النهاية المثالية: الفصل 24

تحول

الفصل 24: تحول

 

كان يومًا مشرقًا جديدًا في روما الجديدة.

 

الشمس تشرق. الرصاص ينطلق. والجرذان… تغني.

 

كان رايان يقف على شرفة شقة جيمي مرتديًا ملابس عادية، وفنجان قهوة في يده اليمنى. رمق بعينيه الجرذان التي تحتلّ المكان؛ جرذان كي-جونغ كانت تمارس تمارين التمدّد مع طلوع الفجر، مستعرضة مستويات مذهلة من المرونة. كانت لطيفة… بالنسبة لقوارض متحوّلة عملاقة.

 

لكن رايان، في قلبه، كان يفضل القطط. وكان في مزاجٍ سيّئ.

 

أمسك بهاتفه المحمول بيده اليسرى، وشغّل مقطعًا موسيقيًا كان قد أعدّه خصيصًا لهذه اللحظة. دوّى في أرجاء الشقة صوت مواء قطط مزعج، كفيل بإثارة الرعب في قلب أي قارض؛ وبالفعل، انتشرت الجرذان مذعورة، واختبأت تحت الأريكة في حالة من الفوضى الهستيرية.

 

“رايان!” صاحت كي-جونغ من المطبخ، وكانت منشغلة بإعداد الإفطار.

“توقّف عن هذا!”

 

“ماذا؟” ردّ ببراءة مصطنعة، فيما الجرذان تنظر إليه وقد أدركت خدعته.

“لا يوجد قانون يمنع الاستماع لموسيقى القطط!”

 

“ولا شيء يمنعني من رميك من فوق الشرفة!”

 

“ما كل هذا الضجيج؟” خرج جيمي من غرفة نومه، لا يرتدي سوى قميصٍ وسروالٍ داخلي. وبدون درعه المعتاد، بدا في نظر رايان كدبّ أشيب يزحف خارج كهفه. وأول ما فعله رجل العصابة أن قبّل حبيبته، ثم انضمّ إلى رايان في الشرفة، يحمل فنجان قهوته الخاص.

 

“لا شيء،” ردّ رايان وهو يخفي هاتفه المحمول. خرجت جرذان كي-جونغ من مخابئها وتجمّعت خلف ظهره، تحدّق فيه بنظرات غاضبة. ورؤية عشرة جرذان مصطفّة بهذه الطريقة قد تُرعب أي إنسان طبيعي— لكن رايان… لم يفعل سوى أن أصدر مواء لها.

 

“أنت لا تُطاق،” علّق جيمي، وهو يرمش بعينيه ببطء بينما يحاول استيعاب الصباح. قفز أحد الجرذان فوق حافة الشرفة، فمدّ الجينوم يده ليداعب رأسه بين الأذنين. “كيف تشعر؟”

 

“في منتهى العبثية والخوخية.”

 

“رايان،” قالها جيمي وهو ينظر إليه مباشرة، “كيف تشعر حقًا؟”

 

هل كان بهذا السوء في إخفاء مشاعره؟ نظر رايان نحو الشمس البعيدة وهي تبعث الدفء شيئًا فشيئًا. “لا أشعر بشيء.”

 

“لا شيء من نوع…”

 

“لا شيء على الإطلاق،” أجاب رايان بزفرة. “أشعر بالفراغ.”

 

في الواقع، وللدقة، كان يشعر كمن انتهت رحلته الطويلة نهاية كارثية. رايان كان يتوق إلى لقاءٍ سعيدٍ يُصلح كل شيء… لكنه لم يجد سوى مزيد من الدموع والحزن. الفراغ كان حالته الطبيعية لسنوات، إلى أن علم بأن لين لا تزال على قيد الحياة— وحينها فقط وُجد له اتجاه. بات لوجوده الأبدي هدفٌ أخيرًا.

 

لكن لين لم ترد رايان في حياتها. بل، في الحقيقة، كانت أكثر تحطّمًا منه.

 

“لكنني معتاد على ذلك،” قال الموصل بتفاؤل. “هذا يعني فقط أن عليّ إيجاد شيء يملأ هذا الفراغ!”

