الفصل 28: حلقة زمنية إنتحارية
بعد أن دَهَس غول بسيارته في كل حلقة زمنية سابقة، شعر رايان أن الأمر بدأ يفقد نكهته.
لذا، قرّر هذه المرّة أن يدهسه بشاحنة.
لم يجد واحدة يابانية للأسف، لكن تلك التي ‘استعارها’ أدّت الغرض تمامًا، إذ اقتحمت الجدران وطرحت غول أرضًا، مرسِلةً إياه طائرًا نحو الطاولة. هبط رايان من مقعد القيادة، يحمل بيده عصًا سوداء اشتراها من متجرٍ قريب أسفل الشارع.
“غول، هناك أشياء يمكنني تحمّلها، وأشياء لا.” قال رايان، متقدّمًا نحوه. “القتل الجماعي؟ مَه، رأيتُ ما هو أسوأ. خطف الأطفال؟ حسنًا، هذا ما يجعل دمي يغلي. أمّا تحطيم سيارتي ثلاث مرّات؟” هزّ رأسه بأسى. “هذا ما لا يمكنني غفرانه، يا غول.”
“مَن الـ…” تبيّن أن الشاحنة تُحدث أضرارًا تفوق بكثير ما تفعله سيارة بليموث فيوري. بعض عظام غول قد انكسرت من شدّة الاصطدام، وكان بالكاد قادرًا على النهوض. “من بحق الجحيم أنت؟!”
“ترى هذه؟” أشار رايان إلى قبعته. “هذه قبّعتي السحرية العادية. قبعة الفرح.”
ثم رماها بعيدًا، وأخرج من جيبه قبعة أخرى — سوداء، أنيقة، على هيئة وعاء مستدير.
“وهذه… قبعة الحرب.”
وما إن وضعها على رأسه، حتى بدا أكثر رهبةً بكثير.
“أنت تعرفني يا غول،” قال رايان وهو يتقدّم نحوه. “أنا مثال الاتزان والاستقرار النفسي. شخصٌ متكيّف تمامًا مع العالم. لكن الآن وقد ارتديتُ قبعة الحرب؟ أوه، أوه، لا مزيد من دور الرجل الطيّب! سأرتكب اليوم أفعالًا عظيمة… ومروّعة! سيكون يومًا رائعًا!”
“ما الذي تهذي به—”
ضربه رايان على ركبته بالعصا، فسقط السايكو العاجز أرضًا متألّمًا، لا حول له ولا قوّة.
“أيها الساقي! كوب من الـمولوكو بلس[1]!” طلب رايان من رينيسكو المرتعب، ثم وجّه ركلة إلى غول وهو ملقى على الأرض. “سيساعدني على شحذ تركيزي لليلةٍ مجنونة من التخريب العشوائي!”
لأن هذه الحلقة الزمنية… ستكون إسبرسو.
قصيرة، نعم — لكنّها مشحونة.
□■□■□
بعد أن دفع الرشوة لوحدة الأمن الخاص، توجّه رايان إلى مدينة الصدأ، وأوقف سيارته أمام متجر بولي. كان رأس غول وجذعه مُلقَيَين في المقعد الخلفي، بعد أن رمى رايان بقيّة أجزائه في حاوية نفايات. وعلى ما يبدو، كان لدى السايكو صعوبة كبيرة في استخدام قوّته الجليدية من دون أطرافه السفلية والعلوية.
أو ربّما… كان ذلك مجرّد استسلامٍ مكتسب.
“عليّ أن أعترف بشيء،” قال رايان وهو ينظر إلى أسيره في المرآة الداخلية. “كنت أشعر بإحباطٍ مؤخرًا. كلّ ما حدث مع لين أرهقني نفسيًّا، ولا يزال أمامي الكثير لأصلح الأمور معها. كنت تائهًا، بلا مهمة رئيسية، ولا حتى تشتيت يُلهيني… بلا طريق واضح أمامي. لم يكن هناك ما يبدّد مللي… أو رهبتي الوجودية.”
