هو واسع؟ هل يغطي كامل مدينة الصدأ؟

 

وأخيرًا، بلغ المصعد وجهته… وانفتحت أبوابه.

 

دخل رايان قاعةً تحت الأرض، جدرانها من معدنٍ أسود سميك. في وسط الغرفة، كان هناك جهاز عرض يُصدر ضوءًا أزرق، إلى جانب تمثالٍ هولوجرافيّ نصفي لـميكرون: رجلٌ مسنّ في السبعين من عمره، جلده مجعّد، شعره أشعث، وله لحية بيضاء. كان المرء ليظنّه من صنف غاندالف أو دمبلدور[3]… لولا تلك الحدّة الباردة في نظراته المجسّدة. وكان في الغرفة بابان مدرّعان على جانبين متقابلين، إلا أن واحدًا فقط منهما كان مفتوحًا.

 

كانت شظايا الروبوتات المحطّمة تغطّي الأرض. بعضها بدا كآليّين من معدنٍ أسود على هيئة بشر، مزوّدين ببنادق ليزر، وبعضها الآخر كان ضخمًا، أشبه بعناكب هجومية مدرّعة. عرف رايان التصاميم فورًا، فقد كانت من صناعة ميكرون — كثيرٌ من هذه الآلات ارتكب مجازر بحق مجتمعاتٍ بأكملها خلال حروب الجينوم. وفي بعض الزوايا، لمح الموصل آثار دمٍ جافّ ونُدَب طحلبية؛ كانت هناك جثثٌ قد تُركت تنزف وتتحلّل في تلك الأركان، قبل أن تُسحب لاحقًا.

 

من الواضح أنّ أفراد الميتا خاضوا معركةً ضارية للسيطرة على هذا الطابق، ولم يكلّفوا أنفسهم عناء إزالة الجثث… سوى جثثهم. على الأرجح، حصدوا منها الإكسير الموجود في دمائهم.

 

“هل من أحد هناك؟” صرخ رايان، لكنه لم يتلقَّ أيّ جواب. وحين تأكّد من أنّ أحدًا لن يفاجئه بهجوم، بدأ يتفقّد الغرفة، ليجد خريطة للمجمّع متمركزة أمام جهاز العرض.

 

كما خشي رايان، كان هذا المجمّع ضخمًا بما يكفي ليغطي معظم مدينة الصدأ، وإن كان يقع عميقًا تحت الأرض إلى درجة لا يمكن الوصول إليه إلا عبر المدخل الرئيسي. الطابق العلوي الذي غادره للتو لم يكن سوى منطقة السكن… وهو الجزء الأصغر من المنشأة. أما البقيّة — والتي بدت محصّنة بشكل أفضل بكثير — فكانت متاهة من الممرّات والغرف، تحمل أسماء مقلقة مكتوبة بلغة البوسنيين.

 

المختبر A وB. منطقة الحجر الصحّي. مصنع النانو-روبوتات. منشأة إنتاج الروبوتات. مخازن الجيش A وB وC. مركز صيانة الروبوتات. مستودع الأسلحة. مخزن الذخيرة. ميدان اختبار الأسلحة. ناسخ المادّة. مركز الاتصالات المدارية. مركز القيادة U.B. نواة المفاعل. المنطقة المحظورة…

 

لم يكن مخبأ للنجاة.

 

بل منشأةً لإنتاج الأسلحة والبحث العلمي.

 

واحدة من منشآت ميكرون.

 

حتى وهو في قبره، لم يتوقّف ذلك المهووس بالعظمة عن ترك الفوضى خلفه. فإن كانت كلّ هذه الروبوتات تحرس المناطق الأقلّ أهميّة… فلا بدّ أن جيشًا كاملًا يرقد في المخازن تحت روما الجديدة. جيشٌ بلا سيّد.

 

سرت قشعريرةٌ في عمود رايان الفقري، حين أدرك أخيرًا خطّة عصابة الميتا.

 

لقد أرسل هؤلاء الأوغاد الناس إلى حتفهم، فقط ليخترقوا أنظمة الدفاع… كل ذلك للوصول إلى مركز القيادة. فلو نجحوا في السيطرة على روبوتات ميكرون، وأيّ أسلحةٍ خلّفها ذلك العبقري، فسيصبح بإمكانهم الاستيلاء على روما الجديدة — أو على الأقل، منافسة الفصائل الأخرى عليها. الواقع أنّ مستودع الأسلحة وحده كفيلٌ بمنح السايكو قوّة نارية هائلة.

 

وبما أنه كرّس ما تبقّى له من وقت لنشر أكبر قدر ممكن من الدمار، اندفع رايان عبر الباب الوحيد المفتوح.