 

حتى خدعة الجرذان تلك… لم تكن سوى محاولة لإلهاء نفسه عن لين.

لقد وجد في الفوضى والمزاح العبثي ملاذًا مرحّبًا به كلّما ساء مزاجه.

فالارتباك يمنحه طاقة، أما التأمّل… فلا يجلب له سوى الركود والضيق.

 

هزّ جيمي رأسه، ثم وجّه نظره نحو ضوء الشمس هو الآخر.

“أنا آسف.”

 

“على ماذا؟”

 

“على الفتاة… آسف لأنها حطّمت قلبك.”

 

“لم أهجر،” اعترض رايان، وقد كان من الواضح أن جيمي فهم الموقف بشكل مختلف تمامًا.

 

“أعرف أن الرفض مؤلم،” قال زانباتو مواسيًا، وهو يغرق أكثر في سوء الفهم. “وهذا طبيعي. يحدث للجميع. ربما لم تكن الفتاة المناسبة لك، أو لعلّ الوقت لم يكن مناسبًا. أنت لا تزال شابًا، وستجد من تستحقك.”

 

رغم أنها كانت مجرد عبارات مواساة فارغة، إلا أن جيمي نجح في جعلها تبدو ملهمة. ربما لأنه كان يحاول بصدق أن يرفع من معنوياته.

 

“الجزء الأسوأ،” قال رايان، وقد سمح لبعض الإحباط بالتسرّب بدلًا من كتمانه، “أنها تتألّم… ولا أعرف بعد كيف أساعدها.”

 

بدت كلمات رايان وكأنها لامست شيئًا في جيمي، ففتح فمه دون أن يتكلم، كأنه يتمرّن على ما سيقوله في رأسه. رمق الجرذان بنظرة سريعة، ثم أمرها بالانصراف. فأطلقت صرخة احتجاج انتقامية في وجه رايان، قبل أن تتجه نحو المطبخ.

 

“تعرف، في أحد الأيام، صادفتُ أنا وصديق قديم امرأةً بلا مأوى، كانت تحت تأثير جرعة زائدة،” بدأ جيمي الحديث بعدما تأكد أن الجرذان بعيدة عن السمع، وصوته يختنق شيئًا فشيئًا. “كانت ستموت لو لم نكن هناك.”

 

رايان لم ينبس ببنت شفة، لكنه شعر بصدق العاطفة التي تسكن صوت جيمي—كانت تخرج من القلب، دون تصنّع.

 

“حتى بعد خروجها من المستشفى، شعرت أنها أصبحت مسؤوليتي. حاولت مساعدتها على استعادة نفسها. كان الأمر صعبًا… صعبًا جدًا. استغرق الأمر شهورًا من التعامل مع الانتكاسات، والعادات السيئة، ومساعدتها في إيجاد عمل… كثير من أصدقائي لم يتفهموا. ظنّوا أنني أضيّع وقتي. قالوا إنها حالة ميؤوس منها. لكن… لكنها لم تكن كذلك. نجح الأمر. كان صعبًا، نعم، لكنها تعافت.”

 

رمق رايان المطبخ بطرف عينه وظلّ كي-جونغ على الأرض.

 

“الناس يحتاجون وقتًا كي يشفوا،” قال جيمي. “ومما سمعته، تلك الفتاة تحمل جروحًا عميقة. لا تستسلم، وابذل جهدك، لكن لا تَقْسُ على نفسك أيضًا.”

 

أومأ رايان برأسه، لكنه لم يعلّق.

 

“تحدثت مع البقية،” أضاف جيمي، وهو يبتلع قهوته دفعة واحدة، دون أن يستمتع بها كما يفعل رايان، “وسنقيم حفلة الخميس القادم في المنزل… للترحيب بك في روما الجديدة.”

 

“هل هي حفلة على طراز هيو هيفنر، أم مجرد حفل ترحيبي ودي؟”

 

“للجينومات فقط، ومعظمهم عزّاب.”