نظر إليه الهيكل العظمي العاجز بخليطٍ من الرعب الشديد والارتباك التام.
“لكنني الآن مرتاح!” قال رايان، وهو يستدير لينظر مباشرة في عيني الهيكل العظمي. “أنا مشحون بالطاقة! في قمّة مستواي من جديد، ولديّ مهمة رئيسية جديدة! أن أُنزِل بسروال عصابتك بأكملها عقوبةً لن ينسوها أبدًا!”
“ما الذي… ما الذي تنوي فعله بي؟” سأل السايكو، والخوف يتزايد في صوته مع كل كلمة يسمعها.
“سنذهب في رحلة إلى أرض السعادة، يا دروغي[2] العزيز!” قبض رايان على جمجمة غول، وجذبها قريبًا من وجهه. “أرض السعادة!”
“النجدة!” صرخ غول بكل ما أوتي من قوة. “أنقذوني!”
لكن… لم يأتِ أحد.
ترجّل رايان من السيارة وهو يحمل عصاه، ثم شقّ طريقه متمايلًا بخفّة نحو متجر بولي. وبما أنّها كانت أولى أيام الحلقة الزمنية، فلم تكن عصابة الميتا قد أجبرت صاحب المتجر على خدمتهم بعد. رفع الرجل عينيه نحو كويك سيف، ثم تحوّل نظره إلى نظرة حادة ما إن تعرّف عليه.
“مرحبًا، بولي، صديقي القديم!” أعلن رايان عن حضوره الذي يستحيل نسيانه. “إنه أنا، كويك سيف!”
“أنت؟” رفع صاحب المتجر قاذفة صواريخه العتيقة في وجه زبونه المستقبلي. “تجرؤ على الظهور هنا؟”
“أجل، أجل، أعلم أنّ بيننا بعض الخلافات، لكن أوه، يا بولي، لديّ عرض لا يُفوَّت!”
ثم ضرب رايان الأرض بطرف عصاه.
“بكم صاروخ فيسهَغَر[3] ذاك؟”
■□■□■
كما اتّضح، ما إن علم بولي بما ينوي رايان فعله… حتى قدّم له قاذفة الصواريخ مجّانًا.
استغرق الأمر ثلاثين دقيقة كي يُنهي رايان التحضيرات. لم تكن تلك أول مرة ينفّذ فيها عملية انتحارية، لذا كان الأمر بالنسبة له مجرّد روتين مُتقَن. لكنه لم يكن ليجرؤ على هذه الحيلة إلا حين لا يواجه جينومًا قادرًا على قتله بشكل دائم. صحيح أن سايشوك كان خطيرًا، لكن رايان كان واثقًا من قدرته على القضاء على ذلك المجنون… أو قتل نفسه قبل أن يتمكّن من اختراق دماغه. فبحسب المعلومات التي جمعها من الحلقات السابقة، لم يكن لدى عصابة الميتا أحدٌ آخر قادرٌ على تهديد الحلقات المقبلة.
بحسب ما عرفه رايان، فإن الظروف كانت مواتية، خصوصًا إن تمكّن من التخلص من أسيد رين في وقتٍ مبكّر. فبما أن عصابة الميتا بالكاد استطاعت الرد حين اجتاحها ثلاثمئة جندي مشاة، فمنطقيًّا… لن يتوقّعوا هجومًا من ذئبٍ منفرد.
فمن ذا الذي قد يكون مجنونًا بما يكفي ليهاجمهم وجهًا لوجه، بلا دعم… وبلا أي فرصة للنجاة؟
“لا تخبر أحدًا،” قال رايان، وهو يقود مباشرة نحو ساحة الخردة، ومعطفه الطويل مُحكم الإغلاق ليُخفي المفاجأة تحته. كانت قاذفة الصواريخ تنتظره على المقعد المجاور، إلى جانب رشاشَين، بينما ارتدى على يديه القفّازين المعدلين. “لكنني… خالِد.”
مقيّدًا إلى مقدّمة السيارة، أطلق غول صرخة رعبٍ حادّة، بينما اندفع رايان عبر شوارع مدينة الصدأ بأقصى سرعة.