 

شقّ طريقه عبر ممرٍّ طويل، ولاحظ نافذةً كبيرة إلى يمينه. ألقى نظرة من خلالها، ليشاهد ما بدا كمستوصف… من النوع الموجود في المصحّات العقليّة. الغرفة كانت مهجورة منذ سنوات، جدرانها البيضاء فقدت لونها تحت الصدأ، لكن رايان لمح صناديق من الإمدادات الطبية مكدّسة في أحد الأركان. وكان هناك شخصان مقيّدان إلى طاولتي عمليات منفصلتين — رجلٌ وامرأة. ومن البقع على جلديهما، أدرك رايان أنهما مدمنان على مخدر الـسعادة.

 

كان سايشوك منشغلًا باختراق دماغ الرجل، وقد غرس مجسّه السلكي في فمه. أما المرأة، فبدت مخدّرة، تحدّق في الفراغ بعينين خاويتين.

 

رفع السايكو رأسه ما إن دخل رايان إلى المستوصف. “تشيزاري الصغير…” لم يبدُ عليه الخوف أو الدهشة. “من الغريب أن—”

 

“أوماي وا مو شيندييرو.” قاطعه رايان باليابانية.

 

“… ماذا؟”

 

خيبة مؤسفة في آخر كلماته.

 

جمّد الموصل الزمن، وقطع المسافة بينهما في عشر ثوانٍ، ثم وجّه لكمةً مباشرة فور انتهاء التأثير. انفجر رأس سايشوك وسط زخّاتٍ من الدماء وأنسجة الدماغ وسوائل أخرى، فيما راحت أسلاكه تتخبّط بعشوائية. أما السلك المغروز في الأسير، فقد انسحب منه بهدوء، لتتهاوى المجسّات على الأرض كجثّة حبّار.

 

“هل أنت بخير؟” سأل رايان الأسير، وإن لم يتحرّك لفكّ قيوده — فالحلقة الزمنية ستنتهي خلال بضع ساعات على أيّ حال.

 

ردّ الرجل بالارتجاف في مكانه، وشيءٌ ما راح يتحرّك تحت جلده.

جمجمته تغيّرت في الشكل، وتحوّلت عيناه إلى بياضٍ خالص.

 

“هل هذا جزء من أعراض الانسحاب؟” تساءل الموصل.

 

أنقذته ردّات فعله، إذ انبثق مجسٌّ سلكيٌّ من صدر الرجل، وكاد أن يحطّم جمجمته. تراجع رايان بسرعة، فيما بدأت المزيد من الكابلات تتفجّر من الجسد… باستثناء الجمجمة، التي خضعت لتحوّلٍ بيولوجي-آلي.

 

وسرعان ما نهض من جثة المدمن مسخٌ مروّع، مكوَّن من الأسلاك، تحدّق عيناه الباردتان في رايان.

 

“عليّ أن أشكر والدك على هذا.”

 

اتّسعت عينا رايان صدمة، وهو يواجه سايشوك العائد من الموت.

 

“حين ألحق بي تلك الجراح في لقائنا الأخير، وكشف عن قوّته الحقيقيّة، تساءلتُ… ماذا لو كنتُ قد أسأت فهم حدود قدرتي؟ هل يمكن أن تسمح لي بتجاوز الموت نفسه؟”

 

انقضّت مجسّاته على رأس رايان، لكن الموصل استخدم ومضةً سريعة من إيقاف الزمن، وقفز نحو أحد أركان الغرفة.

 

“أنا قادر على ما هو أكثر من قراءة العقول!” صرخ سايشوك وهو يواصل هجومه، وقذف طاولة العمليات نحو الموصل. انخفض رايان لتفادي المقذوف، الذي اصطدم بالجدار خلفه، محاولًا أن يستوعب ما يجري. “أستطيع أن أعيد تشكيل العقول… أعيد توصيل أدمغتهم… أجعلهم أوعية لشيءٍ أعظم. أن أتولّى التحكّم المباشر.”

 

في كلّ مرّة كان يموت فيها، كان سايشوك يمتلك أحد أتباعه الذين عبث بعقولهم. تذكّر رايان المعركة في الميتم… كيف اتّصل السايكو بقوّة برهينته، وكيف لاحظ الأطبّاء أنماطًا دماغيّة شاذّة لديها حتى بعد مصرعه.

 

“لقد حاولتَ فعل ذلك بطفل،” تمتم رايان، وقد اعترته قشعريرة من الرعب.

 

“أيّهم؟”

 

جاء الردّ البارد ليملأ الموصل بالغضب.

 

جمّد رايان الزمن وسحق وجه هذا الوحش عديم الروح إلى عجينةٍ دامية بقفازه، من دون أن يمنحه أدنى فرصة للدفاع. مهما كانت العواقب.