 

“هيو هيفنر إذًا. انتظر… هل تنوي أن تعرضني للبيع؟ هل سأدفع الإيجار بلحمي ودمي؟”

 

“لا تقلق بشأن الإيجار. لكن، كل ما سيجري خلال الحفلة… سيبقى في إطار الحفلة. قد ترى… أشياء غريبة.” وكلما تابع جيمي كلامه، بدا عليه الحرج أكثر فأكثر. “أشياء قد تصدم أغلب الناس. أظنّك منفتح، لكن… لا أعرف إلى أي حدّ.”

 

نظرًا لأن الجينومات يتمتعون بمناعة طبيعية ضد أغلب الأمراض، بما في ذلك الأمراض المنقولة جنسيًا، ولديهم قدرة تحمّل عالية تجاه العقاقير، فقد كان لدى رايان فكرة جيدة عمّا ستؤول إليه الحفلة.

 

“أوه، كما تعلم… دون غرور،” ابتسم الموصل، “لقد رأيت كل شيء.”

 

“حسنًا، ممتاز. القطط ومخدر السعادة ممنوعين، وتساعدنا في التنظيف صباح الغد،” أضاف جيمي بنبرة حازمة. “وأيضًا، مهما حدث… لا تمارس الجنس مع فامب. يمكنك أن تتورّط مع أي أحد، أي أحد، ما عدا هي.”

 

“مسار حب ممنوع؟ كيف لي أن أقاوم؟”

 

“بتذكير نفسك أنها عاهرة شيطانية ستستنزفك حتى الموت إن وقعت بين ذراعيها،” قال جيمي بنفحة امتعاض. “إنها من أسوأ درجات الأخضر.”

 

“ولِمَ دعوتها من الأساس إن كنت لا تحبها؟”

 

“لأنها جزء من فرقة الاغتيال، وتعتبر تجاهلها في الدعوات أمرًا شخصيًا.

صدقني، دعوتهـا تقلّص كمية الدراما.”

 

“وليفيا!” صاحت كي-جونغ من داخل الشقة. “لا تنسَ أن تخبره عن ليفيا!”

 

“وليفيا أيضًا، شكرًا يا عزيزتي!” ردّ جيمي بصوت عالٍ، قبل أن يعيد تركيزه على رايان. “ممنوعة لسبب لا يمكنني الإفصاح عنه حاليًا، لكن ثق بي… إن حاولت الاقتراب منها، ستموت.”

 

من الواضح أن جيمي لا يعرف شيئًا عن علم النفس العكسي[2]، أليس كذلك؟

 

 

لكن الموصل لم يكن في مزاج يسمح بذلك.

 

“أعتقد أنني سأعتذر عن محاولة التوفيق هذه،” قال رايان، وقد سئم من الرومانسية. “خضت نصيبي الكافي من العلاقات العابرة.”

 

“حقًا؟” لم يُخفِ جيمي دهشته. “لم أكن أراك من النوع الذي يعشق السهرات الصاخبة. أو على الأقل… ليس من هذا النوع.”

 

“في مرحلة ما من حياتي، كان شعاري: ‘جرّب الجميع حتى تجد المثالية،'” شرح رايان. “لكن بعد ذلك… صار الأمر رتيبًا وسطحيًا. نفس الشيء، يتكرر مرارًا وتكرارًا.”

 

“أظن… أظن أنني أفهم ما تعنيه.”

 

“وأيضًا، كيف تطلب مني أن أناضل من أجل الحب الحقيقي، ثم تحاول أن تُقرّبني من فتاة أخرى؟”

 

“لا، ما قلته هو: لا تتخلَّ عن مساعدة صديقتك في مواجهة مشاكلها، لكن إن لم تكن مهتمة… فتقبّل الإشارة، وابحث عن رفقة في مكان آخر.” وضع جيمي يده على كتف رايان، يشعّ منه دفء أبويّ غامر. “أعلم أنها قفزة إيمانية، لكنني واثق أنك ستجد في تلك الحفلة شخصًا قادرًا على إسعادك. هذا كل ما أتمناه لك.”

 

استدار رايان نحو الشقة. “كي-جونغ!”

 

“نعم؟!” ردّت وهي منشغلة بتحضير الغداء.

 

“إن لم تتزوّجي هذا الرجل… فسأتزوجه أنا!”

 

“أنا لا أشارك!” ردّت بنبرة جامدة خالية من أي انفعال.

 

“قلت لكما إنكما تشتركان في نفس حسّ الدعابة،” علّق جيمي، واضعًا يده مجددًا على كتف رايان. عاد الجينومان معًا إلى المطبخ، ووضعا أكوابهما الفارغة في الحوض.

 

بحلول ذلك الوقت، كانت كي-جونغ قد أعدّت وجبة فطور وغداء دسمة لها ولرجلها. لكنها كذلك ناولت رايان صندوق طعام. “تفضل،” قالت. “لمنتصف النهار. بيبيمباب، لذا آمل أن يعجبك الأرز والخضار.”

 

“لا بأس، كنت سأشتري شطـ—”

 

“خذه،” أصرّت، وهي تدفع العلبة إلى ذراعيه تقريبًا. “ومعرفةً بفولكان، فلن تدعك تغادر الورشة قبل أن تستنزفك تمامًا.”

 

تبًّا… هؤلاء الناس طيّبون إلى درجة خانقة. كانوا يقتلونه بلُطفهم.

 

وصندوق الغداء تحت ذراعه، استعد رايان للذهاب إلى عمله، لكنه توقف أولًا أمام غرفة لانكا.

 

“الجميلة النائمة؟” طرق المراسل الباب. “إنها الشرطة! استيقظي! ارفعي يديك فوق رأسك!”

 

وصله تأوّه من خلف الباب، تبعته أصوات قناني فارغة تتدحرج على الأرض. “هل أصبحت الساعة الثالثة بعد الظهر؟”

 

“لا.”

 

“إذاً، اغرب عن وجهي.”

 

والآن وقد فكّر في الأمر، تذكّر أنها كانت تسهر حتى وقت متأخر من الليل. على الأرجح، تعمل في نوبات مسائية.

 

بعد أن ارتدى زيّ كويك سيف، خرج رايان من المنزل بخفّة، وضع صندوق الغداء في المقعد الخلفي، ثم قاد سيارة الـبليموث فيوري بعيدًا. حتى في هذا الوقت المبكر، كانت حركة المرور في روما الجديدة جنونية، وتُذكّره بأسوأ ساعات ما قبل الحرب؛ فما إن خرج من الضواحي، حتى وجد نفسه عالقًا في زحمة خانقة. فتح النوافذ، وشغّل الراديو، وأخذ يدندن لنفسه حين سمع لحن النمر الوردي.

 

“تادا، تادا، تادا تادا تادا…” تبا لهنري مانشيني ونغمته العالقة في الدماغ.

 

كان بحاجة إلى أغنية مرِحة… خصوصًا بعد ليلة الأمس.

 

نهاية اللقاء الكارثية ظلت تنهش في داخله طوال المساء، بينما كان يحاول إيجاد طريقةٍ لمساعدة لين على تجاوز ما تعانيه. لكن دون جدوى… أو على الأقل، دون طريقةٍ لا تزيد الطين بلّة. رايان اكتسب، عبر حلقاته الزمنية، فهمًا لا بأس به لطبيعة البشر؛ وصديقته المقرّبة بدت وكأنها قد انكمشت تمامًا داخل قوقعتها، حتى إن محاولة فرض نفسه على حياتها لن تؤدي إلا إلى تفاقم الأمور. كانت بحاجة لأن تمدّ يدها أولًا للآخرين.

 

لكن إن لم تكن يده، فيد من إذًا؟ الأيتام؟ وأين يدخلون في هذه المعادلة؟

 

لقد انتهت مهمّته الرئيسية بكارثة، وبات رايان الآن… لا يعرف ما الذي ينبغي عليه فعله.

 

والآن، بعد أن أنجز هدفه الرئيسي… أو شيئًا قريبًا منه، بوسعه أن يكرّس وقته للمهام الجانبية بدلًا من بدء حلقة زمنية جديدة. لقد وعد عددًا من الأشخاص بطرد الميتا من مدينة الصدأ، وبتفجير المختبر العملاق التابع للأوغُسْتي، وسيفي بوعده.

 

أما بعد ذلك…

 

فهو لا يدري. كان العثور على لين هو المحرك الأساسي لوجوده في الفترة الأخيرة، استراحةً مرحّبًا بها في وسط تيهه العشوائي الخالي من المعنى. وإن لم يتمكن من مساعدتها، فـ…

 

لا، لا يمكنه أن يسمح لنفسه بالتفكير بهذه الطريقة. لا بد أن هناك حلًا، هو فقط يحتاج إلى الوقت ليكتشفه.

 

“لا تلتفت.”

 

استدار رايان نحو المقعد الخلفي، لكنه لم يرَ أحدًا. “العملاق الأخضر في الحديقة،” قال. “العملاق الأخضر في الحديقة.”

 

لا جواب.

 

“كان من المفترض أن ترد بكلمة سر،” علّق رايان وهو يعيد نظره إلى الطريق. “ماذا لو كنتُ مبدّلَ هيئة؟ كنت لتفضح نفسك. بصراحة، عليك ترك الأعمال الحقيقية للمحترفين.”

 

“البرتقالة في بيت الدجاج؟”

 

“أرأيت؟ بدأت تتعلّم.”

 

“كيف كان لقاؤك مع لين سابينو؟” سأل شراود، وكان جالسًا بوضوح في المقعد الخلفي وهو غير مرئي. تساءل رايان إن كان قد انتظر طوال الصباح فقط ليُفاجئه عند خروجه إلى العمل.

 

“هل كنت تتجسّس؟” تنهد رايان. “لم يكن اللقاء رائعًا تمامًا، لكنني تعاملت مع الأمر ببراعة!”

 

“أنا ممتنّ لأنك لم تُفشِ أمري بعد أن أنجزت هدفك،” ردّ شراود، متجاهلًا السؤال تمامًا. “هذا يجعلني أثق بك… قليلًا أكثر.”

 

“هل هناك سبب حقيقي لزيارتك، أم أنك تخيف الناس لمجرد المبدأ؟”

 

“أنت طلبت مني أن أوافيك بآخر أخبار عصابة الميتا، وأنت بدورك من المفترض أن تبلغني بتقدّم الأمور من جهتك.”

 

“ألا يفترض بك أن تعرف بالفعل؟” سأل رايان، شبه متأكد أن هذا الأحمق غير المرئي قد راقبه عن كثب طيلة الوقت. “أنا داخل.”

 

“لقد تسلّلت إلى الأوغُسْتي، لكن ليس إلى القسم الصحيح من المنظمة،” قال رجل الزجاج. “باخوس هو من يقود قسم المخدّرات، لا فولكان.”

 

“الطريق نحو إتمام المهمّات غالبًا ما يمرّ بمنعطفات وتعرّجات،” ردّ رايان رافعًا إصبعه، وكأنه يُلقي حكمة خالدة. “أحيانًا، عليك فقط أن تنتظر اللحظة المناسبة.”

 

“مثل حفلتك؟” تأمّل شراود. “سأنتظر أكثر… لكن الصفقة لاغية إن لم يتحقّق تقدّم حقيقي.”

 

يا له من مُتسلّل… لم يكن بارعًا جدًا في إخفاء تهديداته المقنّعة. “وماذا عن أصدقائنا السايكو؟” غيّر رايان الموضوع. “هل نظّفت القمامة أخيرًا؟”

 

“يبدو أن لديهم حسّاسًا، أو نظام إنذار، أو ربما متنبّئًا،” تنهد شراود. “في كل مرة أقترب فيها من ساحة الخردة، يرسلون أحد الثقلاء لمطاردتي. لا التخفّي نفع، ولا التنكّر.”

 

“حسنًا، إذًا لا مهام تسلّل. ماذا بعد؟”

 

“سايشوك.”

 

“ألم تتعامل معه من قبل؟” سأل رايان، متذكرًا رسالته السابقة.

 

“بلى. أكثر من مرة.”

 

نظر رايان إلى إشارة المرور. “المتجددون مزعجون، أليس كذلك؟”

 

“بلى.” ثم أسقط الأحمق غير المرئي القنبلة: “لكن المكرّرين أشد إزعاجًا.”

 

رايان لم يتحرك قيد أنملة.

 

“حاولت القبض عليه في دار الأيتام،” شرح شراود، “لكنه فضّل أن يقتل نفسه على أن يُؤخذ أسيرًا.”

 

مستحيل. الشيء الوحيد الذي يضاهي إدمان السيكوز في قوّته هو غريزتهم في البقاء. خصوصًا القدامى منهم مثل سايشوك، الذي نجا لأكثر من عقد من الزمن. إلا إذا…

 

“قلت إنهم أرسلوا من يطاردك من العيار الثقيل،” خمّن رايان. “ومن بينهم؟”

 

“من بينهم سايشوك، رغم أن بقاياه الأصلية لا تزال بحوزتي.” بدا حاجب شْراود مرئيًا للحظة، عاكسًا ضوء الفجر. “يجب أن تذكّرك هذه الحالة بشخص آخر.”

 

بلَدستريم.

 

كان والد لِن يمتلك قدرة استنساخ بغيضة إلى حد لا يُحتمل، كما كانت فعّالة على نحوٍ مرعب. جعلته تلك القدرة عصيًا على الهزيمة لسنوات، إلى أن تعقّب الكرنفال كل نسخه واحدةً تلو الأخرى، وتمكّنوا أخيرًا من منعه من الإستنساخ مجددًا. سايشوك كان قد شهد تلك القدرة عن كثب… فهل تكون قد ألهمته؟

 

“إن كانت قدرته على الاستنساخ تعمل بالطريقة ذاتها التي كانت تعمل بها قدرة بلدستريم…” تلاشى صوت رايان، وقد شدّ قبضته على عجلة القيادة. “فسأعتبر الأمر إهانة شخصية.”

 

“لا يمكنني تأكيد ذلك،” أجاب شراود. “لكنني رأيت أن من واجبي إبلاغك. وإن حصلت على أي معلومات جديدة، فأخبرني.”

 

“أو أرسل لك الأشلاء،” ردّ رايان ببرود. “هل هناك شيء آخر؟”

 

“باخوس، المعروف أيضًا باسم أندرياس تورك، ينتمي إلى الزُرق،” شرح شراود. “يستطيع أن يُدخل الآخرين في نوبات من الهلوسات والرؤى، رغم أني لا أعلم ما الذي يُفعّل قدرته تحديدًا. عليك أن تتعامل معه بحذر. لا أملك الكثير من المعلومات عنه، سوى كونه كاهنًا سابقًا مُفصولًا من الكنيسة. نادرًا ما يغادر المختبر الرئيسي، إلا عند زيارة أوغستس. إن أردت الدخول إلى قسمه، فعليك أن تصل إليه عبر وسيط.”

 

“رائع، مهمة متسلسلة جديدة. وأفترض أنني لن أحصل على مكافأة مقابلها؟”

 

لم يأته أي جواب. استدار الموصل إلى الخلف، مدّ يده إلى المقعد الخلفي، ولم يشعر بشيء… لا بطاقة، ولا أثر.

 

مهلا.

 

ذلك الوغد سرق علبة الغداء!

 

☆☆☆☆☆

 

[1] علم النفس العكسي هو أسلوب يُستخدم لإقناع أحدهم للقيام بسلوك ما عن طريق تأييد العكس تماما.

النهاية المثالية

النهاية المثالية

Status: Ongoing
قصة النهاية المثالية: تدور أحداث الرواية حول رايان رومانو الملقب ب"الحفظ السريع"، مغامر يمتلك القدرة على إنشاء نقاط حفظ في الزمن، مما يسمح له بالعودة إلى الحياة بعد الموت. عند وصوله إلى "روما الجديدة"، العاصمة الفوضوية لأوروبا المعاد بناؤها، يجد المدينة ممزقة بين شركات عملاقة، أبطال مدعومين، مجرمين ذوي قوى خارقة، ووحوش حقيقية. يسعى رايان لتحقيق "نهايته المثالية" من خلال تجربة أدوار مختلفة، من البطل إلى الشرير، مما يجعله يتعلم دروسًا قيمة حول القوة والاختيار.

Comment

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

ممنوع نسخ المحتوى

Options

not work with dark mode
Reset