بعيدًا عن رغبته في الانتقام لسيارته التي حطّمها الميتا ثلاث مرّات — فبالنسبة لرايان، لا وجود لثأرٍ تافه — كان يرى ببساطة أنّهم يستحقّون الإبادة. لقد اختطفوا الأطفال، ومنهم أيتامٌ كانت لين ترعاهم عن بُعد، واستعبدوا المدنيّين، وقتلوا الأبرياء دون أيّ استفزاز… وأسهموا بكل بساطة في جعل هذا العالم مكانًا أسوأ للعيش. صحيح أن لا ديناميس ولا الأوغُسْتي كانوا مثاليّين، لكن بعض أفرادهم كانوا أُناسًا طيّبين فعلًا.
أما عصابة الميتا؟ فلم يكن الموصل قادرًا على قول الشيء نفسه.
كانت الحلقة الماضية هي القشّة التي قصمت ظهر البعير. هؤلاء السايكو ببساطة أخطر من أن يُتركوا دون رادع، وكان رايان بحاجة لتفقّد ذلك المخبأ الشهير بنفسه. التسلّل لم يكن خيارًا مطروحًا — حسب ما أخبره شراود، فقد فُقِد عنصر المفاجأة منذ زمن — كما أن عصابة الميتا كانت ستنظّم دفاعها بسرعة إن دخلت مجموعة كبيرة إلى أراضيها. أما هجومٌ انتحاري من ذئبٍ منفرد… سريع، وغير متوقَّع؟ فذلك بدا الخيار الأنجح لجمع المعلومات.
وحين اقترب من ساحة الخردة، رفع رايان قناعه للحظة، وابتلع أقراصًا حمراء.
كانت جرعات من رامبيج (الهيجان)، دواء قتاليّ من تصميم عبقري، يُعزّز الأداء في المعركة. يرفع من تحمّل الألم، ويسرّع ردّات الفعل، ويحفّز إنتاج الأدرينالين، كما يسرّع الأيض لمدة أربع ساعات. وكان قويًّا بما يكفي ليؤثّر حتى على الجينومات.
صحيحٌ أن هذا الدواء يجعل من يتناوله يتقيّأ أيامًا متواصلة، ويزيد خطر الإصابة بسكتة دماغية — ولهذا السبب لم يكن رايان يتناوله في الحلقات العادية — لكن، لحسن الحظ، لم تكن تلك مشكلةً في هذه الحلقة.
بعد أن اجتاز الحيّ المتداعي دون أن يعترضه أحد، ظهرَت ساحة الخردة أخيرًا في مرمى نظر رايان. أكوام من السيّارات، جبال من الخردة، ورافعات شاهقة تجاوزت السور المعدني الذي بلغ ارتفاعه ثلاثة أمتار، تعلوه أسلاك شائكة. بدا أن القطع المعدنية قد نُظّمت في تلال متفاوتة الحجم، وكان أكبرها يحتلّ مركز الساحة.
كان هناك إثنين من السايكو يحرسَان مدخل السور. أحدهما مخلوقٌ يشبه السحلية، بهيئة شبه بشريّة، يناهز طوله المترين، تغطّي جسده قشورٌ متعدّدة الألوان. أما الآخر، فكانت امرأة شاحبة، يغمر البياض جسدها بالكامل — من شعرها الطويل إلى وجهها المليء بالتجاعيد، كلّه كان بلون الحليب. لكن ظلّها… كان ظلّ وحشٍ شيطانيٍّ مفترس. تعرّف رايان على المرأة: جيميني، لكنه لم يعرف الصبيّ السحلية.
“غول؟!” صرخ الصبيّ السحلية ما إن لمح السيارة تقترب، واتّسعت عيناه الزاحفيّتان الصفراوان حين أدرك ما يراه.
في المقابل، أطلق رايان صرخة محاربٍ هائج، وضغط على دواسة الوقود: “فالهالااا!”