 

وما إن عاد الزمن إلى مجراه، حتى بدأت الأسيرة الثانية تتحوّل هي الأخرى إلى ذلك الشكل البغيض. فأراحها رايان من العذاب بلكمة قاتلة أخرى، مشمئزًّا مما اضطرّ لفعله.

 

“سأقتلك في كل إعادةٍ من الآن فصاعدًا،” توعّد الجينومي الجثّة.

حالما يجد طريقة لتعطيل هذه القدرة المرعبة. إنه بلدستريم من جديد… لكن لحسن الحظ، سايشوك يحتاج إلى أن يموت أوّلًا لتفعيل هذه القدرة. ورغم ذلك، فقد أزعج رايان التشابه بينها وبين نقطة حفظه، وزاد ذلك من إصراره على التخلّص من ذلك المجنون إلى الأبد.

 

اتّجه الموصل نحو الصناديق الطبيّة، وكسرها ليتفقّد محتواها.

وتأكّد شكّه على الفور.

 

إكسير ديناميس المقلَّد.

 

عشرات القوارير. وإن كانت كلّ الصناديق الأخرى تحتوي على المزيد… فقد يكون العدد بالمئات.

 

حسنًا، هذا أكّد الأمر. ما من سرقة بهذا الحجم تمرّ دون أن تتصدّر الأخبار أو تستدعي ضربة انتقامية من ديناميس. آتوم كات كان مُحقًّا — لا بدّ أن أحدًا من داخل الشركة هو من يزوّد الميتا بإكسيرهم… وأسلحتهم… ومعلوماتهم.

 

لكن لماذا؟ هل لتركهم يُضعفون الأوغُسْتي مع الحفاظ على إمكانيّة الإنكار؟ أم لصنع أشرارٍ كي يتمكّن أبطالهم من اعتقالهم لاحقًا؟ أم أنّ الميتا يستكشفون هذا المخبأ نيابةً عن عميلهم… لا من أجل مصالحهم الشخصية؟

 

مَن هو المزوّد؟ إنريكي؟ أم والده هيكتور؟ أم أحد أولئك الذين غسل سايشوك أدمغتهم بتلك القدرة البغيضة؟

 

سمع رايان وقع أقدامٍ ثقيلة قادمة من الممر، فغادر المستوصف بسرعة. كان سايشوك يسير في نهاية الممر، برفقة ميتا جديد… على الطرف المقابل من المدخل. أما الرفيق الجديد، فكان عملاقًا بطول ثلاثة أمتار ونصف — وحشًا شامخًا مصنوعًا بالكامل من فولاذٍ صدئ. الجزء العلوي من جسده أضخم من السفلي، وذراعاه أطول قليلًا من ساقيه. وقد رُسم العلم الأمريكي على صدره. كان يبدو أقرب إلى دبابةٍ بشريّة من أن يُعتبر إنسانًا…. حتى وجهه لم يكن وجهًا، بل قناعٌ معدني يذكّر رايان بأحد شخصيات فيلم حرب النجوم الشهيرة.

 

يا إلهي… كان رايان يعشق حرب النجوم، حتى الأجزاء التمهيدية منها.

لكنه شعر بالامتنان لأن العالم القديم انتهى قبل أن يتمكّن أحد من إنتاج أجزاء مكمّلة لمجرّد الكسب. فحتّى دون أن يراها… كان يعلم في أعماق عظامه أنها ستكون سيئة.

 

“لا فائدة، يا تشيزاري. لديّ مئات الأجساد البديلة في كل مكان.” رمق سايشوك العملاقَ المريع بنظرة جانبية. “فرانك، اقتله، من فضلك.”

 

“حسنًا، سيدي نائب الرئيس،” ردّ بصوتٍ عميق، منحنِيًا ليمرّ عبر الممرّ الضيّق.

 

“سيدي نائب الرئيس؟” تساءل رايان.

 

“نائب رئيس الولايات اللعينة المتحدة الأمريكية — أعظم أمّة على وجه الأرض!” ثم انقضّ العملاق على رايان — يا خرا، كان سريعًا بشكل لا يُصدَّق!

 

لولا قدرته على إيقاف الزمن، لكان رايان قد لقي حتفه — إذ توقّفت قبضة فرانك الهائلة على بُعد إنشٍ واحدٍ من وجهه. تراجع الموصل سريعًا بحركة خلفية، مطلقًا سكاكينه نحو عيني العملاق.

 

وحين عاد الزمن إلى مساره، هوت قبضة فرانك على الأرض بقوةٍ هائلة هزّت الطابق بأسره، مخترقةً المعدن حتى ساعده. أما السكاكين، فقد اخترقت عينيه… حرفيًّا. لكن جسد السايكو امتصّها داخله كما لو كانت جزءًا منه.