اختفت جيميني فورًا في ومضة ضوء، لكن الصبيّ السحلية لم يكن بالسرعة نفسها. دهسه رايان مباشرة، وارتطم جسده بقوّة بالسياج القريب مُصدرًا صوت مكتوم، فيما ارتجف جسده تحت صدمة كهربائية.
قاد رايان سيارته داخل متاهة من جدران الخردة، مليئة بالتفرّعات والانعطافات المتشابكة. بدأ مفعول دواء رامبيج يظهر تدريجيًا — تسارع نبضه، وازدادت حواسّه حدّة. وسرعان ما التقى بعددٍ من السايكو الذين كانوا ينبشون في الأنقاض، وكان مونغريل من بينهم. رفع ذاك المتحوّل رأسه بصدمةٍ ما إن لمح رايان يقترب، وكانت أسنانه ما تزال مغروزة في جثة جرذٍ ضخم.
فتح رايان نافذة السيارة، أمسك رشاشًا، وراح يطلق النار على كلّ من يعترض طريقه. أسرع أفراد الميتا ارتموا أرضًا ليتفادوا وابل الرصاص، لكن مونغريل تلقّى الدفعة كاملة في وجهه جزاءً لفضوله، وسقط على ظهره منهارًا.
“كنتُ أظنّ أنّ الحياة بلا معنى، لكنني كنتُ مخطئًا!” صرخ رايان في وجه غول. “ألمُك هو المعنى! تعذيبك… هو سبب وجودي!”
وبينما كان يشقّ طريقه عبر المتاهة بحثًا عن مدخل المخبأ، دوّى صوت أجراسٍ في أرجاء ساحة الخردة. شخصٌ ما… أطلق الإنذار.
وفي اللحظة التالية، شعر رايان بضغطٍ غير مرئي يثقل كتفيه. ذلك الإحساس ذاته… كما في الحلقة الماضية، قبل أن ينهار كل شيء. شعورٌ ثقيل، كما لو أنّ أحدًا ما… يحاكمه.
لاند.
وهكذا تأكّد الشك. كانت عصابة الميتا تستخدم مجنَّدتهم الجديدة كحسّاس بشري، لكن كما خمّن رايان، لم تكن وسيلة التجسّس تلك مثالية. فقد شكّ في قدرة أيّ شخص على مراقبة منطقة شاسعة كمدينة الصدأ… والانتباه لكلّ تفصيل فيها.
أدرك الأمر خلال زيارته لمتجر بولي.
في المرّة الماضية، نصب له البعوضي كمينًا ما إن وصل، لكن هذه المرّة… لم تستقبله أيّ ‘لجنة ترحيب’. ما يعني، على الأرجح، أن وجود غول قرب السيارة جعل الحسّاسة لا تولي اهتمامًا يُذكر بسيارة بليموث فيوري. لا بدّ أنّها ظنّت الوضع مجرّد رحلة عودة عادية — خصوصًا وأن ‘الهيكل العظْمي الأب’ كان قد خرج قبل ساعاتٍ في مهمّة اغتيال.
بدأت جدران الخردة ترتجف، وأخذت تتهاوى قطعها فوق سيارة بليموث فيوري، لكن رايان تفاداها ببراعة قيادة صقلها عبر حلقات لا تُعدّ ولا تُحصى. خمّن أن لاند لا تستطيع التسبّب بزلزالٍ داخل مقرّهم الرئيسي، كما أن تحكّمها بالأرض لم يكن دقيقًا جدًا.
لكنّ غيومًا حمضية بدأت تتشكّل في السماء. رايان كان يتوقّع شيئًا كهذا. فبحسب طبيعة قدرتها، لا تكون أسيد رين فعّالة إلا في الفضاءات المفتوحة، ولهذا أُسنِد إليها على الأرجح الدفاع عن السطح.
بينما كان يشقّ طريقه نحو المركز، راح رايان يرمي القنابل اليدوية خلفه، مُسقطًا أكوام الخردة على الطرقات لقطعها خلفه وإغلاقها. وبعد مطاردةٍ عارمة، وصل أخيرًا إلى برجٍ شاهق يبلغ ارتفاعه عشرين مترًا، مكوَّن من سيارات صدئة، وحطام، وأغراض منزلية كغسّالات الملابس. وكما توقّع، كان أسفل هذا ‘المَعلَم’ قد حُفِر، كاشفًا عن نفقٍ ينحدر إلى أعماق الأرض.
كان البعوضي وأسيد رين يحرسان مدخل النفق، وكانت المرأة المختلّة قد استلّت سكينين بالفعل، استعدادًا للقتال. لكن رايان تجاهلها تمامًا، وركّز انتباهه على البعوضي. وبعد أن فرغ الرشاش من ذخيرته، رماه من النافذة… وانطلق مباشرة نحو الوحش الحشريّ.
رفع البعوضي رأسه، فرأى الموت يقترب، ففرد جناحيه على عجل. لكن ورغم مظهره الذي يُشبه مصّاص الدماء الحقيقي، لم يكن قادرًا على التحرّك أسرع من سيارة تنطلق بسرعة مئتين وأربعين كيلومترًا في الساعة. أمسك رايان قاذفة الصواريخ، فتح الباب… ثم قفز خارج السيارة قبل لحظة الاصطدام.
أطلق غول صرخة أخيرة، فيما سيارة بليموث فيوري اصطدمت بـالبعوضي مباشرة، قبل أن يتمكّن من الطيران.
طَخّ!
ومات البعوضي كما يموت أبناء جنسه… ملتصقًا بزجاج أمامي.
أكملت بليموث فيوري مسارها لترتطم داخل برج الخردة، مُرسِلة أشلاء غول تتطاير في كلّ اتجاه. أمّا رايان، فقد تدحرج على الأرض ونجا، وإن كانت اصطداماته قد مزّقت بعضًا من معطفه الطويل. لو كان إنسانًا عاديًا، لتمزّق جلده بالكامل… لكن بالنسبة لجينوم، كانت الجروح سطحية لا أكثر.
“أنا آسف،” قال رايان معتذرًا لسيارته وهو ينهض على قدميه. كانت بليموث فيوري مدفونة تحت كومة أنقاض، إلى جانب بقايا البعوضي. “سأعوّضك لاحقًا، أعدك!”
“أيها اللصّ المراوغ!” صرخت أسيد رين وهي تندفع نحوه بخفة مذهلة، وسكاكينها مرفوعة. كانت قطرات مطر سامة قد بدأت تتساقط، تلتهم قبعة رايان. “سأُمزّقك إربًا!”
“الواجب. الشرف. الشجاعة.” صوّب رايان قاذفة الصواريخ نحو وجهها الجميل، وضغط على الزناد. “سيمبر فاي[4]!”
انطلق صاروخٌ يحمل وجهًا مبتسمًا مرسومًا عليه، متجهًا مباشرة نحو أسيد رين، التي اختفت في لمح البصر لتظهر فوق جدار من السيارات.
لكن الصاروخ غيّر مساره… وبدأ بملاحقة السايكو.
انتقلت أسيد رين فورًا إلى جدار خردة آخر، لكن صاروخ فيسهغر لاحقها بلا رحمة، بإصرارٍ لا يلين.
ابتهج رايان بالمشهد. كانت تلك فكرته من البداية، بعدما حذّره بولي في إحدى الحلقات السابقة من أن صاروخ فيسهغر قادر على تتبّعه… حتى لو أوقف الزمن. أسيد رين لم تكن تختلف كثيرًا عن كويك سيف في أسلوب القتال — سوى أنها تتنقّل عبر الفضاء، لا الزمن المجمّد.
سيواصل الصاروخ ملاحقتها حتى يُصيـب السايكو… أو ينفد وقوده. وقد يستغرق ذلك عدّة دقائق. وبحلول ذلك الوقت، يكون رايان — على الأرجح — قد دخل المخبأ، حيث غياب المطر سيُبطل قدرة أسيد رين.
ومع ذلك، اندفع رايان بسرعة نحو النفق، قبل أن يتحوّل المطر الحمضي إلى سيلٍ غامر. ألقى قاذفة الصواريخ جانبًا، وأخرج من تحت معطفه مسدسه الكهرومغناطيسي وديزرت إيغل، ممسكًا بكلٍّ منهما في يد.
هبط رايان إلى داخل النفق، فيما كانت النيران تشتعل خلفه في متاهة الخردة. لم يكن يعلم كم من الوقت سيستغرق السايكوز في الخارج لإعادة فتح الطريق بعد أن أسقط بعض الجدران، لكنه كان يعلم جيدًا… أن تطويقه قد يحدث في أي لحظة. لذا عليه أن يُبقي زمام المبادرة بيده — وأن يتبنّى استراتيجية هجومية صرفة.
لكن ما إن توغّل رايان بما يكفي، حتى بدأت جدران التراب من حوله تهتزّ. لا بدّ أن لاند أدركت نيّته، وراحت تحاول سدّ المدخل عبر إسقاطه عليه. وإن كانت قد تردّدت كل هذا الوقت… فهذا يعني أن عددًا من رفاقها لا يزالون في الداخل، ويخاطرون بأن يُدفنوا معه.
“تمامًا ما كنتُ أبحث عنه،” تمتم رايان. “ضحايا!”
وهو يسابق الزمن، وصل رايان بسرعة إلى بابٍ فولاذي ضخم مفتوح، يحمل شعار ميكرون عليه. كان هذا الباب الحصين مصنوعًا من الفولاذ السميك، ويبدو أن وزنه يفوق العشرين طنًّا، ولن يكون في غير محلّه لو وُضع في ملجأ جبل شايان[5] نفسه. من الواضح أن عصابة الميتا قد فتحوه بالقوّة، باستخدام سلاح ليزري من نوعٍ ما، إذ أزالوا المفاصل بالكامل، ووضعوا البوابة جانبًا بمحاذاة المدخل.
كانت هناك وحدة من أربع طائرات درون تابعة لـديناميس تحرس المكان، فانطلقت فورًا نحو رايان بأسلحتها المرفوعة. أوقف الجينوم الزمن، وأطلق على كل واحدة منها باستخدام مسدسه الكهرومغناطيسي. اخترقت المقذوفات الكهرومغناطيسية أجسادها المعدنية بسهولة. وما إن عاد الزمن إلى مساره… حتى انهارت الآلات واحدة تلو الأخرى، وتحوّلت إلى خردة ومسامير متناثرة.
كان رايان يحبّ أن يتحدّى نفسه، لكن أحيانًا… لا بأس في أن تعيش الحياة على الوضع السهل.
اندفع الموصل عبر الباب الحصين قبل أن ينهار النفق خلفه، ودخل ممرًّا معدنيًا طويلًا. وما إن خطا بداخله، حتى اختفى الضغط الخفيّ تمامًا. لأيّ سببٍ كان، لم تكن قدرة لاند تمتدّ إلى داخل هذا القبو. على الأرجح، كانت تحتاج إلى تربة أو أرضٍ طبيعية لتعمل كوسيط لحسّها الاستشعاري. اختبر إيقاف الزمن بسرعة، تحسّبًا لوجود تأثير يعطّل القدرات داخل الملجأ — لكن لحسن الحظ، كانت قدرته تعمل بشكلٍ مثالي.
وكانت هناك نوافذ زجاجية مدعّمة على جانبي الممرّ، تسمح له بإلقاء نظرة على الحظائر الأرضية أسفل ساحة الخردة.
على يساره، كان هناك المِرْكَب الآلي الذي استخدمه سايشوك في الحلقة السابقة، رابضًا فوق منصّة انتظار. لاحظ رايان وجود بابٍ مغلق مضمن في السقف، ربّما ليسمح للروبوت بالصعود بسرعة إلى السطح. أما الحظيرة على يمينه، فاحتوت على نوعٍ من الغواصات المستقبلية، كانت غاطسة جزئيًا في حوضٍ ضخم يُرجّح أنه متصل بالبحر. وكما في غيرها، كان شعار ميكرون مرسومًا على مؤخرة المركبة. وكان هناك عدد من البشر العاديين — مهندسون على الأرجح — يعملون على صيانة كلا المركبتين.
هممم… إذًا فقد كانوا قد استخرجوا هذه المركبات الآلية قبل وصول رايان إلى روما الجديدة. وهذا ما جعل خطّته لتنفيذ هجوم خاطف أكثر تعقيدًا بكثير.
كانت عصابة الميتا قد فتحت كلّ بوابة على طول الطريق بالقوّة، ولم تكلّف نفسها عناء إغلاق أيٍّ منها بعد ذلك. كما أن المسافة كانت كافية لكتم الأصوات القادمة من الخارج، لذا تابع رايان سيره ببساطة، ودخل الغرفة في نهاية الممرّ… دون أن يعترضه أحد.
دخل رايان في النهاية إلى ما يشبه ردهةً واسعة، كانت عصابة الميتا قد حوّلتها إلى منطقة ترفيهية. الغرفة مضاءة جيدًا، وتضمّ مجموعة من وسائل التسلية: طاولة بلياردو، منصّة مشروبات، بل وحتى لعبة مقاتلي الشوارع على جهاز أركيد. وبالنظر إلى عدد الأبواب المنتشرة على الجانبين، بدا أن المكان كان بمثابة غرفة محورية تؤدّي إلى أقسام أخرى؛ كما لمح رايان مصعدًا في الجهة المقابلة من الردهة، يقود إلى طوابق سفلية.
وكان هناك مجموعة من السايكو في الداخل — من بينهم سارين. كانت فتاة البدلة الواقية تمسك عصا البلياردو، وتسدّد كرةً إلى أحد الجيوب، وسط إحباط رفاقها المتحوّلين.
“مهلًا، ما سبب الضجّة في الخار…” بدأت سارين تسأل وهي ترفع رأسها عن طاولة البلياردو، لكن كلماتها انقطعت حين لم تتعرّف على رايان. “…ج؟”
“سارين،” قال رايان وهو يرفع سلاحَيه. “هل لديكِ حبيب؟”
رمقته فتاة البدلة الواقية بنظرة حيرة. “مَن أنت—”
“لا تحطّمي قلبي هكذا!” أطلق عليها رايان رصاصة من ديزرت إيغل في صدرها، دفعتها إلى الخلف من شدّة الارتطام. “قلبي حساس!”
ثم فتح النيران على بقيّة السايكو المذهولين، ضاحكًا كالمجنون.
وبالنسبة لعصابة الميتا… كانت لحظة الرعب قد بدأت لتوّها.
☆☆☆☆☆
[1] مشروب خيالي مستوحى من رواية برتقالة آلية، وقد أصبح رمزًا ثقافيًا للسلوك العنيف المتمرد.
[2] دروغ: كلمة مأخوذة من اللغة الروسية وتعني “صديق”. اشتهرت من خلال رواية برتقالة آلية حيث استخدمت ضمن لغة اصطناعية لتمييز أسلوب حديث الشخصيات. تُستخدم أحيانًا بشكل ساخر أو غريب للدلالة على “رفيق” في سياقات غير معتادة.
[3] فيسهغر: مخلوق خيالي من سلسلة أفلام الفضائي، يشبه العنكبوت، يلتصق بوجه الضحية ليزرع بداخلها جنين كائن فضائي.(أظنني شرحت هذا قبلا، لا أتذكر.)
[4] سيمبر فاي عبارة لاتينية تعني الأوفياء دائما وهي الشعار الشهير لمشاة البحرية الأميركية.
[5] جبل شايان: هو ملجأ عسكري يقع في ولاية كولورادو بالولايات المتحدة، ويُستخدم كمركز قيادة للدفاع الوطني، وكان يُعتبر رمزًا للقوة الأمنية والسرية. يشتهر بتصميمه المحصّن ضد الهجمات النووية.