 

“بعد الدفعة الأولى، يسمح لي البشر بالدخول من تلقاء أنفسهم. إنهم يرغبون بذلك، يا تشيزاري.” وبينما استغلّ ضيق الممر، راح سايشوك يتدلّى من السقف فوق فرانك مستخدمًا مجسّاته، يتحرّك كعنكبوتٍ بيوميكانيكي.

 

“الناس يريدون أن يكونوا عبيدي. عبء التفكير… عبء الفردانية… إنه يخنقهم. لكن حين أتسلّل إلى أدمغتهم، وأزيل التشتّت لأغرس إرادتي مكانه… يصبحون سعداء بحق. وأنت، في أعماقك… ترغب في ذلك أيضًا.”

 

“أنت إعلان حيّ لوسائل منع الحمل، يا سايساي.” كلّ كلمة ينطق بها كانت أسوأ من سابقتها. قلّما يكره رايان أحدًا حقًّا، لكن سايشوك فاز بالجائزة الكبرى.

 

“سأحرّرك، يا تشيزاري،” ردّ المجنون، بينما كان فرانك قد نجح في تحرير يده من الحفرة التي صنعها. “سأحرّرك… من نفسك.”

 

“تعرف، قتلي لن يكون سوى حلّ مؤقّت!” صرخ رايان، وهو ينتزع قنبلة من تحت معطفه ويقذفها نحوهما. “العلاج النفسي وحده قادر على التعامل مع مشاكلك!”

 

انفجرت القنبلة مباشرة أمام وجه فرانك، مطلقةً عصفًا هائلًا.

 

والنتيجة كانت…

 

لا شيء إطلاقًا. لم يرمش العملاق حتى، فيما كان سايشوك قد احتمى خلف حارسه الشخصي. والأسوأ من ذلك… أن هالة قرمزية أحاطت بجسد فرانك، وبدت هيئته وكأنها نمت بضع بوصات إضافية.

 

“أوه لا…”

 

“بيرل هاربر[4]…” ارتجف فرانك كما لو أنه يعيش نوبة من اضطراب ما بعد الصدمة. “إنها بيرل هاربر من جديد…”

 

“عذرًا؟” سأل رايان، مشوّشًا.

 

“لن أسامح اليابانيّين أبدًا!” زمجر العملاق، رافعًا قبضتيه بغضب وهو يضرب السقف، فاهتزّ الممر كلّه. “لن أسامحهم! أبدًا أبدًا!”

 

وبدأ رايان يدرك لمَ كانوا يلقّبونه بـفرانك المجنون.

 

لكن إن كان بوسعه أن يتجاهل القنابل ويمتصّ المعادن، فليس لدى الموصل أيّ سلاح قادر على إسقاط هذا العملاق. باستثناء القنبلة النووية ربما… لكن من البديهي أن استخدامها سينهي الحلقة فورًا. كان على رايان أن يجد حلًا، وبسرعة.

 

بدأت الأضواء تومض بعشوائية، وتردّدت في الممر خطوات خفيفة.

نظر رايان خلفه بقلق.

 

دخلت دمية الأرنب الممرّ، تحمل فروة رأس الرجل الشاحب، وعيناها تتوهّجان بخبث شرير.

 

☆☆☆☆☆

 

[1] الشخصية البنفسجية من تيلي تابيز.

 

[2] ناغاساكي: قنبلة نووية ألقتها الولايات المتحدة على مدينة ناغاساكي اليابانية في 9 أغسطس 1945، خلال الحرب العالمية الثانية، وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف. كانت ثاني قنبلة ذرية تُستخدم في الحرب، وساهمت في استسلام اليابان وإنهاء الحرب.

 

[3] غاندالف: هو شخصية محورية في ملحمة “سيد الخواتم”. غاندالف هو أحد السحرة الذين يُطلق عليهم “المايا”، وهو حكيم وقوي.

دمبلدور: هو مدير مدرسة هوغوورتس في سلسلة “هاري بوتر” يُعتبر دمبلدور أحد أقوى السحرة في عالم “هاري بوتر”، ويُعرف بحكمته ورؤيته العميقة. هو قائد المقاومة ضد اللورد فولدمورت، وصديق حميم للبطل هاري بوتر.  كلا الشخصيتين يجسدان رمزًا للقوة والحكمة.

 

[4] “بيرل هاربر” هو اسم قاعدة بحرية أمريكية تقع في هاواي، وقد تعرّضت لهجوم مفاجئ من قبل القوات الجوية اليابانية في 7 ديسمبر 1941 خلال الحرب العالمية الثانية. هذا الهجوم دمّر عددًا كبيرًا من السفن والطائرات، وأودى بحياة آلاف الجنود الأمريكيين، وكان السبب المباشر في دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset